مختارات من:

المناعة

وسيم مزيك

علم المستقبل


مرض نقص المناعة المكتسب أو "الإيدز"، جاء مثل كارثة صحية للبشر في قرننا حتى أسماه البعض "طاعون القرن العشرين "، لكن هذه الكارثة كان لها وجـه آخر للغوص في أعماق علم المناعة ودفعه إلى الأمام ليكون علم المستقبل. فماذا عن هذا العلم؟

لقد ولد علم المناعة في أحضان علـم الأحياء الدقيقـة والجراثيم. ومع أن هناك اختلافا في الرأي حول نقطة البداية لهذا العلم، إلا أنه برأي الكثيرين يدين بولادته إلى التجارب الفذة التي قام بها طبيب ريفي من غلوستر شاير في إنجلترا والتي طـرحت وللمرة الأولى مفهـوم استجـابـة الجسم للعوامل الغريبة الغازية.

كانت البداية: جدري البقر

لقد تبين "إدوارد جينر"Edward Jenner في عام 1798. أن الإصابـة العرضية بفيروس جـدري البقر أدت إلى وقاية العمال الزراعيين من الإصابة بفيروس قريب له أشد خطـورة يصيب الإنسان محدثا مرض الجدري المشوه والمميت.

استخدم جينر هذه الظاهرة في تصميم أول لقاح في تاريخ الإنسانية، وقام بعديد من التجارب الناجحة لتحصين الأطفال ضد الإصابـة بالجدري باستخدام المواد المستخلصة من الأشكال الجلدية لجدري البقر عند الحلابات.

كان عمله هذا هو الخطوة الأولى التي أدت إلى القضاء على هذا المرض لاحقا، كما أنه أرسى الأساس العلمي لعملية التلقيح Vaccination والتي أنقذت مليارات من الأطفال عبر التاريخ من الموت وجنبتهم آلام ومآسي أمراض الطفولـة المعدية (شلل الأطفال - الحصبة - الجدري وغيرها).

وفي الوقت نفسـه ولد علم المناعة Immunology كعلم يدرس طبيعة وخواص استجابة الجسم للعوامل الغازية والخلايا الغريبة. وبالرغم من هذه الولادة المبكرة نسبيا، فإن علم المناعة كعلم مستقل لم يتبلور إلا في الخمسينيات والستينيات من هـذا القرن حين مكن التطـور التكنولـوجي من تحديـد البنى التشريحية والوظيفية لجهاز المناعة، وتبين تفرد النسج اللمفاوية (العقد والخلايا اللمفاوية) بوظيفة القائد والمنسق للعمليات الدفـاعية المناعيـة. فما هو جهاز المناعة وكيف يقوم بوظيفته؟

معارك خفية

يكون الإنسان خلال فعاليات يوم عادي عرضة للتماس المبـاشر ولهجـوم الملايين مـن الجـراثيم والفيروسات والطفيليـات الموجـودة في كل مكان حولنا، ونحن ندين في تمتعنـا بصحة جيـدة إلى كفاءة جهاز المناعـة بكل أجزائه في قيامه بعمليـة الحـماية ضد مختلف العـوامل الغازية، فهناك معركة خفية تدور بشكل مستمر بين الخطوط الدفاعية المتعددة لجهـاز المناعة وبين الكائنات الدقيقة التي تحاول غزو الجسم البشري في كل لحظة.

جهاز المناعة الفطري

تقـوم بعض البنى والآليـات في جسم الإنسـان بعملية دفاع غـير نوعيـة وحسب توضعها ضد مختلف العـوامل الممرضة الموجودة على تماس معها وتشكل بمجموعها جهاز المنـاعة الفطري Innate Immunity الذي يتميز بخاصية اللانوعية، أي أنه يقوم بـالدفاع وبشكل أعمى ضد كل الكائنات الدقيقة الغريبة.

فعلى سبيل المثال يحتوي السائل الدمعي على خمائر تستطيع حل بعض الأغلفة الجرثـومية، كـما أن الجريان المستمر للمادة الدمعية يؤمن عملية غسل ميكـانيكية للعوامل الممرضة، وتحتوي إفرازات الغدد الجلدية الدهنية على خمائر وأنزيـمات حالة للأغلفة البكتيرية.

ويشكل الجلد السليم حاجزا مهما يمنع دخول الغالبية العظمى من العـوامل الممرضة، وتتجلى أهميتـه الحيوية للعملية الدفاعية في حالة الإصابة بالحروق حيث يؤدي تخريب هـذا الحاجز إلى تعرض المريـض إلى العـدوى بمختلف الأمراض الشديدة المهددة للحياة غالبا.

أما حموضة المعـدة وأنزيماتها فتلعب دورا مهما في الوقاية من الأمراض المعدية الداخلة إلى جسم الإنسان عن طريـق جهاز الهضم. وتلعب عملية التبول دورا في حماية الجهاز البولي، حيث تقوم بعملية غسل مستمرة لمختلف العناصر الممرضـة الداخلـة عبر هذا الطريق. حصول ركود بولي لأي سبب من الأسباب (حصيات، تضيقات) يؤهب بشكل كبير لحصـول عدوى المجاري البولية لتعطل آلية الغسل الآنفة الذكر.

جهاز المناعة المتخصص

عندما يتمكن أحد العـوامل الممرضـة من اختراق حواجز جهاز المناعة الفطري فإن آليات أكثر تخصصا ونوعية تقوم بمهمة الدفاع الملائمة ضدها. تتمثل هذه الآليـات بفعاليـة نوعين من الخلايـا اللمفاوية هما اللمفاويات البائية والتائية.

يشتق كـلا هذين النوعين من نقي العظم، إلا أن الخلايا التائيـة تتابع في غدة التوتة تطورها مما أكسبها هذه التسمية. تدور الخلايا اللمفاوية البائية والتائية في الدم واللمف، وتتركـز في الأعضاء اللمفية الرئيسية، وهي العقد اللمفاوية والطحال.

وبسبب دورانها المستمـر مع سـوائل الجسم فإنها تتمكن من التعرف على العـوامل الغازية فـور دخولها الجسم وتقوم بتوجيه استجـابة مناعيـة ضدها. هذه الاستجابة تكون مدهشـة في نوعيتها فالشخص الذي سبق تمنيعه بالتلقيح ضد الحصبة، يستطيع مقاومة العدوى، ولكنه لا يقاوم العدوى الناجمة عن فيروس الإنفلونزا على سبيل المثال.

وتمتاز هذه الخلايـا أيضا بخاصية الذاكرة المناعية، حيث يظل جزء منها بعد تماسه بالعامل الممرض لأول مرة جائلا في الـدوران الـدموي واللمفـاوي لفترات طـويلة وعنـد دخول نفس العامل مرة ثانية تتعـرف عليه على الفور وتوجه ضده استجـابة نوعية أسرع وأشد فعالية من المرة الأولى.

وتلعب خلايا الذاكرة هذه بائية كانت أو تائية دورا مهما في عملية التلقيح حيث إن تحسسها لمستضـدات العامل الممرض الضعيفـة في مادة اللقاح يجعلها تتفاعل بشكل فـوري وحـاسم مع العامل الكامل الممرض نفسه عند دخـوله الجسم مرة أخرى بشكل طبيعي.

علم المناعة والإيدز

يندر أن يكـون للمرض في القرن العشرين ما كان لنقص المناعة المكتسبAIDS من تأثير على المجتمع والوسط الطبي في آن واحد. وإن تسميتـه بطـاعون القرن العشرين لتعطي دلالـة واضحة على مدى عمق هـذا التأثير فقد ظهر هذا المرض في وقت اطمأن فيه الـوسط العلمي إلى نجاحاته الباهرة في القضاء على الأمراض الإنتانية (المعدية) حيث لم تعد تشكل خطرا جديدا على الحياة، وبدأ العلماء بتحويل جهودهم نحو السرطانات والأمراض التي هي ناجمة عن التقدم العلمي بالذات وازدياد متوسط الأعمار في المجتمعات المتقدمة.

في مثل هذا الوقت يجيء فيروس نقص المناعة الإنسانيHIV ليعيد البشرية إلى أجواء العصور الوسطى، وتتباين الاستجابات لهذا الوباء من مفرطة في التشاؤم إلى محرضة على المزيد من العمل والدراسة لحل هذه المعضلة التي تجاوزت كل الحدود لتأخذ طابعا إنسانيا عاما.

والأثر المهم لفيروس الإيدز كان في توجيه الاهتمام نحو علم المناعة بالذات، فالفيروس يستهدف خلايا محورية في جهاز المناعة وهي اللمفاويات التائية المساعدة ويبدأ في القضاء عليها بعد فترة من الوقت قد تطول أو تقصر حسب ظروف العدوى (قد تمتد الفترة من وقت حصول العدوى إلى ظهور الأعراض النهائية إلى أكثر من 10 سنوات) ومن ثم تبدأ علامات انهيار جهاز المناعة في الظهور حيث يصبح المصاب عرضة للعدوى بمختلف العوامل الممرضة التي تنتهز فرصة ضعف مقاومة الجسم لتهاجم مختلف أجهزته ولتتسبب في القضاء على المريض في آخر الأمر.

وظهر واضحا أن قيام هذا النوع من الخلايا التائية بوظيفته وخلايا جهاز المناعة بشكل عام حيوي الأهمية من أجل تمتع الإنسان بصحة جيدة. والمولود الذي شاهد هذا النور على يد جينر ونما وترعرع بفضل جهود عباقرة كباستور وإيرليش وكوخ ولاند شتاينر وبورنت وغيرهم لم يلبث أن فاجأنا بإيقاعات تطورية سريعة وانفجارية منذ ظهور فيروس النقص المناعي الإنساني، الذي خلال فترة وجيزة نسبيا درس أكثر من أي عامل معد آخر. ولم يشمل هذا التطور علم المناعة فقط بل تعداه ليشمل مجالات علمية جديدة كل الجدة كبروز تقانة الرنا RNA، والمسابر الدناوية، واستعمال الأجسام المضادة وحيدة النسيلة في التشخيص والعلاج، والمعالجات المعدلة للمناعة بواسطة اللمفوكينات وغيرها.

على أعتاب القرن القادم

لا شك أن هذه الطفرة التطورية ستستمر، ففيروس الإيدز لا يزال بيننا بل إن خطره يزداد وطأة ولا يزال هناك الكثير من الأسئلة الملحة بحاجة للإجابة، والسبر الذي تعرض له جهاز المناعة على عمقه في مراحله الأولى، ولايزال هناك متسع للمساهمات العلمية المبدعة والخلاقة. إن علم المناعة الذي شهد بدايته على يدي طبيب ريفي في القرن الثامن عشر وتابع تطوره على امتداد القرن العشرين على يد علماء أفذاذ يقف اليوم على عتبة القرن الواحد والعشرين وهو بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تضافر جهد علمي عالمي من أجل تخليص البشرية من طاعون القرن العشرين.

وسيم مزيك مجلة العربي يونيو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016