مختارات من:

حب في وضح النهار

أمينة شفيق

يا لها من مفاجأة..!!

رأيتهما قادمين نحوي. هي وهو وأمامهما عربة طفل حديث الولادة. لا بد أن يكون داخلها ابنهما أو ابنتهما. جلسا على المقعد المجاور لمقعدي. أخرج من جيبه كتابا. أما هي فقد مدت يدها في حقيبة معلقة بعربة الطفل وأخرجت منها مجموعة أدوات. نظمت الأدوات واستعدت لأداء مهمة أتذكرها جيدا وأعرف أهميتها.

بعد أن نظمت الأدوات، انتزعت من بينها زجاجة ملفوفة جيدا. وضعت الزجاجة بجانبها. ثم عدلت من طريقة جلوسها على مقعد الحديقة ومدت يديها إلى داخل العربة لتحمل الطفل وتضعه على صدرها. التفت إليها وناولها الزجاجة بعد أن نزع عنها اللفافة. بدأت ترضع الطفل.

استمر يقرأ الكتاب. واستمرت هي ترضع الطفل برفق وهدوء. بعد فترة، حملته على صدرها وأخذت تتحسس بيدها ظهره.

منذ فترة ليست قصيرة ولا طويلة لاحظت حولي في الحديقة شابا وشابة. استمرا يأتيان إلى هذه الحديقة أيام. الإجازات والعطلات. كانا يجلسان بجانبي، ثم يسيران في ممرات الحديقة، ثم يأتيان ليجلسا مرة أخرى . لم يكن ينتهي الحديث بينهما. حديث تصورته يلم بكل أمور العالم والدنيا. مرة يبتسمان، مرة يتعانقان بالأيدي، مرة يأكلان "الآيس كريم" ومرة يشربان العصير. لم يكن مع عادتهما أن يلتفتا إلى أحد.. ولا إلي أنا شخصيا. المهم أن متابعتي لهما استمرت شهورا. كنت سعيدة بهما. ذلك لأني أعشق الحب في وضح النهار. بعد فترة، اختفيا ولم أعد أراهما في الإجازات أو العطلات. قلقت. كنت أترك مكاني المحبب وأسير أبحث عنهما في أركان الحديقة الكبيرة، لكن دون جدوى.

في البداية تصورت أنهما غيرا الموقع، ثم تصورت أن الحب انتهى بينهما. ربما رجعا مرة أخرى. لكن مع كل واحد منهما إلف جديد.

مفاجأة اليوم، أنني رأيتهما بعد اختفاء، ومعهما هذه العربة الجميلة التي تحمل طفلهما. إذن كان لاختفائهما أسباب. أهمها أنها كونا أسرة. يا لي من إنسانة سيئة الظن!. وربما كانت المفاجأة اللطيفة أنهما أرادا الظهور ومعهما هذا الطفل. أحسست أنه واحد من أحفادي. هل أقوم لأراه وأقبله، هل أصارحهما بأفكاري.. هل أوضح لهما قلقي غير المبرر؟

أردت التعبير عن شعوري وسعادتي بهما. بعد أن انتهت من إرضاع الطفل وضعته مرة أخرى في العربة. قام هو وأحاط العربة بغطاء واستمرت هي في أداء مهمة ما.. استنتجت أنها تغير ملابس الطفل المبتلة بأخرى نظيفة جافة.. ثم عادا للجلوس. أمسك بالكتاب واستمرت هي تتابع الطفل.

مر بائع الآيس كريم.. ناديته. دفعت له ثمن قطعتين وطلبت منه تقديمهما لهما. نظرا إلي.. لماذا؟ رفعت يدي وأرسلت لهما تحية وهمست.. مبروك!!

أمينة شفيق مجلة العربي ابريل 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016