مختارات من:

اللقاء

أمين الباشا

عدت من المدينة منذ ألف سنة أو أكثر أو أقل.. طرقت أبوابها كانت مغلقة، عدت من حيث أتيت، سرت مسافات طويلة لأبعد عن المدينة، قلت لعلهم يستيقظون من غفوتهم، طال غيابي، أنا قررت الغياب، ليس حبًا في الابتعاد بل رغبة في أن أطيل الغياب فأعود بعدها وأجدهم مستيقظين.

بمسيري وابتعادي عن المدينة التقيت بأفعى، زحفت نحوي، قلت لها: سلام عليك، لم أسلّم عليها خوفًا، ولكن لأقول شيئًا، وقد غاب عني صوتي ولم أسمعه منذ أن بعدت عن المدينة، «سلام عليك» أجابتني، أحببت صوتها، لم أسمع صوتًا أجمل من صوتها، تكلمت مرارًا مع الأشجار وحفيف أوراقها، والينابيع وخرير مياهها، ومع أمواج البحر والسحاب، صوت الأفعى أجمل، طربت لصوتها، سأطيل الحديث معها إذا رغبت، سألتني: ماذا تقول؟ إذا أردت أن نبقى ونتحدث ويطول حديثنا، فأنا أرغب في ذلك، التفت على ذاتها وتابعت قائلة: من أنت؟ أسألك ليس للتدخل في شئونك، فقط لنبدأ نتحاور.

***

هكذا بدأ الحديث مع الأفعى، التي كنت أتمنى، ومازلت، أن تكون رفيقة وصديقة، لا أعلم متى بدأ عمري، تساءلت عندما تمنيت أن تكون رفيقة عمري، رأيتني هكذا، سائرًا في الأرض، ناظرًا إلى ما فوق رأسي، مساحة زرقاء لا يحدها سوى السحاب البيض.

- لن أتدخل في شئونك ولن أدخل في سرّ وصولك إلى هذه الأرض لكن..

- لكن ماذا أيتها الأفعى الجميلة؟

- تقول: أفعى؟ وجميلة؟ من أين أتيت بهذا الاسم «الأفعى» و«جميلة» أيضًا؟ ماذا تعني هاتان الكلمتان؟

لم أعلم بماذا أفسّر لها معنى الكلمتين، لكني قلت لها: لم أرَ أحدًا في رحلتي الطويلة، ولم أستطع فتح باب المدينة لأرى ناسها، طفت حيث نفخت فيّ الرياح، وأودتني حيثما أرادت، لكن أنت.. من كنت تنتظرين؟ هزّت رأسها في كل اتجاه وأجابت: كنت أنتظر وصولك.. كنت أنتظر قدومك.. طال غيابك!

- لم يطل غيابي، لم أكن هنا وبقربك لتقولي إن غيابي طال.

- أعلم ذلك.. قالت.

- إذن.. قلت إذن وابتسمت لأبعد شبح خلاف بدأ يلوح بيني وبين الأفعى، ليس خوفًا منها.. الخلاف يؤدي إلى شجار وأنا لا أرغب في الوقوع في خلاف معها، مع الأفعى، وأنا لا أخاف منها.

طال صمتي وأنا أنظر إليها وهمست لنفسي: «الصوت الجميل» وكيف أصف شيئًا أو حالة واجهت عكسها؟ جميل ولكن ما هو عكس الجميل؟ رحت في غيبوبة نقلتني إلى البعيد.. إلى حيث لا مكان ولا زمان.

وفجأة علا صوت: «أيها الطائف في الأرض وبين السحاب، اغرس رجليك في تراب الأرض، استيقظ، افتح ناظريك في وجه الشمس، انظر إلى ما يدور حولك. أن تبقى وحدك ستبقى وحيدًا. أنت ترى فقط بعض ما في الطبيعة. امدد ذراعيك نحو الأجواء والتقط الغيوم السود ومزّقها.. انظر إلى الأفعى التي أوقعتك الصّدف أن تلتقي بها».

اعلم أيها المسافر الدائم، الباحث عمّا لا تعلم، لم تكن الصدف فقط هي التي قرّبتك من الأفعى.. الأفعى هي ملكة الحب. انظر إليها جيدًا، هي منك وأنت منها.. اسمها «امرأة». تهوى الحب وتبغض القتل، الحب يأتيك بالخير والجمال، وإذ ا ما بحثت عن الحقيقة فستجدها أيضًا في الحب.. إياك والبغض. ارسم في قلبك البسمة. أظهرها على وجهك.. هي السبيل إلى ما تشتهيه. أيها «الرجل»، هذا اسمك، أسألك هل أتيت لتوقظ المدينة أم لتشارك ناسها في النوم الأبدي؟

.. قف.. انظر إلى النور الساطع في الأجواء.. أدخله في حنايا جسدك، ينير سبيلك ويوقظ عقلك ويلهب عواطفك.

***

بعد أن سكت الصوت، انصبّ عليه الذهول.. شعرت برياح تجتاحني وتدفعني نحو ملكة الحب، سمّاها «امرأة».

بين اليقظة والنوم، شعرت بضياع.. بدأت أرى بعض ألوان الطبيعة، ثم رشقات نور من هنا وظلال من هناك، وبدت لي الطبيعة فجأة بأشجارها وثمارها وصخورها وجبالها.

- أين كنت؟ لقد غبت وقتًا طويلاً، مرّت الشمس مئات المرّات ثم غابت وسطع القمر مئات المرات ثم غاب.. وأنت.. أين كنت؟ أبقيتني وحدي، اعتدت على وجودك بقربي. أحببت حديثك.. بحثت عنك بين أغصان الشجر وبين الصخور.. بحثت عن صدى صوتك.. لم أجدك.. بقيت أبحث في المغاور، في النهار وفي الليل. شعرت بتعب جعلني أنسى ما كنت أبحث عنه.. مرّات يتراءى لي ظلك، ومرّات أسمع صوتك ولا أراك.. أين كنت؟ هل تسمعني؟

- أسمعك.. اشتاق سمعي لصوتك.. كنت تبحثين عني، وبحثت أنا أيضًا في غيبوبتي.. ولم أجدلك أثرًا. حزنت.. هل ترين حزني؟ أنا حزين.

- افرح. أنا أفرح لعودتك.. لا تبعد عني.. اقترب منّي.. لقد نادى جلدك جلدي.. فلننعم بالتحامنا، فلنجعل من جسدينا جسدًا واحدًا.

***

سمعت نداءاتها وشعرت بما لم أشعر به من قبل، كأن الأفعى اختارتني لأكون ظلّها وصوتها ولسانها.. أن أكون هي وتكون هي أنا.. قلت لها:

- إذا أردت أن نصير شخصًا واحدًا، فسيصعب علينا أن نتحاور أو نتحدّث ونحكي حكاياتنا.. سيسود الصمت بيننا وسيطغى علينا الملل.. والملل قاتل!

- لا تقل قاتلاً.. لا تلفظ هذه الكلمة، قالت هذا حامقة ومتجهّمة.

- لماذا؟ سألتها مستغربًا.. لقد تغيّر لون جلدك.. كنت بلون أجمل الأغصان وأصبحت بلون الشمس عند غروبها.

فجأة هبط الليل قبل موعده، وبان القمر بين غيوم سود شعرت بحركة بقربي. الأفعى ابتعدت عني ثم اختفت.. ناديت.. ولا صوت. أغمضت عينيّ ودعاني النوم فنمت.. ثم سطعت الشمس وتلوّنت الطبيعة بكل ألوانها وامتلأت الأغصان بثمارها وملأت الطيور الأجواء بزقزقاتها وغنائها.. سحرت بما يحصل حولي، كذلك الأفعى التي زحفت ببطء نحو شجرة والتفّت عليها ونادتني، اقتربت منها، قالت لي: القتل هو الفناء، أبعده عنك وعن لسانك وفكرك. الطبيعة هي الحياة والجمال، الجمال يدعو إلى جنة الحب.. انظر إلى هذه الشجرة.. هل ترى الفاكهة المتدلية من أغصانها.. هي الشجرة المقدّسة.. اسمها شجرة التفاح.. خذ من يدي هذه الثمرة، تلذّذ بطعمها، أخذتها من يد المرأة.. ومازلت أشاركها في لذّة طعمها.

أمين الباشا مجلة العربي نوفمبر 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016