مختارات من:

جمال العربية: سعيد عقل في عيد ميلاده المئوي

فاروق شوشة

تحقيقات لغوية:
ينفرد الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل بأمور لم تتح لغيره من شعراء العربية. فهو أولاً الشاعر الوحيد - في تاريخ الشعر العربي كله - الذي يحتفل بعيد ميلاده المئوي وهو على قيد الحياة، بارك الله في عمره وفي عطائه. وهو الشاعر العربي الوحيد الذي أبدع شعره بالعربية وبالمحكية اللبنانية وبالفرنسية، وكان شعره - باللغات الثلاث - متفوقًا ومتألقًا كعادته في كل ما يبدع. ثم هو الشاعر الذي أطل على الحياة الأدبية والثقافية وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة فإذا به يبزّ الكبار وينافسهم ويفرض حضوره الإبداعي في كل الملتقيات والمناسبات. واستحق بهذا النبوغ المبكر أن يقول عنه الأخطل الصغير بشارة الخوري:

«لقد طرق سعيد عقل باب الخلود في سن مبكرة، وما لبث أن استقرّ على الأريكة. وهو لايزال يضفر لنفسه كل يوم إكليلاً جديدًا. إن سعيد عقل قصيدة الأَرْز المباركة، حروفها ألسنة البلابل، وإطارها براعم الورود». ولد سعيد عقل في زحلة في الرابع من يوليو عام 1912، حيث تعلم في مدرسة الإخوة المسيحيين، وأتمّ قسمًا من المرحلة الثانوية. وفي الخامسة عشرة من عمره انصرف عن الدراسة مضطرًّا ليتحمَّل مسئولية أسرته بعد أن أصيب أبوه بخسارة مالية فادحة. ومع قيامه بهذا العبء مارس الصحافة والتعليم في زحلة، واستقرّ في بيروت منذ مطالع الثلاثينيات من القرن الماضي، ليكتب في صحف البرق والمعرض ولسان الحال والجريدة وفي مجلة الصياد. وسرعان ما اختير ليكون مدرسًا في مدرسة الآداب العليا، وفي مدرسة الآداب التابعة لأكاديمية الفنون الجميلة وفي دار المعلمين والجامعة اللبنانية.

وقد اتسعت حياة سعيد عقل الطويلة والعامرة لإنتاج إبداع يكافئ هذه الحياة، في مقدمته ثلاث مسرحيات شعرية، هي: بنت يفتاح والمجدلية وقدموس، ودواوين شعرية هي: رندلي، وأجمل منك؟ لا، وكأس لخمر، وأجراس الياسمين، وكتاب الورد، وقصائد من دفترها، ودُلْزَى، وكما الأعمدة وخماسيات الصبا، وشرر، ونحت في الضوء. وكتابات أدبية ونقدية وفكرية هي: غد النخبة، ولبنان إن حكى، والوثيقة التبادعية..كما أبدع بالمحكية اللبنانية: يارا وخماسيات وعشتريم والقداس الحبروي، ومجموعتين شعريتين بالفرنسية. وسعيد عقل - بين كل شعراء لبنان الكبار - من أمثال الأخطل الصغير بشارة الخوري وأمين نخلة وإلياس أبو شبكة، تميزه لغة شعرية تنتسب إليه، ويعرف بها من البيت الأول في أية قصيدة له، لغة لا تصطبغ بأية آثار من شعر غيره من القدامى أو المحدثين، نجح في أن يجعلها مصقولة صافية بعيدة عن أية لغة شعرية لغيره، وضخَّ فيه من فكره وعمق تأمله وواسع معرفته وخبراته وتجاربه، ما جعل منها لغة تمتلئ وتتوهج بالثراء، في سياقات وأساليب وهندسة تركيب لم يعرفها إلا شعر سعيد عقل. ولشدة تميزها وتفردها لم ينجح أحد من بعده أو من معاصريه في تقليدها أو محاكاة بنيانها الشامخ الذي وصفه البعض بأنه يماثل أعمدة بعلبك التاريخية في قوتها وجبروتها وخلودها، أو كما قال هو عن شعره: نحت في الضوء. ويقول عنه شعرًا:


الشعر قبض على الدنيا، مُشعشعةً
كما وراء قميص شعشعت نُجمُ
فأنت والكون تياهان: كأس طلاً
دُقت بكأسٍ، وحُلْمٌ لـمَّهُ حُلُمُ
ساررْتُها الشمس: أيُّ الخمر يُسكرها
حتى أصبَّ، فقالت: يسكرُ الشَّممُ


وحين يحاول شرح بعض أسرار إبداعه الشعري يقول عن الحالة الشعرية وهي مستكنة في خاطر الشاعر قبل أن تسيل كلماتٍ وحروفًا على الورق: «قبل الإبداع يسيطر عليّ ما أسميه نغم القصيدة. وبقدر ما يكون عليًّا عظيمًا أُطلعُ ما هو أكثر خلوصًا. ولم يتفق لي أن انثنيت عن العمل البهيّ إلا أوانَ أفقد النغم، أي أوان تطغى عليَّ أفكار وصور وعواطف. وبعد الإبداع - وكذلك شأني بعد التذوق - أُحسّ الكون أكثر تآلفًا معي منه في المعتاد. فأرُجّحُ أني كنت في أثناء الحالة الشعرية، على تآخٍ مع الكون، على مواجهة للأزليّ من الحقائق التي كنت أجهل. قبل الإبداع: سلطنة نغم، وبعده أثرُ تآخٍ مع الكون».

ولأن سعيد عقل شاعر لا يندرج في إطار مدرسة شعرية بذاتها، أو فضاء شعري معين، فإن محاولات الدارسين لتصنيف شعره لم تهدأ، منذ اعتبره البعض مفجّر الرمزية في ثورة الشعر، عندما رأوه - في شعره - يجمع بين المعرفة والرؤيا والجمال. كما حاولوا إرجاعه إلى شعراء فرنسيين من أمثال بول فاليري ومالارميه وإلى تقاليد المدرسة البارناسية في الشعر، وما دروا أنه قد اجتمعت له أنفاس من الرومانسية والرمزية والواقعية. كما أتيح له اتكاء على الأساس الكلاسيكيّ - في عظمة بنيانه وشموخ نماذجه - جعل شعره يموج في عروبية لغته وكمال صنعته الفنية العالية واحتشاده بالصور الشعرية التي ابتكرتها شاعرية متفردة، وازدان بها فضاء عالمه الشعري الذي استوعب وهضم وتمثّل.

في واحدة من قصائده البديعة، يقول سعيد عقل مصوِّرًا زمنًا للشموخ والحراك الثوري والنضالي، جمع بين الشام ولبنان في أوج الكفاح من أجل الاستقلال والتحرر من قبضة الاستعمار:


سائليني حين عطّرتُ السلامْ
كيف غار الورد واعتلّ الخُزامْ
وأنا لو رحتُ أسترضي الشّذا
لانثنى لبنان عطرًا، يا شآم
ضِفّتاكِ ارتاحتا في خاطري
واحتمى طيرك في الظنِّ وحامْ
نقْلةٌ في الزهر أم عندلةٌ
أنت في الصحو وتصفيقُ يمامْ
أنا إن أودعت شعري سكرْةً
كنتِ أنت السَّكْب أو كنتِ المدامْ
رُدّ لي من صبوتي يا بَردى
ذكرياتٍ زُرْنَ في ليّا قَوامْ
ليلةَ ارتاح لنا الحوْرُ، فلا
غُصُنٌ إلاَّ شجٍ أو مستهام
وتهادى الضوءُ إلا نجمةً
سكِرتْ تُطْفى أُوامًا بأُوامْ
سألتني من دلالٍ قُبلةً
يُعْصرُ العمرُ بها كأسَ غَرامْ
وارتمت يكسرُ من هُدْبٍ لها
مُسهَب الطول، حياةٌ واحتشامْ
وجِعتْ صفصافةٌ من حُسْنها
وعرى أغصانَها الخُضْرَ سقامْ
فحسرْتُ الشَّعْرَ عن جَبْهتها
أسألُ الحسن أفي الأرضِ أقام؟
وتأنَّيْتُ أُملّي خاطري
قبل أن يحجُبَها ضمُّ الهُيام
أو لخوفٍ بي على ثانيةٍ
سوف تمضي، فمُنى العمرِ حُطامْ
لم تدع لي شقوةً أحيا بها
ورنت يملأ عينيْها ابتسامْ
أومأتْ لي، فامَّحى كلُّ سنًا
مرُهقٍ، غير فمٍ عذب الملامْ
وإذا قُبلتنا فرٌّ إلى
عالَمٍ أبهى، وسُكْنى في منَامْ
تقفُ النجمةُ عن دورتها
عند ثغريْنِ، وينهار الظلامْ
***

طوّفي بي ذكرياتي طلْقةً
واغنمي أطياب ذيّاكَ الوئامْ
وامرحي بين دمشقٍ وحمى
تلكم الصفحة من رفعةِ هامْ
حطّها صيدٌ أُبَاةٌ غصبوا
حقَّهم، والحقُّ غصْبٌ أو حِمامْ
غالبوا السيف، عريقًا حدُّه
فانثنى السيفُ، وفي الحدِّ احترام
هذه «الغوطةُ» أَوْفى تُربةً
بهمو، أم جبلُ «النَّبْكِ» القُدامْ
كم فتى بات فِراشًا سرْجهُ
نام، والكفُّ على سيْر اللّجامْ
وفتاةٍ خَلعتْ أُسوارَها
تشتري حلْيًا به غير كَهامْ
وشجاعٍ لم يسعْهُ عمرهُ
راح يحيا سعة الموتِ الزُّؤام!
***

أُسُدَ الثورة وسِّدْتم ثرًى
هو من مشرقنا الأرضُ الحرام
طيّبتْهُ من جنوبٍ نفحةٌ
عبقت من ضاربٍ في الأُفْقِ سامْ
جبلٌ يجمع في أصلابه
دعة السفح إلى عزِّ السّنامْ
التُّراباتُ به أهلُ وفًا
ومِحكٌّ يزنُ الحُرَّ الهُمامْ
وله أهلونَ، إن ينتسبوا
يشمخ الرمحُ، ويعتزُّ الحُسام
قل لذاك الليث في وَثْبتهِ:
واحدٌ نحنُ إذا الشامُ تُضامْ
سائلِ الأبطالَ: هل تُنسى لنا
رفقة الأخذ بأغراضٍ جسامْ؟
ولظى الحرمان من أهلٍ، ومن
غَفوةٍ قمراءَ في تلك الخيامْ
والتقاء الموت ضنًّا بِعُلًى
وأحايين اشتياقًا لاقتحامْ
حرماتٌ بيننا أنقى سنًا
من ذُرى «الحرْموْنِ» أو طهر الغمامْ
قد سقيْنا بالدم المجد معًا
ومعًا خُضْنا المجالاتِ الكرامْ
وعهدتُ السيف في سُلطانهِ
ناصع الإفرنْدِ، لم يذممْهُ ذامْ
شيمةُ الليث انثنى مُدّخرًا
صوْلةَ الضاري ليومٍ ذي جَهامْ
***

يا سفين المجد رُدِّي ما انطوى
واقحمي الأمواجَ حين البحرُ طامْ
يُسلسُ الدهرُ قيادًا للذي
يتحدّاهُ سهامًا بسهام
جدِّدي ما وسع الهدْمُ، فما
بسوى الهدم لِبانين اعتصامْ
وأْلفِي المرَّ بسطحيِّ المُنَى
ليس يُرضي النَّسْرَ ما يُرضي الهوامْ
العبوديّاتُ مثْنًى عندنا:
في العمى غازٍ، وفي العقل قتامْ
تلكمو دالت، وهذي لم تزلْ
سوسةً تبري، فَتفتتُّ العِظامْ!
***

آهِ من لي بغدٍ أدنى إلى
سلسل الحُلْمِ، وأبهى من مرام؟
تطأُ الشامُ به مختالةً
ساحةَ المجهولِ في شأْوِ الأمامْ
الحضاراتُ لها مَنْبِتُها
شُدّت الدنيا إلى هذي الإكامْ
ظمئ الشرقُ، فيا شامُ اسكبي
واملئي الكأس له حتى الجمامْ
أهْلُكِ التاريخُ من فَضْلتهم
ذكرهُمْ في عُروة الدهر وسامْ
أمويّون، فإن ضِقْتِ بهم
ألحقوا الدنيا ببستانِ هشامْ!
***

أيُّ رأيٍ أنت ما نشّأْتِهِ
توأم السيف لفصلٍ واحتكامْ
خلب الدنيا بما افتنَّ، اهتفي
كبُر المرميُّ يوم الحقُّ رامْ
تمتم المجدُ وناغى حُلْمهُ
فوق كفّيْكِ إذ المجدُ غلام
وهو حلم لو دروْا أين انتهى
لأتتْكِ الأرض حَجًّا لِمقامْ!
***

يا طريقًا من دمشقٍ، لم يزَلْ
لفْتَةَ الدنيا، وإجلال العِظامْ
بين تخميْكَ تجلّى للنُّهى
مطلع الحقِّ، وتعليم السّلامْ
فإذا جُدّل عن مُهْرتهِ
شاولٌ، وانكبَّ في ذاك الرَّغامْ
رحْتَ تَلْقَى مصرع العقل، إذا
كان للعقل مع الحقِّ اصطدام!
***

شامُ يا دارة نيْسان، سقتْ
مرْجكِ الخيراتُ في الغيث السِّجامْ
عشتُ يَغْنى بك شوقي كُلّما
زرتُ، والزورة شوق مُستدامْ
فكأني شاربٌ ليس يعي
خوْفةَ القائلِ: خُذْ آخر جام!
وتؤاسيني إذا حمَّلْتِها
منكِ شيئًا، مشرقياتُ النِّسام
لكِ قال الحسنُ مذ هِمْتِ به
ذات صبحٍ، ونضا عنه اللثام:
من أنا؟ أغنية لم تكتملْ
رُصدتْ إلا إذا كنتِ الختام
***

أنا لستُ الغرِدَ الفرْدَ إذا
قال طاب الجرح في شدْوِ الحمامْ
أنا حسبي أنني من جبلٍ
هو بين الله والأرضِ كلامْ
قممٌ كالشمس في قِسْمتها
تلدُ النور، وتُعطيه الأنامْ!


القصيدة تغلي وتفور، وتفوح وتتوهج، لا ينقصُها العطر، ولا يفارقها هدير الثورة العربية، ولا تلمُّسُ الجِذر الضارب في الأعماق يضمُّ الهوية ويصونُ الوجود ويُظلِّل المستقبل. وعندما يشير الشاعر إلى ليث الثورة في وثبته فهو يتحدث عن سلطان باشا الأطرش زعيم ثورة الدروز في الجبل، أو يشير إلى الرأي الذي هو توأم السيف في الفصل والاحتكام، فهو يتحدث عن فارس الخوري رئيس الوزراء السوري من أصل لبناني. وفي ثنايا القصيدة ومقاطعها المكتملة والمتآزرة تموج عواطف حارة وذكريات حية وصبوات جارفة. حتى إذا هتف الشاعر بهتافه المدوّي: آه من لي بغدٍ؟ ارتجت الدنيا بحلم الغد الذي يعيشه اليوم أبناء الشام وأبناء لبنان، الجبل مشترك بينهم، تاريخ صراع توحّدت فيه الهمم، واعتنقت فيه السيوف، وجلجل فيه هتاف الحرية والاستقلال. فكان للأبناء ما أرادوا. لقد تغنت «فيروز» ببعض مقاطع هذه القصيدة، حين لحّنها الرحبانيان، فأصبحت رسالة لبنان إلى الشام، رسالة محبة وشمل مجتمع، وتاريخ مُوحَّد. وأصبح بها سعيد عقل - الذي نحتفل بعيد ميلاده المئوي - صاحب المعزوفة الشعرية الخالدة «سائليني يا شآم»، ومُفجّر الصوت الهادر في الربوع العربية التي جمع بينها «الجبل» وروتها «الغوطة»، وسلطان الشعر الذي لا يفنى ولا يزول، كلما رددناه ازداد بهاءً ونضارة، وكلما تغنَّيْنا به اكتشفنا ما في قرار الغناء من شجنٍ باقٍ وحُبٍّ مقيم!.

فاروق شوشة مجلة العربي نوفمبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016