مختارات من:

محمد بن عيسى: الكويت احتضنت هجرات وثقافات العالم

عبدالرحيم العلام

احتفينا بالكويت في ذكرى استقلالها الخمسين ولمكانتها الثقافية والإبداعية حيث عرفت «بعاصمة النور» في الستينيات
شكلت أصيلة من خلال شعار «الثقافة من أجل التنمية» ناقوسًا لإثارة الانتباه إلى المضمون الحقيقي للتنمية المتمثل أساسًا في الإنسان
لا فائدة من المشروعات الكبرى وتهميش الإنسان لأن النتيجة ستصبح زيادة الفقراء فقراً والأغنياء غنى رغم الملايين التي تنفق
في أصيلة هذا العام، وفي موسمها الثقافي الدولي الثالث والثلاثين، كانت الكلمات والإيقاعات الموسيقية والجداريات والشوارع مزهوة بفرحها وزرقتها، فرحة باللقاء والتماهي مع دولة الكويت ضيف شرف الموسم، ومتباهية بعبق تاريخي وحضاري وافد يسربل المكان، ومنتشية في حضرة هامات فكرية وإبداعية وفنية وثقافية وإعلامية, لها اقتدارها الإبداعي الذي لا يماري فيه أحد، إذ كان لهذه الاحتفالية الكبرى رونق وطعم خاص، والكويت تحتفي بالذكرى الخمسين لاستقلالها، وهو ما جعل برنامج هذه الاحتفالية الكبرى متنوعا, وطافحا بعديد الأنشطة والفعاليات الفكرية الثقافية والأدبية والفنية، تلك التي تمارس نوعا من «الكاترسيس» لأرواحنا، و تحررها من غلواء المستهلك والمبتذل واليومي، فضلا عن المحاضرات واللقاءات والأمسيات الأدبية، التي نظمتها مؤسسة منتدى أصيلة بهذه المناسبة، والمعارض الثقافية والتراثية والفنية، والعروض الموسيقية والغنائية المتنوعة، احتفاء بدولة الكويت التي دأبت على رفع بيارق التغيير والتجديد والتنمية في شتى المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية والإعلامية، وهو ما يعكس، من ناحية، مدى التقدم والتطور، النوعي والكمي، الذي تحقق في دولة الكويت الشقيقة، ويبرز، من ناحية ثانية، جانبا من النهضة الثقافية والتنموية الحيوية, التي تشهدها المؤسسات السياسية والثقافية والاجتماعية في هذا البلد العربي الرائد والسباق إلى العطاء والإسهام في عديد المجالات والميادين.

ارتأينا، بهذه المناسبة، تقريب القارئ العربي من بعض فعاليات ومحطات هذه الدورة لموسم أصيلة الثقافي الدولي، التي احتفت بدولة الكويت ضيف شرف كبير على أصيلة وعلى موسمها، في هذا الحوار الممتع مع السيد أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، معالي الوزير الأستاذ محمد بن عيسى، الذي كان له دور لافت في النجاح الكبير الذي عرفته هذه الدورة، بما بذله شخصيا، والإخوة الكويتيون، من جهد كبير، وأيضا بما يكنه الأستاذ محمد بن عيسى لدولة الكويت من تقدير خاص ومحبة خالصة، بالنظر لطبيعة علاقات الصداقة والأخوة الوطيدة والمتواصلة، التي تمكن محمد بن عيسى من نسجها، على مدى العقود السابقة، مع كبار رجالات هذا البلد الشقيق ومفكريه وأدبائه وأهله، وكان هذا الحوار

دأبتم في كل سنة على استضافة أحد البلدان كضيف شرف على موسم أصيلة الثقافي الدولي. وقد استضفتم هذه السنة بلدا عربيا، هو دولة الكويت. فما دواعي استضافة أصيلة لهذا البلد العربي الشقيق؟
- بالفعل، بدأنا في مؤسسة منتدى أصيلة، منذ السنوات الأخيرة، تقليدا جديدا في مواسم أصيلة الثقافية الدولية، وذلك باستضافة دولة شقيقة أو صديقة لتكون ضيف شرف على دورة الموسم. وهكذا استضاف الموسم عدة بلدان، منها المكسيك والبرتغال والإمارات العربية المتحدة. وهذا العام، استضفنا في موسم أصيلة الثالث والثلاثين دولة الكويت، لاعتبارات عدة، يمكن أن نجملها فيما يلي:

أولا، تحتفي دولة الكويت هذا العام بالذكرى الخمسين لاستقلالها، وبالذكرى العشرين للتحرير؛

ثانيا، لمكانة الكويت الثقافية والإبداعية، وللدور الطلائعي الذي قام به هذا البلد في النهوض بالثقافة العربية. فكلنا يعلم أن الكويت كانت «عاصمة النور» منذ بداية الستينيات، إذ كانت مجمعا للقدرات الفكرية والإبداعية، ولمختلف الحركات التحررية العربية. ومن ثم، تحققت في الكويت عدة إنجازات ثقافية وإعلامية، في مجال المسرح والسينما والتشكيل والصحافة والإعلام الثقافي والبحث العلمي والتربية وثقافة الطفل، وفي غيرها من المجالات الأخرى التي عرفت نهضة وحركية خاصة في الكويت.

فضلا عن ذلك، تتوافر الكويت، ومنذ الاستقلال، على صفوة من المفكرين والعلماء والباحثين والمبدعين والإعلاميين، ممن يحملون مشعل الحراك الثقافي العربي، ويساهمون في مختلف المجالات الأدبية والعلمية والإعلامية داخل هذا البلد وخارجه. إضافة إلى ذلك، يشهد الكل للكويت باستضافتها المتوالية، سنة بعد أخرى، للندوات والمؤتمرات واللقاءات والمعارض العربية والأجنبية.

لهذه الأسباب، ولغيرها، فضلا عن العلاقات الأخوية المتينة القائمة بين المملكة المغربية ودولة الكويت، ارتأينا، بكل اعتزاز وترحيب، استضافة دولة الكويت ضيف شرف على موسم أصيلة الثقافي الدولي للعام 2011.

تضمن برنامج الاحتفاء بدولة الكويت في موسم أصيلة الثقافي الدولي الثالث والثلاثين، عدة تظاهرات ثقافية وفكرية وفنية وموسيقية، عرفت كلها نجاحا لافتا، وتركت صدى إعلاميا خاصا، كما لقيت ترحيبا بها من ضيوف أصيلة وجمهورها وزوارها. فهل لكم أن تقربونا من فقرات البرنامج الثقافي والفني العام لهذه الاحتفالية؟
- برنامج موسم أصيلة الثقافي لهذا العام وضعناه بالتشاور مع إخوتنا في «المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون» والإدارة العربية في وزارة الخارجية الكويتية، ومع النخب الكويتية المتخصصة في مختلف المجالات، إذ استغرقنا حوالي سنة كاملة في التشاور والإعداد والتحضير، وتوصلنا إلى برنامج ثقافي شامل، تناول مختلف الجوانب الأدبية والعلمية والاقتصادية والمالية، ومجالات الطاقات المتجددة والإعلام العربي والإفريقي.

كما تضمن البرنامج مشاركة كويتية واسعة في مجال الفنون التشكيلية والمعارض والفنون الاستعراضية، من موسيقى وغناء وأزياء، وغيرها من الفقرات الفنية، التي كشفت لجمهور أصيلة عن مدى الثراء والتجديد الذي طال مجال الفنون في الكويت.

إلى جانب ذلك، أقمنا معرضا ضخما للمنشورات والدوريات الكويتية الصادرة خلال خمسين سنة، في خيمة عصرية فسيحة وجميلة، ومجهزة بأحدث التقنيات، تم بناؤها من قبل الكويت وسط المدينة، وتحديدا في الحديقة التي اتخذت، في هذا الموسم، تسمية «الأديب المغربي الراحل محمد عبد السلام البقالي». وكان الجديد في صالون الكتاب هو «المقهى الكويتي» الذي صمم على طريقة الديوانيات الكويتية، وكان يستضيف يوميا عشرات الرواد لحضور المحاضرات والعروض والندوات والأمسيات الشعرية، وهي اللقاءات التي من قربت جمهور أصيلة من بعض أوجه الثقافة والآداب الكويتية، وكذلك من المنجزات التي تحققت في الكويت خلال نصف قرن. هذا المقهى الذي كان حدثا ثقافيا جديدا ميز فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي الثالث والثلاثين.

من بين الفعاليات الأخرى التي تضمنها برنامج هذا العام، احتفاء بدولة الكويت، تنظيم ندوة حول «نصف قرن من العطاء الثقافي الكويتي العربي»، احتضنها فضاء جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، وأسهم فيها صفوة من المفكرين والباحثين والمبدعين والإعلاميين، من المغرب والكويت وباقي العالم العربي، وتمكنت من إضاءة المزيد من الجوانب المتصلة بالإسهام الكبير الذي حققته دولة الكويت وراكمته على مدى نصف قرن، في نشر الثقافة العربية وإشاعتها عربيا وكونيا. وبالمناسبة نفسها، تم تنظيم ندوة حول «الحركة الأدبية في الكويت خلال نصف قرن»، شارك فيها باحثون ونقاد ومبدعون من المغرب والكويت، احتفاء بما قدمته هذه الحركة من إسهام أدبي لافت داخل الكويت وخارجها. كما عرفت فعاليات هذه الاحتفالية تنظيم معرض للموروث الكويتي الغني، فضلا عن تقديم عروض موسيقية وغنائية شعبية وعصرية، شاركت فيها فرق موسيقية وغنائية كويتية ومغربية، أبهرت بوصلاتها الموسيقية جمهور أصيلة وزوارها.

وموازاة مع ذلك، ارتأينا في مؤسسة منتدى أصيلة، نشر كتاب ضخم، بعنوان «الأدب الكويتي الحديث بأقلام مغربية»، حرصنا على إصداره في حلة فاخرة وجميلة، تليق بهذه المناسبة، وبالمكانة الرفيعة التي يحتلها الأدب الكويتي في المشهد الأدبي العربي، كما تليق بالمساهمات النقدية والتحليلية التي أنجزها النقاد والباحثون المغاربة بصدد نصوص أساسية في الأدب الكويتي الحديث.

وأغتنم هذه المناسبة، وانطلاقا من هذا المنبر الثقافي العربي الرائد، لأجدد التعبير عن صادق الشكر وبالغ الامتنان لدولة الكويت التي أوفدت إلى أصيلة خيرة أبنائها، من مسئولين ومفكرين ومثقفين وأدباء وفنانين وإعلاميين، حملوا معهم من بلادهم أجمل الرسائل وأنبلها وأرقها.

هل لكم أيضا أن تقربونا، بتركيز شديد، من أهم المحطات الثقافية الأخرى التي عرفها برنامج موسم أصيلة الثقافي لهذه السنة؟
- عادة في كل موسم، تكون الندوة الأولى في برنامج جامعة المعتمد بن عباد الصيفية هو الحدث البارز الذي يفتتح به الموسم برنامجه الثقافي العام. وهذا العام، كان الحدث البارز هو ندوة «الهجرة بين الهوية الوطنية والهوية الكونية»، التي افتتحت برسالة ملكية، وجهها جلالة الملك محمد السادس - نصره الله - إلى المشاركين في هذه الندوة، ورسالة أميرية وجهها حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير البلاد حفظه الله، تلاها وهو الحفل الذي شهد أيضا حضورا وازنا لقيادات سياسية عربية وإفريقية وأجنبية، من بينهم رؤساء دول سابقون، ووزراء حاليون للخارجية والإعلام والهجرة والسياحة، فضلا عن وزراء سابقين وبرلمانيين ومسئولين حكوميين سامين ومفكرين.

والحقيقة أن موضوع الهجرة ليس موضوعا بعيدا عن البرنامج العام المتعلق بالحضور الكويتي في هذه الدورة. فالهجرة تندرج في صميم التطور الحداثي الذي عرفته دولة الكويت؛ هذا البلد الذي عرف باحتضانه لمختلف الثقافات والحضارات، من خلال الهجرات المتوالية التي استضافتها الكويت من مختلف أنحاء العالم. وندوتنا هذه تعنى بالأساس بالإسهام الحضاري للمهاجرين في الدول التي يهاجرون إليها، وبالتلاقح الحضاري في مختلف أوجه الثقافة.

وسبب تناولنا لموضوع الهجرة يكمن أساسا في أن هذا الموضوع، في العقود الأخيرة، تم تناوله في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، مع الأسف الشديد، من زوايا ضيقة، انحصرت في الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية تحديدا... إضافة إلى ما يعرفه المهاجرون اليوم في الدول الغربية بالخصوص من بزوغ حركات وأحزاب عنصرية، لا تعير أي اهتمام للإسهامات الثقافية والحضارية والإبداعية للمهاجرين.

عرف أيضا موسم أصيلة الثقافي في دورته الثالثة والثلاثين تنظيم ندوة كبرى، حققت مشاركة واسعة من المختصين من المغرب والكويت ومن بعض الأقطار العربية والإفريقية الأخرى، وكانت حول موضوع الصناديق الخليجية ودورها في التنمية؟
- من بين الندوات الأخرى التي تم تنظيمها، في إطار برنامج جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، ندوة «الصناديق الخليجية والتنمية البشرية المستدامة»، التي تناولت دور هذه الصناديق في تفعيل حركة التنمية المستدامة في الدول النامية، خاصة في الدول العربية والإفريقية. ومعلوم أن الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية كان أول صندوق عربي تم إنشاؤه عام 1963. فالمساعدات والقروض والمبادرات التي قدمها وقام بها هذا الصندوق منذ بداية تأسيسه، إلى جانب ما قامت به الصناديق الخليجية الأخرى التي أحدثت بعد قيام هذه الدول، كصندوق أبو ظبي للتنمية، والصندوق السعودي للتنمية، وغيرهما، وكذلك الأجهزة الاستثمارية الأخرى في دولة قطر والبحرين وعمان، كلها مؤسسات ساهمت بشكل فعال في دعم مشاريع تنموية كبرى، مثل بناء السدود، وشق الطرق والسكن، والقطاعات السياحية، وكذلك في مجالات الزراعة والطاقة، والمجالات التربوية والثقافية.

إلى جانب ذلك، نظمنا ندوات أخرى في إطار جامعة المعتمد بن عباد، منها ندوة «تكنولوجيا الطاقات المتجددة والنووية وأثرها على التنمية في عالم الجنوب»، بشراكة ناجعة مع شركة مصدر، تميزت مداخلات المشاركين فيها وعروضهم بالعمق الفكري، واستشراف المستقبل، بما يحمله من تحديات ومخاطر وآمال... كما تميزت ندوة «الإعلام العربي والإفريقي: صورة الواحد في إعلام الآخر»، بكثير من النقاش والتحليل، اللذين أبرزا طبيعة الصورة التي يمتلكها الواحد عن الآخر، تلك التي ترسمها وسائل الإعلام العربية والإفريقية، وترسخها في أذهان ووجدان المستهلكين للمادة الإعلامية، فضلا عن فقرات ثقافية وفنية أخرى طورت برنامج هذه الدورة وأغنته.

وماذا عن نصيب مدينة «أصيلة» من هذا الدعم الذي تقدمه الصناديق الخليجية؟
- أصيلة كان لها، هي أيضا، حظ من هذا الدعم، حيث ساهم صندوق أبو ظبي للتنمية مع شركة الديار القطرية في محاربة السكن غير اللائق في أصيلة لمئات الأسر، كما ساهم هذا الصندوق في بناء مدرسة ابتدائية، ومتحف ومحطة طرقية للمسافرين ومتحف للفنون، بالتعاون مع المجلس البلدي ومؤسسة منتدى أصيلة. وساهم الصندوق السعودي للتنمية في توسيع البنية التعليمية بالمدينة، حيث يقوم الصندوق بتشييد ثانوية وبناء إعدادية ومدرستين ابتدائيتين. وتتولى دولة قطر الشقيقة المساهمة في بناء شقق بالمدينة، تم إنجاز شطر مهم منها، وتندرج، بدورها، في إطار محاربة السكن غير اللائق بالمدينة.

كما ساهم الصندوق الكويتي للتنمية، هو كذلك، في بناء «دار الصباح»، وهي منشأة اجتماعية، غير مسبوقة بمدينتنا، مخصصة لاستضافة العجزة المعوزين، تتضمن بالإضافة إلى إقامة، ثلاثة ورشات دائمة لمحاربة الأمية، وتعليم المعلوميات، وورشات أخرى للمهن اليدوية. كما تحتوي الدار على مبرة ومسجد ومكتبة وفضاء للرياضة، إلخ.

كذلك ساهمت الكويت في الجانب الحضري للمدينة، ممثلا في تهيئة الكورنيش الممتد للمدينة، وتهيئة حديقتين، هما حديقة المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري والأديب المغربي الراحل محمد عبد السلام البقالي. كما ساهمت دولة الكويت في إنارة بعض الأحياء بالمدينة، ونحن اليوم، مع الإخوة الكويتيين، بصدد دراسة مشروع بناء مستشفى بالمدينة.

وبطبيعة الحال، لا ينحصر حضور الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، في أصيلة وحدها، فمشاريع كبرى كثيرة أقامها هذا الصندوق في المغرب، من قبيل بناء السدود، ومساهمة كبيرة في بناء الطرق السيارة، ومشروع القطار السريع، فضلا عن بناء مجموعة فنادق، وهي جميعها مشاريع توفر إمكانات الشغل، وتحديث البنيات الأساسية في المملكة المغربية. فهذه الأقطار العربية الشقيقة، نقدم جزيل الشكر والعرفان على كل ما قدمته وتقدمه من دعم لأصيلة وللمشاريع التنموية في بلادنا.

ارتباطا بسؤالي السابق، نجد أن من بين أهم ميزات موسم أصيلة الثقافي الدولي، كون برنامجه السنوي لا ينحصر في البعد الثقافي والفني فقط، بل يتعدى ذلك ليلامس أبعادا أخرى إنسانية، تخص ساكنة المدينة وزوارها. فهل لكم أن تقربونا من بعض جوانب الامتداد، الاقتصادي والاجتماعي والسياحي، التي لموسم أصيلة في المدينة؟
- إسقاطات الموسم واضحة، سواء فيما يتعلق بالبنيات الأساسية للمدينة، من طرق وإنارة وحدائق وسكن، أو فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والتجارية. فالموسم يؤمن حركة اقتصادية يستفيد منها السكان، حيث يقدم إلى أصيلة قرابة 150 ألف زائر مقيم، فضلا عن الجانب السياحي الوطني والأجنبي الذي تشهده أصيلة طوال العام. وبفضل هذه الإسهامات، أصبحت أصيلة رئة لمدينة طنجة، خاصة في الأعياد والمناسبات، وقبلة للسياح الأجانب خارج فترة الصيف، حيث تمتلئ الفنادق على مدار السنة، فضلا عن ذلك، يدرك الجميع ما معنى إقامة متحف بالنسبة للسياحة في أصيلة. كذلك توفر هذه المشاريع وغيرها فرص العمل. فأصيلة مقبلة هذا العام على الشروع في بناء منطقة صناعية ستحتضن مختلف الصناعات غير الملوثة، وذات مردودية اقتصادية، كما أن من شأن السكن في شقق بدل سكن الصفيح أن يغير من نوعية الحياة ويحسن من مستوى عيش السكان.

والموسم كان له أيضا دور أساسي في إثارة انتباه المصالح المركزية في المغرب للاستجابة لعدد المطالب الملحة بالنسبة للسكان، مثل بناء ميناء للصيد البحري، وتوفير الماء الصالح للشرب، وتقوية الكهرباء والمواصلات. هذا القليل الذي ذكرته من الكثير الذي تحقق، يجسد الشعار الذي بدأنا به مشروع أصيلة الثقافي في أواخر السبعينيات؛ إذ كان الشعار هو «الثقافة من أجل التنمية»، لأننا حين بدأنا هذه المسيرة الثقافية، كنا نريد أن نثير انتباه المسئولين والنخب إلى أن الثقافة مورد مثل باقي الموارد الأخرى المتمثلة في الطاقة والمعادن، إذا حسن توظيفها حداثيا وتراثيا، فإن ذلك يؤهل المواطنة والمواطن، ويؤهل كذلك الفضاء البيئي لتنمية متكاملة، سليمة وجميلة.

لقد شكلت أصيلة، وأقول هذا بتواضع ولكن أيضا بتفاخر، من خلال فكرة أو شعار «الثقافة من أجل التنمية»، ناقوسا لإثارة الانتباه إلى المضمون الحقيقي للتنمية المتمثل أساسا في الإنسان. ومن ثم، فنحن في هذه المدينة الصغيرة، حينما بدأنا هذا المشوار، بدأنا في الاستثمار في الإنسان، في الطفل، واعتمدنا منهجية تنموية متوازية بين الإنسان والمحيط البيئي الذي يعيش فيه. والغاية هي أن تكون مشاريع التنمية الهيكلية منسجمة مع قدرة السكان للانسجام معها، والاستفادة منها، وتوظيفها توظيفا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، إذ لا فائدة في إقامة المشاريع الكبرى وتهميش الإنسان. ومع الأسف الشديد، هذا هو ما حدث في الكثير من البلاد التي عشت فيها في جنوب الصحراء، وكذلك في البلدان العربية، حيث كانت تقام مشاريع تنموية عن طريق الخبراء والمتخصصين في غياب كامل عن الساكنة، لا يشركونهم ولا يتشاورون معهم، وأحيانا لا يخبرونهم. وربما هذا الأسلوب في التعامل مع مفهوم التنمية، خاصة في الستينيات والسبعينيات، كان سببا أساسيا في المعادلة التي استيقظنا عليها، حيث يزداد الفقراء فقرا والأغنياء غنى، رغم الملايين التي كانت تضخ في مشاريع التنمية.

ينظم موسم أصيلة الثقافي الدولي، فضلا عن الفعاليات الثقافية والفنية، جوائز تقديرية ولقاءات احتفاء وتكريما برموز الثقافة والفكر والأدب والفن، من العالم العربي وإفريقيا وباقي العالم. فهل لكم أن تقربونا من هذا الجانب الاحتفائي، كما شهدته الدورة الثالثة والثلاثون لهذا الموسم؟
- بالفعل، دأبت المواسم الثقافية منذ دوراتها الأولى، على الاحتفاء برموز الثقافة والفكر والأدب والفن في العالم، من أصدقاء موسم أصيلة الثقافي الدولي، ومن غيرهم. وهكذا، فبعد دورات سابقة شهدت الاحتفاء بمجموعة من رموز الثقافة الوطنية في المغرب والعالم العربي وإفريقيا وفي بعض البلدان الأجنبية، في لقاءات وندوات تكريم واحتفاء بتجارب هؤلاء، سواء ممن قضوا أو من الأحياء. وفي هذا الموسم، احتفينا بالأديب المغربي الكبير الأستاذ عبد الكريم غلاب، في ندوة شارك فيها نخبة من الكتاب والباحثين والإعلاميين، من المغرب والعالم العربي، خصصت لمقاربة الإنتاج الفكري والأدبي والإعلامي للأستاذ غلاب، ولاستعادة دوره الوطني والنضالي والسياسي... كذلك قمنا في مؤسسة منتدى أصيلة، بتكريم مجموعة أخرى من رجالات الفكر والأدب والفن، وذلك عبر إطلاق أسمائهم على شوارع وساحات وحدائق وأزقة أصيلة، وقد أصبحت اليوم لائحة أسمائهم متسعة، وتشرف بعض المواقع الرئيسة في أصيلة. وهذه السنة، أطلقنا اسمي المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري والأديب المغربي الراحل محمد عبد السلام البقالي على حديقتين في وسط مدينة أصيلة.

كما دأبت مؤسسة منتدى أصيلة، في موسمها الثقافي الدولي، على تنظيم جوائز تقديرية، كنا قد أحدثناها تباعا في مواسم أصيلة السابقة، من قبيل «جائزة تشيكايا أوتامسي للشعر الإفريقي»، و«جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب»، و«جائزة محمد زفزاف للرواية العربية». وفي هذا الموسم، نظمنا الجائزتين الأولى والثانية، وكانت الجائزة، المسماة باسم صديق أصيلة شاعر الكونغو برازافيل الكبير، الراحل فيليكس تشيكايا أوتامسي، من نصيب الشاعر المغربي المهدي أخريف والشاعرة السينغالية فامة د. صين ندياي، فيما كانت الجائزة الثانية، المسماة باسم صديق موسم أصيلة، الشاعر العراقي الكبير بلند الحيدري، من نصيب الشاعر المغربي الشاب عبد الرحيم الخصار والشاعر الكويتي الشاب محمد هشام المغربي. وقد سُلِمت هاتان الجائزتان في حفلين كبيرين، بحضور أعضاء لجنتي القراءة والتحكيم. وقد كانت مناسبة سعيدة بالنسبة لنا جميعا أن فاز شاعر كويتي بجائزة الشعراء العرب الشباب، في هذه الدورة التي احتفينا فيها بدولة الكويت ضيف شرف على موسم أصيلة.

احتفاؤكم بالثقافة والفن، لم ينسكم الاحتفاء، في نهاية كل موسم، بساكنة أصيلة، اعتبارا لما يعرف به أهل المدينة من أريحية وترحيب منقطع النظير بزوار المدينة وبضيوف موسمها الثقافي الدولي. فما هي بعض تجليات هذا الاحتفاء؟
- في كل موسم، اعتدنا أن نحتفي بساكنة أصيلة، حيث اعتمدنا في ذلك أسلوبا احتفائيا، يروم إبراز الدور الذي يقوم به أبناء أصيلة في مختلف المجالات والقطاعات. لهذه الغاية، أحدثنا مجموعة من الجوائز التقديرية لفائدة ساكنة أصيلة، منها: جائزة المرأة العاملة، وجائزة البيئة، جائزة صياد العام، وجائزة الأم المثالية، وجائزة رياضي السنة، وجائزة الصانع التقليدي... كذلك، قام بعض الإخوة من أصدقاء أصيلة، ومن المثابرين على حضور مواسمها الثقافية، على إحداث جوائز بأسمائهم لفائدة أهل أصيلة، كالصديق المرحوم أحمد ماهر، وزير الخارجية المصري الأسبق، الذي أحدث جائزة باسمه، وقبله الدكتور إبراهيم عويس، أحدث جائزة للأوائل من خريجي البكالوريا، تمنح كل سنة، فضلا عن جوائز أخرى موجهة للناشئة من المشاركين في ورشات الكتابة والإبداع، في مجال كتابة القصة والشعر، موجهة لتلاميذ مدارس أصيلة وثانوياتها.

بما أن موسم أصيلة الثقافي الدولي احتفى في دورته الثالثة والثلاثين، بدولة الكويت ضيف شرف، هل لكم أن تحفزوا ذاكرتكم المتوقدة على استعادة بعض اللحظات المتوهجة التي قضيتموها بدولة الكويت، وارتبطتم فيها ببعض الشخصيات المؤثرة في هذا البلد الشقيق؟
- كان لي شرف زيارة الكويت للمرة الأولى، وأنا طالب في القاهرة، ومراسل للإذاعة المغربية من هناك. كان ذلك في فبراير 1961. زرت حينئذ الكويت ضمن الوفود الصحافية التي كانت تستضاف تحضيرا للإعلان عن استقلال الكويت. وفي هذه الزيارة، أجريت حديثا إذاعيا مع حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي كان سموه يومها رئيسا لدائرة المطبوعات والنشر.

ثم وأنا طالب في الولايات المتحدة الأمريكية، كنت أعمل خلال دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة مساعدا للمرحوم ليفون كيشيشيان، أرميني الجنسية، هاجر من فلسطين إلى الولايات المتحدة سنة 1948، إبان الحرب، وأصبح مراسلا لعدة منابر إعلامية عربية، مثل «الأهرام» في مصر و«العلم» في المغرب وإذاعة وتلفزيون الكويت. وكنت أنا أغطي أنشطة الوفد الكويتي الذي كان يرأسه أمير البلاد الحالي، حيث كنت أظهر في التلفزيون الكويتي في بداية الستينيات.

بعد ذلك، كان لي الشرف والنشوة للعمل، وأنا سفير للمملكة المغربية في واشنطن، مع صديقي العزيز معالي الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية الكويت الحالي، الذي كان سفيرا للكويت في واشنطن، وسعادتي كانت غامرة بعد ذلك، حين أصبحت وزيرا لخارجية المغرب، بالتعاون الموصول مع صاحب السمو أمير البلاد، حين كان وزيرا للخارجية، ثم مع خلفه الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح. وبطبيعة الحال، أسسنا، خلال هذه المدة، لعلاقات قوية بين بلدينا، فضلا عن العلاقات الأخوية المتينة القائمة بين قائدي البلدين، لأكثر من خمسين سنة.

تأثري كان أيضا بالغا، حين استقبلني في شهر فبراير الماضي صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله، لأهنئ سموه بالذكرى الخمسين لاستقلال الكويت. قلت لسموه ما كنت أحلم يوما أن أعيش نصف قرن، منذ تعرفت على سموكم عام 1961، لأحتفي معكم بعيد استقلال الكويت، إذ كانت سعادتي غامرة بهذه المناسبة السارة.

في هذه السنوات، تعرفت أيضا على عديد الشخصيات الكويتية، منهم سمو الشيخ ناصر المحمد الأحمد الجابر الصباح رئيس مجلس الوزراء الحالي. كذلك تعرفت على مجموعة من رجال السياسة والفكر والأدب والإعلام، من قبيل معالي الأستاذ سامي عبداللطيف النصف، وزير الإعلام والمواصلات الأسبق، والأخ الأستاذ عبدالله بشارة، أمين عام مجلس التعاون الخليجي الأسبق، والأستاذ الكبير الراحل الدكتور أحمد الربعي، والأخ الدكتور محمد الرميحي، والمفكر سعد بن طفلة العجمي، والأخ الدكتور سليمان إبراهيم العسكري، رئيس تحرير مجلة العربي، والأخ المهندس علي اليوحة، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والأخ الأستاذ محمد جاسم الصقر، الذي تربطني به علاقة في إطار مجلس العلاقات العربية والدولية، فضلا عن شخصيات أخرى في جميع مؤسسات الدولة، وخصوصا في وزارة الخارجية ووزارة الإعلام، والمجلس الوطني، ومجلة العربي، والمعهد العالي للفنون الموسيقية وجمعية الفنانين التشكيليين ورابطة الأدباء، لا يتسع المقام لذكرها جميعها، كان لموسم أصيلة الثقافي الفضل الكبير في تعرفي على بعضها، وارتباطي معها بصداقة كبيرة، سأظل معتزا بها.

عبدالرحيم العلام مجلة العربي اكتوبر 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016