مختارات من:

روندة.. مرثية الزمان وقصة المكان

إبراهيم المليفي

لا أدري هل بت ليلتي في مدار سكناه، أو ربما في فضاء سريره؟ هل جلست في أمكنته الأثيرة واتكأت على بقعته المفضلة على سور القنطرة القديمة وهو يرقب كتل الغيوم تحتشد فوق سبابته متأملا الحقول والأشجار وجداول المياه، عشرات الأسئلة المهشمة باليأس لم أجد لها جوابا شافيا ما عدا واحدا، إن روندة هي بلاد أبو البقاء الرندي صاحب المرثية الأشهر في تاريخ الشعر العربي.. «لكل شيء إذا ما تم نقصان.. فلا يغر بطيب العيش إنسان»، وروندة هي مسقط الرأس والموطن والحضن الأخير الذي ضم جثمان شاعرنا. بقينا في وطن أبو البقاء لمحة من الزمن مرت كالبرق مثل القرون التي اندثرت كأنها لم تكن، ولولا تدوينات المؤرخين وآثار البنائين اللحظة لما بقي لنا من أيام الغابرين ذكر أو خبر.

لقد خلدت المرثية ذكر صاحبها الرندي ألف عام، وأبقت خبر روندة الإسلامية حيا في صحائف التاريخ المنصف، واليوم اكتشف الإسبان مكانة شاعرهم وشاعرنا، وأطلقوا اسم أبو البقاء الرندي على ساحة من ساحات روندة تخليدا لذكراه.

رندة وروندة وتاكرنا

مثل بقية أسماء مدن وبلدات الأندلس، يوجد للمنطقة الواحدة لفظان أو اسمان وربما أكثر، وأحيانا يوجد اسم قديم وآخر حديث مثل البيره التي تحول اسمها لغرناطة، يأتي هذا الاختلاف بسبب محاولة المسلمين الأوائل الذين عاشوا في بلاد الأندلس تكييف الأسماء الإسبانية مع اللفظ العربي، مثال سيفيليا تحولت لإشبيلية، وتوليدو لطليطلة ومايوركا منورقا.. إلخ، ولأن الوجود الإسلامي العسكري مختلط بين العرب والبربر، فقد كيّف كل فريق منهم الأسماء وفق ما يناسبه، ومعهم أهل البلاد من الإسبان، وروندة أحد هذه الأمثلة.

وينطق العرب روندة، رندة بضم الراء وسكون النون وفتح الدال المهملة وهاء في الآخر، والإسبان ينطقونها روندة Ronda وأخيرا أطلق البربر اسما جديدا هو تاكرنا على اسم إحدى قبائلهم وهم أول من سكن روندة واستقر فيها، ويذكر الدكتور حسين مؤنس في كتاب «فجر الأندلس»: فأما العرب فكانوا يفضلون دائما البسائط والمنخفضات والنواحي الدافئة والقليلة المطر في الجنوب والشرق والغرب، وناحية سرقطسة، وأما البربر فكانوا في بلادهم يعيشون في بلاد جبلية، فألفوا مثل هذه البلاد في الأندلس، فاستقروا فيها باختيارهم، ففي الجنوب مثلا استقر العرب في شذونة واستجه، واختار البربر منطقة رندة الجبلية فسكونها، وسميت تاكُرنا باسم بعض قبائلهم...».

وبعد سقوط مدينة روندة أو تاكرنا هاجر سكانها إلى عدوة المغرب، ونزلوا في مدينة تطوان وما جاورها من مناطق، وتحسب روندة ضمن ولاية ملقة أو ملقا أيام مملكة غرناطة، آخر كيان للمسلمين في بلاد الأندلس، ومعها مدن وبلدات أخرى مثل مدينة ملقة وأنتقيرة ومربلة وجبل طارق والجزيرة الخضراء وغيرها.

خريطة السماء

في عتمة الليل حيث تلمسنا طريقنا بين التلال المحيطة بروندة، انطمست كل المعالم من حولنا إلا من وميض نجم بعيد كان يسير معنا بارتخاء شديد، إنه لأمر مستغرب، مدينة بهذا الألق والرفعة لم تغرس في طريقها يافطات الإرشاد، كأن الملكين فردناند وزوجه إزابيلا أخفياها بين التلال حتى يدب اليأس في نفوسنا، فنرجع من حيث أتينا ولكنها خريطة السماء التي أرشدت القوافل في الصحراء والسفن في المحيطات، أرشدتنا بإلحاح نحو روندة فدخلناها بلا موعد وهي تتثاءب.

الناحية التي دخلنا منها تعتبر هي الشطر الجديد من روندة، حيث المساكن والمتاجر الصغيرة، إنه شطر ذابل لا روح فيه، وزميلي قاد السيارة مسرعا حتى نتجاوزه بسرعة، حظينا بمكان للمبيت أمام حلبة مصارعة الثيران التاريخية التي تم بناؤها عام 1785 في عهد الملك فيليب الثاني، وتتسع لخمسة آلاف متفرج، وتعتبر من أقدم الأماكن لممارسة هذه اللعبة الدموية، وتنشط هذه الحلبة مرة بالسنة وتلقى إقبالا جماهيريا عريضا.

كان الفضول يدفعنا نحو استكشاف المدينة وفتح أبواب محلاتها المغلقة وإشعال أنوارها المطفأة، ولكن دون جدوى، لقد خمدت الحركة بعد دبيب يبدأ من الصباح وحتى ميلان قرص الشمس نحو مخبئها، وفي أوربا كما نعرف الشمس تغيب متأخرة. قبل رفع رايتي البيضاء اقتربت من أحد حافة القنطرة القريبة من حلبة الثيران والصمت يلف المكان لأستمع لخرير الماء في أسفل الوادي السحيق، ثم عدت أدراجي ملوحا بتحية سريعة على نجمنا البعيد.

في وصف روندة

تربض روندة فوق جبل عظيم وترتفع عن سطح البحر 750 مترا، وهو ما جعلها موقعا مناسبا للتموضع العسكري خصوصا بعد تقلص مساحة الوجود الإسلامي في الأندلس وتحول روندة لمدينة حدودية، أذكر هنا حالة عكسية، فمدينة حلب السورية كانت دائما نقطة انطلاق ومقاومة ضد الدولة البيزنطية، وبعد ضمها وباقي مدن الشام للدولة العثمانية فقدت دورها العسكري واكتسبت دورا جديدا كمدينة تجارية تتمتع بالأمن والاستقرار داخل حدود دولة قوية.

ويؤكد المؤرخ محمد عنان أن سقوط روندة وما حولها بيد الجيش القشتالي فتح الجبهة الغربية لمملكة غرناطة على مصراعيها، وأول منطقة باتت في مرمى الخطر هي مدينة مالقة التي سقطت بعد سقوط روندة، وتبعد مالقة عن روندة مسافة 122 كلم إلى الشمال الغربي، وقد وصفها الرحالة ابن بطوطة بأنها من أمنع معاقل المسلمين وأجملها وضعًا.

واكتسبت روندة تراثها الحربي في عهد سلاطين مملكة غرناطة وهو ما لم تعرفه في أوقات سابقة، ما عدا أيام ثورة عمر بن حفصون على أمراء بني أمية، وقد زادت التحصينات والأسوار حولها لزيادة منعتها وقدرتها على مواجهة الحصار الطويل، وإبان التحالف العسكري بين مملكة غرناطة ودولة بني مرين ضد الممالك المسيحية، تم إخلاء ثلاث قواعد للعسكر المريني من بينها مدينة روندة لضمان وجودهم في غرناطة بصورة دائمة.

جمال ليس فيه هزل

صباحنا الأول والأخير في روندة القديمة بدأ بالاستيقاظ الباكر على أرق أصوات العصافير التي عزفت بالقرب من نافذتي المفتوحة أجمل المقطوعات الكلاسيكية، في الحقيقة لم أتوقع أقل من ذلك الاستقبال في مدينة صغيرة حالمة تعيش بالقرب من الغيوم.

مررنا أولا بحلبة مصارعة الثيران المغلقة لسوء حظنا ومنها تحولنا للقنطرة التي توقفت عندها في الليلة الفائتة، كان المنظر بحضور أنوار الشمس مدهشا ومخيفا في آن واحد، أمامي امتداد لا نهائي لحدائق وحقول خضراء وشقوق يتسلل الماء منها، ربما ذلك المنظر المحفز هو الذي أغرى عباس بن فرناس المولود في روندة بفكرة الطيران التي نفذها في قرطبة ولم يحالفه الحظ، أما حين أتذكر ما قاله الروائي الأمريكي أرنست همنجواي الذي عاش في روندة لفترة من الزمن عن الضحايا الذين قذفوا من الأعلى ليموتوا في الوادي السحيق خلال الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد شعرت بأسى بالغ وأنا أتخيل توسلاتهم في اللحظات الأخيرة وهم يطلبون الموت بطريقة غير تلك الطريقة المخيفة.

نهاية شارع أرمينيان وصلنا إلى ساحة أبو البقاء الرندي، وتقع مباشرة أمام كنيسة سان سباستيان التي كانت مسجد مدينة روندة قبل تحويلها، وقد زرعت في أرجاء المكان أشجار البرتقال، ويقع على يمين الساحة مبنى حكومي للفنون الإسلامية، ولعل الناظر لكنيسة سباستيان يشعر بوضوح أن الواجهة أقرب في تصميمها للمسجد منه للكنيسة، رغم كل التغييرات التي أدخلت عليها، الشيء الثاني اللافت وهو يعتبر من الأمور النادرة في العمارة الإسلامية هو انفصال مئذنة المسجد عن المسجد نفسه حيث نجد برجا يقع بمكان بعيد نسبيا يسمى برج سباستيان، له باب خشبي صغير وفي داخله سلم يؤدي لقمة البرج، ويحكى بشكل غير مؤكد أن برج سباستيان هذا هو الجزء السليم المتبقى من مسجد تهدم .

إن جمال روندة ليس فيه هزل طالما كنا بعيدين عن حوافها الزلقة، فعلوها الشاهق لا يمكن ترويضه بالكلام المعسول أو بطول العشرة، وما هي إلا لحظة مع ريح شديدة مباغتة إلا ويجد المغامر نفسه يهبط للأسفل.

سقوط غرناطة

سقطت مدينة روندة بتاريخ 23 مايو 1484 ضمن مخطط وضع في مجلس (الكورتيس) أو التاج الإسباني، الهدف الرئيسي منه هو ابتلاع غرناطة بأكملها، وكان ترتيب روندة في المقدمة كونها تعد بوابة مهمة في المنطقة الغربية للمملكة الإسلامية، وهي رغم علوها ومنعتها لم تستطع من الصمود أمام جيش الملك فردناند الذي قاد بنفسه تلك الحملة على رأس 40 ألف مقاتل بعد أن تهيأت له أسباب الاستيلاء عليها، في البداية ترك حامد الذعري حاكم روندة حامية صغيرة وذهب في مهمة مباغتة نحو شذونة، بينما كان الجيش القشتالي متجها صوب ملقة، هنا يجب أن نذكر أن من بين قرار مجلس الكورتيس إشغال المسلمين بحملتين عسكريتين في السنة، تماما كما كان يفعل الحاجب المنصور أبي عامر مع ممالك الشمال المسيحية في آخر أيام قوة قرطبة وسطوتها على جميع مناطق الأندلس وشمال المغرب.

الذعري غنم هو وجنوده الكثير من المواشي والأقوات، وبينما كان عائدا لعشه الشاهق وصله الخبر الفزع بأن جنود الملك فردناند يملأون الوديان والسهول المحيطة، كان الخبر ينتشر بسرعة بواسطة حراس يقظين يعيشون كالجوارح فوق قمم الجبال مهمتهم إشعال النار متى ما لمحوا وجود خطر داهم، وتعرضت روندة لقصف عنيف ومركز لا يتوقف بالمنجنيق وكرات اللهب والزيت المحترق، وتحطمت أبراجها الواحد تلو الآخر.

تحولت روندة بالليل إلى شمعة تنير التلال المجاورة لها وفي النهار كأنها قدر مغلي وهو مفتوح، وكابد أهلها طوال أيام الحصار خوفا ومرارة لم يألفوها من قبل، فأين المهرب؟ العدو يقصفهم بالحمم وهم عاجزون عن الطيران فكاكا من حصاره، وزاد من كرب أهل روندة اكتشاف الجنود القشتاليين الشريان السري الذي يغذيهم بالماء، وأمام المحاولات اليائسة لقوات حامد الذعري لكسر الحصار عن روندة استسلمت المدينة بعد حصولها من فردناند على شروط مغرية من بينها السماح لسكانها بالخروج بممتلكاتهم أو البقاء تحت حكم التاج الإسباني مع ضمان ممارسة شعائرهم دون مضايقة أو تضييق.

أبو البقاء شاعر الزمان

يعتبر أبو البقاء صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن علي بن شريف الرندي ( 1204 1285 ) وهو ينتمي لقبيلة نفزة البربرية، فقيها وأديبا وشاعرا، نظم عدة قصائد لم تبز قصائد شعراء الأندلس المشهورين كابن زيدون وابن هانيء أو المعتمد بن عباد أو لسان الدين بن الخطيب، ولكنه - أي الرندي - نظم قصيدة وأي قصيدة في رثاء الأندلس كفته مؤنه نظم المئات من القصائد وعشرات الدواوين.

المرحلة التي عاصرها الرندي من تاريخ الأندلس كانت حبلى بالتغييرات الإستراتيجية على مستقبل الوجود الإسلامي في الأندلس، فبعد معركة العقاب التي هزم فيها جيش الموحدين (1212م) انكشفت سماء القواعد الأندلسية فوق مدن الأندلس الكبيرة قبل الصغيرة وتداعت معظمها في زمن قصير، سقطت إشبيلية وبطليوس وبلنسية وقرطاجنة ومرسية وغيرها، وفي هذه الأجواء تكثفت كلمات مرثية الرندي، فخرجت كلماته معبرة لامست العقول وهزت القلوب، ورغم أن الكشف عن القصيدة قد تم في وقت لاحق لنظمها، فقد فرضت وجودها لما تضمنته من حكم بليغة أمدتها بالخلود والتكيف مع الأزمان المتلاحقة حتى يومنا الحاضر.

وصاحبت مرثية الرندي غرائب متلاحقة تخص زمان نظمها وتاريخ الكشف عنها، أولها كما ذكر الدكتور محمد عنان في مقال له سبق نشره في مجلة العربي عدد 277 أكتوبر 1977م أن الرندي لم يورد قصيدته في كتابه «الوافي في نظم القوافي» وكأنه لم يثمن أهميتها ومكانتها، الأمر الثاني أن الوزير لسان الدين بن الخطيب أورد للرندي عدة قصائد في كتاب «الإحاطة في أخبار غرناطة» ليس من بينها المرثية!!، أما من كشف عنها فهو المؤرخ المقري صاحب «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» الذي ألف ذلك الكتاب سنة 1630م وهو في القاهرة أثناء الحكم العثماني لمصر، والمقري نفسه كما يؤكد عنان لم يحدد التاريخ الذي نظمت فيه القصيدة.

روح المشارقة والمغاربة

لقد أخفى سواد الليل جمال المدينة الباهي وفي ساعات النهار تبرز مفاتنها بشكل جلي، بيوت روندة الخفيضة مطلية في الغالب باللون الأبيض أما مشربياتها الداكنة وكم البورسلان المستعمل في القسم السفلي في البيوت والمحلات ونوعية الزخارف المستعملة وصناعة الحصير وأبواب المنازل العتيقة، ومئات أشجار النخيل فتجعل روح المكان أقرب إلى مدن شمال المغرب العربي والقاهرة والشام، هذه الروح لا تختص بها روندة وحدها بل هي منتشرة في عموم مناطق الجنوب الإسباني.

في خروجنا هذه المرة من رندة أو روندة أو تاكرنا ومن باب فحص اللوز الذي ظل على حاله منذ خروج حامد الذعري ودخول الملك فردناند لم نعد بحاجة إلى خريطة السماء ونجمنا البعيد فمن روندة كانت كل العلامات بارزة ومكتوبا عليها ملقة بعد كذا كلم.

مرثية الأندلس أبو البقاء الرندي


لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ
فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأمورُ كما شاهدتها دُولٌ
مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد
ولا يدوم على حالٍ لها شان

يُمزق الدهر حتمًا كل سابغةٍ
إذا نبت مشْرفيّاتٌ وخُرصانُ

وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ
كان ابنَ ذي يزَن والغمدَ غُمدان

وأين الملوك ذَوو التيجان من يمنٍو
وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ ؟

وأين ما شاده شدَّادُ في إرمٍو
وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ؟

وأين ما حازه قارون من ذهب
وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ ؟

أتى على الكُل أمر لا مَرد له
حتى قَضَوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك
كما حكى عن خيال الطّيفِ وسْنانُ

دارَ الزّمانُ على (دارا) وقاتِلِه
وأمَّ كسرى فما آواه إيوانُ

كأنما الصَّعب لم يسْهُل له سببُ
يومًا ولا مَلكَ الدُنيا سُليمانُ

فجائعُ الدهر أنواعٌ مُنوَّعة
وللزمان مسرّاتٌ وأحزانُ

وللحوادث سُلوان يسهلها
وما لما حلّ بالإسلام سُلوانُ

دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له
هوى له أُحدٌ وانهدْ ثهلانُ

أصابها العينُ في الإسلام فارتزأت
حتى خَلت منه أقطارٌ وبُلدانُ

فاسأل (بلنسيةً) ما شأنُ (مُرسيةً)
وأينَ (شاطبةٌ) أمْ أينَ (جَيَّانُ)

وأين (قُرطبة)ٌ دارُ العلوم فكم
من عالمٍ قد سما فيها له شانُ

وأين (حْمص)ُ وما تحويه من نزهٍ
ونهرهُا العَذبُ فياضٌ وملآنُ

قواعدٌ كنَّ أركانَ البلاد فما
عسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركانُ

تبكي الحنيفيةَ البيضاءُ من أسفٍ
كما بكى لفراق الإلفِ هيمانُ

على ديار من الإسلام خالية
قد أقفرت ولها بالكفر عُمرانُ

حيث المساجد قد صارت كنائسَ ما
فيهنَّ إلا نواقيسٌ وصُلبانُ

حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ
حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ

يا غافلاً وله في الدهرِ موعظةٌ
إن كنت في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ

وماشيًا مرحًا يلهيه موطنهُ
أبعد حمصٍ تَغرُّ المرءَ أوطانُ؟

تلك المصيبةُ أنستْ ما تقدمها
وما لها مع طولَ الدهرِ نسيانُ

يا راكبين عتاق الخيلِ ضامرةً
كأنها في مجال السبقِ عقيانُ

وحاملين سيُوفَ الهندِ مرهفةُ
كأنها في ظلام النقع نيرانُ

وراتعين وراء البحر في دعةٍ
لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطانُ

أعندكم نبأ من أهل أندلسٍ
فقد سرى بحديثِ القومِ رُكبانُ؟

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم
قتلى وأسرى فما يهتز إنسان؟

ماذا التقاُطع في الإسلام بينكمُ
وأنتمْ يا عبادَ الله إخوانُ ؟

ألا نفوسٌ أبياتٌ لها هممٌ
أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ

يا من لذلةِ قومٍ بعدَ عزِّهمُ
أحال حالهمْ كفرٌ وطُغيانُ

بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم
واليومَ هم في بلاد الكفرِّ عُبدانُ

فلو تراهم حيارى لا دليل لهمْ
عليهمُ من ثيابِ الذلِ ألوانُ

ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُ
لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ

يا ربَّ أمّ وطفلٌ حيلَ بينهما
كما تفرقَ أرواحٌ وأبدانُ

وطفلةً مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعت
كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ

يقودُها العلجُ للمكروه مكرهةً
والعينُ باكيةُ والقلبُ حيرانُ

لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ
إذا كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ

إبراهيم المليفي مجلة العربي اكتوبر 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016