مختارات من:

«أبو طلال» .. وزاوية «الله بالخير»

خليل حيدر

عندما سئل الراحل الكبير محمد مساعد الصالح، «أبو طلال» ، في إحدى المقابلات الصحفية عام 1995، «ماذا حققت حتى الآن»؟ كان جوابه المفاجئ المتواضع: «لا شي»! غير أن هذا الإعلامي الكويتي البارز، والشخصية الوطنية والحقوقية، ظل على امتداد قرابة نصف قرن، من أبرز الشخصيات الصحفية في الكويت ومنطقة الخليج والجزيرة العربية وفي العديد من الدول العربية، وكان دوره في تأسيس وإدارة الصحف، وكتابة المقالات، وإلقاء المحاضرات، والمشاركة في مختلف المناسبات الوطنية، والدفاع عن حرية الفكر وحق التعبير والتصدي لأي شكل من أشكال التعسف، ملء السمع والبصر.

عايش «أبو طلال» مشروعين سياسيين كبيرين، هيمنا على وعيه وقلمه: المشروع القومي العروبي الذي عايشه عن قرب في القاهرة، مع انطلاق الثورة المصرية عام 1952، حيث كان طالباً يدرس الحقوق هناك، وحيث انتمى في أوج حماسه الوحدوي إلى حركة القوميين العرب، أما المشروع الثاني فكان التطور الدستوري البرلماني والتحديثي في الكويت، ابتداء من إرهاصات ما بعد 1950، إلى الاستقلال عام 1961، والتصديق على الدستور وبداية الحياة البرلمانية الصاخبة وتوالي صدور الصحف اليومية والأسبوعية في البلاد.

اختتم أبو طلال عطاءه الصحفي بزاوية «الله بالخير» الشهيرة، وقد اختار أسلوباً ساخراً يعبر به عن الكثير من المعاناة والمعاني الجادة والتي قد لا يفيد فيها كثيراً التناول المعتاد. «عندما يكون مزاجي معكراً تصبح كتاباتي أكثر سخرية، فأتمنى دائماً أن أكون «مش رايق» حتى تزداد جرعة السخرية». وكان يشعر بزحف العمر والزمن على قلمه، ويقول، «عندما كنت شاباً كنت هجومياً، ولكن كلما كبر الواحد فالهجومية تخف عنده، ففي السابق كل الأمور كانت بحاجة إلى حلول جذرية، اليوم أنا مثل الحكومة إصلاحي».

بدأت زاوية «الله بالخير» في صحيفة الوطن سنة 1974، «كنت أكتب عمود الله بالخير في الصفحة الأخيرة، مع كوني رئيس تحرير، وبعدها رئيس مجلس الإدارة، ولكنني حافظت على كتابة العمود، لأنني أعتبرها - أي الزاوية - أهم من رئيس التحرير، خصوصاً أن المناصب هذه قابلة للتغيير، أما الكاتب فلا يمكن أن يتغير».

كان يصحو الساعة السابعة صباحاً حيث يتناول الفطور ثم يقرأ الصحف من الثامنة إلى العاشرة. «وعادة أطالع المنشيتات وليس بالضرورة قراءة كل شيء». أما كتابة العمود فتتم «غالباً الظهريات في المكتب بعد اختمار الفكرة، وأحياناً لا توجد فكرة معينة فعند رجوعي للبيت أكتب، في كل الأحوال أكتب الظهر أو العصر».

كان أبو طلال محامياً ممارساً للمهنة إلى جانب الصحافة، وقد عرف المحامون بالمطولات القانونية في حين أجاد هو في مجال المقالة الموجزة، واشتهروا بالصياغة الحرفية والتجهم والعبارات العسيرة العصية، فيما اختار أبو طلال التعبير الشعبي والكلمات الطريفة الساخرة.

وارتسمت للمحامين في أغلب الأحوال عقلية محافظة وحرص على عدم إبراز الجوانب العاطفية من حياتهم، أما أبو طلال فكان رأيه في أحيان كثيرة على طرف لسانه، وعواطفه بارزة في بيانه.

كان الراحل شخصاً مدهشاً إذا نظرنا في حياته وشريحته الاجتماعية، حيث كان يتمتع بكل ما يسهل عزله عن هموم الناس اليومية، فلم يكن يعاني أي نقص أو احتياج. ورغم ذلك كان شديد الإحساس بما يزعج متوسطي الحال والبسطاء من الناس. وكان لعموده الصحفي تأثير سحري على كل الخدمات والمسئولين، حيث يبادرون بالاستجابة.

لم يؤثر أسلوب الراحل الساخر، رغم هذا كله، في اختيار مواضيعه والأهداف التي كان يقصفها في أحيان كثيرة بقوة، بل نكاد نقول إنه سخر قلمه وزاويته على امتداد سنوات لتعرية الفساد والتكسب السياسي والتطرف الديني وتجاوز القوانين والقبلية والإرهاب، ودافع بقوة عن القضايا القومية وحقوق المرأة والنزاهة والديمقراطية.

ولننظر بعد هذه المقدمة إلى نماذج من الاهتمامات والقضايا التي تناولها أبو طلال، فنتوقف أولاً عند نقده لغرور بعض رجال السياسة، إذ يقول: «رجال السياسة في الكويت يفهمون كل شيء.. ونادراً ما تسمع منهم موضوعاً ما في غير اختصاصهم، بعكس الحال لدى الساسة الأمريكيين».

وأبدى استياءه من تضارب الفتاوى فكتب: «يبدو والله أعلم، أن الفتاوى غير الطبيعية صارت مجالاً للشهرة، وكأننا حديثو عهد في الإسلام: شيخ يفتي بأن المنقبة يجب أن تظهر عيناً واحدة، ومفتٍ آخر يفتي بضرورة رضع الموظف لزميلته لتحليل الخلوة الشرعية، وأمس قرأت أن أستاذاً في جامعة الأزهر طالب الرجال بعدم لبس أي ملابس «نص كم» والبنطلونات الضيقة التي تظهر العورة لدرء الفتنة، كما أفتى العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية بأن قمصان الرجال ذات الأزرار المفتوحة والـ «تي شيرت نصف كم» تثير إعجاب النساء بالرجال، كما طلب العميد السابق من السلفيين الذين يقصرون جلابيبهم ويكشفون جزءاً من أقدامهم أن يرتدوا الجوارب لعدم إثارة النساء. ونرجو من الأخ رئيس مجلس الأمة أن يطبق الضوابط الفقهية على أعضاء مجلس الأمة من السلفيين، بحيث لا يدخلون المجلس إلا إذا ارتدوا الجوارب».

واستطاع أبو طلال في مقال موجز عابر أن يعطي قراء الداخل والخارج فكرة واضحة عن «ديوانيات» الكويت، أي المجالس المعروفة التي تتميز بها مختلف شرائح المجتمع الكويتي، والتي يبرز دورها في مختلف المناسبات الاجتماعية والسياسية وبخاصة الانتخابات.

«أنا لست دواويني» بل «بيتي»، إذ إن عدد الديوانيات التي أزورها لا يتجاوز سبع ديوانيات، كل واحدة لها نكهة.

ومضى أبو طلال يعدد هذه الديوانيات السبع وميزة كل منها:

«إحداها تقع في الشويخ الجنوبي، وقد حدث فيها انقلاب سلمي تسلم بموجبه رواد الديوانية الإدارة من دون الملكية، والديوانية الثانية في الشويخ أيضاً - إحدى مناطق الكويت المعروفة - تجمع عدداً من الشباب الاقتصادي، وغالباً ما يتركز البحث فيها على الشأن العام من دون الوصول إلى نتيجة، والثالثة في الشامية، وهي ديوانية هادئة وأحاديثها لا تتعدى تبادل المجاملات، والرابعة تقع كذلك في الشامية، وتدور فيها أحاديث متنوعة سياسية واقتصادية وإشاعات تشكيل الوزارات، وروادها يمثلون ألوان الطيف الكويتي.. » إلخ.

وفي مقال آخر بعنوان «وزراء من سويسرا» تناول أبو طلال الصراع بين نواب البرلمان، أو «مجلس الأمة»، والحكومة، ورأى على المسرح السياسي «نواباً يعدون العدة لاستجواب وزيرة التربية، ونواباً آخرين يهددون باستجواب وزير النفط والكهرباء، وفريقاً ثالثاً من النواب سيستجوبون وزير التجارة والصناعة، وآخرين يطالبون بعدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء.. لقد مرت بنا حالات توزير النواب، ومع ذلك لم يسلموا من الاستجواب أو الاستقالة.. وخير مثال المرحوم الدكتور أحمد الربعي. ولو استعنا بوزراء مستوردين من سويسرا أو الدنمارك أو اليابان فستظل الأحوال على ما هي عليه من فساد وسوء ادارة وبيروقراطية».

كان أبو طلال من أشد منتقدي التشدد الديني والطائفية والقبلية. وكان قدر كبير من مقالات زاويته من القذائف التي استخدمت في معاركه هذه!

فعندما تشكلت لجنة الظواهر السلبية البرلمانية وهي ذات طابع ديني متشدد، اعتبرها أبو طلال لجنة متزمتة، وكتب أن الاعتراض قائم حول خشية الكثير من الناس من أن تتحول اللجنة إلى صنو لـ «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في بعض المجتمعات الخليجية، «فتتدخل في حرية الناس وتضيق عليهم في حياتهم، إذ إن معظم أعضاء اللجنة عُرفوا بالتطرف في نظرتهم إلى الأمور الاجتماعية الدنيوية، سواء في اعتراضهم على عدم الفصل في الجامعات والمدارس بين الطلاب والطالبات أو حول عمل المرأة وحقوقها السياسية، وأخشى شخصيًا أن تتحول أعمال اللجنة إلى قائمة من الممنوعات تتبناها لجنة الظواهر».

وعن القَبَلية طالب بإلغاء اسمها - أي القبيلة - عن أسماء الأشخاص الذين يحملونه، «ليكون الجميع أبناء الكويت». وهاجم كذلك الفرز الطائفي، لأن «المجتمع الكويتي بأغلبيته لا يؤمن بالتقسيم القائم على المذهب الديني.. فأكثرية الكويتيين لا يؤمنون به ولا يمارسون التفرقة على أساس طائفي أو عرقي، ويظهر هذا واضحًا في تأسيس الشركات التجارية وفي التجمعات والنقابات». وحذّر الشباب كذلك من الوقوع في حبائل التنظيمات الإرهابية: «فقد قرأنا وسمعنا عن تطوّع كويتيين في تنظيم القاعدة الإرهابي، وكذلك تجد الكويتيين في باكستان والعراق، كل هذا يحدث بحجة عمل الخير، وللمرة الأولى نعرف أن قتل المسلم لأخيه المسلم عمل خير، ويصلون إلى البلاد ليكون في استقبالهم مواطنون وكأنهم أبطال مع أنهم شاركوا في معارك لا تهم الكويت».

ولم يمنعه انتماؤه الإعلامي من نقد الصحافة الكويتية ومحاولة تقويم مسارها كلما أخطأت أو تحاملت أو أهملت الالتزام بالقواعد الصحفية الصحيحة، فهو يقول في إحدى مقالاته «في الكويت تتم محاكمة الإنسان مرتين، مرة أمام قاضيه الطبيعي، وهو المحاكم بدرجاتها الثلاث، ومرة أخرى، في فترة تسبق المحاكمة، تتولى صحفنا إصدار الأحكام، وتتفاوت الأحكام من جريدة إلى أخرى».

وكالكثيرين من أبناء، أو بالأصح آباء جيله، كان ينظر بارتياب إلى مستقبل الأطفال في زماننا، وما طرأ على الطفولة واليفاعة من تغير وتبدّل، حتى تحوّلت معانيهما وبهتت متعُهُما. «زمان، أيام طفولة الأبناء، كنا نشتري لهم ألعابًا مثل الدمى والقطار المتحرك والقرد الراقص، وذلك لإشغالهم بالالتزام بالهدوء وعدم إزعاج الآخرين. الآن صارت الألعاب تختلف، وما إن تبدأ الطائرة بالإقلاع حتى يخرج الأبناء «اللاب توب»، وهات ضغط في الزراير من دون إبداء كلمة. لقد صارت العلاقة بين جيل الآباء والأبناء مشكلة ولم يعد الابن يتحدث مع والده أو والدته».

وبالرغم من هيمنة الشأن المحلي والهم الداخلي على الكثير من مقالاته، إلا أن الكاتب كان يذكّر القرّاء بدوائر اهتمام أوسع، فيتذكر مثلاً سفرته الأولى إلى مصر في صيف عام 1951 لإكمال دراسته الثانوية والجامعية، حيث تعرّف على «بائع الجرائد» الذي كان الطلبة يدفعون له «قرش صاغ» ثمنًا للجريدة، وبعد الانتهاء من القراءة يأخذها بائع الصحف ليعطيهم أخرى مجانًا لقراءتها وإعادتها إليه. وكان هذا البائع هو «الحاج مدبولي»، الذي بدأ حياته بائعًا متجولاً يحمل بضاعته من الجرائد. «وبعد تخرجي وعودتي إلى الكويت صرت أتردد عليه في مكتبته في ميدان سليمان باشا كلما زرت القاهرة، وكثيرًا ما كنت أشاهد في المكتبة الصحافيين والمفكرين المعروفين، وكانت مكتبة مدبولي تراقب من المباحث، وهو يعرفهم بالفرَاسة، ولهذا ينتظر خروجهم ليأخذك إلى «سرداب» المكتبة ليعرض عليك الكتب الممنوعة». تذكرتُ هذا، يضيف أبو طلال، «وأنا أقرأ نبأ وفاته تبثه وكالات الأنباء والصحف.. رحمك الله يا عم مدبولي، وإنا لله وإنا إليه راجعون».

وعندما أهداه «خالد ناجي العلي» كتابًا يحتوي على لوحات كاريكاتيرية لوالده المناضل والفنان الفلسطيني المعروف، كتب عنه يقول: «لقد خاض ناجي العلي حربًا ضد إسرائيل وأمريكا والدول الغربية والأنظمة العربية والفصائل الفلسطينية جميعها بريشته الرائعة، لم يكن منحازًا لنظام عربي أو فصيل فلسطيني، بل منحاز للقضية العربية والشعب الفلسطيني والشعوب العربية. ففي أول صفحة من الكتاب، رسم سمكة ملفوفة بـ«الغترة الفلسطينية» والتعليق «ممنوع التنفس من المحيط إلى الخليج».

وعندما توفي المفكر المعروف د. فؤاد زكريا عام 2010، أبّنه أبو طلال بحزن وتقدير كبيرين، وأشاد به رجلاً فذًا «خدم الثقافة والمثقفين من خلال العقل، كما يجب ألا ننسى دوره الوطني المميز ضد العدوان الصدّامي البعثي على الكويت».

وعندما تم تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد، كتب في يناير 2009 يقول ساخرًا: «أعجبتني الطريقة التي تم بها تنصيب الرئيس الأمريكي أوباما، وفي الوقت نفسه أزعجتني عندما كنت أفكر بالطريقة المناقضة لها التي تحدث في وطننا العربي. الطريقة الأمريكية تدل على النظام وسلاسة انتقال السلطة من رئيس إلى رئيس آخر ليس قريبًا من الرئيس السابق أو ابن قبيلته أو من عائلته، ولم يطلب الرئيس السابق تمديد الولاية نظرًا للأزمة المالية، ولم يتم تعديل الدستور. وشاهدت على شاشة التلفزيون المدعوين، كل شخص يدخل بصحبة زوجته بعيدًا عن المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه». وقبيل وفاته بشهر تقريبًا، بلغ به اليأس منتهاه من تدهور الأوضاع العربية، فكتب يطالب بلجنة شعبية عليا من المفكرين لدراسة هذا التدهور، ومقارنته بأحوالنا في ظل الاستعمار، «ففي ظل الحكم الاستعماري كانت في الدول العربية برلمانات وانتخابات وحرية رأي، وكان عدد المعتقلين الذين يعارضون الاستعمار أقل كثيرًا من المعتقلين السياسيين في بعض الدول العربية المتحررة من الاستعمار الآن».

وكم هو محزن بلا شك، أن البطل المنافح عن الديمقراطية والمدافع عن كرامة الإنسان في الكويت والعالم العربي على مدى سنين طويلة، يغادر عالمنا العربي السجين، قبيل شهر أو شهرين من انطلاق كل هذه الحركات والثورات والانتفاضات التي غمرت بلدان هذا العالم بشكل غير متوقع، مع بداية عام 2011.

إن رمزًا إعلاميًا بثقل ومكانة «أبي طلال» قد ترك الكثير مما يستحق التحليل والدراسة وبخاصة دوره الريادي في الكويت والصحافة الخليجية وحتى العربية. فنحن نتذكر جميعًا أن الصحافة الكويتية بقيت لفترة طويلة، بفضل جهود محمد مساعد الصالح وآخرين، من أبرز صحف العالم العربي وأكثرها تأثيرًا في بعض تياراته.

خليل حيدر مجلة العربي مارس 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016