مختارات من:

نجيب محفوظ وسامي خشبة

يحيى السيد النجار

لست متعصباً لا للتحديث ولا للأصالة ولكن للأكثر صدقاً

* نحتاج للعلم ونحتاج إلى أن نعرف كيف نطبقه
* أحمد عبدالجواد أحب الشخصيات الروائية إلى نفسي
* العمل الذي لا يدافع عن نفسه أفضل له أن يموت
* مزقت بعض أعمالي عندما أصبت بالإحباط.

مساحات شاسعة من وجودنا الإنساني على كل صعيد، جاب نجيب محفوظ أبعادها واستحضرها في أعماقه، بل يمكن للناقد المشغول بالقضايا التي يتناولها أو يعالجها الأديب، أن يزعم أن نجيب محفوظ كثيرا ما سبق، ويسبق علماء الإنسانيات المتخصصين في جوانب ومستويات وجودنا الإنساني: التاريخية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية والسلوكية والثقافية، وكثيرا ما سبقهم إلى اكتشافها وإلى تأملها وهو في استحضاره لها - إذ يحولها إلى صور فنية في أعماله- إنما يقدم- في الآن نفسه- تفسيره لها.

إذا كان نجيب محفوظ لم يرسم شخوصا من غير بيئته القاهرية إلا نادرا، ولم يرسم بالتالي بيئة سوى " بيئات " القاهرة، العتيقة والشعبية الحديثة أو المتطورة .. إذا كان ذلك صحيحا، فصحيح أيضا أن هموم نجيب محفوظ قد تجاوزت دائما حدود بيئته المباشرة هذه، وعانقت دائما هموم وطنه على اتساعه.. ثم صحيح أيضا أن هموم الإنسان " الكلي "- حتى الميتافيزيقية منها- لم تغب أبدا عن عقل، بل عن وجدان هذا " العائش في الحقيقة "، الباحث عنها على كل مستوى.
ولكننا نرى، ويتفق معنا كثيرون، أن الحقيقة التي عاشها نجيب محفوظ، وعاش لها بقدر ما عاش للجمال الفني ( وهما عنده وجهان لشيء واحد دائما) كان مدخلها دائما هو المدخل الإنساني الاجتماعي، فحياة الناس الواقعية عنده- بكل مستوياتها الاجتماعية أو النفسية أو الفكرية- لا تنفصل عن نوع إيمانهم ولا عن نوع أشواقهم ولا عما يؤمنون به أو يشتاقون إليه.
وحين يكون لك مثل هذا الفهم الذي تكون عبر نحو أربعين سنة من قراءته والمناقشة حوله ودراسته والاستماع إلى نقاده وقراءتهم ومقارنتهم، ثم الاستماع إليه ومحاورته والعودة- وسط كل ذلك- إلى قراءته من جديد، وأنت تتطلع إلى معرفة مصادره وإلى معايشة الواقع نفسه الذي عايشه هو- بعينيك وعقلك كما بعينيه وعقله إن استطعت - حين يكون كل ذلك ثم تذهب لحوار جديد معه، موعده في الصباح الباكر في مقهاه المفضل لهذا الوقت من النهار- في ميدان التحرير بالقاهرة - فتجده وقد بسط جريدة الصباح، يقرأ وقائع بلده ووطنه والعالم، وآراء أصحاب الرأي في كل ذلك، فلن تكون ثمة بداية محتملة للحوار سوى: " هنا.. والآن " تاركين الحديث يتحول من تلقاء نفسه، ومن تدفق أمواج ذهن الكاتب الكبير إلى الحوار الذي أردناه.

الثائر يعطي ولا يأخذ

العناوين، أكبرها في الجريدة، تدور حول قضيتين، بينهما بالمصادفة ( ربما ) قرابة من نوع ما: قضية مستقبل القطاع العام في مصر، ثم قضية التطورات الديموقراطية في أوربا الشرقية، ولكن القضية الخاصة بنا، تفرض نفسها بالضرورة وكنت قد فرغت من القهوة التي طلبها لي.

أشرت إلى العنوان: قلت: ماذا سيفعلون يا أستاذ نجيب؟
- قال: قل: ماذا فعلوا؟

سألت: ألم يكن هناك احتمال آخر؟ هل غير التاريخ قوانينه؟ أم ما كان يظن أنها القوانين لم تكن سوى حالات فوقية، أو إرادات ذاتية فرضت على الواقع تجربة غير واقعية؟
- دعك من مسألة القوانين والتاريخ .. هناك عوامل تتدخل فتفسد التجربة، عندك مثلا، موظفون " يأكلون القطاع العام " فلا تستطيع الحكم على كفاءته، أنا عشت فيه ( أيام عملي في هيئة السينما ) من عملوا فيه لم يكونوا مؤمنين به .. يسخرون منه بعد الخراب، وبصراحة كانوا جميعا أبناء " رأسمالية وطنية ".

يعني غير مؤمنين بفكرة الملكية العامة؟
- إطلاقا.. الآن يتحدثون عن فشل النظام في الاتحاد السوفييتي، لكن يا أخي القطاع العام هناك نجح لمدة معقولة، لما أداره الثوار في البداية فأوصل بلادهم إلى مرتبة الدرجة الأولى بعد أن كانت من بلاد العالم الثالث، بعد الثوار لا يستطيع العاديون أن يديروه.. هؤلاء يحتاجون إلى "حوافز أخرى".

البيروقراطيون، مثلاً ؟
- " على طول " الثائر وحده هو من يتجاوز مثل هذه الحوافز، لأن الثائر تخلقه الظروف لكي يعطي، لا لكي يفكر في الأخذ، فلما تأتي الأجيال التي تقول: أعطي كذا وآخذ كذا.. يفسد القطاع العام.

دعنا من الشرق والغرب

تفرض القضية الاقتصادية نفسها علينا كلما بدأنا الكلام، ولكن هل يمكن عزلها عن قضايانا الثقافية أو عن مناخنا السياسي؟
- الجوانب الثلاثة تترابط بالطبع، ولكن هناك مواقف تترتب بعضها على البعض: وأنا. ديموقراطي في السياسة، ولذلك قد استغني عن الكلام عن موقفي من التعليم الذي ينبغي أن يكون ديموقراطياً: أي يرفض الاعتماد على الحفظ والاستظهار.. هذان هما عماد التعليم حين يسود الرأي الواحد.

فماذا نتعلم إذن يا أستاذ نجيب: هل نتعلم التجربة الغربية؟ وبالتالي الفكر الغربي، مع العلم الغربي والمناهج الغربية؟
- يا عزيزي، دعك من الشرق والغرب، إنما يجب أن نسأل: ماذا تحتاج حياتنا فعلاً ؟ نحن نحتاج أساسا إلى أن ننتج لكي نعيش، والإنتاج صناعة وزراعة، تتدخل فيهما كل العلوم، حتى تصل إلى عصر المعلومات وصناعتها، وأنت تحتاج إلى هذه العلوم وعليك أن تتعلمها وأن تتعلم تطبيقها دون أن توقع نفسك في إشكالية تخترعها لنفسك بالكلام، ثم: هل علوم الغرب "غربية " أم أنها علوم إنسانية وعالمية وعامة؟ الطبيعة والكيمياء والرياضيات والهندسة وغيرها.. والعلم لا خلاف فيه ربما كانت هناك خلافات في الفلسفة.. وفي العقائد أما العلم فواحد.

ولكن هناك من يفاجئنا بحكم اعتقادي في مسائل علمية، انظر إلى الكلام في زرع الأعضاء مثلا.
- من يريد أن يدخل في موضوعات بهذا الشكل، فليدخل، ولا بد أن تواجهنا ظروف تحتاج إلى توعية وإلى مناقشة ومقاومة، وهناك تطبيقات قد تجد أن بوسعك الحياة حتى إذا استغنيت عنها لأنها حرام، ولكن لا أعتقد أن الدين يمكن أن يحرم شيئا ينفع الإنسان.

التحديث والأصالة

يجرنا هذا بالضرورة إلى إشكالية الأصالة والتحديث، واجهتها أنت في أعمال عديدة لك، وربما كان بطلك المشهور " كمال عبد الجواد " في قصر الشوق والسكرية، هو أبرز نماذج تلك المواجهة، البعض يطرح الإشكالية كما لو كان تكويننا الثقافي قد انقسم إلى مرحلتين، بل إلى قسمين، هل هو تكوين منقسم فعلا، أم أن العالمين قد اندمجا أو يمكن أن يندمجا معا؟
- لا يمكن أن تقوم بينهما قطيعة أبدا .. ولكن المشكلة تكمن في كيفية الطرح، لا بد أن تخرج الدين من إشكالية الأصالة أو التراث والتحديث، فلا داعي لأن نخلط بين إيماننا بديننا و إيماننا بضرورة أن نعيش في مستوى عصرنا وتحدياته... العقيدة أو الدين عنصر ثابت لا يتغير ولا يمكن تغييره، ولا بد أن نجنبه هذه المشاكل. أما بقية التراث فظاهرة إنسانية، يخلقها بعض البشر، مثلك ومثلي، يتصدى له، بالتطوير والإضافة كل جيل بأفذاذه وفقهائه، ولذلك لا أجدني متعصبا أبدا لا للتحديث وما يقولونه عنه، ولا لما يقال عن الأصالة، إنما أتمسك بالأكثر فائدة وصدقا وما يقبله الذوق والعقل.
في الشعر مثلا لماذا لا يستهويني الجميل أينما كان: المتنبي أو طاغور، المعري أو شكسبير؟ ليس في هذا ما يطعن في ذوقي أو ذهني أو ديني، تماما كما لو سمعت أم كلثوم، فقلت: لا غناء بعد هذا، ثم سمعت مغنية تركية فقلت أعجبتني أكثر من أم كلثوم، فماذا حدث؟ هل لهذا علاقة بالعقيدة أو بالدين؟ ولماذا نحرم ما لم يحرمه الله؟ ولماذا ندخل هذا في الأصالة أو في التحديث إذا كان ما استهواك لم يمس عقيدتك أو دينك، وحقق لك سعادة وعبر عن أحاسيسك وأفكارك؟

القوالب الجامدة تجمد حياتنا
إن وضع القوالب الجامدة يجمد حياتنا نفسها، مثل القول: يجب أن نحافظ على هويتنا، دون أن نسأل: ما الذي يصنع هويتنا؟ ألسنا نحن من نصنعها؟ وألسنا عندما نبحث فيها نجدها 100 مكونة من عناصر مختلفة، انصهرت فيها: عناصر رومانية وإغريقية وإفريقية وآسيوية وذابت كلها في بوتقتنا العربية؟ فإذا بحثت في أية هوية أوربية وجدتها مليئة بمثل ذلك وأكثر، ولاتزال تستزيد من كل شيء وتنمو وتتطور وتظل مع ذلك هوية قومية واعية بذاتها ربما أكثر من وعينا بذاتنا. إنما يجب أن نبدأ بطرح السؤال: كيف نواجه الحياة وما الوسائل الأجدى في مواجهتها؟.. فإذا كنا نبحث ونفكر في المنافع، فلا بد أن نبحث عن الأجدى والأنفع، وإذا كنا نبحث عن الجماليات والثقافة، وجب أن يكون بحثنا عن الأجمل والأسعد وأن نستوعب ما نعثر عليه، أو ما نبتكره ونتركه ليستقر في بنائنا الذي يستوعب كل شيء، كما استوعب قديما في عصر قوته وازدهاره تمثل كل شيء أخذه من الآخرين أو ابتكره بنفسه، فإذا ظهر أن ما يلزمنا قديم أو حديث، عربي أو شرقي فهو ذاك، لا غزو هناك ولا هزيمة، مادمت أنا الذي أختار أو أبتكر وأنا الذي يستوعب ويتمثل.

الحياة الجمالية مقياسها السعادة

ولكن ألا يمكن أن يوصف هذا المعيار الذي يجمع بين الأنفع والأسعد بتعبيرك- وبين ذاتية " الأنا " الذي يستوعبه " الآخر" ألا يمكن وصفه- أو حتى اتهامه- بأنه معيار براجماتي؟
- وماذا في هذا.. إن الحياة الواقعية العملية، براجماتية، الحياة الجمالية، مثلا، مقياسها السعادة: مثلما يحققه الجمال الفني من فرح وبهجة وتوسيع للإدراك ورهافة للذوق.. إنها سعادة يعرفها الإنسان بنفسه واعتمادا على ذوقه حسبما تعطيه بيئته ومجتمعه، لا يمكن أبدا أن تكون محبا للمتنبي وللمعري ثم أجبرك على أن تحب شكسبير أو العكس، فإن استطعت أن تتمتع بالاثنين "زين "، فإذا فضلت أحدهما " زين " أيضا، ولكن يكون من حسن حظك لو فضلت المتنبي لأنه قريبك.

من لحمك ودمك، الثقافي والشعوري يعني؟
نعم لكن لا داعي للتعصب في مثل هذه الأشياء، أو أن تطلق عليها غزوا وما إلى ذلك.. الغزو الذي يجب أن نحذره يكون في العقائد وفي الدين بالذات، كما هو الحال في مبشر يريد أن يفسد عليك دينك.. عليك في هذه الحالة أن تدافع عن عقيدتك، فالدين ليس للتصرف إنه الوحيد الذي ترثه لكي تحافظ عليه، أما بقية الميراث فأنا حر فيه " لأنني مالكه وأسلافي صنعوا نصيبهم منه وتركوه لنا نطور ونعدل وننتقد ونضيف ونحذف، لايحركني إزاءه سوى مصالح الأمة وسعادة أبنائها ومنافعهم.

لماذا لم ترد على نقادك ؟

أستاذ نجيب أنت ومستعد دائما للنقاش بحرارة في القضايا العامة، فلماذا لا تشتبك في نقاش حول قضاياك الخاصة؟ لماذا مثلا لم ترد على نقادك، القدماء منهم بشكل خاص الذين قالوا في الخمسينيات إنك كاتب " البورجوازية " وترى ما يسحق الإنسانية ولا ترى "أملها " المشرق بالشكل الذي كانوا يتوقعونه؟ ألا تعتقد أنك لو كنت قد واجهتهم بنفس المنطق الذي استخدمته منذ قليل لكنت قد حسمت المناقشة في حينها ووفرت على النقد العربي وربما على الفكر العربي مدة طويلة من الزمان الضائع، أو كنت على الأقل دعمت قوى معسكر العقلانية والواقعية الرشيدة؟
(سرح نجيب محفوظ قليلا منذ تبين أبعاد ما أثيره الآن، نظر طويلا إلى الميدان الذي ازدحم بالناس والسيارات، ساعده على ذلك أننا كنا نجلس في الطابق العلوي للمقهى، نبصر امتداد الميدان وزحامه، وتصلنا أصواته عبر زجاج النافذة الذي انزلق قليلا ليسمح لبعض الهواء المنعش بالتسرب إلينا مع الضجيج، عاد يلتفت إلي وقد اكتسبت ابتسامته صرامة نعرفها ).
- جائز.. إنما أشياء كثيرة منعتني من الرد.. والله.. أولا: اعتقادي أن العمل الذي لا يستطيع أن يدافع عن نفسه أفضل له أن يموت.. بل أفضل للإنسانية كلها، لقد تركت الأعمال تثبت نفسها وتتعمق في وجدان الناس، إن كانت تستحق أن تعيش، أما إذا لم تستطع فماذا أفعل لها؟ ستكون قد أسعدتني مدة، ثم مع السلامة.. ثانيا: إن للمناقشة رجالها، وأنا لا أضيع وقتي فيها خصوصا أنني كنت موظفا، نصف وقتي فقط مخصص للأدب، هل أضيعه أيضا في المناقشات (ما كنتش خلصت) وما كنت انتهيت لا من العمل ولا من المناقشة.

أوراق العمر

طيب ما رأيك فيما كتبه الدكتور لويس عوض في كتابه " أوراق العمر " ... عن ( بين القصرين) وتصويرها لثورة 19 وقوله ما معناه إنك صورتها من موقعك كابن للبرجوازية الصغيرة، البعيدة عن أحداث الثورة الوطنية الساخنة، بعكس ما كان هو- أي الدكتور لويس- يسمعه عن الأحداث الساخنة من والده وأعمامه وأقاربه وهو صبي صغير في المنيا. ألا ترى تناقضا في أحكام الدكتور لويس كرافض لمنهج الواقعية الاشتراكية الآن إذ يستخدم نفس المنهج في تقييم تصويرك للثورة وأحداثها؟.
_ والله ما سمعته ( معنى أنه لم يقرأ الكتاب) يسهل الرد عليه.. يعني بين القصرين، رواية، عمل أدبي ينبغي الحكم عليها بهذا الاعتبار، تنظر إلى ما تصوره من زاوية موضوعها وشخصياتها.
(لم يدافع عن عمله مستشهدا بما تضمنته بين القصرين من " أحداث ساخنة " من خلال تجارب فهمي عبد الجواد وزملائه، ومن تطور في علاقات فهمي نفسه، وياسين بأبيهما بسبب " الثورة " وما سبقها، وتأثيرها على أخلاقيات المجتمع كله وسلوكياته وقيمه إنه لايزال يترك للعمل مهمة الدفاع عن نفسه )..

.. ثم أنا لم أكن أؤرخ للثورة ذاتها كأحداث ... أما الثورة، فإنها أهم أحداث حياتي.

حياتك وحياة جيلك وربما حياة مصر كلها حتى عام 1952..
(كأنني استدرجته، فمضى يشرح )

-وهي تعيش في أعماقي إلى الآن.. ولكنها في الرواية كانت تهمني كفنان، يعني: كيف يتجمع هؤلاء الناس، كيف ترى عائلة السيد عبدالجواد) أحداث الثورة وتختلط بها، وكيف يتغير وجدانها مع الثورة رجالا ونساء دون أن يشعروا، لقد تغيروا في السلوك والمواقف وفي العلاقات وفي كل شيء، هذا هو ما كان يهمني كفنان.

(قلت لنفسي: كلام واضح ماذا لو كان قد قاله من زمان... ولكني قلت:)

الروايات الواقعية

لي هنا ملاحظة يا أستاذ نجيب لا يستطيع أن يوضح أبعادها غيرك: ففي أعمالك الواقعية الاجتماعية، يبرز حس تاريخي قوي، بمعنى ظهور 102 الإحساس بالتطور الاجتماعي والتطور النفسي للشخصيات، يبرز في هذه الأعمال إحساس قوي بأثر مرور الزمان الاجتماعي أو الإنساني.. أما في الأعمال المستقاة أصلا من التاريخ، أو الروايات التاريخية، فيتضاءل _ وأحيانا يختفي- الإحساس بالتطور الاجتماعي، وحتى التطور النفسي للشخصيات، بتضاؤل الإحساس بمرور الزمن وآثاره.. في مثل هذه الروايات، ترسم الجو التاريخي وتحوله إلى رمز أو مجاز روائي يدل- ضمنيا- على قضايا راهنة أو يشير إليها، ولكن يتجمد الزمن، أو يتجمد الإحساس بالحركة في الواقع الاجتماعي، يتوقف الزمن الاجتماعي عند لحظة المجاز إذا صح التعبير... كيف نفسر هذا التناقض: الإحساس بالتاريخ قوي في الروايات الواقعية، ويتضاءل أو حتى يتلاشى في الروايات التاريخية؟
- الروايات الواقعية يكمن الوجدان وراءها، المعايشة، فتكون حركة الزمن فيها تلقائية، تبرز بالضرورة، أما الروايات الأخرى فيكمن وراءها فكر، والفكر لكي يتضح لا بد أن يثبت أو يسكن، إنك تسعى إلى توضيح رؤية فتكون كمن يسعى لتصوير لقطة ولا بد من تثبيت موضوع اللقطة لكي تحصل على صورة واضحة .. أما في روايات الواقعية فأنت كمؤلف تعيش الأحداث والوقائع وتحولات الشخصيات.. فلا بد أن يبرز هذا الإحساس بحركة الزمن، أو بالزمان الاجتماعي أو التاريخ، دون أن تشعر به في الكتابة..

شخصياتي النسائية من الطبقة المتوسطة

ولكن لماذا تبقى النساء - شخصياتك النسائية - على حالهن غالبا يا أستاذ نجيب، حتى في الروايات وتطورهن - النفسي أو السلوكي - يبدو تطورا لشيء كان كامنا في الداخل من البداية، بعكس الرجال، إذ مكتسباتهم عبر معركة الزمان - الاجتماعي أو النفسي - تغيرهم جوهريا، بينما تظل النساء على ما بد أن به .. وعلى فكرة هذا هو رأي كثيرات من قارئاتك.
( تفكر قليلا كأنما يستعيد بسرعة عشرات الوجوه التي خلقها لشخصيات نسائية كثيرة، ويعيد حساباته بشأنهن )

- الحقيقة أن أغلب " الستات " عندي من النوع الذي تكلمت عنهن، ينتمين إلى الطبقة المتوسطة، وكان دورهن هو " تمثيل البيت " فلم يكن يعرفن - في زماننا - عن خارج البيت إلا نتفا صغيرة متفرقة، وكن أميات.. في الجيل التالي تغير الوضع تماما، فقد خرجت الجامعيات من قلب هذه الأمية، دون وسط، ولذلك ستجد في روايات مثل " الباقي من الزمن ساعة " وفي "السكرية " مثلا نماذج مختلفة تمثل وتعكس هذا التحول، أما في جيلنا، إذا تحدثنا عن إيجابية المرأة، فقد كانت الإيجابية مقصورة إما على نساء الأرستقراطية اللاتي كسبن الوعي من معاشرة رجال متنورين ومن الصالونات، وهؤلاء هن من قدن المظاهرات، أو نساء الطبقة الشعبية.

فعلا من نسائك الشعبيات مكافحات وعاملات، بائعات في الشوارع ومثيرات للمشاكل داخل البيوت وخارجها، أو حكيمات لهن الحكم في الأسرة أو حتى في العلاقات "بين الأسرية ".
( استطرد مكملا )

- ولذلك حين وصفت المظاهرات عام 1919 في " بيت القاضي " كانت النسوة ( البلدي ) يرقصن فوق العربات الكارو ويؤلفن الهتافات والأغاني، بينما كانت سيدات بيوتنا من فئات الطبقة المتوسطة يتفرجن على المظاهرات من خلف المشربيات.. ومن النوع الآخر النوع الذي يحرك الأحداث كرضوانة وزهيرة وغيرهما ( من نساء الحرافيش ) فقد حركن الرجال في المعارك وفي العمل: حركن الرجال ولكن من وضع الثبات! ( أحسست أنه لا يريد أن يتحدث عن مسألة عدم تطور الشخصيات النسائية وثباتهن النفسي عنده وخروجهن من إطار حركة الزمان الروائى، الاجتماعي أو النفسي )

لماذا أحمد عبد الجواد؟

من أحب شخصياتك إليك يا أستاذ نجيب، وأنت عندك الآن " جاليرى " يضم أكثر من ألف شخصية؟.
( فكر برهة وجيزة للغاية، ولكنه كان يعرف الإجابة من قبلها )
- هذا سؤال صعب، لكن ربما يكون السيد أحمد عبدالجواد..
وليس ابنه كمال؟
- لا.. السيد أحمد.. حبه للحياة، ولصداقاته، وللناس، جامع في تكوينه بين الدنيا والدين، مرهف وقوي العاطفة، جمعته من أكثر من شخصية، ولكن تحول إلى شخص حي محبب ومثير للعواطف والتساؤل في وقت واحد. معجب أنا أيضا بشخصيتين: زهرة في " ميرامار " والست المهدية في " باقي من الزمن ساعة ".

والعاشقات يا أستاذ نجيب، شخصياتك النسائية اللاتي عشن قصص الحب الكبيرة.. ألا تحبهن؟
- لا يمكن أن أخلق شخصية ولا أحبها.. لكننا نتكلم عن الخلاصة (قال: عن القطفة) الشخصيات الأقرب إلى العقل والوجدان، وعلى فكرة الحب أيامنا كان سطحيا (سألت نفسي: هل معقول أنه يريد أن يبوح بشىء؟ أم يريد أن يتفلسف؟ اخترت- مع الأسف- طريق الناقد والمثقف لا طريق الصديق!)

لماذا يا أستاذنا.. وكيف؟
- لأن العلاقات كانت ناقصة دائما، لم يوجد لقاء كامل إلا نادرا، كمال- مثلا- على الأكثر يسلم على عايدة من بعيد، ويحبها من بعيد، ويظل الموقف رومانتيكيا، وعندما تتزوج لا يستطيع أن يفعل إلا الوقوف تحت الشرفة يتعذب، والبنات يحبسن في البيوت غالبا من سن معينة في انتظار العريس. فمن سيراهن لكي يحب؟ البنت تنتظر رجلا " بشكل عام " فلا يخصص الشعور في رجل بعينه، وأي رجل سيكون زوجا ومحبوبا، فلم تكن ثمة عاشقات إلا نادرا وعشقهن سري، من طرف واحد بلا بواح ولا حتى تفكير.. وهذا- على الأقل- ما كان سائدا في طبقتنا، ربما وجد الحب لدى الأرستقراطية ولدى الفئات الشعبية.

نريد منك قصة حب يا أستاذ نجيب.
(ضحك كما لم يضحك طوال حوارنا، ضحكة الواثق الممتلئ، ولكنه فاجأني بالمعنى المعاكس).
- الآن (بمعنى: في هذا العمر)

أنا كاتب مفكر ولست عاطفيا

لم لا؟ صحيح أنك لست كاتبا عاطفيا، أنت كاتب مفكر، همومك الاجتماعية والسياسية والفلسفية- وحتى الميتافيزيقية- هي الهموم المسيطرة، واهتماماتك العاطفية خاضعة تماما لرؤيتك الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والفلسفية.. ولكن ماذا لو كتبت تجربة حب.. هكذا، حب مجرد، حب فقط.. حب قيس لليلى، أليس لمثل هذا " الهم " وجود؟
-والله أنا وضعت هذه التجربة في " قصر الشوق " حب كمال لعايدة، وكان حبا منهكا، أيضا تجد تجارب حب في أعمال مثل " المرايا " و " صباح ا لورد ".

وقشتمر؟
- (طب ما أنت عارف زهرة).
(ضحكنا، وران صمت قصير.. سألني إن كنت أريد قهوة أخرى أو شايا أو حتى إفطارا، ولما بدا علي أني أتناسى موعده التالي في الجامعة الأمريكية القريبة منا.. سكت مستعداً للكلام، هذا رجل كريم.. فالكرماء يحبون الكلام الحسن. قلت).

وماذا بعد قشتمر يا أستاذ نجيب؟
- الحقيقة قشتمر آخر ما كتبت، فقصص "الفجر الكاذب" قديمة.. بعد الجائزة لم أكتب إلا القليل وكنت متوقفا قبلها لمدة ثلاث سنوات، من عام 1987 كتبت بضع قصص قصيرة، الكتابة الآن صعبة، فهم لا يسمحون لي إلا بساعة واحدة للقراءة ومثلها للكتابة.. ولا بد أن أستخدم عدسات مكبرة للقراءة، أصبحت القراءة مكلفة ماليا (وضحك مليا).

كلنا على استعداد لأن نقرأ لك، أو أن تملي على أحدنا، اختر من شئت.
- جربت ففشلت، الاستماع في القراءة والإملاء في الكتابة لم أتعود عليهما..

أقول يا أستاذ نجيب.. أنا لدي فكرة عن مسودات أعمال عندك لم تنشر.. رواية " العتبة الخضراء " مثلا.. لماذا لم تنشرها؟ وقد كتبت بعد الثلاثية؟
(سكت مليا وفكر متذكرا..)
- الحقيقة أنها لم تكتب وإنما ظلت مشروعا، أو لم تتعد مرحلة الكتابة الأولى، لكنها توقفت.. يوما زارني عبدالرحمن الشرقاوي، وقال: أيتوقف الكاتب بعد أن ينضج، فأطلعته على المشروع، وقلت له إنني أعتقد أن الموهبة ماتت. قرأها وأعجب بها، ولكني لم أجد الرغبة في العمل فيها " الحاجات دي " كلها ضاعت!

مزقت بعض أعمالي ضاعت؟!
- ضاعت، أجل، مزقت بعضها، والآخر ضاع، " الواحد " أصيب بالإحباط لما طالت مسألة عدم الكتابة!

أم أنك قررت أنها لم تعد تصلح؟
- الآن طبعا، ومن زمن بعيد لم تكن تصلح، تغيرت الرؤية " أولاد حارتنا " أدخلتني عالما جديدا وطريقة جديدة في الكتابة، " العتبة الخضراء " كانت على النمط القديم: 24 ساعة في ميدان العتبة الخضراء، على طريقة رواية جويس "يوليسيز " لكنني كنت أراها من زاوية تقليدية وكنت أريد كتابتها من نفس الزاوية. أوسعت لها كثيرا، وأرتني القاهرة من زوايا لم أتوقعها: من الفجر إلى الفجر التالي، ولكن الرؤية تغيرت، فتوقفت..

ولكن قل لي: أما يزال ثمة أمل في الأدب يا أستاذ نجيب.. أمل في الناس، في عصر الفيديو والتلفاز؟
- الأدب في العالم كله، والفكر الحر يواجهان أزمة.. أزمة قراءة، لا أزمة إنتاج، الكتاب المبدعون كثيرون، ولكن السينما والتلفاز يسرقان الجماهير، في الفترة الأخيرة قابلت " خواجات " من كل بلاد العالم، وهم يتفقون على هذا في أوربا وجهاً لوجه: نجيب محفوظ وسامي خشبة والغرب كله، وحتى في شرق أوربا التي اشتهرت بكثرة القراء والقراءة بسبب تحديد حجم وقوة التلفاز، بدأت القراءة تضمحل.. ولكن مع فارق كبير بيننا وبينهم، هناك قاعدة القراءة قاعدة واسعة جداً، ودائرة الحوار حول إنتاج الكتاب دائرة هائلة، لذلك فإن مايتبقى بعد هجوم السينما، والتلفاز يظل بالملايين.. ربما لأنهم لا يواجهون سوى السينما والتلفاز، أما عندنا فإننا نواجه- بالإضافة إليهما- الأزمة الاقتصادية زائد البطالة، زائد سيادة اقتصادية لفئات من المجتمع لم تتعود القراءة، بل لم تتعلم احترام الكلمة المكتوبة، زائد التيار المتطرف.

والأمية؟
- والأمية طبعا، وسوف نعرف ماذا بقي للقراءة، وللأدب وللفكر الحر، عندما تزول الأسباب التي يمكن أن تزول، وعندما لا نكون في مواجهة إلا مع داء العصر وحده الذي لا مفر من وجوده .. وربما يكون الأمل في أن تبقى قاعدة قوية للقراءة، ولو قاعدة خاصة في أن يتطور الفيلم السينمائي والتلفزيوني إلى مستوى الأدب الجيد: فالمهم أن يسيطر صوت ومستوى الثقافة الجادة والجميلة والرفيعة، بصرف النظر عن وسيلة توصيلها، وفي هذه الحالة يمكن أن نطمئن على مستقبل الأدب والفكر الحر.. سيحميهما المناخ الجاد وسيختفي التناقض بينهما وبين الأدوات العصرية.
(كان موعده في الجامعة الأمريكية قد حان منذ أكثر من نصف ساعة وكنت لا أزال أريد أن أسأله - وأن أخالفه- في الكثير، فالخلاف معه يعطيك متعة مواجهة أبعاد لم تكن تتوقعها، ولكني أحسست أنه يريد أن يذهب لحواره في الجامعة في موعد مناسب.. جمعت أشيائي، والكلمات تعود إلى نقطة البداية: القضايا العامة وهموم الأمة، التي تشغله أكثر من أي شيء آخر سوى كيفية تحليلها وإعادة صياغتها في "كتاب ").

يحيى السيد النجار مجلة العربي اكتوبر 1991

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016