مختارات من:

متحف محمود خليل يعود

صبحي الشاروني

إنقاذ أكبر مجموعة فنية في الشرق الأوسط


بعد 19 عاما يعود هذا المتحف. لتمد تعرض للطرد من مقره وتعرضت مقتنياته من اللوحات العالمية للإتلاف والضياع، وسرقت واحدة من أهم لوحاته. وأخيرا آن لهذا المتحف الفريد أن يضمد جراحه وأن يعود من غربته.

تمثل عودة متحف محمد محمود خليل وحرمه إلى قصره الأصلي بالجيزة النهاية السعيدة لرحلة هذه المجموعة الثمينة من المتحف واللوحات والتماثيل بعد غربتها 19 عام في قصر مؤقت بعيدا عن الأثاث التاريخي الذي لا يقل في قيمته الفنية عن اللوحات والتماثيل. فهذا المتحف هو الثاني في عدد التحف وقيمتها بعد متحف "الجزيرة للفنون الأوربية " وكلاهما يضم أكبر وأثمن مجموعات الفن الأوربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولا يوجد ما يماثلهما في الشرق الأوسط، لكن هذا المتحف يتميز بأنه يضم مجموعة متوافقة اختارها شخص واحد مع زوجته، بينما متحف الجزيرة تجتمع به عدة مجموعات متنوعة الذوق.

لا يزال متحف الجزيرة مغلقا لترميم وتوثيق مجموعات التحف التي يضمها، ولهذا أصبح متحف محمد محمود خليل وحرمه هو المدرسة أو المؤسسة الثقافية المفتوحة الآن للجمهور ولعشاق الفن الأوربي لما يحتويه من روائع الأعمال الفنية لمشاهير الفنانين العالميين.

محمد محمود خليل وحرمه

كان المليونير محمد محمود خليل (بك) من الشخصيات العامة ذات الأثر العميق في حركة الفنون الجميلة المصرية طوال الربع الثاني من القرن العشرين ولد في أسرة عريقة عام 1877، وسافر لدراسة الزراعة في فرنسا عام 1901 وهناك التقى بالآنسة "اميلين هيكتور لوس " التي كانت تدرس الموسيقى في المعهد العالي (الكونسرفتوار) بباريس، وقد تزوجا عام 1903، وكانت تلازمه في جميع رحلاته الأوربية.

عمل بعد عودته وكيلا لمجلس الشيوخ (وهو أحد مجلسي البرلمان المصري قبل 1952)، وقـد تولى مسئوليـة الإشراف على الجناح المصري في معرض باريس الدولي، كما كان رئيسا لجمعية محبي الفنون الجميلة من عام 1924 بعد الأمير يوسف كمال - وهو الأمير الذي أنشأ على نفقته مدرسـة الفنون الجميلـة المصرية عام 1908 - وقد ظل خليل بك رئيسا لهذه الجمعية حتى 1952، كما كان رئيسـا للجنة الاستشارية للفنون الجميلة في وزارة المعارف العمومية عند إنشـائها عام 1927، وهو صاحب الفضل في إنشاء متحف الفن الحديث بالقاهرة عام 1925. كما شغل منصب وزيـر الزراعـة عام 1936 في وزارة حزب الوفد التي كان يرأسها مصطفى النحاس باشا. وشغل منصب رئيس مجلس الشيـوخ أعـوام 1938، 1939، 1940. هذا المليونير وزوجته الفرنسية كـانا يعشقان الفنون الجميلة، فأنفقا أموالا طائلة على مدى خمسين عاما من أجل اقتناء اللوحات والتحف الثمينة، حتى تجمعت لـديهما أكـبر مجموعة في الشرق الأوسط من لوحات فنـاني القـرن التاسع عشر وخاصـة الفرنسيين، بالإضافـة إلى مجموعة ضخمة العـدد من الخزف الصيني والبورسلين والكـريستال وأشغال المعادن الثمينة، ثم الأثاث النادر الطراز. هذه التحف جعلت من قصرهما المطل على نيل الجيزة متحفا عظيما. توفي الرجل عـام 1955، فترك لزوجته القصر وحدائقه ومحتويـاته، فأوصت قبل وفـاتها عام 1960 بإهداء المبنى وما به من تحف مع جزء من الحديقة التي حوله إلى الدولة، وجاء في الوصية ما نصه: "يهمني توضيح أنني أردت بهذه الوصية التعبير عما أشعر به من حب عميق لمصر، التي صارت لي وطنا منذ زواجي بـالمرحوم محمد محمود خليل، وأنني أذكر ما أحاطني بـه من عطف وما شملني به من عناية كزوج مخلص بادلني حبا بحب. ولقد رأيت من حقه علي أن أخلد ذكراه في نفوس مواطنيه كجندي من أبر جنود مصر الأوفياء، ومن أجل ذلك فإنني أقـرن وصيتي بشرط أقتضيه من الحكومة وهـو أن تجعل من القصر والتحف التي يضمها متحفا باسم السيد "محمد محمود خليل وحرمه "، على أن يفتح هذا المتحـف للجمهور. وإذا رؤي أن توضع تعريفـة للـدخول فلتكن زهيدة بحيث يكون الدخول ميسورا للجميع ".

انتهى الجزء الخاص بالمتحف في الوصية.

تسلمت وزارة الثقافة القصر وجردت محتوياته ووضعت على بابه لافتتين نحاسيتين مستديرتين تحملان اسم المتحف بالعربية والفرنسية وفتحت أبوابه للجمهور عام 1965.

المجموعة الفنية

كانت محاضر الجرد عنـد تسلم الـوزارة للقصر ومحتوياته، تحدد عدد اللوحات الزيتية والمرسومة بالألوان المائية والطبـاشيرية واللوحات الصغيرة (منياتير) والطباعة الفنية (الجرافيك) لكبار فناني العالم: 304 لوحات من رسم 143 فنانا، وعدد التماثيل البرونزية والرخامية والجصية 50 تمثالا من صنع 14 مثالا. وأكثر من 1000 قطعـة خزف وبـورسلين وقيشـاني، و 800 تحفـة من الكريستال والزجاج، بالإضافة إلى عشرات القطع من الأشغال المعدنية (المباخر والأواني والصواني) الفضية والنحاسية والسبائك الثمينة، بالإضافة إلى لوحة سجاد حائط كبيرة من الجوبلان تعتبر من أندر سجاجيد الحائط في العالم، مع قطع الأثاث الفرنسي الفاخر، ومجموعة كبيرة من المناضد والأواني الصيني من صناعة الشرق الأقصى لا مثيل لها في روعتها وضخامة حجمها وجمال نقوشها، مع قطع نادرة من الآثار المصرية القديمة، بالإضافة إلى مئات التحف والتماثيل الصغيرة من كل بلاد العالم، وقطع نادرة من الأحجار الكريمة ومجموعة اللاك الصيني والياباني، والولاعات النادرة وغيرها.

أما المكتبة فتضم ما يزيد على خمسة آلاف كتاب في الفن والفكر باللغة الفرنسية.

وتحتل المدرسة الفرنسية في فن التصوير الأهمية الأولى في مجموعة "خليل " لكثرة ما تضمه من أعمال فنانيها ذوي المكانة العالمية، ابتداء من اتجاه الكلاسيكية العائدة ثم الرومانسية ثم مدرسة "فونتنبلـو" لأساتذة "باربيزون" في المناظر الطبيعية الساحرة ثم الواقعية والتأثيرية وما بعدها.

أما النحت فإنه يقدم فكرة صحيحة عن تطوره في فرنسا طوال القرن الماضي من كلاسيكية وواقعية ونحت الحيوانات وحتى "رودان" قمة النحت في فرنسا.

مجموعة "خليل " تضم ثمانية تماثيل للمثال الفرنسي " أوجست رودان " (1840- 1917)، وواحدا وعشرين تمثالا لـ "أنطوان لويس باري" (1795- 1875)، ولوحـة واحدة لـ "فان جوخ" الهولندي (1853- 1890)، وواحدة لـ "هنري دي تولـوز لـوتريك" (1864- 1901)، وخمسـة لـ "الفريد سيسلي" الإنجليزي الأصل (1839- 1899)، وست لوحات لـ "اوجست رينوار" (1841- 1919)، وست لوحات لـ "كامي بيساور" (1831- 1903)، وخمسة لـ "كلود مونيه " (1840- 1926)، وست لوحات لـ "جان فرانسوا ميليـه " (1814- 1875)، ولـوحة واحـدة لـ "ادور مانيه " (1832- 1883)، ولوحـة واحدة لـ "آنجر" (1780- 1867)، وثلاث لوحات لـ "بول جوجـان" (1848- 1903)، وثماني لوحات لـ " اوجن ديلاكـروا " (1798- 1863)، ولوحتين لـ "إدجـار ديجا " (1834- 1917) ولوحتين لـ "انوريه دمييه " (1808- 1879)، وأربع لوحات لـ "جوستاف كوربيه" (1819- 1877)، واثنتى عشرة لوحة لـ "كامي كوروه" (1796- 1875) وغيرهم. هذا إلى جانب أعمال أخرى ثمينة لفنانين إنجليز وبلجيك وإيطاليين من القرن التاسع عشر أيضا.

مبنى المتحف

قصر محمد محمود خليل يقع على الجانب الغربي من النيل وتطل حديقته على شارع الجيزة، وقد وقع اختيار الدكتور ثروت عكاشة - عندما كان وزيرا للثقافة في أواخر الستينيات - على حديقة المتحف ليقام في جانبها القبلي قصر للفنون يمثل مجمعا ثقافيا شاملا، وقامت وزارة الثقافة بشراء بقية الأرض المحيطة بالقصر من ورثة محمد محمود خليل لتنفيذ المشروع. ومعروف أن فرنسا أقامت مركـز جورج بومبيدو في باريس لتحقيق نفس المشروع الذي لم يتمه الدكتور ثروت عكاشة.

فبعد وفاة الرئيى جمال عبدالناصر وحتى 15 مايو 1971 كان البناء قد ارتفع ثلاثة طوابق، لكن الرئيس أنور السادات طلب من بدر الدين أبو غازي وزير الثقافة في ذلك الـوقت، تسليم مبنى المتحف والحديقة المحيطة به بما فيها مبنى قصر الفنون الناقص إلى رئاسة الجمهورية لتحويلـه إلى قصر للرئاسة، لأنه ملاصق لبيت أنور السادات.

وتهرب بدر الدين أبوغازي من التورط في هذا الموقف، واعتكف بالإسكندرية معتذرا عن عدم تلبية طلبات الاستدعاء. وفي حالة المواجهة كان يتعمد عدم إثارة هذا الموضوع ويتحـاشى مناقشته، فخـرج من الوزارة يوم 15 مايو 1971 وأسرع خلفه بتسليم الموقع بعد وقف أعمال البناء في قصر الفنون. ونقلت مجموعة اللوحات والتماثيل والتحف إلى قصر الأمير "عمرو إبراهيم " وهو من القصور المصادرة ويقع خلف نادي الجزيرة وبجـوار فندق ماريـوت بالزمالك، ووضعت على بابـه لافتة "متحف محمد محمود وحرمه "، أما الأثاث التاريخي النادر فقد بقي في مكانه بالقصر الأصلي.

سرقة لوحة "إناء الزهور"

ظل متحف "محمد محمود خليل " بعد نقل محتويـاته في الظل، لا يعرف قيمة مجموعته إلا عدد محدود، حتى سطا لصوص على المتحف ليلا وسرقوا لوحة "فـان جوخ " الوحيدة " زهرة الخشخاش ".

وقصة سرقة اللوحة وعودتها يحوطها غموض شديد حتى اليوم، وهناك عدة روايات حول المشتركين في السرقة والمحـرضين عليهـا ولكنها تكـاد تتفق في الوقائع التي ملخصها: أنه في ليلة 5 يونيو 1978 قام الهجـام "حسن العسال " - وهو لص محترف سرقـة المنازل - بتسلق المواسير ودخول المتحف من النافـذة المجاورة لمكان عرض لوحة "فـان جوخ " طبيعة صامتة " آنية وزهور" والتي أطلق عليها محمد محمود خليل في مجموعته اسم "أزهار الخشخـاش " وسلمها اللص إلى ابن أحد الأثريا الذي درس في إحدى الكليات الفنية وكان يعمل مرشدا سياحيا، وقـد أطلق عليه اسم "المخ " أي العقل المدبر لعملية السرقـة. وتسلم حسن العسال مبلغ ألف جنيه مقابل قيامه بالسرقة.

وقد اعترف حسن العسال بالسرقة بعد فترة، ثم تأتي النهاية السعيدة عندما فوجىء "حسين السماحي " مدير الأمن العـام وقتهـا أثنـاء وقوفه أمام "ومبي المهندسين " وإذا بسيارة مسرعة تلقى تحت قدميه لفافة بداخلها اللوحة وكان ذلك يوم 29 مارس 1980.

ومن الواضح أن اتفاقا تم بين البوليس واللصوص على إعادة اللوحة مقابل تعهد بعدم تقديم أحد للمحاكمة، لكن هذا التعهد يسقط الآن بعد وصول خطاب من روما للناقد الكبير مختار العطار يـؤكد فيه مرسله أن اللوحة سافرت إلى إيطاليا في فترة غيابها، وأن المتخصصين في تزييف اللوحات الفنية قد رسموا نسخـة طبق الأصل متقنة التزييف، وبيعت اللوحـة الأصلية لثري أميركي، وبعد إتمام الصفقـة عادت اللوحة المزيفة على أنها الأصلية. وقد نشر الناقد الفني نص الخطاب لكن لم يتحـرك أحـد لإعادة التحقيق. وقد مات حسن العسال منذ شهور في السجن حيث كان يقضي مدة العقوبة في قضية مخدرات.

قدر ثمن اللـوحة عندما سرقت عام 1978 بمبلغ ربع مليون جنيه مصري، وقدر ثمنها عند عودتها عام 1980 بمبلغ مليون جنيـه، وقدرت لجان الفحص الحكوميـة ثمنها عام 1988 بمبلغ 50 مليون دولار، وكـانت حرم محمد محمـود خليل قد اشترتها عام 1922 من قـاعـة برنهايم ببـاريس بمبلغ 35 ألف فرنك، ويقدر ثمنها في دفاتر عهدة المتحف بمبلغ 80 جنيها !!.

لكن المهم أن هذه الحادثة نبهت الأذهان إلى هذه الثروة الثقافية، فأعيد تنسيق المتحف وتأمينه ضد السرقة والحريق على يدي الفنان يحيى أبو حمده الذي حرص على أن تكـون الإضافات على نفس نسق العمارة الإسلامية وهي الطراز المعماري لبناء القصر.

عودة الاهتمام بالمتاحف

بدأ الاهتمام بالثروات المتحفية في مصر بعـد أن نشرت صحيفة النيويورك تايمز في أواخر عام 1987 تقريرا لمراسلها في القاهرة تحت عنوان "في مصر ثروة تقدر بعشرة مليارات من الدولارات يجري إتلافها ".

ويحكي التقرير مغامرات المراسل الصحفي الذي حـاول التقـاط صـور لمخـازن "متحف الجزيـرة" بالقاهرة، ولم يسمح له بذلك فجمع معلومات من بعض الأجـانب المقيمين في القاهرة ممن شـاهدوا المتحف في فترات سابقة ووصفوا له سوء التخـزين وانعدام الصيانة للأعمال الفنية التي جمعت من قصور أسرة الملك السابق فاروق، وأعد لها هذا المتحف منذ 35 عاما، ثم لم ترصد أي ميزانية لصيانة محتويـاته وترميمها وتـوثيقها. وتناقلت الصحف ووكـالات الأنباء هذه المعلـومـات والبيانات، فبـدأ الاهتمام والالتفات إلى الثروة المادية والثقافية والتاريخية التي تضمها متاحف الفن العالمي في مصر، وأمر وزير الثقافـة بوضـع خطة تفصيلية لإنقاذ المتاحـف، وبدأ الدكتـور أحمد نوار رئيس المركز القـومي للفنون الجميلة تنفيـذ هذه الخطة التي رصد لتنفيذها سبعة مـلايين من الجنيهـات وسـارت في اتجاهين، الأول تجديد المباني وإعدادها على النظم الحديثة للمتاحف، والثاني تـويثق الأعمال الفنيـة وتصنيفها وصيانتهـا وترميمها. وتعتبر عودة المجموعة الفنية لمحمد محمود خليل وحرمه إلى القصر الأصلي بعد تجديده على نفس النمط الذي كـان عليه وقت بنائه إحدى ثمرات هذه الخطة. أما دليل المتحـف الذي تجري طباعته حاليا بالألوان فقد شارك في وضعه وصياغة مادته كبار النقـاد والمتخصصين ليكـون وثيقـة علميـة ومـرجعا للباحثين ودرسا في تاريخ الفن الأوربي طـوال القرن الماضي، لجميع زوار المتحف من العرب والأجانب.

صبحي الشاروني مجلة العربي يونيو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016