مختارات من:

قصص على الهواء

سلوى بكر

قصص لأصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية
لماذا اخترت هذه القصص?

-------------------------------------------


بالرغم من أن معظم القصص المختارة تعد بدايات جنينية تتلمس عالم الكتابة، إلا أن فيها ما يشي بمواهب تتفتح وإمكانات إبداعية لا تخفى، وهذه القصص المختارة هي:

قصة «كنز تحرسه العفاريت» لعبدالعزيز بندق - ليبيا:
تتبدى في القصة رمزية واضحة تتوارى خلف مستويات متباينة للقراءة، فالفقراء الذين يحلمون بالغنى على الرغم من سن الشيخوخة، سرعان ما يقتل حلمهم الخوف من المجهول، فيتراجعون عن مغامرة الاكتشاف مؤثرين البقاء في أمان كاذب لم يمنحهم طوال حياتهم إلا الفقر والعجز. ويمكن قراءة القصة بمستوى رمزي آخر، فالتراب المكتشف في الجرة ربما هو الذهب الحقيقي الذي لا يراه البعض، فالتراب رمز الأرض التي هي أغلى من كل غالٍ ونفيس.

قصة «هكذا تبيض الرجال» لعصمت العزيزي - الأردن:
تتكئ القصة على السخرية من القهر السائد في حياة الإنسان العربي عمومًا، فهذا الإنسان إنما هو متهم يستحق التعذيب حتى يقر ويعترف، حتى ولو على مزحة مزحها يومًا، ويمتلك الكاتب نفسًا روائيًا واضحًا وقدرة على بناء معمار إبداعي يتجاوز حدود القصة القصيرة، والخطاب القصصي الساخر يستهدف القيم والمفاهيم السياسية القائمة والمبنية على القمع والقهر. وتعيد قصة وفاة حلم التذكير ببعض أعمال الأديب الأمريكي شتاينبك، في نهاية القصة تكمن المفارقة الصادمة والمحبطة للآمال الإنسانية وقد بلغت ذروتها بالموت الفاجع، فالصديق يجد صديقه ميتًا وقد حاول المزاح معه بسرقة هاتفه المحمول، أو حلمه وأمله الذي ظل يتمنه طويلًا.

قصة «فياسكو» لمصطفى عبدالدائم - المغرب:
تعد القصة نموذجًا آخر لتناول القهر الذي يعاني منه الإنسان العربي وهي قصة تتشابه في موضعها مع قصة «الرجل الذي يبيض» والمشار إليها آنفًا، فالقصة تنتهي بما انتهت إليه القصة الأولى من تراجيديا إنسانية ساخرة، فالمجني عليه الباحث عن عنزته الضائعة يتعرض للمساءلة والبطش البوليسي، على نحو يعيد التساؤل عن ثنائية القاهر والمقهور في العالم العربي.

قصة «طلاق» لسوزان الراسخ - الأردن:
قد تكون قصة «طلاق» من أكثر قصص هذه المجموعة تماسكًا من الناحية الفنية، فبينما عانت القصص الأخرى من الثرثرة والتزيد حينًا، ومن ارتباك البنية القصصية حينًا آخر، نجد أن الكاتبة الأردنية سوزان الراسخ تبدع قصة تتميز بالتكثيف على مستوى البنية، وبالقدرة على رسم الشخصيات على المستويين الداخلي والخارجي ببراعة ابتعدت عن المباشرة والخطابية المعتادة في كثير من الأعمال المتناولة لإشكاليات اجتماعية محددة. وعلى الرغم من أن القصة تعزف على لحن المعاناة النسائية السائدة بسبب القيم والمفاهيم السائدة في العالم العربي، إلا أنها حتى النهاية تلمست الفن كوسيلة تعبيرية عن هذه المعاناة، فالبطلة وبعد طلاقها من رجل خسرت الرهان عليه كزوج ورفيق «أخذت تتنفس بعمق.. تلتقط الهواء».


----------------------------

كنز تحرسه العفاريت
عبدالعزيز بندق - ليبيا


كان يبدو هزيلًا شاحب الوجه، يغتصب ابتسامة تأمل في تكسير الجليد الذي بينهما. وأجفلتْ.. خافت أن يكون قد تراجع.. سألها إن كانت تودّ أن تشرب شيئًا، ثم بدأ الحديث، قال لها:

- «أتمنى أن تسمعيني. لقد تغيّرت، لا أخفي أني لم أستطع التوقف عن التفكير فيك طوال الأشهر الماضية، وأنا هنا أرجوك التفكير في إمكانيّة عودتنا معًا..!».

كانت تستمع إليه وكل شيء في داخلها يرقُب ما سوف يُسفر عنه اللقاء.. وبدأ يستخدم ما يستطيع من الوسائل لاستمالتها.. اقترح عليها أن تعود إليه لفترة من الزمن حتى تتأكد مرة ثانية من مشاعرها نحوه.. اقترب بكرسيه منها.. حاول الالتصاق بها.. أمسك بيدها..

واستنفرْت كل جسمها ومشاعرها للدفاع عن ما تريد.. تمالكت نفسها وتصنّعتْ الهدوء وأجابته:

- كنت أعتقد أننا نلتقي لنبحث مسألة الطلاق..!

وقبل أن يجيب أكملتْ قائلة:

«أرجو أن تعلم أنني عندما رحلت بعيدة عنك رحلت بلا عودة، وبعد أن أمعنت التفكير في ذلك كثيرًا. لقد حسبتَ نفسك علي زوجًا، بينما كنت طوال النهار ومعظم الليل بعيدًا عني.

أنا لم أجْن إلاّ الغُربة، فلو كنت أعلم أنني تركت بلدي وأهلي فقط من أجل السفر لما سافرت..! ولكنني عندما تزوجتك كنت أريد رجلًا يمنحُني الصحبة والدفء والطمأنينة، أيامي معك خذلتني فلم تمنحني سوى الأوهام..! أريد، وقبل فوات الأوان، أن أخرج من حياتك، أرجوك أن تساعدني في ذلك ولا تغضب..!».

ونجحتْ في جعله متأكدًا من أنها مصمّمة على الطلاق. بدأت لهجته تأخذ منحىً آخر وعلامات التشنّج والعصبيّة تزحَف إلى وجهه..! وأخيرًا.. تطرّق إلى الموضوع الذي انتظرتْه طويلًا.. وابتسمتْ في داخلها.. ها قد حان وقت المساومة..! ووجدت نفسها بصدد تلك المعادلة الأخلاقيّة التي أوجدها المجتمع.. التنازل عن حقوق الزوجة مقابل حصولها على الطلاق.. أعادها إلى الواقع الذي لا مفرّ منه حين قال بعصبيّة وهو ينفث دخان سيجارته:

- حسنًا.. إذا ما زلت مصرّة على الطلاق، فأنا لدي شروطي.

أجابته على الفور ومن دون تفكير:

- لك ما تريد..!

- ألا تسمعيها أولًا قبل أن تجيبي بالإيجاب..؟ أولًا قضية الضرب والإيذاء، يجب التخلي عنها فورًا وقبل أن تأخذ حكمًا من المحكمة.. ثانيًا، التنازل عن المؤخّر وكل ما يستحق لك من حقوق.. ثالثًا، إعادة «الشبكة»، فوضعي لا يسمح لي بأن أتحمل تكاليف «شبكة» في حالة زواج آخر..!».

***

عندما دخلتْ القاعة وهي تحمل علبة مصوغاتها الذهبيّة في داخل حقيبتها لتسليمها له كما وعدتْ.. شاهدتْ صفًا طويلًا من الأزواج يقفون بانتظار دوْرهم للحصول على الطلاق..

كان المنظر بالنسبة لها مثيرًا للعواطف.. ليس بسبب خصوصيّة الحكايات والمآسي لنساء ساقتهن الأقدار لأن يقفن في ساحات المحاكم.. فقد فقدت هذه الخصوصيّة قُدسيتها في هذه القاعة وتحوّلت إلى بضاعة معروضة للبيع أمام أعين الجميع.. ولكن لأنها شعرت بأنها أمام حفل تنكريّ مليء بالكذب والاصطناع.. فالمنظر برُمّته يوحي وكأنه «طابور» أمام مخبز أو جمعية تعاونيّة.. سلمتْه العلبة وانضمّت بعدها معه إلى «الطابور» وهي مذهولة من المنظر المأساوي الذي تقف في وسطه. استقرّت عيناها على رجل التصق بزوجته يتكلم بعصبيّة والرذاذ يتطاير من فمه ليهبط على وجه المسكينة.. وبكلمات مُتسارعة وكأنه في سباق مع الزمن كان يساومها من أجل التنازل عن حقوقها مقابل الطلاق.. كان يخشى أن يتقدم «الطابور» ويصل إلى القاضي دون أن يتوصل إلى مراده.. بينما خرجت امرأة أخرى عن الطابور بسرعة مفاجئة يتبعها زوجها محاولًا إسكاتها وهي تُوَلوِل:

- أروح لمين..! أشكي همّي لمين..!

- وأخذ الطابور يتقدم ببطء إلى أن وصلا إلى منضدة طويلة جلس إليْها رجل يرتدي الجبّة والعمامة وعيناه معلّقتان بدفتر سجّل ضخم، ودون أن ينظر إليهما بادرَهما بصوت عالٍ وكأنه أستاذ يخاطب تلاميذه:

- هل اتفقتما على كل شيء..؟

- وبصوت خافت ومتردّد أجاب الاثنان معًا وفي وقت واحد كطفلين مؤدبين:

- نعم..!

- وعلى ماذا اتفقتما..؟

قالها بلهجة توحي بالاستعجال. وهنا مال زوجها إليه وتمتم في أذنه ببعض الكلمات، بعدها سمعتْه يقول:

- آه، إذن خلْع..!

- نظرتْ إلى زوجها وقالت له:

- ماذا يقصد بالخلع..؟

أجابهاالقاضي وقد سمع سؤالها:

- الإبراء، أي أنك تنازلت عن جميع حقوقك وأبريْت ذمة زوجك مقابل الطلاق..!

وهكذا.. قضتْ محكوميّتها..! حصلت على حريّتها..!

عندما افترقا، أخذتْ ترقبه وهو يبتعد عنها شيئًا فشيئًا حتى تلاشى من أمامها.. وتلاشت معه صورته الباهتة.. واختفى فجأة كما ظهر فجأة.. وأخذتْ تتنفسّ بعُمق.. تلتقط الهواء..!.


----------------------------

هكذا تبيض الرجال
عصمت العزيزي - الأردن


كنت أعيش في قرية هادئه جداًً تقع على جدول نهر جميل ولي بستان صغير قد شكلت فيه من الخضار والفاكهة لأعيش حياة كريمة ضامناً الاكتفاء الذاتي لي ولأسرتي ولم يكن ينقصني شيء حتى منتجات اللحوم والالبان حيث كنت انتجها من هذا البستان المتواضع فكان عندي بقرة حلوب وماعز ومجموعة من الطيور والأرانب وفي طرف البستان يوجد بيت متواضع من الطين والخوص ولكنه في قمة النظافة والترتيب وعملت أمامه مسطبه أي ( تراس ) بلغة العصر وقمت بفرشه بالبسط والسجاد والمساند وكانت هذه جلستي المفضله سواء بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة المغرب ليجتمع لفيف الاقارب والاصدقاء لعمل تعليله مكرره لا نملها ولا نزهق من اعادة الحوادث والطرائف والقصص التي قيلت الف مره...

ومن نعم الله انه رزقني بزوجة بسيطه ساذجه هادئه بطبعها فهي حمل وديع لا تطمع من الدنيا سوى بالحد الادنى لمتطلبات الحياة الكريمة تتمتع بطاعة عمياء لا تعرف من امور الدنيا سوى ما تسمعه من حواديث عواجيز القرية وهمها الوحيد تربية اولادها في حضنها مثل قطة قد ولدت من جديد .. وزواجي منها كان محض ظروف حيث ان والدها قد اشترى من والدي حمارا كان قد سرقه من قرية مجاورة ولم يستطع والدها تسديد بقية ثمنه فكانت المخالصه بين أهلنا وتحكيم حكماء أهل القرية بأن نأخذ منهم عروس مقابل المبلغ المتبقي على اهلها من ثمن الحمار ويكون بذلك هو مهرها ، وتزوجتها ورضيت بحياة الخراف وارحت عقلي من قضايا الدنيا ومشاكلها حتى غدوت معها بالحال واحد...

في إحدى الأيام وأنا جالس بالصباح على المسطبه جاءت دجاجه ووضعت بيضه في فراشي فناديت زوجتي وطلبت منها ان تقلي لي تلك البيضة للفطار فسألتني من اين اتيت بها وبما انني احب المرح والسخرية ولي لسان يستحق القطع اخبرتها بأنني قد بضت بيضة طازجة ومثلت دور الدجاجة وناولتها البيضة الساخنه فصدقت المسكينه بأنني قد وضعت بيضة وبدلا من ان تذهب الى المطبخ لطهيها اتجهت الى جارتها لتخبرها بأن زوجها قد باض بيضة جميله واقسمت لها على ذلك والدليل موجود بين يديها فأقتنعت الجارة بذلك وقامت باخبار والدتها بأنني قد بضت بيضتين فقامت والدتها باخبار الجارة التالية بأنني وضعت ثلاث بيضات واخذ الخبر يتداول بين اهل البلده من شخص لاخر مع زيادة بيضة عند وكالة انباء نسائية الى ان وصل الخبر لشيخ البلد بأن هناك رجل في القرية قد باض مئة بيضة في جلسة واحدة فنقل شيخ البلد المعلومه الى عمدة البلد بعد ان ضاعف العدد والعمدة نقل السبق الصحفي الى مدير الشرطة وضاعف العدد ايضا ومن مدير الشرطة الى المتصرف ومنه الى الوالي وبقي الخبر ينتقل من رتبه الى رتبه حتى وصل الى علم السلطان العادل بأن احد افراد شعبه يبيض كل يوم الف بيضه من الوزن الثقيل ففرح السلطان لذلك ووجدها فرصة جميله لحل مشكلة الغذاء في السلطنه ووقف استيراد البيض من الدول الخارجية لذا اعتبرني ثروة قومية لا بد من تأميمها والحفاظ عليها مع توفير البيئة والرعاية التامه والغذاء المفيد المحسن لرفع الجوده مع تأمين اكبر عدد من الديوك المهجنه فلربما يكون من سلالتي من سيبيض على طريقة العولمه الحديثه...

أصدر السلطان فرمانا بمصادرتي بأقرب وقت والتحفظ علي وحمايتي فجاءت الشرطة لتأخذني الى المركز معززا مكرما طبعا هذا في بداية الامر واجلسوني على فرش من ريش النعام مع اضاءه خلابة ووضعوا لي الموسيقى الهادئة على جو رومانسي وطلبوا مني بكل ادب ان ابدأ بوضع البيض فما كان مني الا ان انقلبت على ظهري ضاحكا لدرجة أنني لم أستطع أن أقول لهم أنها مجرد سخرية مع زوجتي الساذجه ولم يوقفني عن ضحكي سوى شيء لا أدري ما هو وقع على رقبتي جعلها مثل جمرة نار بلهيبها ولونها وأذكر بأن شيء خشبي يقال له قاع بندقية غرس في خاصرتي وبدأت رحلة الشقاء في التحقيقات وأخذت جوله سياحية اسمها إعرف وطنك وتعرفت على مديريات لولا قصة البيضة لما سمعت بها فقد تثقفت أمنيا وتعرفت على أن هناك أمن عام وأمن خاص وأمن عسكري وأمن مركزي وبحث جنائي وتعقيب وبحث وقائي ومخابرات واستخبارات .... وأخيرا استقر الأمر بي في قسم استحدث من أجلي يسمى ديوان مكافحة الإرهاب بتهمة المساس بالأمن القومي الغذائي وكان يرأس هذا القسم عالم كبير مستورد وبعد الفحص خرج بتقرير ان من كان مثلي ذو لسان سليط يحب الضحك دائما وضليع بالمسخرة والكلام اللاذع خصوصا مع زوجته لا يمكن له ان يبيض بسهوله واضاف بالتقرير ولكن هذا القسم العلمي المتخصص لديه طرق لتجعله يحبل ويلد كل يوم توأم..

ومن كثرة ما رأيت في هذا المنتجع من نعيم كنت اوقع على كل ورقة قدمت لي واعترفت بكل ما لم افعله بدءا من محاولة قتل سيدنا موسى عليه السلام الى محاولة اغتيال روزفلت في الولايات المتحدة الامريكية وعلى ما اذكر انني وقعت على اعتراف عن نيتي إغراق سفينة سيدنا نوح عليه السلام ..!!!!

وفي يوم من الايام جاء وفد اجنبي يدعي انه من جمعية حقوق الانسان ليقابلني ويدرس حالتي وكانت جنسيتهم من جنسية زوجة مدير المركز الذي اقيم فيه لذلك قبل ان يصلوا لي تناولوا طعام الغداء معه في بيته الخاص وثم زاروني وخرجوا بدراسة عن حالتي وخلاصتها انني كشيء ليس له علاقة بالبشرية ولا حتى بالطير ولا الحيوان قد حصلت على اكثر من حقوقي واكثر مما استحق بل على العكس هو انا من سلب الانسانية حقوقها وانا الذي حرمت العالم من نعمة أكل البيض اللذيذ وافقدت ابناء شعبي العيش الكريم..

وحاولت جاهدا ان اوصل كلمتي وشكواي الى السلطان ولكن حالوا دون ذلك الى ان مات السلطان وجاء سلطان جديد الذي قام فور تسلمه زمام الامور بزيارات تفقديه لكل المنتجعات السياحية والمراكز العلمية التي كان من ضمنها المركز الذي اقيم فيه وما ان وقعت عيناه علي وانا داخل قفص ارقد على كومة قش وحولي مجموعة من الكتاكيت ومنظري كرجل الغابة استغرب من هذا المخلوق الغريب وسأل عني من اكون ..؟! فاخبروه بأنني الرجل العجيب الذي يبيض ويلد في آن واحد وقد امر السلطان السابق بأن نحتجزه كونه خطر على الغذاء المستورد ويسيء الى علاقاتنا مع الدول الاقتصادية الكبرى ويهدد الانتاج الغذائي للدول المانحه فهو يسيء الى الامه جمعاء فلا بد من سجنه وعزله الى اخر يوم في عمره فابتسم السلطان الجديد واوصاهم بأن لا ينسوا تزويده ببعض منتوجات هذا المخلوق ليتذوقها واكمل سيره وتركني وانا لساني يتدلى متمنيا أن يمر سهما طائشا ليقطعه ويريحني منه .. " يا ريتني كنت أبو نكد وبنص لسان ولا مزحت هالمزحه البايخه.."


----------------------------

فياسكو
المصطفى عبدالدائم - المغرب


لم يكن صعبا أن يقتنع بجدوى اللجوء إلى السلطات الأمنية من اجل التبليغ عن فقدان عنزته .خصوصاوقد ذهبت كل جهوده سدى ولم تكلل اعمال البحث التي قام بها بالنجاح رغم انها شملت السهول والمنخفضات قبل الجبال والمرتفعات عملا بالمثل القائل (ان المعزة اللي كالتو فالجبال كتحطو فالوطى) ورغم انه جند للغاية نفسها العديد من المعارف والخبراء والكلاب.. صعدوا المرتفعات الوعرة وتفرقوا في الشعب والوديان ولكن دون أن يعثروا للعنزة على اثر.

ولعل ما سرع بلجوئه لطلب العون من السلطات الامنية رغبته الملحة في اطفاء نظرات زوجته اليه كلما عاد إلى البيت خائبا طالبا للراحة ..كان في نظراتها بريق شديد يتهمه بالعجز وكان في تعليقاتها اللاذعة ادانة صريحة ( الناس محزمه بالرجال وأنا محزمه بالكرعة ) تقولها بعجرفة وتحدي .والطامة الكبرى أن نظرتها إليه وليس فقط نظراتها تبدلت تماما وأصبحت تحصي كل عيوبه حتى تلك التي ظن أنها ذابت مع الزمن والتي ظن انها طويت بعد كل هذه السنوات من المعاشرة لكنه اندهش حين صرخت في وجهه ذات صباح كأنما اكتشفت امرا جديدا ( واش آنت حول؟ ) خنقته المفاجاة وحيره سؤالها عن هذا (الحول) الذي تعلمه منذ اول لقاء وقالت عنه لما تقدم لخطبتها انه نعمة تجعله يراها شخصين كما انها وفي احدى المرات لم تتمالك نفسها وضحكت باستهتار واحتقار من رؤيةاصبع قدمه الكبير بارزا من ثقب في جوربه بل وتمادت حين شبهته براس سلحفاة وقبل ذلك كان اداة تخلصه من تبانها فتقول فيه بعد بلوغ قمة اللذة (حركة منه تعفي السهم من التوقف عن اختراق الاحشاء بقوة ولين). اه كم تبدلت بعد ضياع العنزة واستغرب لم يحدث له كل هذا فقد ضاعت عنزة المسيو سوكان قطرة قطرة تجرع ما تسكبه زوجته في كؤوس أيامه من مرارة منذ تاهت العنزة .وحتى المعركة الوحيدة التي كان يمارس فيها سطوته ويطعن فيها بسيفه البتار متلذذا بسماع أنينها الخافت أحيانا أو تأوهاتها..تلقمه حلمة نهديها بإذعان ويخرس نباح جسدها بشجاعة وإقدام.. استكترث عليه أن ينعم بهذا الفوز الرمزي وفاجأته بقولها وهو ينتشي بالجلوس على ناصية السرير ( لو كانت الرجلة بالشريط كان الحمار أرجل ألخالك ).

اسودت الدنيا في عينيه..وغشيهما ضباب كثيف فقد نسي ان يضع نظاراته الطبية خصوصا في هذا القبو البارد والكريه ولكنه مجبر ولا خيار أمامه . لابد ان يعثر على العنزة فالمسالة بالنسبة اليه مسالة حياة او موت ..نعم حياته انقلبت رأسا على عقب منذ فقد العنزة ..ترى أين هي الآن ؟..وماذا حل بها؟ ..رباه أبقها حية من أجلي ..فبدونها أنت تعلم ما حل بي وما سيحل بي ...رباه ساعدني فبالعثور عليها استعيد حياتي الطبيعية واستعيد زوجتي التي حتما ستنسى أني( أحول).وان جورب قدمي اليمنى مثقوب .واني أرجل من حمار...

مضت الساعات ثقيلة وهو ينتظر في القبو الكئيب الشبه مظلم وبين الفينة والأخرى كان يأتيه من يسأله عن اسمه واسم أبيه واسم امه وعن تاريخ ومكان ازدياده والمدارس التي تعلم فيها والدبلومات والشواهد التي تحصل عليها ومحل سكناه مهنته وهوايته واسم زوجته وعدد اطفاله .وتتكرر هذه العملية مرات ومرات تختلف فقط في المراوحة بين الليونة والأدب تارة والشدة والوقاحة تارة أخرى.وفي اللحظة التي هم فيها بالمغادرة وقد أصابه الدوار وتملكته رغبة جارفة في الانتحار على البقاء في هذا المكان المقززوالحقيرفهذه اللحظة بالذات استوقفه شخص قصيرالقامة بدين اصلع ازرق العينين بارز الذقن شديد البياض كالموتى ساله وابتسامة بلهاء لم تفارق شفتيه " اتعرف اين انت ؟"اجابه متلعثما "اظن اني ..لقد نصحني صديقي المتقاعد ..كان عميد شرطة ..انتم ..انكم تعرفون دبيب النمل "ظل ينظره اليه دون ان تفارق تلك الابتسامة البلهاء شفتيه وبحركة من يده اليمنى استوقفه .راع الرجل ان تكون يده اكبر حجما من باقي أعضاء جسمه .. كان غريبا ان تكون يده بهذا الحجم . ساله ( وما ذا تريد ؟) أجاب دون تردد ( اريد ان تعثروا على عنزتي ..لقد علمت انكم الاقدر على العثورعليها ..قيل لي انكم تستطيعون العثور عليها ولو كانت في الطبقة السابعة للارض وحتى في المريخ ..رجالكم في كل مكان ..رجالكم رجال الفجر والليل يعرفون كل ما يجري تحت هذه القبة الزرقاء اريدهم فقط أن يعثروا على عنزتي ...بلع ريقه بصعوبة ونظر باستعطاف الى الرجل البدين واستبشر خيرا ان راى الابتسامة مازالت ثابتة على شفتيه.

مرت الثواني بطيئة عسيرة على الهضم ك( اكناري) لماذا هذا الوصف بالذات وفي هذه اللحظة بالذات الانه يشعر فعلا بتحجر الطعام في امعائه وانه في حاجة الى الى ماذا الى عود مدهون بالزيت البلدي ليطرح عنه طعاما تكدس منذ فقد عنزته يسمي الناس من في مثل حالته (المعصوم) ظل الرجل البدين يتفحصه قبل أن يقرر قبول طلبه بتنظيم حملة للبحث عن عنزته شريطة مرافقته لفريق البحث للتعرف على عنزته حال بلوغها وهو ما قبله دون تردد. وقبل ان يتبين الخيط الابيض من الأسود انطلق رفقة مجموعة من الضباط المرتدين لزي موحد (بدلة سوداء وقميص ناصع البياض وربطة عنق سوداء ونظارت شمسية سوداء) ذكره بافلام جيمس بوند.

كان يرقب حركاتهم بزهو ويعتقد تمام الاعتقاد بنجاحهم في مهمتهم وكان قلبه يكاد يقفز من الفرح وهو يرى هؤلاء الضباط يفردون الخرائط ويحددون المسالك والممرات ويتابعون احوال الطقس ويستفهمون عن طبائع القبائل ونشاطهم في المناطق المتوقع اجتيازها او التوقف بها وطبيعي ان يثير انتباهه اسلحتهم المتطورة والتي ماكان يظن رغم سماعه بها انها موجودة فعلا كالقنابل الذكية واجهزة كشف الحركة والتمييز بين الحيوان والانسان بالاضافة الى قنابل مخدرة هي خلاصة الاشتغال على الروائح الكريهة سواء الصادرة عن البشر او الحيوان او النفايات انغمس في هذه الاجواء وانبهر بها لدرجة جعلته يتخيل كيف ستقابله زوجته وهو يسوق العنزة واوعز الى نفسه انه سيبتكر سيناريو مثيرا ومشوقا عن كيفية العثور على العنزة طامعا في عبور سريع الى سرير المتعة... كان ايضا يمني النفس في تتبع ممتع لرحلة بحث الضباط عن العنزة.. كان يريد التعرف على طريقة تعرفهم على اثارها وتمييز بعرها واستخدام أجهزة التعرف على نوع شعرها لكن لا شيء من ذلك حدث .لماذا سال نفسه بالم وحسرة لماذا تجري الامور في حياته مؤخرا بهذا الشكل المريب ولماذا تاتي النتائج مخالفة لمقدماتها لأن قصته وقعت هنا في هذه الأارض الغريبة الأطوار هذه الأرض التي تثمر دون أمطار ودون حرث أو زراعة اه يا عنزتي ما كنت أعلم أنك بهذا الذكاء والا لما تركتك تغيبين عن ناظري ولما سعيت وراء تلك المتعة العابرة لاشك انك تعاقبينني لأني اختليت بها لجني لذة حرام نعم لم يكن من حقي أن أقضم من التفاحة المحرمة ولكني قد فعلت وها أنا امني النفس أن القاك مهما كان الثمن ولو كان أن استعين بهؤلاء الذين أحس قربهم بعسر الهضم ياالله ها نحن نبلغ الغابة كانت انتظاراتي أن يبدؤوا بالبحث عن عنزتي باستعمال المعايير المتعارف عليها لبلوغ الهدف.. لكنهم بدل ذلك انتشروا بسرعة في الغابة واطلقوا اعيرة نارية واخرى مسيلة للدموع وثالثة مخدرة وكانت غايتهم اعتقال الذئب وهو ما حصل فعلا وباسرع مما توقع ولما لم يجب عن سؤالهم ( فين المعزة) مباشرة بعد ذلك وطبعا بعد اصرار الذئب انه لا يعرف شيئا عن العنزة ولا عن مكان وجودها وانه بريء منها براءته من دم يوسف ودم عنزة سوكان قاموا بداية بتعليقه رجليه الى الاعلى وراسه الى الاسفل وعند رده بالسلب عن سؤال اين العنزة كانوا يغطسون راسه في برميل ماء نتن وينزعون اظافره وجلده بقسوة ووحشية قبل ان يجلسوه بقوة وعنف على قننينة زجاجية من نوع بيبسي كولا من الحجم الكبير وهم يسالونه ( كر فين المعزة ..كر فين المعزة .. كر فين المعزة ).


----------------------------

طلاق
سوزان الراسخ - الأردن


كان يبدو هزيلاً شاحب الوجه، يغتصب ابتسامة تأمل في تكسير الجليد الذي بينهما. وأجفلتْ.. خافت أن يكون قد تراجع.. سألها إن كانت تودّ أن تشرب شيئاً، ثم بدأ الحديث، قال لها:

- أتمنى أن تسمعيني. لقد تغيّرت، لا أخفي أني لم أستطع التوقف عن التفكير فيك طوال الأشهر الماضية، وأنا هنا أرجوك التفكير في إمكانيّة عودتنا معاً..!".

كانت تستمع إليه وكل شيء في داخلها يرقُب ما سوف يُسفر عنه اللقاء.. وبدأ يستخدم ما يستطيع من الوسائل لاستمالتها.. اقترح عليها أن تعود إليه لفترة من الزمن حتى تتأكد مرة ثانية من مشاعرها نحوه.. اقترب بكرسيه منها.. حاول الالتصاق بها.. أمسك بيدها..

واستنفرْتُ كل جسمها ومشاعرها للدفاع عن ما تريد.. تمالكت نفسها وتصنّعتْ الهدوء وأجابته:

- كنت أعتقد أننا نلتقي لنبحث مسألة الطلاق..!

وقبل أن يجيب أكملتْ قائلة:

- أرجو أن تعلم أنني عندما رحلت بعيدة عنك رحلت بلا عودة، وبعد أن أمعنت التفكير في ذلك كثيراً. لقد حسبتَ نفسك علي زوجاً بينما كنت طوال النهار ومعظم الليل بعيداً عني. أنا لم أجْن إلاّ الغُربة، فلو كنت أعلم أنني تركت بلدي وأهلي فقط من أجل السفر لما سافرت..! ولكنني عندما تزوجتك كنت أريد رجلاً يمنحُني الصحبة والدفء والطمأنينة، أيامي معك خذلتني فلم تمنحني سوى الأوهام..! أريد، وقبل فوات الأوان، أن أخرج من حياتك، أرجوك أن تساعدني في ذلك ولا تغضب..!"

ونجحتْ في جعله متأكداً من أنها مصمّمة على الطلاق. بدأت لهجته تأخذ منحىً آخر وعلامات التشنّج والعصبيّة تزحَف إلى وجهه..! وأخيراً.. تطرّق إلى الموضوع الذي انتظرتْه طويلاً.. وابتسمتْ في داخلها.. ها قد حان وقت المساومة..! ووجدت نفسها بصدد تلك المعادلة الأخلاقيّة التي أوجدها المجتمع.. التنازل عن حقوق الزوجة مقابل حصولها على الطلاق.. أعادها إلى الواقع الذي لا مفرّ منه حين قال بعصبيّة وهو ينفث دخان سيجارته:

- حسناً.. إذا ما زلت مصرّة على الطلاق، فأنا لدي شروطي..

أجابته على الفور وبدون تفكير:

- لك ما تريد..!

-

- ألا تسمعيها أولاً قبل أن تجيبي بالإيجاب..؟ أولاً قضية الضرب والإيذاء، يجب التخلي عنها فوراً وقبل أن تأخذ حكماً من المحكمة.. ثانياً، التنازل عن المؤخّر وكل ما يستحق لك من حقوق.. ثالثاً، إعادة الشبكة، فوضعي لا يسمح لي بأن أتحمل تكاليف شبكة في حالة زواج آخر..!".

***

عندما دخلتْ القاعة وهي تحمل علبة مصوغاتها الذهبيّة في داخل حقيبتها لتسليمها له كما وعدتْ.. شاهدتْ صفاً طويلاً من الأزواج يقفون بانتظار دوْرهم للحصول على الطلاق..

كان المنظر بالنسبة لها مثيراً للعواطف.. ليست بسبب خصوصيّة الحكايات والمآسي لنساء ساقتهن الأقدار لأن يقفن في ساحات المحاكم.. فقد فقدت هذه الخصوصيّة قُدسيتها في هذه القاعة وتحوّلت إلى بضاعة معروضة للبيع أمام أعين الجميع.. ولكن لأنها شعرت بأنها أمام حفل تنكريّ مليء بالكذب والاصطناع.. فالمنظر برُمّته يوحي وكأنه "طابور" أمام مخبز أو جمعية تعاونيّة.. سلمتْه العلبة وانضمّت بعدها معه إلى "الطابور" وهي مذهولة من المنظر المأساوي الذي تقف في وسطه. استقرّت عيناها على رجل التصق بزوجته يتكلم بعصبيّة والرذاذ يتطاير من فمه ليهبط على وجه المسكينة.. وبكلمات مُتسارعة وكأنه في سباق مع الزمن كان يساومها من أجل التنازل عن حقوقها مقابل الطلاق.. كان يخشى أن يتقدم "الطابور" ويصل إلى القاضي دون أن يتوصل إلى مراده.. بينما خرجت امرأة أخرى عن الطابور بسرعة مفاجئة يتبعها زوجها محاولاً إسكاتها وهي تُوَلوِل:

- أروح لمين..! أشكي همّي لمين..!

-

وأخذ الطابور يتقدم ببطء إلى أن وصلا إلى منضدة طويلة جلس إليْها رجل يرتدي الجبّة والعمامة وعيناه معلّقتان بدفتر سجّل ضخم، ودون أن ينظر إليهما بادرَهما بصوت عالٍ وكأنه أستاذ يخاطب تلاميذه:

- هل اتفقتما على كل شيء..؟

-

وبصوت خافت ومتردّد أجاب الإثنان معاً وفي وقت واحد كطفلين مؤدبين:

- نعم..!

- وعلى ماذا اتفقتما..؟

قالها بلهجة توحي بالاستعجال. وهنا مال زوجها إليه وتمتم في أذنه ببعض الكلمات، بعدها سمعتْه يقول:

- آه، إذن خلْع..!

-

نظرتْ إلى زوجها وقالت له:

- ماذا يقصد بالخلع..؟

أجابها القاضي وقد سمع سؤالها:

- الإبراء، أي أنك تنازلت عن جميع حقوقك وأبريْت ذمة زوجك مقابل الطلاق..!

وهكذا.. قضتْ محكوميّتها..! حصلت على حريّتها..!

عندما افترقا، أخذتْ ترقبه وهو يبتعد عنها شيئاً فشيئاً حتى تلاشى من أمامها.. وتلاشت معه صورته الباهتة.. واختفى فجأة كما ظهر فجأة.. وأخذتْ تتنفسّ بعُمق.. تلتقط الهواء..!

سلوى بكر مجلة العربي مارس 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016