مختارات من:

سد علال الفاسي

أنور الياسين

نموذج للتعاون العربي لحل أزمة المياه في المغرب


المغرب بما حباه الله من طبيعة خلابة بلد المتناقضات ولعل ذلك هو سر افتتان الناس به. فسواحله الممتدة على طول 3500 كم من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي، ومتنزهاته الجبلية، وامتداد مساحته الصحراوية، جعلت منه بلدا يزخر بتنوع في العادات والتقاليد وتنوع في نسيج السكان الغيورين على تقاليدهم المتباينة، يوحدهم شعار واحد يلتفون حوله ويتعلقون بأهدابه ألا وهو الملكية.

ابتدأ المغرب مبكرا بتطبيق سياسة مقدامة في ميدان استغلال إمكاناته المائية، وعيا منه لأهمية الماء الاستراتيجية. وبحكم أن تلك الإمكانات تشكل اليوم أحد محركات النمو الاقتصادي للبلاد، وبحكم أن الظروف المناخية والهيدرولوجية لا تسمح بضمان موارد منتظمة في الزمان والمكان، كان الحل يكمن في تطبيق سياسة طموح تهدف إلى تعبئة وتنمية 50% من الإمكانات المائية للبلاد، أي ما يعادل 5. 10 مليار متر مكعب، منها 3 مليارات من المياه الجوفية و7.5 مليار من المياه السطحية (السدود).

لقد أنجز المغرب أول سد له من الحجم الكبير سنة 1929 وهو سد (سيدي معاشو) على وادي أم الربيع، الذي أنشئ لتلبية حاجيات الدار البيضاء من الماء العذب والماء الصناعي، وكذلك لإنتاج الطاقة الكهربائية.

كانت سياسة إنشاء السدود سياسة خجولا حتى سنة 1966 لظروف خاصة، حيث لم تنجز في ظرف 38 سنة إلا 15 منشأة حجمها مليارا متر مكعب.

ولقد أعطى الملك الحسن الثاني سنة 1966 زخما جديدا لسياسة السدود، حيث يصل عدد السدود الكبرى اليوم 70 سدا، وتوفر سنويا كما ذكرنا 5. 7 مليار م مكعب وتغطي 720 ألف هكتار. وسيبلغ مجموع حجم المياه بعد إنجاز سدود جمعة ومجاهرة وحاشف - التي هي في طور الإنجاز - 14 مليار متر مكعب، كما ستصل مساحة الأراضي المروية المغطاة إلى 820 ألف هكتار.

لمعرفة أبعاد المشكلة وكيف يواجه المغرب هذه الأزمة حزمنا حقائبنا إلى حيث الخضرة والماء، إلى مدينة العشق والحضارة، إلى ولاية فاس كما يحلو لهم أن يسموها.

على كثرة الخضرة والمياه نجد المغرب يعلن عن خطورة المرحلة القادمة وما قد يتعرض له من جفاف، وعلى كثرة الفنادق والأماكن السياحية فهو مازال يعاني من قلة التجهيزات الضرورية في مجال السياحة.

فاس مدينة الحواضر الثلاث

أما فاس مدينة الأمجاد العريقة بكل ما تحمله العبارة من معنى فهي منذ اثني عشر قرنا العاصمة الدينية والعلمية، والثقافية والفنية للمغرب. تقع في أقصى شرق سهل سايس، ويحدها شمالا جبل زلاغ وجنوبا مقدمة سلسلة جبال الأطلس المتوسط فتحتل بذلك موقعا متميزا.

في فاس ينساب الماء زلالا في كل مكان، فبفضل وادي فاس ذي الروافد المتعددة يتوافر في المدينة عدد لا يحصى من النافورات والأحواض تساعد على تلطيف جو البلد.

عندما قرر إدريس الأول إنشاء عاصمته (789 ميلادية)، أهدى إليه رعاياه فأسا من الذهب والفضة ليتمكن من رسم حدودها، ومنها يأتي اسم المدينة ذات الحواضر الثلاث.

إن فاس التي تستيقظ على أذان الفجر لهي من بين المدن التي إن لم تهز الوجدان لأول وهلة فإنها لا تهزه أبدا، وذلك نظرا لسحر موقعها وطقسها وتقاليد أهلها. أما أحياؤها العتيقة التي تعتبر من أعرق الأحياء فقد حافظت على طابعها إلى اليوم، ويمكن للمرء أن يلج المدينة عبر باب "بوجلود" الجديد المزين بفسيفسائه، المتميز بشكله الجميل الشبيه بثقب المفتاح، والذي يوحي بعالم مغلق ومزدحم تشكله هذه المدينة التاريخية الفاتنة بأزقتها الضيقة ومنعرجاتها ودروبها المظلمة، التي تتشعب وسط البنايات كمتاهة ساحرة مزدحمة بالناس والدواب المحملة بالبضائع.

في هذه الأزقة تجد العالم المغلق المجهول، ففيها يستوي السائح الأجنبي والفلاح القادم من سايس أو القروي من الأطلسي، الكل يهيم وسط أزقتها ليبيع منتجاته.

في أحد الأزقة تجد أطفالا في مقتبل العمر منهمكين في مساعدة الخياطين التقليديين، وفي زقاق مجاور تطرق سمعك دقات صناع الأواني المعدنية، وغير بعيد عن ذلك تجد صناعا يصبغون الصدف وآخرين يدبغون الجلود، إنه مكان فاتن يعج بالحركة ترى فيه تاجرا يبيع "الحناء"، وإلى جانبه زلاج مسن يصنع قطع الفسيفساء الجميلة.

إنها حياة يومية شادية وغريبة لأصحاب هذه المهنة المتعبة ذات المردودية الضعيفة، حياة تعود بالذاكرة حقا إلى مدن القرون الوسطى.

وبعد أن تعبر هذا المكان تجد نفسك في فناء فسيح الأرجاء تغمره الأضواء يلفت نظرك فيه مسجد القرويين (تم بناؤه سنة 857 ميلادية) بصومعته الشامخة التي يبلغ علوها أكثر من ثمانين مترا، هذا المسجد الذي كان قبل إنشاء مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء أكبر مسجد في شمال إفريقيا، هذا المعلم الذي يعتبر تراثا عظيما، هو بالإضافة إلى ذلك رمز للحياة الثقافية لمدينة فاس التي تضم بين دفتيها إحدى أقدم الجامعات في العالم.

جنة فاس

مع نسمات الصباح الباكر تركنا مدينة فاس في اتجاه سد علال الفاسي، طريق زراعي يخترق مجموعة من الجبال، رافقنا المهندس عبدالعزيز بن الذهبية وهو يعمل رئيس مصلحة المياه بمديرية الأشغال العمومية بولاية فاس وزميلي المصور وسائقنا أحمد، وادي "سبو" مليء بالمياه، وهي فاتحة خير كما يقول المهندس عبدالعزيز، فالمياه سالت من الجبال بشكل فاق التوقعات على عكس مناطق أخرى من المملكة المغربية.

بعد مسافة 50 كيلو مترا وصلنا حوض السد أو ما يسمى علميا (حقينة السد) وارتفاع المياه فيه يبلغ حوالي 60 مترا وتستطيع الحقينة أن تستوعب 80 مليون متر مكعب من المياه، إنها حقيقة جنة فاس.

الفلاحات يزرعن على جوانب الوادي، والسد كله يدار بطريقة إلكترونية حسب ما يقول المهندس عبدالعزيز بن الذهبية الذي واكب المشروع منذ بدايته، يقول إن المشروع عبارة عن مركب مائي أطلق عليه في البداية (المركب الهيدروكهربائي لأيت يوب ونفق مطماطة)، وقد جرى إطلاق اسم علال الفاسي عليه بعد افتتاحه رسميا في 29 ديسمبر 1992.

حوض وادي سبو

حوض وادي سبو الذي تقدر مساحته ب 40 ألف كيلو متر مربع عبارة عن مجموعة مكونة من الواجهة الجنوبية لسلسلة جبال الريف، والواجهة الغربية للأطلس المتوسط، ويتميز المناخ السائد في مجموعة الحوض بكونه مناخا متوسطيا يخضع لمؤثرات محيطية، ويتلقى الحوض تساقطات أمطار بمعدل 700 مم سنويا ويتميز الحوض بأنه قريب من سهل المغرب وهو من أهم أقطاب التنمية هناك، كما يتميز بارتفاع معدل السكان، والكثير من الأراضي الصالحة للزراعة. ويوجد في المنطقة الكثير من الصناعات التي تقوم على الزراعة وتربية الحيوانات.

حول تفاصيل المركب المائي وسد علال الفاسي ونفق مطماطة يقول المهندس بن الذهبية إن مركب سبو العلوي الذي يعتبر سد علال الفاسي ونفق مطماطة جزءه الأساسي يتكون من 3 سدود هي (إمداز، عين تمدرين، علال الفاسي) ونفقين (مطماطة والمنزل).

إن حقينة سد علال الفاسي ستقوم بتنظيم مياه الحوض المنحدر الواقع في سافلة سد إمداز (المزمع إنجازه)، باستغلال المياه المستعملة في توليد الطاقة الكهربائية في معملي إمداز والمنزل (المزمع إنجازهما) كذلك ستعمل هذه الحقينة أساسا على تزويد نفق مطماطة لتحويل مياه وادي سبو إلى حقينة إدريس الأول.

إن المياه المعبأة بواسطة سد علال الفاسي - مطماطة سوف تمكن بعد تحويل المياه إلى حقينة سد إدريس الأول، من توسيع المساحة المروية في سهل الغرب بمقدار 25 الف هكتار، سيستغل ثلث هذه الأراضي في زراعة القمح والشمندر والعلف، والثلثان الباقيان في زراعة قصب السكر. كما ستلبي حاجيات مدينتي فاس والقنيطرة من الماء الصالح للشرب وذلك على المدى البعيد.

تجولنا في الوادي والسد واقتربنا من النفق الذي يربط حقينة السد وحوض الموازنة إلى حوض الضغط، إنها تحفة معمارية ساهمت الأيدي العربية والعالمية في بنائه والتخطيط له.

يقول المهندس عبدالعزيز إن جيولوجية سد علال الفاسي تتميز بميزات معقدة جدا وذلك ناتج عن تعدد الانكسارات وعن تكون مغارات في السلسلة الكلسية والدولدميتية، وتبلغ مساحة الحوض المنحدر للسد 41500 كم، ويقدر المعدل السنوي للمياه بالسد بحوالي 750 مليون م مكعب.

إن سد علال الفاسي حاجز ذو محور مستقيم مكون من حجارة وردوم وله نواة عمودية ماسكة من طين، حجمه مليون وثلاثمائة م مكعب، وعلوه فوق الأساس 67 م وحجم الحقينة كما ذكرنا 80 مليون م مكعب.

أما نفق مطماطة فيبلغ الاتساع الكلي له حوالي 5. 15 كم. أما حوض الضغط فهو للاستعمال الأمثل للفارق العلوي بين حقينتي علال الفاسي وإدريس الأول يتم عبره إنتاج الطاقة الكهربائية.

لقد قاربت الساعة على الرابعة مساء وقد أمضينا فترة لا بأس بها متنقلين من مكان إلى مكان في أنحاء هذا المشروع الضخم، والذي يدار كله بالأجهزة والمعدات الإلكترونية، إنه عصر العلم والكمبيوتر. وأنت لا تستنشق في الوادي إلا عطر زهور الربيع ونسيم العليل، إنها من أفضل مناطق الأرض جمالا وخضرة وهواء خاليا من التلوث.

ودعنا الوادي ومن فيه عائدين إلى رحيق التراث والعلم. إلى فاس حيث الحضارة والتاريخ.

جامعة القرويين

يقول والي فاس الدكتور امحمد الظريف إن فاس هي مدينة الحضارة الإسلامية العربية، وهي القالب أو الإطار الذي يصنع الإنسان المغربي، فهي المدينة التي لا تزال متشبثة بعروبتها وبمغربيتها وبمقدساتها. وهي التي لعبت دورا تاريخيا مهما في كل العصور، وكانت في معظم الأوقات عاصمة المملكة المغربية.

وبقي هذا الدور المهم رغم كل الظروف، وهي ليست مدينة الآثار فقط، فهي مدينة علمية بها جامعتان (القرويين- محمد بن عبدالله). وهاتان الجامعتان بهما 40 ألف طالب (يبلغ عدد سكان مدينة فاس 3 ملايين نسمة) وهي مدينة صناعية، وليست فقط الصناعات التقليدية حيث يصل عدد الوحدات الصناعية إلى أكثر من 400 وحدة تعمل بصناعة النسيج والملابس الجاهزة والصناعات الجلدية والخزف والصناعات التحويلية. وهي ثاني مدينة صناعية في المغرب وقد كان لموقعها التاريخي والاستراتيجي دور في بروز أهميتها فهي ملتقى طرق الجنوب والشمال والشرق والغرب. ويضيف الوالي امحمد الظريف: إن هذا الموقع يساعد أصحاب المصانع على سرعة وسهولة توزيع منتجاتهم.

وولاية فاس تضم أربع عمالات (محافظات) وعند إنشائها أعطيت عناية كبيرة لقضايا التعمير والزراعة والري، ويقول والي فاس إن تعمير المدينة ضروري بحيث يكون منظما لا يتعارض مع الحضارة التاريخية للمدينة، ولا يكدس السكان داخل المدينة القديمة.

وحول العناية بالمدينة العتيقة يقول الوالي امحمد الظريف إن الحكومة المغربية بالتعاون مع بعض المنظمات العربية والعالمية وبمساعدات دولية بدأت في تنفيذ مشروعات ضخمة، للمحافظة على الطابع التاريخي للمدينة، وحماية للمباني الأثرية من الاندثار والتلوث.

ويختم والي فاس حديثه قائلا: إننا نتمنى من الأشقاء العرب أن يشاركوا في برنامج المحافظة على فاس مدينة تاريخية. إن مدينة فاس ليست ملكا لأهل فاس والمغرب وحدهم، فهي كما يقول جلالة الملك الحسن الثاني: مدينة العرب.

ولقد ساهم الصندوق الكويتي للتنمية في برنامج إنقاذ آثار مدينة فاس، وانقل عني شكري - والحديث على لسان الوالي امحمد الظريف- إلى رئيس مجلس إدارة الصندوق على مساهمة الإخوة الكويتيين في برنامج إنقاذ المدينة.

مشكلة التمويل

حول ما تم إنجازه من مشاريع بناء السدود، وهل تحقق طموحات المغرب في عملية التشييد والبناء ومواجهة متطلبات التنمية الزراعية والصناعية القادمة، يقول وزير الأشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الأطر محمد القباج: لا يمكن أن نقول إن ما أنجز هو في مستوى طموحات المغرب، فهو شعب طموح وجلالة الملك الحسن الثاني دائما يسعى نحو الأفضل، ويؤكد ذلك أن الازدهار الاقتصادي بالمغرب مرتبط بازدهار الزراعة والفلاحة، وازدهارها مرتبط بالمياه، لهذا بدأت المغرب تهتم بإنشاء السدود. هناك مجهودات ضخمة وتحتاج إلى إمكانات أكبر سواء مادية أو تكنولوجية. والمشكلة التي تواجهنا هي التمويل وهي تحد من طموحاتنا، وهناك أكثر من 15 مشروعا كبيرا تحت الدراسة وأكثر من 100 سدا متوسط نقوم بإنجازها.

وبسبب نقص التمويل فإننا نضع أولويات لهذه المشاريع، وحسب أسبقيات نجد في طليعتها تزويد المواطنين بالماء الصالح للشرب، ثم المياه اللازمة للزراعة وأخيرا للطاقة.

وحول السياسة الاستراتيجية لبناء السدود لتوفير المياه، يقول الوزير القباج إن هدفنا واحد وهو الاستعمال الأمثل للمياه، إن ظروف المغرب الطبيعية تحتم سياسة معينة في عملية توفير وصرف المياه، فنحن ندخر كميات معينة حتى يمكن استعمالها لعدة سنوات، فإذا كانت السدود مليئة فإننا يمكن أن نتحمل جفافا لمدة ثلاث سنوات، ولكن ضمن خطة تقليص الصرف إلى حده الأدنى.

هذه السنة كان هناك جفاف قاس وللعام الثاني على التوالي، وبات يهدد بتقليص النمو المتوقع من ستة إلى ثلاثة في المائة، ولقد تسبب خلال العام الماضي في تدهور معدل النمو إلى الصفر.

لقد تعرضنا في أوائل الثمانينيات إلى فترة جفاف مشابهة، فالوقت لم يسمح لنا بالتغلب على الظروف القاسية، كما أنه لم يعطنا الفرصة لتخزين كل ما يمكن توفيره من مياه. إننا نواجه آثار الجفاف بخطة واضحة المعالم وهي إنجاز مشاريع ذات طابع اقتصادي واجتماعي لتأمين معدل الرواج المالي الطبيعي بين المدن والأرياف وتخفيف الهجرة للمدن.

ويذكر أن المغرب بحاجة لمعدل نمو يتصاعد سنويا إلى حدود 10 في المائة، ليستطيع مواجهة معدل التزايد السكاني، والقضاء على البطالة، وتأمين قاعدة صلبة. لانطلاقة اقتصادية.

ترشيد المياه

يقول الوزير محمد القباج إن التوعية الإعلامية للمواطنين بترشيد استهلاكهم للمياه تنبع من إدراك الوزارة أنه للخروج من الأزمة يجب إسهام المواطن، ولهذا فإن الإعلانات التلفزيونية والإذاعية لا تكف عن التوجيه في هذا الموضوع.

والمغربي في الأصل وبصفة عامة يقتصد في الماء، ولكن، مع الأسف، لما أدخلنا المياه إلى البيوت على الطريقة العصرية ظن الناس أن الماء شيء طبيعي وليس هناك حد أقصى لاستهلاكه، ونسوا العادات القديمة التي كان أجدادنا يستعملونها في الاستحمام والغسيل والري، نحن بالإعلانات التلفزيونية نحاول أن نذكر المواطنين بتاريخهم وعاداتهم.

نحاول أن نذكرهم أن الاقتصاد في المياه ليس فقط واجبا وطنيا، وإنما هو في مصلحتهم.

نحن لدينا في المغرب نظام فريد في عملية تحصيل تكلفة المياه. فمنذ السبعينيات أدخلنا نظاما خاصا في حساب تكلفة المياه على المواطنين وفق درجات. فالذي يستعمل الماء وفق معدلات الصرف الطبيعية يدفع ثلث التكلفة والبقية تتحملها الدولة، والمواطن الذي يستهلك أكثر من هذه الكمية الضرورية إلى حد معين نعتقد أنها طبيعية بالنسبة لإنسان يعيش بمستوى عال، يتم تحصيل ثمن التكلفة. أما ما يزيد على ذلك فعليه أن يدفع مبلغا محترما للدولة. على عكس بعض الدول مثل فرنسا ودول أخرى فإن الآية مقلوبة.

إن فكرتنا ليست تجارية ولكننا نحمل المواطنين جزءا من المسئولية.

المال العربي في خدمة الإنسان العربي

لقد بدأ التعاون المغربي - الكويتي. مبكرا منذ عام 1966 حين وقع الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية مع الحكومة المغربية أول قرض ميسر الدفع، وذلك لتمويل مشروع "تساوت الزراعي" وكان بقيمة ستة ملايين دينار كويتي. واستمر هذا التعاون العربي كمثال لروابط الأخوة التي تجمع بين الشعبين، حيث وصل مجموع ما قدمته الكويت للمملكة المغربية 114 مليون دينار.

وبناء على مبادرة من صاحب السمو أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح والتي أعلنها في 27/ 9/ 1990 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تم إلغاء الفوائد المستحقة وغير المسددة على القروض بذلك التاريخ والبالغة 62 مليون دينار كويتي.

يقول وزير الأشغال العمومية محمد القباج، إن الكويت مشكورة قدمت لنا مساعدات كبيرة في مجال تمويل المشاريع المائية وغيرها وهذا شيء لا بد من ذكره، وتقديم الشكر لمدير عام الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية بدر مشاري الحميضي. إن المساهمة في المشاريع التي هي في طور الإنجاز في السنوات القادمة يصل إلى ما يقارب مائة وخمسة وسبعين مليون دولار أمريكي.

فالكويت ومن باب التعاون العربي ساهمت بما يقارب خمسة وعشرين مليون دولار أمريكي في تمويل مشروع تزويد ولاية الدار البيضاء الكبرى بمياه الشرب، والمشروع يوفر مياه شرب إضافية للولاية تقدر بحوالي 70 مليون متر مكعب سنويا ويشتمل المشروع على إنشاء خط أنابيب بطول 15 كيلومترا وقطر يبلغ 1500 ملم وتوسعة إحدى محطات معالجة المياه، وإنشاء محطة ضخ بالإضافة إلى أعمال البنية الأساسية والملحقات اللازمة.

كما أن الصندوق الكويتي للتنمية ساهم بمبلغ 30 مليون دولار أمريكي لمشروع أولوز وهو يهدف إلى الحد من التدهور المستمر في الإنتاج الزراعي في سهل سرس، الناشيء عن انخفاض مناسيب المياه الجوفية وارتفاع تكاليف الضخ، إضافة إلى توفير المياه اللازمة لري حوالي 7. 23 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وذلك من خلال تنظيم موارد المياه في أعالي وادي سوس ببناء سد أولوز وملحقاته لتخزين المياه والاستفادة منها في تغذية المياه الجوفية.

كما أن الصندوق قدم في نهاية عام 1989 مبلغ 25 مليون دولار أمريكي لتمويل مشروع سد أسمير وتزويد منطقة تطوان بمياه الشرب، والمشروع عبارة عن سد على مجرى وادي أسمير على بعد 13 كيلومترا شمال مدينة تطوان، إضافة إلى محطة للمعالجة وملحقاتها وأخرى لضخ المياه، كما أنه تم مد خط أنابيب من الخرسانة المسلحة لنقل المياه من السد إلى محطة المعالجة، ومد خط لإيصال الكهرباء من الشبكة القومية إلى محطة المعالجة.

وجميع هذه القروض بسعر فائدة بسيط لا يتعدى 2.5 % .

سد الوحدة (المجاعرة)

من المشاريع الضخمة سد الوحدة (المجاعرة سابقا) والذي تساهم فيه الكويت بمبلغ خمسين مليون دولار أمريكي، والذي أعطى إشارة البدء به جلالة الملك الحسن الثاني في 30/ 6/ 1991، وهو يعد أضخم سد خزان في المغرب. وتبلغ تكاليفه مليار دولار أمريكي وهذا السد يوجد على وادي ورغة على بعد 5 كيلومترات من قرية مجاعرة، و 54 كيلومترا من وزان، وحوالي مائة كيلومتر من مدينة فاس. ويهدف المشروع إلى تنظيم مياه وادي ورغة وذلك ببناء سد في منطقة المجاعرة لحماية منطقة الغرب من الفيضانات وري حوالي 100 ألف هكتار وتوليد الكهرباء بالإضافة إلى توفير مياه الشرب والصناعة، ومن المتوقع أن يكتمل إنجاز المشروع في عام 1996. وسيربط هذا السد بعدة سدود منها سد القنعرة وسد إدريس الأول وسد علال الفاسي وسد المنع لسبو.

والمساهمة العربية في بناء السد تأتي من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ومن الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.


الكويت نموذج المستثمر الأفضل

تمثل السياحة أحد أهم الروافد الأساسية في الاقتصاد المغربي وقد دخلت الشركات الكويتية مجال الاستثمار في السياحة في فترة مبكرة، ففي عام 1976 أسست المجموعة الاستثمارية العقارية الكويتية مناصفة مع الحكومة المغربية وبعض الفعاليات الاقتصادية المغربية برأسمال قدره 225 مليون درهم مغربي، وأطلق على هذه الشركة اسم المجموعة المغربية الكويتية للتنمية لتكون الإطار والقناة الرئيسية لدخول الرأسمال الكويتي في قطاع الاستثمار المغربي، والشركة تهدف إلى الاستثمار في القطاعات العقارية والسياحية والفندقية والاقتصادية، وكذلك القطاع التجاري وقطاع الخدمات.

لقد بلغ عدد السياح عام 1986، 300 ألف سائح ووصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين ومائتين وخمسين ألف سائح عام 1992، أي تضاعف أكثر من 10 مرات. كذلك الشأن بالنسبة للطاقة الإيوائية التي عرفت تصاعدا مماثلا حيث بلغ عدد الغرف المتوافرة في الفنادق ما يفوق 93 ألف غرفة.

يقول الدكتور زين العابدين العلوي رئيس مجلس إدارة المجموعة المغربية الكويتية للتنمية إن الحكومة المغربية وفرت كل السبل لجلب الاستثمارات الكويتية وغير الكويتية، وإن تسهيلات وضمانات ربما لا توجد في دول كثيرة، توفرها الحكومة المغربية. لكن مقارنة بدول أخرى، فإن ما تستثمره الكويت مازال حجمه بسيطا.

ويضيف موالي زين العابدين - كما يطلق عليه في المغرب - أن الاستثمارات عموما في المغرب تمر بمرحلة صعبة نظرا للركود العالمي الذي يمر به العالم، ونحن جزء من هذا النظام الاقتصادي العالمي.

لقد قامت المغرب بخطوات طموح وكثيرة منها تحديد العملة المغربية (الدرهم)، والانفتاح على جميع شركات القطاع الخاص (الخصخصة).

نستثمر على أساس تجاري

ربما يتساءل المرء عن طبيعة الاستثمارات الكويتية في المغرب.

يقول رئيس مجلس إدارة المجموعة العقارية الاستثمارية الكويتية راشد عبدالله المجرن، إن المجموعة لا تستثمر في المغرب فقط، فنحن لدينا استثمارات في الكثير من بقاع العالم، لدينا استثمارات في المغرب نعم، ولكن ليس في مجال الفنادق والسياحة. نحن دخلنا في سوق العقار، وسوق المصانع ولدينا حصة لا بأس بها في أهم شركة نفط في المغرب وهي "بتروم"، حيث نملك 51% من أسهم الشركة قيمتها 123 مليون درهم مغربي.

لقد ركزت المجموعة في السابق على القطاعين العقاري والسياحي. وقد تعرض القطاع العقاري إلى ركود في السنوات الخمس الأخيرة، لكن المجموعة مقبلة على استثمارات في هذا القطاع، وذلك حسب برنامج يعتزم إعادة النظر في أي مشروع غير مجد اقتصاديا. إننا بدأنا منذ فترة في الاستثمارات ذات العائد الاقتصادي ولا ندخل أي مشروع دون أن نكون مستمرين على أساس تجاري. فعلى سبيل المثال نحن نملك في أهم شركات السكر في المغرب نسبة لا بأس بها تعطينا دخلا لا بأس به، إننا نساهم في خلق صناعات مربحة تعود بالفائدة على الجميع.

المدير العام للمجموعة المغربية الكويتية للتنمية وائل الصانع وهو أحد الشباب الكويتي المؤهل: يؤكد أن المجموعة عبر مساهماتها مع بعض الشركات الكويتية والعربية (والمغربية) أنشأت شركة تسمى فرح المغرب برأسمال يبلغ 466 مليون درهم. وكما تعلم فإن قطاع السياحة في المغرب تأثر خلال فترة الاعتداء العراقي الغاشم على الكويت بين سنتي 1990 و 1991 بشكل نسبي، إلا أن السياحة الفرنسية والجزائرية التي اعتادت زيارة المغرب أدت إلى تخفيف حجم الأزمة.

نحن نملك عبر شركة فرح مجموعة من الفنادق في المغرب يصل عددها إلى ثمانية فنادق، يصل مجموع غرفها إلى 1460 غرفة وهي من نوعية ذات أربعة نجوم وخمسة، لدينا فنادق في الدار البيضاء ومراكش والرباط وأغادير وتطوان والقنيطرة وغريبكة وأسفي. هذه الفنادق تقوم الآن بإدخال إصلاحات واسعة على غرفها وتجديد الديكورات والأثاث.

إنها عملية شاقة لكنها مثمرة. إن مستقبل السياحة في المغرب كبير خاصة في ظل ما تقدمه الدولة من تسهيلات.

مدير مكتب الخطوط الجوية الكويتية في المغرب محمد اليوسف يقول إن السوق المغربي سوق كبير وجيد، لكنه ليس مستغلا. نحن في المؤسسة نقوم الآن بتنظيم رحلة خاصة لمجموعة من مديري مكاتب وكالات السفر في الخليج العربي لزيارة المغرب والتعرف على المنطقة وإمكاناتها السياحية وكذلك العكس استضافت المؤسسة مجموعة من أصحاب مكاتب ووكالات السفر المغاربة لزيارة الكويت والخليج كنوع من التعارف. لكن العملية صعبة ومعقدة وتحتاج إلى تعاون الحكومة المغربية وتنشيط السياحة عبر إقامة أسابيع سياحية في الكويت والخليج والجزيرة العربية، ووضع أسعار خاصة لتذاكر الطيران بين المغرب ودول الخليج العربي.

إن بلدا فيه كل الإمكانات السياحية من رخص أسعار وطبيعة ومناخ يحتاج إلى حملة تشجيع وتنوير.


سد علال الفاسي
ونفق مطماطة للكهرباء والري

أعطى جلالة الملك الحسن الثاني انطلاقة أشغال بناء السد ونفق مطماطة في ولاية فاس في مارس 1987 وكان يسمى سد (أيت يوب).

أنجز المشروع في سبتمبر 1992 وقد ساهم فيه الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية بمبلغ 7 ملايين دينار (الدينار يساوي 2. 3 دولار أمريكي تقريبا).

كما ساهم فيه الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والصندوق السعودي للتنمية والبنك الإفريقي للتنمية وحكومات إيطاليا، إسبانيا، فرنسا.

علال الفاسي أحد المناضلين المغاربة، أصله من مدينة فاس، وكانت له مساهمات كبيرة في التصدي للاحتلال الفرنسي.


المملكة المغربية
العاصمة: الرباط.


السكان: 30 مليون نسمة (تقديري). آخر إحصاء عام 1988 يبلغ عدد السكان 25 مليون نسمة.

المساحة: 710850 كم مربعا.

العملة: الدرهم (عشرة دراهم تساوي دولارا أمريكيا).

العاصمة التجارية والاقتصادية: الدار البيضاء.

العاصمة الثقافية والحضارية: فاس.

أنور الياسين مجلة العربي يونيو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016