مختارات من:

رحلة فضاء.. لكن على الأرض

سعد شعبان

في سبتمبر 1992 بدأت في مدينة كولون الألمانية، تجربة فضائية فريدة في نوعها، إذ إنها أجريت داخل كبسولة أرضية تختلف فيهـا الظـروف عن تلك الموجـودة على الأرض لأنها ظروف فضائيـة، لكن من صنع العلماء.

رواد التجربة التي دامت لمدة شهرين متصلين كانوا أربعة من العلماء الأوربيين، انتخبتهم وكالة الفضاء الأوربية "إيسا" من فرنسا والنمسا والسويد وهولندا، ولم يكن يربطهم داخل الكبسولة بالعالم الخارجي غير جهاز لاسلكي واحد.

هذه الرحلة الفضائيـة التي تمت على الأرض، لها أهداف بعيدة، هي موضوعنا.

الماضي القريب والبعيد

لقد تعددت التجارب الفضائيـة التي تجرى على الأرض داخل محاكيات ( Simulators ) تصنع الظروف داخلها لتحاكي الظـروف التي يعيش فيهـا رواد الفضاء.

ففي الماضي القـريب بـدأت وكـالـة الفضـاء الأمريكية "ناسا" تجربة مماثلة في نوفمبر عام 1991، وكان محلها كرة زجاجية ضخمة وضعت في صحراء أريزونا. وما زال يعيش داخل هذه الكرة ثمانية علماء معزولين عن العالم الخارجي، لأن مدة هذه الرحلة الأرضية عامان كاملان.

والكرة الزجاجية محل التجربة، يبلغ قطرها 25 مترا، أي ما يعادل ارتفاع عمارة شاهقة، تتكـون من سبعة طوابق، وقد صنع بها جو صناعي يضاهي مناخ الأرض ليتمكن الرواد بداخلها من إجراء تجاربهم على 3800 نوع من فصائل نباتية وحيوانية لازمة لإبقائهم على قيد الحياة داخل هذا المحاكي، دون وصول أي إمدادات لهم من خارجه. ويتبع العلماء نظاما غذائيا صارما يطبقه رواد الفضاء في رحلاتهم الحقيقية في أعالي الفضاء. وهم مكلفون بأن يدونوا ملاحظاتهم على فصائل النباتات، وعلى سلوك بعضهم البعض، وأن ينقلوا هذه الملاحظات إلى خارج المحاكي. عبر شبكة تلفزيونية.

أما في الماضي البعيد فقـد قام الاتحاد السوفييتي (سـابقا) بتجـربة رائدة على نفس المضمار، في عـام 1967. وقد استمرت لمدة عام كامل، إذ بدأت في 5 نوفمبر 1967، وانتهت في 4 نـوفمبر 1968، وكـان أبطالها ثلاثة رواد سوفييت أحدهم كان طبيبا، والثاني مهندسا والثالث كيماويا. وكان محل التجـربة محاكيا فضائيا يماثل الزنزانة المعزولة عن الحياة الخارجية. وكان الغرض في هذا الوقت المبكر من عصر الفضاء هو اختبار وقياس قـدرة الإنسان على تحمل الحياة بأقل قدر ممكن من الغذاء والشراب. وقياس قدراته العصبية والنفسية والعضلية على تحمل البقاء معزولا في ظروف تماثل الظروف الفضائية وكيف ستكون معالجته للحياة وللأجهزة والآلات داخل هـذا المحاكي. ومن التجارب التي أجراها الرواد السوفييت الثلاثة، استخلاص الماء من البول لإعادة شربه، والتنفس من الأكسجين المستخلص من عـرق الجسم، وتحليل الفضلات الحيـوية التي يلفظهـا الجسم إلى عناصر أساسية لاستخدام النافع منها كغذاء. وكانت هناك تجربة قيض لها قصب السبق في بحوث الفضاء، هي تجربة استنبات بعض البقول داخل هذه الزنزانة الفضائية بطريقـة علميـة يطلق عليها علماء النبات اصطلاحا الهيدرو - كربونيكس " تعتمد على الزراعة بدون استخدام تربة وتتم بتغذية النبات عن طريق إمداده بمحاليل تذاب فيها العناصر اللازمة لنموه. وقد انتهت هذه الرحلة الفضائيـة الأرضية السـوفييتية بنجـاح نسبي، لم ينتقص منه غير إصابة الكيماوي بلوثة عقلية، إذ لم يتحمل العزلة عاما كاملا، بينما فقد المهندس عدة كيلوجرامات من وزنه.

الحياة رقم " 2 "

لو ألقينا نظرة على برامج التجربة الأمريكية التي تجرى حاليا في صحراء أريزونا، نستنتج أن الهدف منها كمثل الهدف من سابقتها، هو تحقيق تبادل المنافع بين الإنسان والنبات في معزل عن الأرض. إذ يحصل النبات على غاز ثاني أكسيد الكـربـون الذي يبني به خلاياه من الزفير الذي يلفظه الباحثون الثمانية، بينما يمكن أن يستمد الباحثون الأكسجين اللازم لتنفسهم من تحليل الماء أو العـرق. ولكن مـا هـو أهم، هـو استنبات أنواع من النباتات غنية بالبروتين تصلح لأن تكون غذاء لـرواد رحلات الفضـاء في المستقبل، والمتوقع لها أن تدوم عدة شهور، بل عدة سنوات.

والمشروع الذي وضعه العلماء الأمـريكيون لهذه المحمية البيئيـة، أطلقوا عليه اسم "الحياة رقم 2 " بما يعني أن الحياة على الأرض هي الأولى، وأن تصميمهم الجديد يعني كيف ستكون الحياة في الفضاء الخارجي مخالفة للأولى. ولذلك ارتكزت خطة التجـارب في الناقوس الزجـاجي الضخم، على زراعة المحـاصيل بدون تربة، وإمدادها بمحاليل مشبعة بالعناصر الغذائية اللازمة لنمو النبات، مع تـوفير الإشعاع الشمسي اللازم عبر سلسلـة من المرايا والعدسات، ليقوم النبات بعملية التمثيل الكلـوروفيللي اللازم لأنسجته. وإلى جانب هذا تتوافر داخل هذا المحاكي أجهزة أخرى تقوم بعمليات ضبط درجات الحرارة وتكييف الهواء لتوفـير الجو الملائم لنمو أنواع مختارة من الخضراوات والبقول والفواكه.

ولا شك أن هذه التجارب في حاجـة إلى مزيد من البحوث العلمية التي تستوجبها الظروف المغايرة لتلك التي على الأرض، وعلى سبيل المثال فإن نمو النباتات في غيبة الأحياء الدقيقة المتوافرة في مسام التربة، والتي تقوم بأهم العناصر الحيوية لإمداد النبات بالنتروجين الذي يدخل في تشكيل خلاياه، أمر يجب وجود بديل له. وقـد يتمثل هذا البـديل في استخدام الأسمدة الأزوتية بمقادير لا بد من توفـير عوامل الاتزان لها.

وهناك اتجاهات بحثيـة لتصنيع المواد الغذائيـة وتركيب موادها الأولية كيماويا، بإضافـة عناصر إلى أخرى لتكـون منها مركبات تصلح لأن تكون طعاما لرواد الفضاء. ولقد تحقق فعلا تخليق مركبات صناعية، صالحة للأكل من حيث المذاق والشكل، الأساس فيها قـاعدة من الطحـالب بعدما تتفاعل فيها البكتريا والخمائر. ولكن الغرض الأبعـد الذي يستهدفه العلماء هو بلوغ مرحلة التصنيع الكامل للأغذية الفضائية من خلط المركبات بعضها بالبعض.

وهناك اتجاه آخر للبحوث العلمية يعتمد على معالجة فضلات الرواد، وإعادة تخليقها سواء بيولوجيا أو كيماويا للحصول على أطعمة جـديدة. ومثل هذه العمليـات لا تفيد فقط في تصنيع الطعام، ولكنهـا بالإضافة إلى هـذا تعمل على الاستفادة من بقايا يجب التخلص منها.

وفي المحاكيات الفضائية الأرضيـة توجـد عدة مصاعب لخلق جاذبية صناعية ينعـدم معها الوزن، وليس هناك من وسيلة إلا جعل المحـاكي في حالة دوران مستمر بسرعة عاليـة، ولكن ذلك يصاحبـه وجـود قوة طـاردة مركـزية لا بد من التغلب عليها لإجراء التجارب اللازمة. وفي ظل هذه الظروف لا بد من مراقبة المصاعب التي يتعرض لها النبات في بطء نمو سيقانه إلى أعلى فوق المستوى الذي توضع فيه البذور والمحاليل، والتغلب على سرعة اندفاع السوائل في سيقان النبات وأوراقه نتيجة لانعدام الجاذبية.

محاكاة ظروف الفضاء

عند التأمل في لفظة الفضاء، ندرك أنه اسم على مسمى ليعبر عن عدم احتـوائه على شيء، فهل يملأ الفضاء عدم؟

الحقيقة أن الفضاء يملؤه هواء لكن مخلخل، ويزداد هذا التخلخل كلما زاد الارتفاع، فـالسنتيمتر المكعب من الهواء على سطح الأرض أو قربها، تملـؤه عناصر تحوي ملايين من جزيئات الغازات المكونة للهواء، وإذا مضينا صعـودا في طبقـات الغـلاف الجوي، فإن التخلخل يزداد بين جـزيئـات هذه الغازات وتقل كثافتها وتقل درجة حرارتها، وبازدياد هذا التخلخل تصبح المسافات بين كل جزيء وآخر من جزيئات هذه الغازات عدة أمتار ثم عدة كيلومترات، بما يجعلنا نقول إن الفراغ يقرب من العدم، ولذلك فهو ليس فراغا نموذجيا، وتختلف فيه درجـة التخلخل خارج الغلاف الجوي المحيط بـالأرض. ويـزداد هـذا التخلخل في الفضـاء الـذي بين الكـواكب، ثم الذي بين النجـوم. ولكن الظروف الطبيعية السائدة في الفضاء تخالف تلك التي نألفها على الأرض. وهـو ما يجب تعويد رواد الفضاء عليها، في المحـاكيات الأرضية، لكي تتأقلم قدراتهم على تحملها، ويألفوا التغلب عليها.

ومن أعجب هذه الظروف - غير المألوفة لنا - ذلك الظلام الذي يسود في كل أرجاء الفضاء، فأينما يوجه رائد الفضاء وجهه لا يقابله إلا الظلام الحالك. وفي أعماق هذا الظلام الـدامس، يرى النجوم على غير الصورة المتلألئة التي نراها عليها من الأرض، بل يراها كبقع مستديرة، أي كدوائر مضيئة فوق سطح أسود.

وفي الفضاء ينعدم وجود الألوان، فـرائد الفضاء يرى الأشياء المحيطة به، إما داكنة اللون، أو أقل قتامة. ذلك أن غياب طبقات الهواء وانعدام وجود الجزيئات التي يمكن أن تنعكس عليها أشعة الشمس وسط تيه الظلام تغيب معها الألوان. ولذلك زود رواد الفضاء عند هبوطهم على القمر، في رحـلات أبوللو بخرائط معها قائمة كتبت عليها ألوان المعالم القمرية.

وفي الفضاء، لا وجـود لخط الأفـق، لأن المعنى الأساسي للأفق أنـه المماس لسطح الأرض الكـروي الذي ترى الأشياء فوقه، ويتعذر رؤيتها تحته، وبالتالي فإن رائد الفضاء لا يعرف معنى للاتجاهات سواء إلى اليمين أو اليسار أو فوق أو تحت أو الأمام أو الخلف. والاتجاهات عنده لا بد أن تكـون منسوبة إلى السفينة الأم أو المكوك. وبالتالي فإن رائد الفضاء يرى الأرض من المدار الذي يحلق عليه، وكـأنها قمر. جـزء منها مضيء، وجزء مظلـم، والخط الفاصل بين ضـوء النهار في نصفها وظلام الليل في نصفها الآخر يفيده في تحديد اتجاهه قربا منها أو بعدا عنها، وقياس عدد دوراته حولها.

ووسط تيه الفضـاء، لا يسود غير الصمت المطبق الذي يحطم أقوى الأعصاب ولا يبدد هذا الصمت إلا ما يصل لاسلكيا إلى السفينـة من تعليمات محطات المتابعة.

الهدف البعيد

الهدف الأساسي لتدريب رواد الفضاء في المحاكيات الأرضية، هو تطويع قدراتهم للتعود على طول البقاء في الرحلات الفضائية التي يخطط لها العلماء حاليا. فمدد الرحلات تدرجت من أيام معدودة إلى بضعة شهور، ولكنها لم تتعـد العام الواحد حتى الآن. ولقد توقف الرقم القياسي الأمريكي، عند 84 يوما سجلها ثلاثة هم رواد "معمل السماء" (سكاي لاب) عام 1974. بينما سجل الرواد السـوفييت مددا أطول، تدرجت حتى بلغت عاما كاملا ويـوما، أي 366 يوما في عام 1988. وقد سجلها الرائد السوفييتي "رومانينكو" في المحطة المداريـة "مير - 2"، لكن رحـلات المستقبل ستكون أطول كثيرا لأن المشروعات الفضائية الجديدة تستهدف الغـوص في الفضاء إلى مسافات أبعد، وسيضطر الرواد للبقاء عدة شهور في الفضاء للقيام بمهام جديدة.

وفي المستقبل القريب، هناك مشروع أمريكي تحدد لإنجـازه عام 1995، وهو إطلاق المحطة المدارية الدائمة "الحرية"، والتي ستكون بمثابة رصيف فضائي يرسو عليه المكوك أو سفن الفضاء في رواحها وغدوها إلى القمر أو الكـواكب الأخرى. إذ سيبقى داخل هذه المحطة الدائمة عدد بين 4 إلى 6 رواد لإجراء الأبحاث والتجارب العلمية لمدد قد تطول إلى ستة شهور ثم إلى سنة. وسيقوم مكـوك الفضاء بالطيران من وإلى هذه المحطة، قد يحمل إلى رواد الفضاء ما يلزمهم من مؤن. ولكن الهدف البعيد الذي يخطـط له العلماء هو تحقيق الاكتفاء الذاتي داخل المحطة تدريجيا، استعدادا لبناء مستعمرات فضائية على القمر. واستعدادا لغاية أكثر أهمية، وهي الانطلاق إلى كـوكب المريخ، في أوائل القرن المقبل. ولقد تحدد عام 2019 لتحقيق هذه الغاية المستهدفة.

لكن ما زالت أمام هذه الغاية عدة عقبات لا بد من التغلب عليها، من أهمها افتقاد وسيلة الدفع، لأن الصـواريخ التي مـا زالت تحمل سفن الفضاء حتى اليـوم لمدارات لا تتجـاوز. بضعـة آلاف من الكيلومترات، لن تصلح لحمل هذه السفن لمسافات ستطول إلى عدة ملايين من الكيلومترات، فكوكب المريخ متوسط بعده عن الأرض 87 مليون كيلومتر، ولذلك فإن اتخاذ مدار قـريب منه، أو بلـوغ سطحه سيستلزم الارتحال بعيدا عن الأرض، ما يقرب من 100 مليون كيلومتر، وهو أمر تعجز عنه عمليات الاحتراق الداخلي التي تتم داخل الصواريخ الحالية. ويتجـه البحث العلمي إلى تطـويع الطاقة النووية لهذا الغرض.

والعائق الأهم، هو أن القدرات البشرية ما زالت تمثل عقبة في طريق الانطلاق إلى الكواكب، فالرحلة إلى المريخ أو العودة منه مقدر لها أن تدوم عامين كاملين. وما زالت عمليات تدريب الرواد على البقاء في الفضاء تطول دون بلوغ هذه المدة. فكما سبـق أن أوضحنا، لم تتجاوز أطول رحلة فضائية حتى الآن غير 366 يوما. ولذلك فإن الهدف من استخـدام المحاكيات الفضائية الأرضية هو تعويد الرواد على البقاء تـدريجيا لمدد طويلة، والتغلب على ما سيكتشف من مصاعب تعوق بقاء رائد الفضاء سليما وقادرا على القيام بمهامه طوال هذه المدة.

سعد شعبان مجلة العربي يونيو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016