مختارات من:

عدنان .. والمستقبل

محمود المراغي

الاسم : "عدنان" ، وهو ليس اسما لطفل عربي، لكنه طفل من البوسنة التي شهدت الموت والخراب لفترة غير قصيرة، جاء إلى العالم في الثاني عشر من أكتوبر "1999"، وتناقلت وكالات الأنباء خبر مولوده حيث اعتبرته الأمم المتحدة ومنظمات السكان : الإنسان رقم "6" مليارات على وجه الأرض.

ولكن .. كيف كانت الرحلة التي قطعتها البشرية لتصل إلى هذا الرقم؟

تقول معلومات الأمم المتحدة أيضاً إن تعداد البشرية عند مولد المسيح لم يزد على ثلاثمائة مليون نسمة .. ولم يزد التعداد على "1.7" مليار نسمة عام "1900"، أي أن القفزة كلها كانت في القرن الأخير، ففي هذا القرن تضاعف عدد السكان بأكثر من ثلاثة أضعاف ما كان عليه، بينما لم تبلغ الزيادة طيلة "19" قرنا غير ستة أضعاف ما كان عليه الحال عند مولد المسيح.

الأرقام تقفز، ومعدل الزيادة - لأسباب طبية واقتصادية - تضاعف أربع مرات خلال هذه الفترة، لذا فقد صرخ العالم : "تكفينا هذه الأعداد"، ولجأ البعض للحد من الزيادة السكانية، بينما وصل البعض إلى أن القادمين الجدد يتساوون في العدد مع الراحلين للعالم الآخر، أو بقول آخر : تلد النساء ولا يزيد عدد السكان!

ومعدل التزايد يتراجع الآن فبعد أن وصل "2%" في المتوسط تراجع إلى نحو "1.6%" سنويا، ورغم ذلك فإن التوقعات تقول أن العالم سنة "2150" سوف يصبح "11 مليار نسمة".

السكان يتزايدون رغم كل الجهود، والانتشار الجغرافي يشهد اختلالا بين القارات، فثلث البشرية يعيش في دولتين هما : الصين والهند، وبما يجعل آسيا هي الأكثر سكانا بين كل القارات، بل هي قارة المستقبل إذا كان السكان هم المعيار.

وطبقاً للتوقعات أيضاً فإن الدول العملاقة، والتي تزيد تعداد سكانها على المائة مليون سوف يزيد عددها من عشر دول "في منتصف التسعينيات" إلى "18" دولة عام "2050".

يلفت النظر هنا أن سباقا يجري بين الدولتين العظميين سكانياً، أعني الصين والهند، ولكن عند هذا التاريخ أي في منتصف القرن الجديد سوف تكون الهند هي الأولى بتعداد قدره "1.64" مليار نسمة والصين هي الثانية بتعداد قدره "1.61" مليار نسمة.

يلفت النظر أيضاً أنه بين الدول العملاقة التي سوف يتجاوز تعدادها المائة مليون دولة عربية واحدة هي: مصر وثلاث من دول الجوار العربي وهي : إيران ، تركيا ، أثيوبيا، وبكل ما يعنيه ذلك من انعكاسات سياسية واقتصادية.

عالم من الفقراء

العالم يزيد من حيث السكان، ومن حيث الثروة أيضاً ولكن، ونتيجة لسوء التوزيع وغياب العدل يمكننا القول إننا أمام عالم من الفقراء، ففي منتصف التسعينيات كان هناك "21%" فقط ممن ينتمون للعالم المتقدم، بينما كان هناك "79%" أو 4.5 مليار نسمة ممن ينتمون للعالم الفقير والأقل تقدما.

وفي آخر تقرير للتنمية البشرية "99" والذي يعد له البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة كان خمس سكان الأرض يحصلون على "86%" من الناتج المحلي و "82%" من أسواق الصادرات و "68%" من الاستثمارات الأجنبية المباشرة و"74%" من خطوط العالم الهاتفية.

أما خمس العالم الأكثر فقراً فيحصلون على "1%" تقريبا من كل ذلك وبما يجعل النسبة بين ما يحصل عليه الخمس الأعلى بالمقارنة مع الخمس الأدنى "1 : 74" في مقابل ما كان عليه الحال عام 1960 وهو : "1 : 20"! وفي التأصيل نجد أن "80" دولة - طبقا لنفس التقرير - تحصل على دخول أقل مما كانت عليه منذ حقبة ماضية.

هناك إذن ظاهرة تركز الإنتاج والنشاط والثروة مع انتشار الفقر والتهميش، ولكن وداخل دائرة الأغنياء هناك أيضاً نفس الظاهرة فهناك مائتا شخص زادت الأصول المملوكة لهم عام "98" عن مجموع الناتج القومي للدول الأقل نموا والبالغ سكانها "600" مليون نسمة! التركيز يحدث في الشمال "أوربا".

ودون حسد، أو تفسير غير موضوعي يمكن القول إن تركز الثروة وإن ارتبط بالعولمة، والشركات متعدية الجنسية، إلا أنه قد ارتبط أيضاً بتركز النشاط وتركز المعرفة والبحث العلمي.

لقد انتقل العالم من عصر الرعي إلى عصر الزراعة، وشارك الجميع في ذلك، ثم انتقل إلى عصر الصناعة، ومن عصر الصناعة إلى عصر التكنولوجيا المتقدمة والمعرفة الواسعة، وكان لدول الشمال الفضل في ذلك، ومن ثم تبوأت مكانتها واستعدت لما هو قادم من أخطار.

وعلى العكس، كانت أحوال القارات الأخرى التي تخلفت ومازالت تزداد تخلفا وتبديدا للنشاط والثروة عبر حروب أهلية، أو عبر إدارة فاسدة.

.. هذا المستقبل

على ضوء ذلك يمكن النظر للمستقبل ويمكن أن نتجاوز عن النظرية التقليدية التي كانت تحكم الاقتصاديين وتجعل سباق السكان والموارد سباقاً مطلقا تشارك فيه كل البشرية.

نحن الآن أمام عالمين وليس عالما واحداً، وإن تحدثنا كثيراً عن الكوكبية أو العولمة.

صحيح أننا أمام معادلة نتحدث فيها عن السكان "ونحاول ضبط التزايد" ونتحدث عن الموارد "ونحاول الدفع بها للأمام"، نفعل ذلك أمامنا : خطر الجوع والفاقة والبطالة، بل هناك الخطر الأكبر وهو ندرة المياه، والتي تعكس الفرق في المواجهة بين الأغنياء والفقراء، فالفئة الأولى قادرة على تعذيب ماء البحر، بينما تعجز الفئة الثانية عن القيام بهذا العبء ولا تستطيع إلا أن تعتمد على مياه الأنهار أو الأمطار أو المياه الجوفية، وربما دخلت الحروب من أجل ذلك.

وفي كل الأحوال سوف يكون العالم حاسما في تحديد المستقبل، فإذا كانت ندرة المياه حين وضع "مالتس" نظريته الشهيرة مرتبطة بالموارد الطبيعية من نبات ومعادن فإن العلم الحديث قدم البدائل الصناعية للكثير من هذه الموارد، وإذا كانت الثورة الآن تتجه للغذاء فإن "الهندسة الوراثية" تعالج القضية فتضاعف الإنتاج الحيواني والنباتي. أيضاً إذا كانت الوسائل التقليدية في نقل المعرفة قد عجزت عن أن تصنع عالماً متداخلا بالقدر الكافي، فإن تكنولوجيا الاتصال تتيح الآن أوسع معرفة لكل البشرة.

إنه التقدم في صراعه مع زيادة السكان أو زيادة الأفواه.

المعضلة أن المفتاح بيد دول الشمال، بل بيد القلة منها كالولايات المتحدة التي تحوز أكبر نسبة من الإنفاق على البحث العلمي، ومن هنا يقول : إن زيادة السكان سوف ترتبط بالضرورة بزيادة نفوذ الأكثر قوة والأكثر علماً وتقدماً.

إنهما عالمان .. لا مفر، وقد جاء عدنان ابن البوسنة في العالم الأقل استقراراً وأقل ثروة.

محمود المراغي مجلة العربي فبراير 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016