مختارات من:

الشيخ عبدالله السالم الصباح.. أبو الدستور: د. محمد محمود الطناحي

محمد محمود الطناحي

خمسون عاما على دستور الكويت
(نوفمبر 1962م نوفمبر 2012م)


«إن الحاكم الواثق من نفسه لا يخاف من شعبه أبدا، إذا كان العدل رائده ومحبة الجميع مبدأه، والمصلحة العليا وسيلته»

بهذه الكلمات المعدودة رسخ حاكم الكويت الحادي عشر سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح (1950 1965م) لقاعدة جوهرية في أسس وضوابط التعامل بين الحاكم والمحكومين، عجز كثير من ملوك وأمراء ورؤساء العالم عن فهمها، إذ عمدوا بشتى الطرق والوسائل من منطلق خوفهم وفزعهم من ضياع مناصبهم إلى توسيع صلاحياتهم وتضخيم سلطاتهم، ترسيخا لقاعدة حكم الفرد المطلق التي سجلت حركة التاريخ لها نجاحا منقطع النظير في إزاحتهم من على عروشهم، مختتمين فترات حكمهم لشعوبهم ختاما ما كان لأعدائهم أو منافسيهم أن يحلموا به أو يخططوا له وإن أرادوا، ووقف الرجل بكل ما أوتي من قوة وبكل ما يمتلك من صلاحيات داعما الديمقراطية في الكويت وراعيا لها في شتى مراحل تطورها، ودافعا الجميع نحو احترام النظام البرلماني ومن ثم الدستور الذي خرج من رحم هذا النظام إيمانا منه بضرورة مشاركة الشعب في شئون الحكم والإدارة لكونه مصدر السلطات.

وسجل سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح سابقتين في تاريخ الحكم أولاهما حين أضحى أول حاكم في العالم العربي وربما في العالم أجمع يمتلك سلطات الدولة كافة بموجب نظام الحكم والأعراف والتقاليد، ويتنازل عن جزء منها ليس بالهين لأبناء شعبه القادرين على خدمة وطنهم دون ضغط أو عنف أو قوة أو حتى مطالبات شعبية، مقدما لمن أراد أن يخدم وطنه ويعلي من شأن أبنائه النموذج والقدوة بالفعل ومعطيا الدرس والعبرة بالقول : «لو كان الأمر كله بيدي لفعلت أي شيء لأهل الكويت فيه خير وصلاح دون أن يعرفه الغير».

وثانيهما حين وقف أمام أعضاء مجلس الأمة (نواب البرلمان) بعد ثلاثة عشر عاما على توليه حكم الكويت ليقسم اليمين القانونية أميرا للبلاد احتراما منه لدستور أوصى بوضعه وساعد على إصداره.

وقد فطن سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح منذ أكثر من نصف قرن إلى حتمية الربط بين الديمقراطية والحرية والكرامة، وهي المصطلحات التي نسمعها بكثرة في هذه الأيام وذلك بقوله: «الحياة الديمقراطية هي سبيل الشعب الذي يحترم إرادته في الحياة الحرة، ولا كرامة من غير حرية ولا حرية من غير كرامة» فتنبه الرجل إلى ما غفل عنه غيره من قادة دول سودت صفحات كتب تاريخها بمواضيع شتى تؤكد ريادتها وسبقها في اتباع قواعد الديمقراطية وحرية الفرد في التعبير وحقه في العيش بكرامة منذ قرون وهي أبعد ما تكون عن هذا أو ذاك.

وفي السياق ذاته نجد الرجل حازما حاسما في تبنيه لأسلوب الحكم الديمقراطي دون استخدام لعبارات رنانة ألفتها آذان السامعين وملتها نفوس الواعين وذلك في قوله : «لن أقدم على عمل دون مشورة، فمن استشار فقد أمن مواقع الزلل».

وأقر سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح بحق المواطن الكويتي في تلبية جميع احتياجاته ولو على حساب نفسه وذلك حين قال : «لو احتاج أحد من أفراد شعبي إلى عباءتي لخلعتها من على ظهري وسلمتها له».

وحمل الرجل قضية إعلاء شأن وطنه وأبنائه فوق كتفيه منذ اليوم الأول لحكمه الذي بناه على العدالة الاجتماعية، إيمانا منه بمسئوليته التي اضطلع بها دون التزام بنص قانون أو قسم أمام برلمان أو فرض من دستور، وعبر عن هذا الهدف بقوله: «لن أكون في يوم من الأيـــــام عمر الفاروق إلا أنني أسعى ما فيه طاقتي لأجعل من الكويت بلدا يفخر بها أهلها بقدر ما أنا فخور بهم».

ومثّل إصرار سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح على احترام الديمقراطية وتقديره لحق الشعب في إدارة شئونه نموذجا مثاليا للحاكم القارئ لتاريخ بلده المدرك لطبيعة شعبه المتطلع لمستقبل أفضل له، حيث تعد الكويت صاحبة التجربة الديمقراطية الأولى داخل النظام الإقليمي الخليجي العربي، فمع البشائر الأولى لتأسيس الدولة منذ أربعة قرون والديمقراطية هي أساس سياسة حكامها مع شعبهم، وإن لم تكن معروفة بالطبع وقتئذ بهذا المصطلح، إلا أن طبيعة علاقة الحكام بالمحكومين في هذا البلد الخليجي لا تخرج بأية حال من الأحوال عن المصطلح المتداول بيننا في هذه الأيام (الديمقراطية)، فالحاكم الأول الشيخ صباح بن جابر (صباح الأول) جاء عن طريق الاختيار الشعبي المستند على الإرادة والمبني على قناعة، وانتهج أسلوب الشورى طيلة سنوات حكمه، وكل من تبعه من حكام - وإلى يومنا هذا ينتهجون المنهج ذاته ويتبعون الأسلوب نفسه، لذلك كله تنتفي أسباب التعجب وتختفي علامات الاستفهام حين يحاول المرء أن يفهم سر ثراء التجربة الديمقراطية الكويتية منذ عقود حتى يومنا هذا.

وقد كان سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح حاضرا كل التجارب أو لتقل المحاولات الديمقراطية التي شهدتها الكويت خلال النصف الأول من القرن العشرين، أي الفترة التي سبقت توليه الحكم في عام (1950م) تحديدا، وذلك بدءا من مجلس الشورى (1921م) والمجلس البلدي (1931م) ومجلس المعارف (1936م) والمجلسين التشريعيين (1938م 1939م) اللذين رأسهما وكان له ولأعضائهما الفضل في تبني فكرة إنشاء دستور خاص بالبلاد يرفع للحاكم وقتئذ سمو الشيخ أحمد الجابر الصباح (1921م 1950م) وهو ما تم بالفعل، لكنه ونتيجة للخلاف الذي وقع حول نص وثيقة الدستور رفضت وتم حل المجلس الثاني ليلحق بالمجلس الأول الذي تم حله أيضا لأسباب مشابهة.

لكن هذه التجارب الديمقراطية وإن لم يكتب لها النجاح أو الاستمرار تركت أثرا كبيرا في التوجه الذي تبناه سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح بعد أن أصبح حاكما للكويت، حيث استفاد من الأخطاء التي حدثت فيها والمشكلات التي قابلتها بصفته كان على رأس الفريق الذي اصطدم بها، فحاول جاهدا تجنبها وقت أن قرر دون تردد تثبيت دعائم الديمقراطية وتفعيل دور المجالس المنتخبة المختلفة وعلى رأسها بالطبع مجلس الأمة (البرلمان) ترسيخا لقاعدة «الأمة مصدر السلطات» وتحويلا لها من عبارة مقروءة أو مسموعة إلى واقع ملموس ذي أثر محسوس، لكن الرجل اضطر إلى تأجيل تفعيل هذه القرارات والإجراءات خلال السنوات الأولى من حكمه التي كان يحارب فيها لتقليل النفوذ البريطاني الاقتصادي في البلاد ونيل استقلالها السياسي عن بريطانيا، وهو ما تحقق بالفعل في (19 من يونيو 1961م) حيث شرع على الفور في إرساء أسس النظام الدستوري البرلماني إيمانا منه بأن هذا الشعب الذي ألف الديمقراطية ومارسها لعقود لا بد أن يحظى بنظام ديمقراطي متكامل على أحدث وأكمل وأفضل وجه.

وعلى الفور صدر المرسوم الأميري رقم 12 بتاريخ 26 من أغسطس 1961م بشأن الدعوة إلى إجراء انتخابات لاختيار أعضاء المجلس التأسيسي المنوط به إصدار دستور خاص بالبلاد كما جاء نصا في مطلع المرسوم : «رغبة منا في إقامة نظام الحكم على أسس واضحة ،وتمهيدًا لإصدار دستور للبلاد يستمد أحكامه من ظروفها ويستند إلى المبادئ الديمقراطية ويستهدف رفاهية الشعب وخيره».

وبالفعل أجريت انتخابات المجلس التأسيسي في 30 من ديسمبر 1961م وصدر القانون رقم 1 لسنة 1962م الذي نص في مادته الأولى على أن : «يقوم المجلس التأسيسي بإعداد دستور يبين نظام الحكم على أساس المبادئ الديمقراطية المستوحاة من واقع الكويت وأهدافها، على أن ينتهي المجلس من هذه المهمة خلال سنة من تاريخ أول انعقاد له ثم يعرض الدستور الذي يوافق عليه المجلس على أمير البلاد للتصديق عليه».

ومنذ اللحظة الأولى لمزاولة هذا المجلس لمهامه حظي برعاية سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي خطب في أعضائه في جلسته الأولى المنعقدة بتاريخ 20 من يناير 1962م قائلا: «هذا المجلس تقع على عاتقه مهمة وضع أساس الحكم في المستقبل، وهو يمثل دورا من أدوار الرقي والتقدم المطرد في تاريخ هذه البلاد».

واحتراما من الرجل للسلطة التشريعية الوليدة في البلاد آنذاك كان يمارس سلطته التشريعية في ما يتعلق بالتنظيم السياسي للدولة في الفترة ما بين إعلان الاستقلال والعمل بالدستور المؤقت بعد مشاورة المجلس المشترك الذي شكل طبقا للمادة 2 من المرسوم الأميري رقم 12 الذي سبقت الإشارة إليه، وبعد موافقة المجلس الأعلى، أما السلطة التنفيذية فكان يمارسها وحده.

وقد شكل المجلس التأسيسي لجنة من أعضائه في 3 من مارس 1962م لوضع دستور للبلاد رفعته بعدها لأمير البلاد في 8 من نوفمبر 1962م الذي صدق عليه وأعلن عن إصداره في 11 من نوفمبر 1962م.

وتألف الدستور الكويتي من 183 مادة وقسم إلى عدة أبواب تختص بالحريات العامة والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والعلاقة ما بين السلطات.

ويشهد المعاصرون لهذه الخطوة التاريخية غير المسبوقة في دول المنطقة والمشاركون فيها بالأثر الإيجابي الكبير الذي أحدثه وجود سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح على رأس الدولة وقت إصدار الدستور، بما له من حنكة سياسية ونزعة ديمقراطية وتجربة ثرية ومكانة مرموقة عند المواطنين في تيسير إصداره في زمن قياسي وبصورة تعد فخرا للكويت وقدوة للدول المجاورة.

ويسجل التاريخ لسمو الشيخ عبدالله السالم الصباح حياده التام واحترامه الشديد للديمقراطية من خلال احترامه لرأي أعضاء السلطة المنتخبة في نقاشات متعددة سبقت إصدار الدستور من بينها موافقته على رأي الأعضاء في تحديد عدد أعضاء مجلس الأمة بـ 50 عضوا، حيث كان يرى أنه من الأنسب ألا يتعدى الرقم 30 أو 40 وكذلك امتثاله لرغبتهم في تمييز مخصصات أمير البلاد، رغم أنه كان يرغب في أن تتم مساواتها بمخصصات موظف على الدرجة السادسة الحكومية، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي أبانت عن إجلال واحترام شديدين للسلطة التشريعية ورجالها في البلاد.

وتنفيذا لأحكام الدستور الصادر في 11 من نوفمبر 1962م أجريت انتخابات أول مجلس أمة في تاريخ البلاد في 23 من يناير 1963م وعقد المجلس أولى جلساته في 29 من يناير 1963م، حيث أقسم سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح اليمين القانونية كأمير للبلاد أمام أعضاء المجلس بعد 13 عاما من توليه مقاليد الحكم احتراما وإكبارا وإجلالا للدستور.

وخلال السنتين اللتين عايشهما سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح متابعا لأعمال مجلس الأمة كان يحاول تقديم كل الدعم له ونزع فتيل أي خلاف ينشب داخله، حفاظا على هذا الكيان السياسي الوليد وإعمالا لسلطته كحكم في أي نزاع ينشأ بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بموجب الدستور.

وختاما فإن هذه السطور القليلة هي رسالة تقدير وإعزاز لرجل أعلى سلطات شعبه على حساب سلطاته وتنازل عن كثير من صلاحياته لمصلحة أبناء وطنه، احتراما لهم ولتاريخ آبائهم وأجدادهم الحافل بالممارسات الديمقراطية في وقت نزع فيه كثير من زعماء العالم إلى الفردية في الحكم والديكتاتورية في الإدارة، فاستحق التحية والإشادة في الذكرى الخمسين لإصدار الدستور الكويتي والتي توافق هذا الشهر (نوفمبر) والذي أفردت له مجلة العربي ملفًا خاصًا في عددها الصادر في فبراير 2012م تقديرا منها أيضا للرجل الذي رأت النور في عهده عام 1958م.

محمد محمود الطناحي مجلة العربي نوفمبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016