مختارات من:

الاستقرار في ماديسون

جابر عصفور

عندما هبطت من الطائرة التي أقلتني من ولاية نورث كارولينا، حيث استضافني أحمد شمس الدين الحجاجي، فاجأتني من جديد الوحدة التي شعرت بها في مواجهة مصير مجهول، فلم أكن طالب بعثة أتى للتعليم في الولايات المتحدة، وإنما كنت أستاذًا مساعدًا زائرًا، جاء للتدريس في إحدى البلدان المتقدمة التي تمنيت الحصول منها على درجة الدكتوراه.

ولكن أمنيتي لم تتحقق بسبب فساد الأوضاع الجامعية، وهاهي إرادة الله، ثم فضل أحمد شمس، وصلا بي إلى هذا الوضع، فأصبح الحلم متحققًا جزئيًا، لكن على نحو أصعب، فقد كان عليّ أن أقوم بدور مزدوج: أن أقوم بتعليم طلاب الجامعة اللغة العربية والأدب العربي، وأن أتعلم في الوقت نفسه ما لم أكن أعرف من محدثات النقد الأدبي العالمي، وكان شعوري بثقل المهمة المزدوجة يزيد من حدة شعوري بالوحدة التي استعنت عليها بقراءة القرآن في سري والدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يوفقني، ولذلك مضيت في عزم لإنهاء إجراءات الوصول، وحملت حقيبتي واتخذت طريقي إلى الخارج، ولكني وجدت شابًا ذا بشرة سوداء، طيب الملامح، باسم الثغر، من عمري تقريبا، يتقدم إليّ ويحتضنني في مودة خالصة، هاتفًا يا مرحبا يا أخ جابر. وكان اسمه إسماعيل... وللأسف نسيت بقية اسمه بسبب اعتلال الذاكرة، مع أنه كان نعم الأخ والصديق في العام الكامل الذي قضيته في مدينة ماديسون وسرعان ما عرفت أن إسماعيل سيعمل معي مساعدًا لي، حسب نظام التعليم الأمريكي الذي يقصر دور الأساتذة على إلقاء الدروس العامة النظرية، أما التدريب أو التطبيقات فيتولاها «T.A» اختصارًا لكلمة مساعد مدرس Teacher Assistant خصوصًا إذا كان عدد الطلاب اثني عشر فما فوق.

ولكن إسماعيل العزيز لم يعاملني معاملة معيد للأستاذ كما يحدث في جامعة القاهرة، وإنما معاملة الصديق لصديقه أو الأخ لأخيه. وبالفعل، كان إسماعيل نعم الأخ والصديق، فقد كان هو وزوجه بيف - اختصارًا لاسم (بيفرلي) - أقرب اثنين إلى قلبي وعقلي لعام كامل، بيتهما أصبح بيتي، وأصدقاؤهما أصبحوا أصدقائي. وكان إسماعيل من السودان ويعمل في أطروحته لدرجة الدكتوراه تحت إشراف يان فانسينا، وهو أستاذ أمريكي من أصل بلجيكي فرانكفوني الهوى، وكان أكبر وأهم أستاذ أمريكي في التاريخ الإفريقي واللغات الإفريقية، ويعمل في الكلية التي أعمل فيها، وكانت مختصة بالعلوم الإنسانية، حيث يقع قسم اللغات والدراسات الخاصة بالشمال الإفريقي الذي أصبحت أستاذًا به . ولم تطل دهشتي من وضع اللغة العربية ضمن آداب ولغات شمال إفريقيا، فقد أخبرني إسماعيل أن اللغة العربية كانت داخل قسم اللغات والآداب السامية الذي تغلب عليه الدراسات العبرية، حيث وجد أساتذة صهاينة ويهود متعصبون، طاردوا اللغة العربية ونجحوا في طردها من قسم الآداب السامية وكان الرد عليهم من الأساتذة الأفروأمريكان والأفارقة، فضموا اللغة العربية إليهم، وجعلوها ضمن دراسات لغات الشمال الإفريقي، حيث القسم الذي قضيت فيه واحدة من أجمل سنوات عمري، من سبتمبر 1977إلى نهاية أغسطس 1978، ولم يعكر صفو هذه السنة سوى ما حدث في نوفمبر سنة 1977 من زيارة السادات لإسرائيل، وهي الزيارة التي سأتحدث عنها تفصيلًا فيما بعد.

وقد اصطحبني إسماعيل من المطار إلى فندق لا بأس به يقع بالقرب من الجامعة في مدينة ماديسون الهادئة التي بدت لي، من الطائرة، مدينة ريفية، محاطة بمزارع ممتدة، وليست مدينة صناعية مثل شيكاغو التي لم تكن بعيدة عن محافظة وسكنسون التي تعد مدينة ماديسون الثانية فيها بعد العاصمة ميلواكي التي ولدت فيها جولدا مائير في أسرة يهودية من المهاجرين الشرقيين الذين استقروا في الولايات المتحدة، قبل أن ينهب الصهاينة بمساعدة الاستعمار البريطاني أرض فلسطين. وبعد أن وضعت حقيبتي في الفندق، واصطحبني إسماعيل إلى الغداء الخفيف، تركنى على وعد أن يأتي إليّ في الصباح، كى يصحبني للتعرف على القسم الذي سأعمل فيه والأساتذة الذين سأقوم بالتدريس إلى جانبهم ولم أنفرد بنفسي طويلا في الغرفة مع اقتراب المساء، فسرعان ما رن جرس الهاتف، ورفعت السماعة لأسمع صوتًا نسائيًا، يقول: أنا نانسي، كنت تلميذة صديقك أحمد شمس الحجاجي الذي كان يقوم بالتدريس لي في فصل الصيف الماضي، وقد طلب مني هاتفيًا أن أرعاك وأضافت: وأنا صاعدة إليك. ولم أتقبل فكرة صعودها إليّ في الغرفة، فقاطعتها قائلاً: بل أنا القادم إليك، فانتظريني في اللوبي. وسرعان ما ارتديت ثياب الخروج دون رابطة عنق، ونزلت بالمصعد، فوجدت فتاة طويلة القامة، سمينة دون إفراط لافت، طيبة الملامح، تبتسم لي قائلة : هالو جابر، ومدت وجهها وقبلتني قبلة أخوية، أغرقتني في خجل، سرعان ما أخرجتني منه بمودتها العذبة وطيبة قلبها. ودعتني للخروج معها لأتعرف على ملامح ماديسون، فخرجت معها، ومضت بي من شارع إلى شارع إلى أن هدّني التعب، فطلبت منها أن نجلس كي نستريح ونشرب شيئًا، ودخلنا إلى أول مكان وأقربه، وجلست أمامي على المنضدة، وهي تشرح لي مدينة ماديسون، وأخبرتني أنها مدينة تكونت من الهجرات الأولى القادمة من الدول الشيوعية على وجه الخصوص، ولذلك فعدد الذين توارثوا المذهب الماركسي كبير نسبيًا، وأن المدينة تضم مركزًا مهما للحزب الشيوعي، وأن الديانة التالية في العدد بعد المذاهب المسيحية الثلاثة هي اليهودية، وأن اليهود كثيرون في المدينة وأقوياء المكانة على السواء. وقلت لنفسي: إذن هذا هو سبب طرد اللغة العربية من قسم اللغات والدراسات السامية. وكانت نانسي مسيحية، كما فهمت، ولم أجرؤ على سؤالها هل هي كاثوليكية أو بروتستانتينية أو إنجيلية، فقد بهرتني نانسي بإنسانيتها وطيبتها. وبعد أن تناولنا مشروبنا، خرجنا مرة أخرى للتجوال إلى أن عرفت ملامح المدينة، والطرقات التي تؤدي إلى الجامعة والمطاعم والمقاهي التي كانت مزدحمة بالطلاب الذين هم ريفيو النشأة في الغالب، لكن مع ملاحظة أن ريف الولايات المتحدة ليس كالريف المصري، فهو لا يعرف قرانا البائسة، وإنما المدن الصغيرة التي تتكون من تجمعات أغلبها يعمل بالزراعة وما يرتبط بها من حرف. وسرعان ما عرفت أن بعض الأسر تجعل من بيوتها مطاعم، تقدم الطعام الذي تطهوه ربة المنزل، وتتولى الخدمة بقية العائلة. وهي مطاعم متناثرة، عبر الطرقات التي تمر بحقول لا نهاية لخضرتها بعيدًا عن فصل الشتاء القارص بجليده، أو وقدة الصيف برطوبتها العالية. وكان من الطبيعي أن أدعو نانسي إلى عشاء بسيط في أحد مطاعم البيتزا، وظللت سعيدًا بالاستماع إليها وهي تأكل، وأن أتعود على الحديث باللغة الأمريكية بلهجة وسكنسون. وودعت نانسي بعد العشاء، والتي أبت أن تفارقني إلا أمام الفندق حتى تطمئن عليّ، وأخيرًا أصبحت في غرفتي، وارتديت منامتي، ودلفت إلى السرير كي أنام بعد يوم مرهق طويل.

ولكن من الذي ينام في ليلته الأولى في مدينة غريبة، وهو على أعتاب حياة جديدة؟ وبالطبع لم أنم إلا لماما، وكم أسعدني مجيء الصباح، ونزولي إلى مطعم الفندق، ولم أحزن كثيرًا على عدم وجود الفول، وقلت لنفسي: انس عاداتك وادخل في هذا العالم الجديد، ولست وحيدا تمامًا لحسن الحظ، فقد عرفت صديقين جديدين في يومك الأول: نانسي وإسماعيل. ولم أكد أفرغ من نطق اسم إسماعيل في سري حتى وجدت وجهه الطيب الباسم، يدخل إلى مطعم الفندق باحثًا عني، وكنت أكملت فطوري الأمريكي، فقمت واقفا مرحبًا به. وبعد أسئلة الاطمئنان على ما فعلت، قال لي: هيا، أمامنا ثلاث مهام كبيرة، الأولى أن نذهب إلى الجامعة، والثانية أن نجد سكنًا ملائمًا، والثالثة أن أذهب معه إلى الغداء في منزله، كي أتعرف على زوجه بيف. وبدأنا بالجامعة، وكانت قريبة، تقع فوق تلة خضراء مترامية الأطراف، وفي قمة التلة بالضبط مبنى من عشرة طوابق، صعدنا إلى الطابق السادس إن لم تخن الذاكرة، ودخلنا مكتب السكرتارية وتعرفت إلى سيدة جميلة، بالغة الرشاقة، اسمها بات (اختصارًا لاسم باتريشيا) سرعان ما أصبحت صديقة ودودة، ولكن ما أكثر ما كانت تغضب مني ضاحكة، بعد تصويب خطأ نطقي لاسمها، خصوصًا حين كنت أقوم بتخفيف حرف الباء، وأنطق اسمها bat التي تعني خفاشا، بدلاً من أن أقول pat التي كانت اختصارًا لباتريشيا بالباء الثقيلة لا الخفيفة (وتعني عند الاختصار ربْتَة) ولكنها كانت تعرف صعوبة التمييز في النطق بين صوت الـ B والـp. وما أطرف ما واجهت من مآزق بسبب عدم صواب نطقي، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي أستخدم فيها اللغة الإنجليزية في الحياة اليومية صباح مساء، وفي كل مجال: معرفي أو غير معرفي.

وبعد أن عرفت بات التي أعطتني مفتاح الغرفة التي ستكون مكتبي لمدة عام كامل، اصطحبني إسماعيل لنقابل رئيس القسم إدريس ماكوارد وهو أفروأمريكي، رياضي القامة، فاحم السواد، ودودًا في تعامله. وتولى الرجل الترحيب بي قائلاً بعض كلمات المجاملة التي تقبلتها شاكرًا، وتمنى لي التوفيق خلال العام الذي سأعمله معهم بديلاً عن داستون كاول الذي عرفته قبيل سفري. وتركني إدريس على وعد بأن أحضر إحدى الحفلات التي يقيمها لطلابه وبعض زملائه كلما وجد مناسبة. ومضيت وإسماعيل في ممرات الدور الذي يقع فيه مكتب إدريس وبات (pat). وقادني إسماعيل إلى غرفة مكتب داستون كاول التي ستصبح غرفة مكتبي لمدة عام كامل، وفتحت الباب بالمفتاح الذي أصبح مفتاحي، وكانت الغرفة مستطيلة، جدارها المواجه للباب حائط زجاجي يعلو منضدة بطول الغرفة، هي طاولة المكتب الذي لم يكن عليه سوى تليفون. ويطل الزجاج على منظر الخضرة المترامية التي لا تنتهى إلا عند شاطئ بحيرة ضخمة وأخبرني إسماعيل أن الجامعة تطل على بحيرات ثلاث تحيط بماديسون كلها، أكبرها بحيرة مندوتا التي لم أعد أذكر سوى اسمها لأني كنت أطل عليها من مكتبي، وأتناول غدائي في كافيتريا اتحاد الطلاب التي تقع على شاطئ البحيرة نفسها. وما أكثر ما كنت أترك العنان لأفكاري، وأنا أتطلع إليها، وأفكّر في الاستقرار في الولايات المتحدة، وأنسى جامعة القاهرة، وأكون مثل غيري من المصريين الذين استقر بعضهم في جامعة وسكونسن، مثل إيهاب حسن الذي كان قد اشتهر بوصفه رائدًا لتنظير ما بعد الحداثة، وإدوارد سعيد الذي كان ناقدًا أخذ يعلو نجمه بعد صدور كتابه «بدايات» الذي اشتريته من مكتبة الجامعة لبيع الكتب، ولكن تمسكي بحلم أن أكون مثل طه حسين في مجال الدرس الأدبي كان يحول بيني وبين غواية أفكار الاغتراب، فقد عقدت العزم على أن أستفيد بكل ما أستطيع في جامعة ماديسون، كي أعود بعدها إلى القاهرة لمواصلة حلم طه حسين.

وعاد إسماعيل بعد أن تركني وحيدًا في المكتب، أتأمل كتب داستن كاول، وذهب ليحضر بريده من مكتبه، وخرجنا معا إلى حيث توجد سيارته، وانطلقنا إلى الشركة التي سأوقع معها عقد إيجار سنويًا (lease) لشقة صغيرة، مكونة من غرفتين وصالة صغيرة، وقال لي إسماعيل إنه قرأ عنها في الجريدة، وإنها تقع في عمارة جديدة ملك هذه الشركة، تقع على الطريق الذي يقودني إلى الجامعة مباشرة، والمسافة بينها والجامعة يمكن أن أمشيها بلا إرهاق ووقعت العقد، وكان الإيجار معقولا بمقاييس سنة 1977، وأظنه كان حوالي مائة وتسعين دولارًا، بما فيها حق استخدام غرفة الغسالات الكهربائية وكلفة المياه والإنارة على السواء. وبعد أن قمت بتوقيع العقد الذي يبدأ بعد أيام معدودة أول الشهر، وأنهينا إجراءات التعاقد، ومررنا على العمارة، وأرينا المشرف صورة العقد، ووعدنا بتسليم مفتاح الباب الخارجي والشقة في صباح اليوم الأول من الشهر بعد أربعة أيام، أخذني إسماعيل، وذهبنا بسيارته إلى مساكن الجامعة، حيث يسكن طلاب الدراسات العليا، ومنهم إسماعيل الذي كان يعمل في أطروحة الدكتوراه، إلى جانب عمله مساعد مدرس لي في مادة اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية. ووجدنا زوجه بيف بانتظارنا، وكانت أمريكية يشغل والدها منصبا بالغ الأهمية في عاصمة ولاية وسكنسون (ميلواكي) وعائلتها بوجه عام بالغة الثراء، على النقيض من إسماعيل الذي كان مكافحًا، يعمل لينفق على نفسه ودراسته دون أي عون من أهله في السودان. ولكن كل ما نعرفه من الفوارق الطبقية لا معنى له في الولايات المتحدة، خصوصًا بين بيف القصيرة الجميلة الوجه الشاهق بالبياض ذي النمش الخفيف، والروح المرحة التي جعلتها أختا لي وزوجة أخ طوال إقامتي في ماديسون. وكان مسكن إسماعيل وزوجه أنيقًا بسيطًا، لم أر منه سوى الصالة التي هي للاستقبال والطعام في آن. ولم تغب عني درجة المحبة التي كان يبديها كل منهما إزاء الآخر، ودرجة المساواة التي كانت تميز التعامل بينهما. وكان إسماعيل زوجا متفهما، لا يتخذ قرارًا إلا بعد التشاور معها، وكانت هي كذلك. وكانت هي زوجًا عاقلة، تعمل في إدارة تابعة للولاية، وهو يتابع دراسته العليا ويعمل في الجامعة على السواء.

ومرت الأيام الباقية على تسلم شقتي سريعة وإسماعيل وبيف لا يتركاني إلا لكي أعود إلى الفندق للنوم، حتى جاء أول الشهر، وانتقلت إلى بيتي الخاص، ودفعت مائة وخمسين دولارًا للفندق، مقابل الأيام الخمسة التي قضيتها فيه، فقد كانت الليلة بثلاثين دولارًا، وهو شيء لم يعد له وجود الآن . المهم أنني حملت حقيبتي وذهبت إلى شقتي الجديدة، وكانت غرفة النوم تحتوي على سرير مع «كوميدينو للملابس» ودولاب صغير، أما الغرفة الثانية فكان فيها أريكة طويلة مريحة تصلح للنوم، يقابلها مكتبة ومكتب، أو مكتب فوق حافته عدد من الأرفف للكتب، ووضعت في أرفف المكتبة الصغيرة المعجم الذي أحضرته معي، والأوراق التي كنت أحملها. أما الصالة التي هي المدخل فقد كان بجوار حائطها الأيمن المجاور للشباك أدوات طهي، وموقد وفرن كهربائي، وفي الناحية المقابلة كان الحمام في الزاوية مواجهًا للمطبخ وقضيت ليلتي الأولى في هذه الشقة إلى أن حضر إسماعيل في صباح اليوم التالي ليصحبني إلى مكتبي في الجامعة لنتحدث عن تفاصيل العمل. وقد لاحظت أمام باب المنزل كومة من الأثاث المستخدم وتلفزيونا أبيض وأسود لا بأس به. وسألني إسماعيل إذا كنت أحتاج إلى تلفزيون، فأجبت بنعم، فقال احمل هذا التلفزيون. ولما لم أجرؤ على فعل ذلك حمل إسماعيل الجهاز، وقال لي افتح باب العمارة، ففتحت بالمفتاح الذي معي، ومضى معي إسماعيل حاملاً الجهاز إلى المصعد، وفتحت باب الشقة، ودخل إسماعيل غرفة المكتب، وأنا وراءه، ووضع التلفزيون على الأرض المكسوة بالموكيت الرمادي الفاتح في مواجهة الأريكة، ونظر إلي باسمًا وقال: ها قد أصبح عندك تلفزيون وأخبرني أن سكان العمارة التي أسكن فيها عندما يشترون قطعة أثاث جديدة، يأخذون القديمة ويضعونها على الرصيف لتحملها عربة النفايات صباح كل يوم، ومن حق المحتاج الحصول على حاجته مما يتكوم على الرصيف المواجه للعمارة.

وذهبنا إلى الجامعة، بعد أن مررنا بالمكتبة وتعلمت إجراءات الاستعارة، وعرفت الغرفة الصغيرة التي أصبحت أمتلك مفتاحها، وزادت دهشتي عندما عرفت أن المكتبة تغلق أبوابها في التاسعة مساء، وأنه مباح لي أن أحمل ما شئت من كتب على سبيل الاستعارة، وأن المكتبة يمكن أن تحضر لي أي كتاب أحتاجه إذا لم يكن فيها عن طريق الاستعارة بين المكتبات، وأن هناك مركزًا لتصوير الرسائل الجامعية في مدينة ميتشجن يمكن الحصول على نسخة مصورة لأية رسالة أريدها عن طريق خدمات المكتبة التي تعمل فيها ماكينات التصوير بالمجان للأساتذة الزائرين والمقيمين. وتركت المكتبة إلى ما يواجهها، حيث تباع الكتب الجامعية والمراجع التي يحتاج إليها الطلاب والأساتذة. وبعد أن زرنا المكتبة، واشتريت بعض الكتب التي حلمت بشرائها، ذهبنا إلى البنك القريب، وفتحت حسابًا، وعرفت للمرة الأولى في حياتي الفيزا كارد الخاص بالبنك، والمنافذ التي يمكن أن أحصل منها على ما أريد. وذهبنا إلى القسم، وإلى مكتبي حيث أطلعني إسماعيل على الكتاب المقرر على الطلاب الذين يدرسون العربية باعتبارها لغة أجنبية، وعرفت أني سأقوم بتدريس القسم الثاني منه، لأن الطلاب قد درسوا القسم الأول مع داستن كاول الذي وجدت في مكتبته لحسن الحظ كتابًا قديمًا عن النحو العربي Arabic Grammer كتبه المستشرق القديم رايت، فأخذته مع الكتاب المقرر لأبدأ الاستعداد للتدريس، وأتعلم مصطلحات النحو العربي باللغة الإنجليزية، وحمدت الله أن هذه هي مهمتي في الفصل الأول، أما الفصل الثاني فسندخل في باب تدريس الأدب العربي باللغة الإنجليزية، ووجدت في المكتبة ترجمات لأيام طه حسين وكاتب ياسين (نجمة) وعددًا آخر من الأعمال المترجمة. وعرفت الأيام التي سأقوم بالتدريس فيها، والقاعة التي سوف ألتقي فيها بالطلاب. وكان إسماعيل شهما، فدخل معي المحاضرة الأولى، وجلس إلى جانب الطلاب، وابتدأت حياتي في الجامعة تأخذ في الدوران على جبهتين: الجبهة الأولى هي تدريس قواعد اللغة العربية بوصفها لغة أجنبية، والجبهة الثانية هي تحسين لغتي الإنجليزية، والاستفادة من دروس الكتابة التي كانت بالمجان لكوني أستاذًا زائرًا، وكان العمل في الجبهتين بالغ العسر في الفصل الدراسي الأول، فقد كان علي أن أجلس على مكتبي حتى الصباح في أكثر الأيام، أو حتى وقت متأخر في أفضل الأحوال، أقرأ كتاب رايت عن النحو العربي وأحفظ مصطلحاته بالإنجليزية، فإذا فرغت من تحضير الدرس الذي سوف ألقيه على الطلاب بإنجليزيتي المتواضعة، انتقلت إلى القراءة فيما وقع بين يدي من كتب النقد الأدبي، وأختم بمذاكرة وإعداد واجب الكتابة الإنجليزية التي كنت أحضر دروسها، وظللت على هذا الحال المرهق طوال الفصل الدراسي الأول، إلى أن تحسنت لغتي الإنجليزية، فأخذ العمل طابعًا أكثر بهجة، لكن ليس أقل إرهاقًا.

وتعلو البسمة وجهي وأنا أتذكر الأخطاء البشعة في النطق التي كنت أرى رد فعلها على طلابي، لكن تهذيبهم كان يمنعهم من الضحك وكان الأقرب منهم إليّ ينبهنى في رقة، لكن لم يخل الأمر من مآزق طريفة. أذكر أنني كنت أعلّم الطلاب يومًا أسماء الخضراوات بالعربية وما يقابلها بالإنجليزية، وجاء الدور على الباذنجان وبدل أن أقول eggplant نطقتها egg planet فجعلت الكلمة بيضة الكوكب. وقد قصّت ماري إحدى تلميذاتي هذا الخطأ على جدتها في المزرعة الخاصة بهم، وأصرّت الجدة على أن تدعوني الحفيدة إلى زيارتهم في عطلة نهاية الأسبوع، وظلت ماري تلح إلى أن قبلت الدعوة، واحتفت بي الجدة الطيبة، وأخذتني إلى حقل الخضراوات، وهي تأمرنى بأن أردد وراءها أسماء الخضراوات الموجودة عندهم. وكان جزاء رضاها عني غداء جميلًا لا ينسى جمعني بالأسرة كلها التي قبلتني لكي أكون أحد ضيوفها المحتفى بهم. وكان هذا الخطأ حسن النتيجة، لكني أذكر أنني مرة كنت في زيارة مدينة واشنطن العاصمة، ذهبت لكي أشاهد مقبرة جيفرسون الرائعة، ومقبرة لنكولن، كما نكتبه بالعربية، وعندما ضللت الطريق سألت أحد الأمريكيين، وكان عجوزًا يمر بهذه المزارات مثلي، فسألته عن مزار لنكولن أو Lincoln memorial ونطقتها بحرف اللام L كما هي في القاموس ونظر إليّ الرجل شذرا، وهو يسألني ماذا تقصد، فقلت Abraham Lincoln فابتسم الرجل ساخرًا، وصحح النطق، فحرف الـ L صامت لا ينطق صوتيا، فيصبح (لينكن) وليس ( لينكولن) كما كنت أنطق. وقد قررت بيني ونفسي أن أسأل عما أسمعه ولا أعرفه دون خجل. لكن بعد موقفين سخيفين لا أجرؤ على الكلام عنهما، كففت عن هذه العادة، وكنت أقوم بتسجيل صوت الكلمات في ذاكرتي إلى أن أبحث عنها بالقاموس.

وأذكر بالعرفان مساعدات نانسي وبيف زوجة إسماعيل وسوزان أول صديقة عرفتها، وكانت في الدراسات العليا، وطلبت من كل واحدة منهن أن تسجل على شريط كاسيت فصلاً من كتاب أو رواية، مع تقديم الأصل والتسجيل. وكنت أجلس بعد المذاكرة وتحضير الدروس مسترخيًا، أسمع التسجيل وأطالع بعيني الأصل. وأعتقد أن هذه الحيلة أفادت في تحسين نطقي وأكمل المهمة جهاز التلفزيون والاستماع إلى المحاضرات في الجامعة مع مشاهدة الأفلام التي كانت تعرض في الجامعة. وأذكر أن صديقتي سوزان قالت لي: ستتأكد من تحسن إنجليزيتك عندما تحلم باللغة الإنجليزية وقد حدث ذلك في الفصل الثاني، فشعرت بسعادة غامرة، وكانت إنجليزتي قد أصبحت أفضل بكثير، وكف تلاميذي الشياطين عن الضحك من وراء ظهري، وكانوا شياطين فعلًا في التعامل معي، فأذكر أننى كنت أذهب إليهم بشكل رسمي: الحلة كاملة، والقميص معه رابطة عنق تناسب لون الحلة، كما كنت أفعل تقليدًا لأساتذتي في جامعة القاهرة، وكنت أظنني بالمظهر اللائق أمام هؤلاء الطلاب . لكن «بات» سكرتيرة القسم فاجأتني ذات يوم بأنه ليس من الضروري أن أدخل إلى الطلاب بهذا الشكل الرسمي الكامل، وأنه من الأفضل التحرر مما كنت عليه، وأدخل على الطلاب بملابس عادية Casual وعندما ألححت عليها في سبب ما تقترحه أجابت خجلى إن الطلاب يرونني رجعيًا متخشبًا، فقررت أن أكون كما يريدون، وأكف عن ارتداء الملابس المتخشبة، وأكون مثل هؤلاء الطلاب، وساعدني قدوم الشتاء وتساقط الثلوج، فارتديت الملابس التحتية المعدة لذلك، وفوقها الجاكيت المبطن الذي يحتضن القميص الصوفي، وأدب على الثلج في تؤدة حتى لا أنزلق، وأصبحت «كاجوال» كما أراد الطلاب الذين سرعان ما أحبوني وأحببتهم، وكان منهم أصدقاء حميمون يزورونني في سكني، وأذهب معهم إلى حفلاتهم . وكان منهم مايكل الذي كان يمتلك سيارة (Truck) كنا نذهب فيها في نهاية كل أسبوع، إذا تيسر الحال، إلى شيكاجو التي كنا نصلها بعد رحلة ثلاث ساعات بالسيارة.

جابر عصفور مجلة العربي ديسمبر 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016