مختارات من:

معرض العربي

خالد عبدالمغني

"فان دونجين" .. تطويع اللون للتعبير


وُلد (فان دونجين) في هولندا لأسرة متوسطة الحال, وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره, هجر المدرسة, وعمل مساعداً لأبيه في مصنع لتخمير الشعير, وكان يلجأ للرسم والتدرّب على التلوين في أوقات فراغه في صباح كل يوم, وفي الخامسة عشرة من عمره, سمحت له أسرته بعد المعارضة - في بادئ الأمر - بالالتحاق بأكاديمية روتردام للفنون الجميلة, وهناك صُقلت موهبته, وتشكّلت مداركه الفنية.

زار (باريس) لأول مرة عام 1897م, فسحرته الحياة الصاخبة فيها, وفتنته أجواؤها المتحررة, ومن ثم عاد إلى روتردام, فعمل رسّاما توضيحيا في إحدى الصحف, وفيما بعد, انتقل مرة أخرى إلى باريس, ليعمل في صحيفة نقدية يسارية ذات طابع ساخر, ومن خلال عمله, صادق فنانيها وشعراءها, وتعرّف على المجتمع الفرنسي واندمج فيه, مما أدى ذلك فيما بعد إلى استقراره فيها حتى حصل على حق المواطنة.

ولم يعرف (فان دونجين) كفنان تشكيلي لجمهور الفن إلا بعد مشاركته - وبناء على نصيحة صاحب إحدى القاعات الفنية - بمعرض الخريف عام 1905م جنباً إلى جنب فلامنك, ودارين, ودوفي وآخرين.. بزعامة (ماتيس), وقد شكـّل هذا المعرض علامة بارزة في تاريخ الفن التشكيلي, في تأسيس المدرسة (الوحشية FAUVISM) التي قامت بتحوير اللون كعامل وصفي كما في (التأثيرية), إلى لون يحمل شحنة تعبيرية متفجّرة متأثرة بأسلوب (فان جوخ) من خلال الضربات العنيفة للفرشاة, وبأسلوب (بول جوجان) في التباين اللوني الحاد في معالجة المساحة, مع التبسيط في رسم الأشخاص وتسطيح الأشكال.

تنوّعت أساليب (فان دونجين) عبر مراحل حياته الفنية, لقد كان في بداياته تحت سطوة الفنان (رامبرانت) فغلبت على مواضيعه صبغة الألوان الداكنة والإضاءة الخافتة, وفي باريس, عكست (التأثيرية) روحها على أسلوبه, فبدت رسومه أكثر إشراقاً ووهجاً, ولكن تبقى مرحلته الفنية الأكثر خصوبة هي الفترة التي انضم فيها الى الحركة (الوحشية), وبالرغم من أنها لم تستمر أكثر من ثلاثة أعوام, فإن أثرها كان السمة الواضحة على مجمل أعمال (دونجين) فيما بعد.وفي باريس, تعرف على (بيكاسو) ورفيقته (فيرنارد أوليفر) عندما جاورهما بالسكن, ومن خلال علاقته الحميمة بهما, شرع (دونجين) بتصوير (فيرنارد) مرات عدة, وهذه اللوحة التي أنجزها عام 1907م, تبين مدى مهارته في تطويع اللون لأقصى درجات التعبير في بناء محكم التشييد, من خلال الضربات العنيفة التي تحدثها الفرشاة, لتشكيل الملمس الخشن على سطح اللوحة, حيث تتشابك الألوان - الدافئة - وتتلاحم بداية من الأصفر المبيض في أعلى الصدر فالنحر الذي يتفجّر ضياء, ليمتزج بطيف اللون الأحمر المنعكس من القبعة على ملامح الوجه, وبخاصة المنطقة المحيطة بالعينين, وما يحدثه من تباين حاد مع اللون الأخضر - البارد - المستخدم في تظليل الجبهة وزاوية الأنف. وبالرغم من عدم واقعية الألوان من حيث النقاوة والصراحة, فإنها عكست شخصية (فيرنارد) الرقيقة بعفوية مقتدرة, وترجمت نظرتها الحالمة بمنتهى الصدق.

خالد عبدالمغني مجلة العربي مارس 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016