مختارات من:

كلمات الصمت

أمين الباشا

سمعت كلامًا آتيًا من بعيد.. لكني لم أفهم محتواه، بقيت أنصت، الأصوات تصل إليّ دون أن أدعوها. لا تستطيع أن تدعو صوتًا، الصوت أصمّ. يأتي إليك إن رغبت بذلك أو إن لم ترد.

اذهب إلى الصحراء، الصمت منتشر في كل أرجائها، حاول أن تلتقط صوتًا لإنسان أو لحيوان، وكلاهما سواسية في الصوت وفي غير ذلك.

لن تسمع منهما حسًا، لأن الصمت مخيّم، هذا لا يعني أن جمالاً وناسًا يمرون في الصحراء وينصبون خيامهم، ويبقون أيامًا وليالي فيها، كما أن في بعض الليالي ترى وتسمع أنغام مزمار تحكي عن عشق، عن ليلى، الفتاة التي صار اسمها رديفًا للعشق والهيام. شعراء، قالوا فيها قصائد.. اذكر بيتًا من قصيدة أحببتها وغنّيتها منذ زمن بعيد، مازلت أشعر بها، ومازال شعور شبابي لا يشوبه شائب، لهذا فأنا أردده الآن، كلما زاد بي الشوق إلى أيام الصبا التي أتكمّش بذكراها.


«غِرتِ ليلى من المها
والمها منكِ لم تغرْ
لست كالبيد لا ولا
قمرَ البيد كالقمرْ»


كأن لكل بقعة من الأرض قمرًا، وللبيداء قمرها الخاص الذي إن غابت الأقمار، بقي ساطعًا في قلوب العشّاق والشعراء. حاول أن تسمع صوتًا من الصمت، لن تسمع سوى الصمت، هو أكثر بلاغة من الكلام، الكلام إن كان غايته الكلام، فهو مضنٍ، يضج في الآذان والقلوب حتى الهلاك.

حاول أن تسمع الصمت، هو أجمل الأصوات، هو لحن المشاعر.. هو نفسك.. هو أنت.. ومن يسمع صوته بعد أن يختار كلمات وجملاً، يكون قد وصل إلى بادية مغطاة بأزهارٍ لوّحتها الشمس ولوّنتها، ترفرف عليها فراشات ربيع فيه كل الفصول.

حاول أن تكون محاطًا بناس لا تعرف أفواههم أن تنغلق، مخرجة كلمات وأصواتًا مبهمة وفارغة بمعانيها وبشعة في ألفاظها، حاول ذلك، إن كنت في صحبة أولئك، وبقيت على حالك الطبيعية، ولم تتغير تعابير وجهك، ولم يتبدّل لون جلدك، فأنت منهم، وما عليك سوى البقاء معهم وتبتعد عندئذ عن الفنانين والشعراء وذوي الإحساس الرقيق وعن محبّي الجمال في الشكل واللحن والمعاني التي تحكي عن كل ما يتمناه الإنسان من أصوات جميلة وأشكال بديعة، ناس لا يتفوّهون إلا بالحقيقة، ولا يرون إلا الجمال والحق والخير ومنهم مَن يعشق الفوضى والبشاعة.

هذا لا يعني أن الفنان، رسامًا كان أو موسيقيًا أو شاعرًا أديبًا، هو من الشعب المختار من الطبيعة، لأن يكون الجمال ملكًا له، الناس في أعماقها جوانب مختلفة، منهم الرافض للبشاعة والفوضى، مختارًا نظام الجمال، يعمل له ويعمل به محاولاً المشاركة في عملية الخلق، خلق الأعمال التي تُدعى أعمالاً فنية، ومنهم من لا يشعر بما يحيط بالطبيعة من جمال.

حاول أن تكون من هؤلاء، من تلك الفئة من الناس التي تحسّ بجمال الأشياء والطبيعة، فيخلقون طبيعة بهم هي تعبيرهم عن ذواتهم بأشكال وألوان وأنغام وشعر، تشترك كلّها مع الطبيعة لتجعل من الحياة أجمل من الحياة.

أمين الباشا مجلة العربي مايو 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016