مختارات من:

كي لا يستمر نزيف المتعلمين الأميين

ياسر الفهد

إلغاء الحواجز بين التعليم والثقافة.. ضرورة ملحة


في العدد رقم (490) سبتمبر 1999 طرح رئيس التحرير الدكتور سليمان العسكري قضية العلاقة الغائبة بين التعليم والثقافة، داعياً إلى فتح نقاش متعمق وشامل بين المفكرين والمثقفين والتربويين حول مختلف أبعاد أزمتنا التربوية المزمنة بعد أن أدى غياب التناغم والتكامل بين منظومتي التعليم والثقافة في وطننا العربي إلى ما نحن عليه اليوم من تخلّف شامل في قطاعي التعليم والتربية، وهو الأمر الذي انعكس على كل مناحي حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لتصبح معه مؤسساتنا التعليمية البعيدة عن الثقافة أشبه بآلات لا روح لها ولا قلب، تقتصر وظيفتها على تخريج أنماط جامدة من المتعلمين الذين يمكن وصفهم أيضاً بالأميين الجدد.

ومنذ صدور العدد المشار إليه، ورسائل القراء في استجابة محمودة تتواصل، حاملة أفكارا جديدة وحلولاً مجتهدة، غير أنها جميعاً. حاولت وضع اليد على الجرح ومحاولة إيقاف نزيفه.

في العدد (493) ديسمبر 1999، نشرنا جانباً من الردود التي وصلتنا حول هذه القضية، وهنا نستكمل جانباً آخر منها، لعلنا نلقي بذلك حجراً في مياه طال ركودها:


كثرة من المتعلمين .. وقلة من المثقفين

استطاع الدكتور سليمان العسكري في مقاله القيّم (التعليم والثقافة .. العلاقة الغائبة) الذي نشره ضمن افتتاحية مجلة العربي، في عدد سبتمبر العام 1999، أن يضع النقاط على الحروف، وأن يختزل جميع المشكلات التربوية التي تنيخ اليوم بكلاكلها على مؤسساتنا التعليمية وتؤدي إلى تقليص مردودها وإضعاف مخرجاتها الإيجابية، بمشكلة واحدة، هي اقتصار التربية على العناية بالتعليم الأكاديمي دون التثقيف الحقيقي، وتحت هذه المعادلة المختصرة، تنضوي تفرعات ومعان لا حدود لها، وربما يحتاج كل فرع أو معنى إلى أكثر من مقال، ونحن نشكر الدكتور العسكري الذي استطاع أن يصيب كبد المشكلة ويضع يده على الجرح مباشرة، مكثّفاً كل هذه المعاني بمعنى واحد ، هو غياب الجسور التي تصل بين التعليم والثقافة في مدارسنا العربية، وهذه مشكلة كبيرة جداً، ذات أبعاد غاية في الخطورة، وتؤدي إلى تخريج جيل من المتعلمين غير المثقفين الذي يطُلق عليهم الكاتب، اسم (الأمين الجدد)، ويشبّههم بـ (الآلات الجامدة الخالية من الروح)، وهؤلاء، في رأيه، يحملون الشهادات والمؤهلات المدرسية أو الجامعية، أو ما بعد الجامعية، ولكنهم بعيدون عن الفهم الواعي لمجريات الحياة والمجتمع، ولمتطلبات التقدم والتنمية، وهذا الوضع يشرع الأبواب أمام أميّة جديدة، هي أميّة الثقافة التي تُضاف إلى أميّة القراءة والكتابة، ويجعل في حوزتنا خريجين ومتخصصين علميين ومهنيين لا يملكون القراءة الكافية على التكيف وممارسة أدوارهم الإيجابية بوصفهم عناصر تنموية في مجتمعاتهم.

المثقف الحقيقي

ويرى الدكتور العسكري، أننا إذا أردنا اللحاق بقطار الحضارة المعاصرة ومسايرة التقدم العالمي، فلا بد لنا من الخروج من بوتقة مأزقنا التعليم الحالي، لأن إصلاح الفكر، وتحقيق الاستثمار الكامل للعقل العربي الخام - كما يسمّيه - لا يمكن أن يتما إلا بإصلاح التربية أولاً.

ويمكن الوصول إلى هذا الهدف في رأيه، بواسطة إضرام نار ثورة تربوية شاملة تعم مختلف مرافق التعليم.

وهذا يظهر من خلال قوله (لن يصبح بالإمكان إنتاج مواطن مستقل التفكير، وقادر على التعامل الإيجابي مع معطيات واقعه، إلا بثورة شاملة في علاقة التربية بالمجتمع)، ومن أولى الخطوات التي يقترح اتخاذها في هذا المجال إدخال الثقافة في صلب المناهج الدراسية، والتوسع في النشاطات الثقافية والفنية المرافقة للتعليم، وبالتالي تقويم أداء المتعلم على أساس نمّوه الثقافي، وليس فقط نمّوه التعليمي.

إذن، فإن الكاتب يريد من مدرستنا العربية أن تخّرج مثقفين حقيقيين، لا متعلمين عاديين، وهنا يحق لنا أن نطرح تساؤلاً حول ما يعنيه بعبارة (مثقف حقيقي)، إنه بالتأكيد لا يعني المثقف الذي يملك مجموعة واسعة من المعارف، وإلا لما كان هناك فرق في التعريف بين المثقف والمتعلم، بل إنه - بالتأكيد - يقصد الإنسان الواعي الذي يعرف مصلحته ويستخدم معلومات العامة أو المتخصصة أو المهنية، بطريقة رشيدة ولمصلحته ومصلحة وطنه على السواء، أي أنه ينظر إلى الثقافة بمنظار نوعي وكيفي أكثر من المنظار الكمّي.

وحتى تكتمل الفائدة من دراسة المشكلة الحيوية التي أثارها الدكتور العسكري، فإن أي كاتب يستطيع أن يتوسع في الكتابة عن بعض تفرّعات هذه المشكلة، حسبما يختار، وأن يضيف ما يراه من أفكاره الخاصة.

ونحن نرى، أن نقائص التعليم العربي، وما يجب أن نفعله لتجاوزها والوصول إلى تخريج متعلمين مثقفين ومكتملي الشخصية، يشكّلان موضوعاً واسعاً مترامي الأطراف وشائكاً إلى أبعد الحدود، ومع ذلك، فإننا سنسهم هنا بتقديم بعض الأفكار المتواضعة في هذا المجال، من خلال رؤيتنا الخاصة للمشكلة.

وهذه الأفكار ليست معزولة عن الأفكار الأصلية، القيّمة والمبتكرة والتي أوردها الدكتور العسكري في مقالته العتيدة، وإنما تشكّل امتداداً وانعكاساً لها.

ويبدو لنا أن العلة الجوهرية في مدارسنا وجامعاتنا، أن اهتمامها الرئيسي ينصبّ على حشو عقل الطالب بالمعلومات والمعارف الأساسية، أو الاختصاصية، أو المهنية، أو العامة على أساس كمّي وروتيني، دون أن تعنى إلا ضمن نطاق محدود، بقضايا أخرى، بالغة الأهمية والحساسية، فهناك مسائل الوعي والأخلاق والقيم والسلوك اليومي والشخصية المتكاملة وبناء الإنسان وغيرها، مما يستحق كل العناية والاهتمام.

احترام الرأي المضاد

ففي مجتمعنا العربي اليوم متعلمون (أو مثقفون أمّيون)، يحوزون كمّيات كبيرة من شتى أنواع المعارف ومختلف ألوان الثقافات، ولكنهم لا يعرفون أين تكمن مصالحهم الحقيقية، ويفتقرون إلى القيم الأخلاقية والإنسانية، ويمارسون سلوكاً يضر بالآخرين وبالوطن، ولا يعون واجباتهم ومسئولياتهم الأسرية والعامة.

إنهم باختصار كتل من المعلومات الجامدة التي جفّ فيها ماء الحياة وتوقف نبض الحركة، ولكي تغيّر هذه الصورة القائمة، علينا أن نطوّر المدرسة العربية تطويراً أساسياً، حتى تعنى بكامل شخصية الفرد، لا بمعارفه الأكاديمية وحسب، وهذا لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، أو خلال وقت قصير، بل لا بد من اتخاذ عدد كبير جداً من الخطوات الصغيرة المتلاحقة والتدريجية وعلى مدى حقبة طويلة من الزمن، ولا شك أن وضع جداول تفصيلية حول ذلك، يحتاج إلى مئات الصفحات.

وسنكتفي هنا بالقول إن المدرسة العربية يجب أن تتحول من النطاق الكمّي إلى النطاق النوعي، وأن تعمل، إلى جانب تزويد الطالب بالمعارف الضرورية، على تربيته بصورة متكاملة، في المجالات الثقافية والنفسية والأخلاقية والسلوكية والصحية والاجتماعية، حتى يصبح إنساناً واعياً مثقفاً وأخلاقياً وقادراً على التفاعل بنجاح مع متطلبات العصر والبيئة المحيطة به، وبتعبير آخر، فإن على التربية العربية أن تنتقل من مرحلة الجمود المعلوماتي الأكاديمي إلى مرحلة تنشئة الطالب تنشئة نفسية سليمة، وتعليمه قيم المسئولية والنزاهة والاستقامة والتعاون والصدق والشجاعة والمروءة، وكذلك القيم المتعلقة بالديمقراطية التي تمثل اليوم صرخة العصر والشغل الشاغل للسياسيين والمفكرين، وهذا يعني تعليم الطالب كيف يتخلى عن التعصب الفكري، ويحترم الرأي المضاد، ويتبنى منطق الحوار، وينبذ العنف، ويقدّر حقوق الآخرين، أي أن على المدرسة العربية أن تتحول من دار لتلقين جداول المعارف وقوائم المعلومات وبيانات الأرقام والأسماء، إلى واحة حضارية لمكافحة ظواهر الجشع والغش والأنانية والخداع والكذب والتحايل، والسلوك السيئ بشتى أشكاله، وحتى في المجال الأكاديمي، فإن هناك حاجة إلى إصلاحات عدة لا يمكن حصرها، ولكننا اقتصرنا هنا على ما يتعلق بتنمية الشخصية المتكاملة للطالب، حتى يصبح مثقفاً حقيقياً، بالمعنى الذي قصده الدكتور العسكري، أو بأي مغزى آخر للثقافة يتجاوز الأبعاد الكميّة والأكاديمية إلى الأبعاد النوعية والقيميّة، ومن المعروف أن هناك إشكاليات عدة تتعلق بتعريف المعنى الحقيقي للثقافة، وإذا استعرضنا الأدبيات المختلفة، نجد أن للثقافة من التعاريف، أكثر مما لأي مفهوم آخر، ولا ريب أن الخبرة الطويلة للدكتور العسكري في المجال الثقافي، والتي اكتسبها قبل وخلال وبعد، عمله، أميناً عاماً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، تضفي المصداقية على رؤيته، بأنها ترى في المثقف العربي، إنساناً واعياً ورشيداً، يستعمل عقله للعمل في نطاق أعمّ بكثير من مجرد حفظ لوائح المعلومات وتخزينها في الذاكرة، ويستخدم تفكيره حتى يتسّع لرؤية جميع الدوائر الثقافية والعلمية والحياتية المحيطة به، ويتعامل معها بكفاءة وموضوعية ونزاهة، وحتى تستطيع مؤسساتنا التعليمية تخريج مثقفين من هذا النوع، فإننا نتفق مع الدكتور العسكر ي على ضرورة إعادة النظر في مضمونات مناهجنا الحالية، فنعدّل بعضها، ونحذف منها، ونضيف إليها، مع مراعاة إدخال نشاطات ثقافية وفنية جديدة وهادفة إلى مدارسنا وجامعاتنا، ولا شك أن تحقيق هذا، يحتاج إلى زمن طويل، ولا يمكن أن يتم كما أسلفنا، إلا بخطوات بطيئة وتدريجية.


التعليم والثقافة .. أحكام الروابط

بقلم : الدكتور سمير سالم عميش


لعل ما زاد من جمال موضوع الدكتور سليمان إبراهيم العسكري وأهميته المعنون "التعليم والثقافة : للعلاقة الغائبة" في مجلة العربي ذائعة الصيت (العدد 490 سبتمبر، 1999) جاء من خلال دعوته الصادقة للمشاركة في "نقاش متعمّق وشامل بين رؤى مفكرينا ومثقفينا وتربويا لمختلف أبعاد أزمتنا التربوية المزمنة / حسب تعبيره" وذلك على صفحات مجلة العربي.

ولا شك في أن التعليم مرتبط بالثقافة، إلا أن العلاقة بين التعليم والثقافة ليست تكاملية، والتوأمة بينهما لا تعدو كونها فكرة إنسانية مخلصة دون أن تكون حقيقية أو واقعية، ولا أريد هنا أن أدخل في متاهة تحديد وصف للثقافة أو التجرؤ على وضع تعريف شامل لها، لأن ذلك يزيد من جدلية الموضوع، ويضيف تعقيدات جديدة للرابطة الفعلية بين التعليم والثقافة، ففي تاريخ الإنسان ولدت ثقافات بغض النظر عن محتوى فكرها الإنساني أو العلمي، دون وجود التعليم أو أي من مؤسساته، وهذه الثقافات كشفت عنها العلوم، دون شك في ذلك، فقد كانت الضرورات الماسة والأخطار المخيفة من أهم المبررات التي حدت بالإنسان القديم إلى تعلم وسائل حماية نفسه والدفاع عن وجوده، وتأمين مصادر معيشته وقوته، أي كان التعلم قسرياً، وجاء كإحدى نواتج صراع البقاء الذي شهده الإنسان ذاك ضد الأخطار العديدة التي أحاقت به، وأحاطت به من كل جانب سواء كان مصدرها الطبيعة أم الحيوانات الأخرى أم الإنسان ضد أخيه الإنسان، وقد أثبت العلم بتحليل البقايا القديمة أنه كان للإنسان ثقافة تلائمه، وكانت لديه وسائل وأدوات يستخدمها في حياته، ويستعين بها على معاشه دون أن تكون لديه مراجع علمية أو كتب إرشادية أو منشورات تحذيرية، أو مدارس أكاديمية أو مهنية أو تربوية أو سياسية أو دينية أو عقائدية أو أيديولوجية.

منهجية التعليم

وقد شهدت سياسات التعليم في وطننا العربي تغيرات وتبدلات حكما، ليس فقط في المناهج والنشاطات اللامنهجية، ليس فقط في المناهج والنشاطات اللامنهجية، بل أيضاً في تدريب المعلمين وتهيئتهم، وتنمية قدراتهم في التعامل مع المناهج ومع الطلبة، ومع ذلك فإن الانتقادات الحادة مازالت توجه إلى هذه السياسات في كل بلد عربي، بل إن مثل هذه الظاهرة الانتقادية سائدة في كل دول العالم تقريباً مع اختلاف، بطبيعة الحال، المستوى التعليمي وارتباطاته بالحاجات الاجتماعية في كل بلد ومثل هذه الحالة ليست فريدة ولا تختص بالسياسات التعليمية وحدها، إذ تواجه السياسات التنموية الشمولية أيضاً مثل هذه الحالة.

ولعل الفكر الاجتماعي والثقافي والتربوي الذي تملأ كتبه مكتباتنا، وتنتشر تحليلاته في صحفنا ومجلاتنا، تلقي ضوءاً ساطعاً على علاقة التنشئة للطفل بمدرسته وبيته وبيئته، وما يختزن في ذهن الطفل من ملاحظات سلوكية لمعلميه ووالديه وأقرانه تظهر في وقت متأخر من نموه على سلوكه وعلى مواقفه وآرائه، إذ إن قدرة الطفل على التعليم واستقباله للمعلومة المدرسية والمرجعية تختلف تماماً عن طاقة تخزين التصرفات والسلوك وطرق المعاملة التي يشهدها الطفل أو يلاحظها أو يتعرض لها، فالتنشئة السلوكية قضية ربما تكون أكثر خطراً وأشد تأثيراً على الطفل من التنشئة التعليمية والثقافية المدرسية، لأن الثقافة ليست وليدة المناهج التعليمية، بل لربما تكون متأثرة إلى حد كبير بمنهجية التعليم ووسائطه، فالتعليم هو وسيلة وهو حافز أيضاً، إذ إن الثقافة المعاصرة تشترط أن يكون الإنسان متعلماً، ومع توافر الحوافز يتمكن هذا المتعلم من المشاركة في المشروعات الثقافية وفي فعالياتها ومختلف أنشطتها ذات النفع العام والمرتبطة بحاجات مجتمعه واحتياجات تنميته وتطويره، وتوطين القدرة الثقافية الإنتاجية والمنتجة.

تواجه المسألة الثقافية في مجتمعاتنا العربية مأزقاً حاداً في قدرة المثقفين والمفكرين على التأثير على السياسات العامة للدولة، للانتقال من مرحلة البناء الثقافي العام إلى مراحل بناءات الثقافات التخصصية وتوفير الموارد ومصادر التمويل لتلبية احتياجات كل منها، وتتطلب ثقافة الاختصاص ديموية التزود بالمعرفة من مصادرها المحلية والعالمية كي يحافظ المختص في فرعه على مستوى لائق من المعرفة تمكنه من المشاركة في القضايا الاجتماعية المعاصرة بطريقة علمية مفيدة، وأساليب بناءة قادرة على التطور والتطوير.

الثقافة المعاصرة ثقافة منفتحة، ليس برغبة منها، بل لأن قدرة أي بلد أو مجتمع على الانغلاق قد شلتها وسائل انتقال المعرفة والمعلومات والأفكار، وهكذا فإن فرضية الثقافة المحلية تفقد الكثير من مصداقيتها، أما ثقافة الولاءات المحلية والوطنية، فإنها تكون عرضة لمخاطر لا ترغب في مواجهتها، إن لم يملك المفكرون والمثقفون الوسائل العصرية اللازمة لتحقيق بناءات ثقافة الولاءات دون الحاجة إلى مقاومة الثقافة الوافدة ومعاداتها وإعلان الحرب الفاشلة عليها، فتمتين البناء الثقافي فيه رادع كاف للمحافظة على الهندسة البنائية وركائزها المرنة التي أخذت في حساباتها مواجهة الهزات والصدمات.

وثقافة الولاءات الوطنية، ليست مقترنة بالتعليم الوطني، بل بالسياسات العامة التي توفر متطلبات المنتجين وتزود المبدعين بما يلزم إبداعهم لتعم فوائده على مجتمعهم وتهيئ للعلماء والمتعلمين الوسائل والوسائط التي يطلبون لمواصلة دراساتهم وأبحاثهم، وهي السياسات نفسها التي عليها أن تضع برامجها للتعامل مع الأذكياء والقدرات النادرة في الأجيال الصغيرة لرعايتها وحماية نشأتها من الشذوذ والهرب إلى ما لا يحبون ويكرهون على اللجوء إليه.

ثمة ملاحظة جديرة بالذكر، أنه حتى نميز التغير في العادات والتقاليد في أي من مجتمعاتنا العربية، كنا نحتاج إلى خمسين أو أربعين عاماً حتى تظهر بوادر هذه الاختلافات بين الأجيال، فاختلاف طرائق الأبناء عن الآباء والأجداد، والتغير الذي يطرأ على عاداتهم وثقافاتهم، الاجتماعية أخذ يحتاج إلى وقت أقصر فأقصر، حتى أننا بتنا نشهد هذا التغير خلال خمس أو عشر سنوات على الأقل فيما بين الابن الأكبر والابن الأصغر في العائلة نفسها، في التوجه والعادات والأذواق والنظر إلى الالتزام بالقضايا العامة من اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية.


في المنهج التعليمي والإبداع

بقلم : الدكتور زهير إبراهيم جبور


لم يعد خافيا على أحد ونحن ندخل الألفية الثالثة أن رصيد الدول لا يقاس بما تملكه من ثروات طبيعية وحسب ، بل بما تملكه من أدمغة علمائها ومفكريها الذين يقومون بصناعة المعرفة وهندستها للوصول إلى مستوى من الدخل المعرفي الإجمالي الذي يصون استقلالها وسيادتها بالرغم من نسبية هذا المفهوم في زمن العولمة ، بيد أن إنتاج المعرفة يتطلب إعداد الكودار العلمية إعدادا سليما للتعامل مع آخر المستجدات العلمية ، وإذا كان الطلبة هم الساحة الأساسية لأي عمل علمي استراتيجي يهدف إلى النهضة الحقيقية ، فإن هذا يؤكد على ضرورة تقديم مناهج تنمي لدى الطلبة روح الابتكار والإبداع ، ولا تقتل لديهم ملكة التفكير ، لأن الدماغ البشري ثروة بيولوجية مهمة لا يجوز هدرها بأن نفرض على الدماغ التبلد وذلك بالتعامل مع مناهج دراسية محشوة بالمعلومات الفارغة واللغو دون أن تثير لدى الطلبة الاهتمام ، ولا تحفز لديهم الأسئلة الذكية !

ومثلما أشار عالم الفسيولوجيا الفرنسي كلود برنار منذ أكثر من قرن في كتابه " المدخل إلى الطلب التجريبي " إلى أن المناهج الجيدة تستطيع أن تعلمنا كيف ننمي تلك الملكات التي منحتنا إياها الطبيعة ونستخدمها في أغراض أفضل ، بينما قد تعوقنا المناهج الفاسدة عن الاستفادة منها لصالحنا ، وهكذا قد يؤدي المنهج الفاسد إلى الحد من عبقرية الابتكار .

إن الحديث عن الإبداع العلمي في الجامعات والمؤسسات العملية يقتضي الحديث عن الأستاذ الجامعي ، ولأن هذا الموضوع يقتضي تفصيلا يخرج عن إطار موضوعنا فإننا نكتفي بالتساؤل التالي :

هل كل حاصل على شهادة دكتوراه في حقل من حقول المعرفة - مهما كانت أهمية هذه الشهادة - قادر أن يكون أستاذا جامعياً ؟!

يقول المفكر الألماني ماكس فيبر في كتابه " رجل العلم ورجل السياسة " : يمكن للمرء أن يكون عالما بارزا ، وفي الوقت نفسه أستاذا رديئا جدا !! أي لا بد من الفرز الدقيق بين المدرس الجامعي والباحث العلمي لأن حامل الشهادة العليا غير المؤهل للتدريس يمكن أن يرتكب بحق الطالب جريمة تربوية لا يستهان بها هي الملل والسأم الذي يجعل الكثير من الطلبة ضحايا لذلك ، نظرا إلى غياب جو الإثارة العقلية داخل القاعة ، حيث لا يكفي أن يكون المنهاج حافلا بالمعلومات والمفردات المثيرة إذا كان الأستاذ الجامعي يقتل هذه الإثارة بعرضه الممل ، البارد !!

لكن المناهج تبقى الحلقة الأخطر في إعداد الطلبة إعدادً علمياً لائقا شرط أن تعتمد على تثمين مفاهيم الحرية والأمانة المعرفية ، وتحفز لديهم المغامرة المعرفية واكتشاف الحقيقة على أن تراعي هذه المناهج الفروقات بين الطلبة لأنهم يتفاوتون في استعداداتهم ومواهبهم وطموحاتهم وإلا فإننا نكون كمن يستخدم علاجا واحداً لجميع الأمراض ( Panacea ) .

ألا تشكل مناهجنا في وضعها الراهن الحلقة الأخطر التي تعيق طلبنا عن الإبداع المعرفي ؟!

إن تطوير المناهج بات ضرورة لا مفر منها ، بحيث تكون ملبية في مفرداتها وسياقاتها لحاجاتنا التنموية وبعيدة عن عقدة التبعية للآخر ، وأن تشتمل على مقرر عن تاريخ العلوم عند العرب يبين إسهامات علمائنا في مختلف دروب المعرفة لإعادة الثقة لدى طلبتنا بحضارتهم وتحفيزهم للسير نحو التقدم العلمي ، وكذلك تزويد الطلبة بآليات التفكير العلمي من خلال مقرر يبث لديهم الروح العلمية وروح الابتكار!

ياسر الفهد مجلة العربي فبراير 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016