مختارات من:

كاتب القصص

فاضل السباعي

أكتب إليك اليوم يا صديقي، وأنا الذي لطالما تلقّيت منك ما تخطّه أناملك السخيّة من قصص منمّقة ونصوص معمّقة، دأبت على تزويدي بكل، واحدة منها فور فراغك من كتابتها، فأتلقاها وعبق الإبداع يفوح منها. وكنت أحدّثك، ويعذّب بيننا الحديث، عن مدى اهتمامنا بأدبك نحن أفراد الأسرة، الأب والأم والابنين اللذين تخرّجا حديثًا في الجامعة، وقد حرصنا على أن نغرس فيهما حب المطالعة الأدبية، فمقفرة الحياة بالعلم - كما رأيناها - دون أدب يطرّيها ويُدوَّر زواياها.

كنّا إذا تأخّر، يا صديق العمر، ما يصل إلينا من زادك الذي تثري به الأدب، هتفنا إليك، أنا أو زوجة أخيك، أو سعيت إليك برفقة أحد الابنين أو كليهما، نسألك عن الجديد مما أبدعت، فكنّا نسمع منك: «قد فرغت اليوم من كتابة قصة هي الآن على شاشة الكمبيوتر في تجربتها الطباعية الأخيرة»، وتتهمّم بسحب نسخة منها لنا، أو تقول: «أكتب أسطرها الأخيرة»، أو: «قد بدأت اليوم بكتابة قصة، لبثت فكرتها تُؤرّقني كذا وكذا من الأيام.. أو الأسابيع.. أو السنين..إلخ»، فيدخلنا حديثك الممتع دنيا الإبداع ونحن لا ندري، أو ندري.

وعندما تصل القصة إلينا، لم نكن نتحلّق لقراءتها، ولا نختلف حول من يستمتع بقراءتها أولاً. فكنت أنا الأب، الأستاذ بكلية العلوم أول من تُتيح له الأسرة القراءة، تلي أمُّ الولدين الأستاذة بالكلية ذاتها «وأنت تعلم أنها كانت يومًا من طالباتي، وقد حبّب إلينا الزواج أننا مولعون بالمطالعة الأدبية ولسنا ندّعي موهبة الكتابة».. أقول: بعد الوالدين يأتي دور الابن البكر «فريد» (سمّيناه باسم الموسيقار الذي يعجبنا عزفه على العود»، ثم «فريدة» (باسم آخر ملكات مصر، مطلّقة فاروق، التي كانت تمارس الفنون التشكيلية)، وبعد هذه القراءة «الرباعية» نتحلق في جلسة، ونحلّق في تبيان جمالات النص وما لمسناه من المعاني والمغازي، ثم يدلي برأيه أصغرنا، فريدة خريجة كلية الاقتصاد، فالطبيب الشاب فريد، ثم الأم، انتهاء بالأب «عميد العلوم سابقًا». نتناقش طويلاً، ولا نختلف في ذلك إلا قليلاً.

لم نختلف في الرأي، لكن فاتنا، مرة، أن نضع أيدينا على مغزى قصة مما تلقينا. وقد سألتني في ذلك عند أول لقاء، مهتمًا؟ فغمغمت بأنها جميلة، وأنك برعت في سردها على «لسان النبات» («الكباد»، الذي تتألق ثمراته الصفر بين أغصان الشجر في بيوت الشام)، فجاءني تعليقك تختصره كلمة في سؤال: «فقط؟!» أفحمتني جدًا، وأدركت لحظتها أن القصة كانت - ولا ريب - مفعمة بالرموز، التي فاتني كما فات أفراد الأسرة وضع اليد عليها، ولم أدعك تفسّر أو «تقرّع»، وغادرتك مسرعًا إلى بيتي.

طلبت، لدى دخولي إلى البيت، من أختك «أم فريد»، الأوراق التي تهجع فيها القصة، فأتتني بها وهي فاغرة فاها. دخلت مهجع الزوجية، مسقطًا لسان القفل على الباب، وأكببت قارئًا، حتى تأتّى لي أن أفهم كل شيء. لما خرجت رأيت زوجتي وراء الباب، لم تسألني، بل انتزعت الأوراق من يدي، وأسقطت لسان القفل عليها، وتم بذلك إقفال ألسنة أهل البيت، ثم أخذ القصة فريد وبعده فريدة.

وقد حدّثتك فيما بعد عن ذلك، فضحكت، وضحكنا، وأنت تُقّرعنا بعباراتك المرحة: «في المرات المقبلة تفهمون المغزى من أول قراءة، وإلاّ حجبت عنكم أدبي.. لا أريد تقاعسًا!»، ونحن نتظاهر بالخوف من هذا الوعيد اللطيف!

ولكن بدا أنّ غياب مغزى القصة عنا قد وقع مثله للمسئول عن تقويم النصوص في أشهر المجلات وراء الحدود، التي جريت على تزويدها بقصصك، فقد بلغك أن هذا المسئول رآها «تنحو نحو المقالة»، مما دعاه إلى العزوف عن نشرها. واتفق أن إحدى الجامعات العربية كانت تتهيأ في تلك الآونة لإصدار مجلة «أكاديمية» فصلية، فاتصلوا بك لتزوّدهم على وجه السرعة بقصة مما يخطّ بنانُك، ثم بدا أن هذه المجلة قرأتها بتؤدة جعلتهم يدركون المغزى، مما دعاهم إلى أن يتهيبوا نشرها، درءًا لما قد يسببه ذلك لهم من متاعب وهم بصدد إصدار أول الأعداد من مجلتهم الرصينة. وعندئذ عدت إلى المجلة الأولى، متلمسًا من مقيّم النصوص أن يعيد قراءتها، فإن ما في القصة من المغازي يمحو ما ظنوه فيها من «نحو أو انتحاء باتجاه المقالة»، ووعدتهم، أو «توعدّتهم»، بأنك ستعيد الاتصال لمناقشتهم الرأي. فلما اتصلت، وهممت بالكلام، قاطعوك: «قد فهمناها، وسوف تظهر في العدد المقبل». والطريف أيضًا أن يأتيك من المجلة «الأكاديمية» في اليوم التالي أنهم بعد إعمال الفكر قرروا تحمّل تبعة النشر، فأجبتهم: «قد فات الأوان»..أرأيت؟ إنها «قصة إشكالية» بكل معنى الكلمة، مما ينفي العتب علينا.

ومما أحرص على ذكره، في هذه الرسالة، التي أراني مطمئنًا إلى أنها سوف تبقى في محفوظاتك فلا تمتد إليها يد رعناء، أن صلتي الوثيقة بك التي تعود إلى عهد الطفولة، وقراءتي لقصصك أنا والأسرة، قد زيّنتا لي أن أجاريك في فنك الأثير، فأقتحم عالمك الإبداعي - غير مزاحم - بأن أكتب قصة من وحي حادثة حميمة ألمت بالأسرة. وقد أعجبك ما خلته قصة، ولكنك قلت لي قولة «معلم»: «كان الأولى أن تُكتب بطريقة مختلفة»، وما كان لي أن أفهم المعنى في هذه العبارة الغامضة. ثم كان من لطف شمائلك أنك أعدت كتابة «قصتي» بتلك «الطريقة المختلفة»، بأسلوبك الذي برعت فيه، فطغى الإعجاب عندنا بالقصة في وضعها الجديد على اعتزازي بما سطّرته أناملي غير الذهبية، ثم كان أن تبرّعت بأن قدّمت القصة للنشر، فظهرت على صفحات المجلة التي اعتدت الكتابة فيها، تشغل خمس صفحات.

وقد لاحظنا أن الناس أعجبوا بالقصة شكلاً ومضمونًا، وعجبوا من أن تظهر موهبة القص عندي وأنا في سني المتقدمة، وأما أنت، يا صديقي، فقد جعلت تمازحني فتدّعي أنهم «يتقوّلون بأن الفن في قصتك، وأن مفرداتها، تشابه ما يتسم به أدب صديقك»، تعني نفسك. وإذا كان فعلك في الصياغة وفي النشر قد أفرحني، فإن قولك أمضّني قليلاً: فأما الفرح فلأنك وضعتني في مصاف الأدباء «المعتبرين»، وأما المضض فهو غمزك الذي دأبت عليه. وقد هوّنت الأم والولدان الأمر عليّ بالقول بأن «صديقك الحميم، خفيف الظل، مزّاح».

قصصك عندنا، ياصديق الطفولة والفتوّة والشباب والكهولة والشيخوخة البيضاء، هذا الزاد الذي تتغذّى به الأسرة في جيلَيها، كانت تتجمّع عندنا، قصة بعد قصة، على مدى الأعوام، نضعها في ركن ركين من مكتبة في صالة البيت، نتملّى النظر إليها كلما مررنا بقربها، وكثيرًا ما استعدنا قراءة بعضها وكتبنا الملاحظات في هوامشها.

وماذا أقول بعد؟

ذات يوم سألتني، يا صديقي، أن «أعيرك» أوراق إحدى قصصك، «الشمس تشرق شاحبة»، ذلك أن الملف الخاص بها قد «انمسح» في جهاز الكمبيوتر عندك، فافتقدت نصّها منضّدًا، وكنت - مع كل التنظيم الذي تأخذ نفسك به في حياتك الأدبية - قد افتقدت أيضًا، لكن إلى حين، «الإضبارة» الخاصة بهذه القصة، والتي تنطوي على كل ما كنت دوّنته من خواطر في شأنها قبل الشروع في الكتابة، وما سطّرته يدك من مسودّات سريعة وأخرى - كما تحدّثنا - متأنّية، وأخيرًا مطبوعة على الكمبيوتر، فخطرت في بالك فكرة الاستعارة.

وهنا.. هنا، يا صديق العمر، هُرعنا إلى حيث القصص في ذلك الركن الركين من المكتبة، التي تصافحها أعيننا في ذهاب وإياب، فإذا هي مفتقدة عندنا أيضًا، لا قصة «الشمس تشرق شاحبة» وحدها بل قصصك الغالية كلها. فاضطرب أمر الأسرة حتى «شحبت» الوجوه، وطال بنا التساؤل يتهم بعضنا بعضًا، إلى أن عرفنا أن «المساعدة»، التي استقدمناها منذ قريب، وجدت هذه الأوراق عتيقة خلقة، فسمح لها جهلها بأن تضمّها إلى مجموعة من الجرائد القديمة، كانت ربّة البيت قد طلبت منها أن ترميها، فإن كانت لها بها حاجة فلتأخذها. ما وقع، يا صاحبي، أن المساعدة، «أم علي»، تأبطت الجرائد المستغنى عنها مضافة إليها القصص الثمينة، ومضت بها إلى.. قالت إنها أعطتها لبيّاع «النقل والزعرور»، ولكن ليس في حارتنا مَن يبيع هذه الأبزار التي «يتنقّل» بها الناس ويتسلّون، فرافقتها إلى الحارة المجاورة، حتى أوقفتني أمام دكان مكتوب عليها «نقل أبو عقل»، يبيع صاحبها بزر البطيخ والقضامة والفستق والبندق، وقد أجابني مستغربًا بأنه نعم، اشترى من هذه «الحرمة» رزمة من الجرائد البالية، فما أريد منها؟ ولكنه تفهّم وتجاوب، ثم تبين أنه نزع في يومه ذاك من أوراق كل قصة «الخرزة» التي تمسك بها من زاويتها العليا كي يسهل عليه الأخذ بمجرد مد اليد. وقد عرضت عليه - ولم يرضَ - أضعاف ما دفع لاسترداد ما بقي من النصوص القصصية، التي كان قد بدأ باستعمال أوراقها قبل الجرائد لملاءمة حجمها لما يطلبه الصغار من القضامة والزعرور. وقدّر لي في أثناء وقوفي في باب دكانه أن ألمح في يد طفلة عنده «لفافة»، ورقية على شكل مخروط فيها شيء من القضامة، وأتيح لي أن أقرأ عنوان «الشمس تشرق شاحبة» يليه اسمك الناصع. والتمست من البزّار اللطيف، أن يستبدل بهذه اللفافة غيرها، وتبينت أنه لم يبقَ من أوراق القصة إلا أولها.

فلما عرضنا عليك واقع الأمر، وأنت في بيتنا قد جئتنا مستعجلاً تلتمس القصة، انهلت علينا بتقريع لطيف اعتدناه منك، ونحن تتعالى منا القهقهات:

«أهكذا! أدب.. تعب في إبداعه صديق الأسرة، ظل يزوّدكم به عامًا بعد عام، تتلقفه مساعدتكم أم علي، التي تمضي به إلى دكان «أبو عقل»، وكان الأمل أن يبقى، أن يرثه بعد الأبناء الأحفاد، يقلّبون صفحاته، يزيدها اهتراؤها قيمة، يقولون فخورين: «أدب، كان يكتبه صديق جدّنا، أو صديق جدّ جدّنا، قد توارثناه كابرًا عن كابر!..»، أنتم بإهمالكم توجيه المساعدة، ضيعتم على الذريّة فرصة التباهي».

وكان ختام كلامك أن وعدتنا بأن تزوّدنا ثانية بنصوص القصص، بما فيها «الشمس تشرق شاحبة»، التي عثرت على إضبارتها، وعهدت إلى مَن أعاد تنضيدها على الكمبيوتر.. وصرنا، منذ ذلك اليوم، ننبّه كل مساعدة تدخل البيت إلى ألا تقترب من هذه الأوراق ولو بنفض الغبار عنها.

وهكذا.. بين حديثك عن «الذرية» التي أوشكت أن تفقد دواعي الاعتزاز والافتخار، وبين مزاحك الآخر في أن الناس رأوا في قصتي اليتيمة المنشورة «فنّك ومفرداتك»، اتفق لي أن زرتك يومًا لأحدّثك عن حكاية فريدة وقعت لي حين كنت أتابع تحصيلي العلمي في إحدى العواصم الغربية، وذلك أملاً في أن تكتبها بأناملك قصة يشار إليها بالبنان، تنشرها باسمك، باسمك أنت هذه المرة. وأذكر أنّ الحكاية راقت لك، وراق لي أنا أني سأجد نفسي في «بطلها»، هذا الذي سوف تستمدّ من شخصي ملامحه وكل ما وقع له.

ثم إني جعلت أتردد عليك، لأعرف ما إذا كنت أنجزت، أو شرعت، أو بدأت بتدوين الخواطر. وسمعتك مرة تعبّر بحقّ عن أنك لا تجد نفسك قادرًا على أن تصول وتجول في أجواء قصة وقعت حوادثها في بلد لم تطأه قدماك، فكيف يكون الوصف والتوصيف؟ ورأيتك تستحسن اقتراحي بأن أكتب ما وقع لي مشبعًا بالوصف، أضعه بين يديك، فيكون لك أشبه بمصدر يعينك على الاستلهام. ومما أعجبك فيما كتبته لك، وصفي للطبيعة، وأنا في ذلك المقهى، في تلك العاصمة الأوربية، سويعة الفجر، بُعيد دخول السنة الميلادية الجديدة: أشجار يغطي الثلج أوراقها، إلا ما انحسر منه، فتبدّى في الأوراق لونها الذهبي، لحظتها سمعتك تهتف «أنت فنان، لم لا تكتب قصتك بنفسك؟»، وكيف، بالله، أفعل، وقد «عقدتني» مفرداتك التي ادّعيت أنها ظهرت في قصتي اليتيمة، وزاد في ذلك عجزك المتمادي، وأنت الكاتب النحرير، عن كتابة قصة أحببت فكرتها، وقد تجمّعت عندك عناصرها، المحكي منها والمكتوب، وإني رأيتك يومًا تفرد أمامي ثلاث عشرة ورقة، وتؤكد - وكأنك تشكو - أن في كل منها بداية للقصة رأيتها غير مقنعة.

عند هذا الحد، استجمعت، يا صديقي، شتات نفسي، واستحضرت كل ما يموج في خاطري من الذكريات، واستنجدت بحبي للأدب القصصي الحبيب. ومع تعاظم رغبتي في أن أرى نفسي «بطلاً» في قصة كانت قد وقعت لي حوادثها في عام مضى، تناولت القلم، في سويعة فجر، بعيد دخول سنة ميلادية جديدة، وأنا في عاصمة بلادي الحبيبة، وشرعت أكتب.. وإذا أنا أجود وأسترسل، وما رأيت - علم الله - الكتابة سهلة كما رأيتها في ذلك اليوم، ولا أشك في أنّ ما ساعدني في أمري هو ذلك الوصف الذي كنت قدّمته إليك أوراقًا، فيها وصف للأمكنة، وتحليل للمشاعر، وبيان بكل ما جرى بين الأطراف من حوار ونقار.

بعد أن استقام النص بين يديّ قصة حظيت برضا الأسرة، مضيت بها إلى مجلتك المرموقة. وما أسرع ما ظهرت فيها، تضيء حروفها عبر صفحات بلغ تعدادها العشر. فلما اتفق لك أن قرأتها في المجلة، وقد كتمت عنك أمر كتابتها، بادرت تهتف إليّ مهنّئًا، ومباركًا عملاً قصصيًا لي، لم يمر عليه قلمك، لا في إعادة صياغة، ولا في تقويم كلمة أو إضافة مفردة.

ولكني أعترف، يا صديقي، بأنك كنت وراء ذلك كله، فإن إدماني قراءة أدبك الجميل، وإضفاءك فنّك الآسر على قصتي اليتيمة تلك، وإنّ حرد موهبتك على أن تكتب حكايتي قصة.. ذلك كله كان مصدر وحي لي وإلهام.

والآن أسألك، أخي العزيز: هل ترى نص رسالتي هذه جديرًا بأن يعد قصة تنشر في مجلتك، التي غدت مجلتي أيضًا؟ وعسى - إن غدوتُ كاتب قصص - أن أزوّدك بالنسخة الأولى من كل قصة أكتبها. وعندئذ أرجو أن تضعها في حرز حريز، فلا تمتد إليها يد مساعدة تدخل بيتك، فتمضي بها إلى بائع نقل في الحارة المجاورة!.

فاضل السباعي مجلة العربي مارس 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016