مختارات من:

د. لطيفة الزيات وماجدة الجندي

المحرر

* في المدرسة أعلنت وحـدي الإضراب وأخـذت أهتف للدستور
* صهرني المد الوطني فتحولت من إنسانة خجولة إلى إنسانة قيادية
* لا أستطيع أن أفكـر في قضية المرأة بمعزل عن قضايـا المجتمع
* لا يشبع ملكـاتي مجتمعـة إلا الإبـداع
* تخلصت من الحنين المرضي وتحول الأمر عندي إلى مراجعة للذات

"الإبداع" في مفهومهـا.. وصل ووصال.. رؤية لحقيقة مـا تؤرقها.. تحاصرها.. حتى ينكسر حاجز العزلـة وتلتئم "جزء الكل ".. بخروج حروفها إلى النور. "ذروة تحققها" تجدها في "دور عام " يتبنى أوجاع الناس ويدافع عن أحلامهم، حتى وإن دفعت من حريتها مهر قناعتها السياسية. في " إبداعها" رقة أوراق الورد ونقاء قطرات الندى وصدق البوح. في "ممارستها السياسية" مقاتلة لا تلين ولا تخضع إلا لما تراه الحقيقة. مكنونها يفوق الإفصاح.. تملك قوة مـراجعـة الـذات دون تنصل من هناتها. امرأة عربية ذات تكوين.. ودور.. وملكات.. إنها الدكتورة لطيفة الزيات أستاذ الأدب والنقد بالجامعة.. صاحبة الدور التي كانت قادرة في سنوات الأربعينيات الغضة على إشعال الجامعة وقيادة الجموع مطالبة بالتحرر الوطني.. صاحبة رواية "الباب المفتوح" ومجموعة "الشيخوخة" أخيرا "حملة تفتيش" الذي اعتبر عملا إبداعيا فريدا ومنفردا في صدقه وشجاعته، والمهم في قدرته على وصل "العام" "بالخاص " في ضفيرة إنسانية متكاملة، تؤكد أن الإنسان خصب بمقدار قدرته على أن يحسم ويسعى، ليس لذاته وحدها، بل لناسه أيضا، فليس أقسى من خنق الذات.. إلا انفصالها عن الآخرين. تحاورها ماجدة الجندي وهي كاتبة صحفية من مصر.

* لا يمكن القفز على ظروف تكوينك الأولى التي أفرزت ما أراه خاصا و"خصبا" فيك ككاتبة وسياسية عربية.

- نشأت في جو ثوري.. فقد ولدت عام 1923 أي بعد أربع سنوات فقط من اندلاع ثورة 1919 ومعنى هذا أن نشأتي الأولى جاءت وكان الجو - سواء الجو العام أو جو بيتنا - مفعما بالثـورة.. مثلا كان بيتنا يشهد في كل عام نصبا كبيرا للاحتفال بذكرى وفاة سعد باشا زغلول، الذي تسللت بصماته الوطنية إلى كل حياتنا، حتى أننا كنا نغني الأغاني الوطنية كأغان عادية.. كـانت الثورة باختصار جزءا من الخطاب اليومي العادي، مما خلق حالة من الانتعاش الوطني والاهتمام الصميمي بـالأشيـاء. أضيف إلى ذلك أن مناخا " وطنيا خالصا" شاع في بيتنا مبعثه أخواي عبدالفتاح ومحمود الزيات فكـلاهما جبل على الروح الوطنية والاهتمام بشئون الوطن، فكانت مناقشاتهما وقتها لا تتوقف حول حزب الوفد ومصير الأمة وغير ذلك من القضايا. وهنا يمكن القول إن أبرز ما كان يصقل وجداني في تلك الأيام هو هذه المناقشات، وقد تحتاج هذه النقطة مني لبعض التفسير فأقول إن والدي رحمه الله مات في فترة مبكرة من عمري وأنا لم أتعد الثانية عشرة، من هنا تولى أخواي أمور تربيتي فأنشآني على نوع من الاستقلالية والمساواة وأيضا- وهذا مهم - الشعور بالندية. كان لأخوي ممارسة سياسية في تلك الحقبة فتعـودت أن يقتحم البوليس بيتنا باحثا عنهما، مفتشا في المحتويات وبقايا الأوراق.

شعوري الوطني في الصبـا نما في فترة كانت من أصعب فترات التاريخ الوطني.. فـترة أزمة شهدت استيلاء أحزاب الأقلية على الحكم وسخونة في الشارع المصري وتـوافـرت لي جسـور التـواصل، فلم أكن بتكـويني بعيـدة عما يحدث. ولـذلك حـين دخلت الجامعة كنت مهيأة تماما لأكون جزءا من المجموع بكل المشاعر الوطنية التي يموج بها وجدان هذه الجموع.. دخلت الجامعة وهي بوتقة تفور بالحركة الوطنية التي اندمجت فيها بشكل طبيعي، ساعدني عليه ليس فقط عـدم رفض أخـوي لمثل هـذا الموقف بل تأييـدهما وتعاطفهما.. يعني الظرف العام ساعدني بامتداد المناخ الوطني ليعم البلد كلها، علاوة على موقف أخوي في تنمية الوعي والمساندة.. العاملان معا مكناني من أن يكـون لي دور وطني حتى قبل مـرحلـة الجامعـة بسنوات، فأنـا لا أستطيـع أن أنسى حين كنت فتاة في الصف الـرابع الابتدائي، بمدرسة في محافظـة صعيدية هي "أسيـوط " وقـد عمت الإضرابـات مختلف أنحـاء القطـر تأييـدا للمنـاداة بالدستور.. يومها كنـت موضعا لتندر مدرساتي وأساتذتي، فقـد أعلنت وحـدي الإضراب ورحت أهتف للدستور.. كان الجو كله ثوريا وصاعدا في فترة تكويني وكنت واحدة من محصلات هذا الجو.

اكتشاف الذات

* لحظة "اكتشاف الذات".. لحظة "كشف" قد تأتي أو لا تأتي.. أول تلمس منك لها كان في أي ظرف؟

- في الجامعة، أو الخطوات الأولى لي بالجامعة كنت فتاة شـديدة الشعور بالخجل، لدرجة أنني حين كنت أدخل المكتبة وأخطئ اختيار الكتاب الـذي أبحث عنه أتردد في القيام مرة أخرى، والسير وسط الجالسين لإعادة الكتاب الخطأ. لكن لحظة اكتشاف الذات قد تـأتي دون مـوعـد أو دون توقع.

في سنتي الأولى بالجامعة و أتتني هذه اللحظة، أول ندوة عامة شاركت فيها كانت أسناني تصطك بصوت خلته مسموعا، لكن ما أن أخذت الكلمة وبدأت في تلقي تجاوب الجماهـير حتى تحولت إلى إنسانة أخرى.. منابع من القوة تفجرت داخلي.. منابع لم أكن أعيها أو أدركها أو حتى أعـرف بـوجودها داخلي.

سنوات اكتشاف الذات كانت فترة حبلى بالخصوبة على سائر المستويات، كان الانتصار على الفاشية دافعا لأن يتطلع العالم كله إلى مستقبل أفضل، وامتد هذا إلى الدول التي كانت تعاني من الاستعمار، فتأجج حلمها في التحـرر الـوطني والاستقـلال، سرى جـو من التفاؤل. مناخ فيه قـدر من التصالح بين الأفكـار العالمية، مما فتح آفاقـا جـديدة انعكست حتى على قراءاتنا نحن أبناء هذا الجيل، فكان بالنسبة لي مثلا يمكن أن أقرأ عن رابعة العدوية وأستمتع، وأيضا أقرأ البيـان الشيـوعي ونشيـد الإنشـاد بنفس القـوة والاستمتاع وبمسام مفتوحـة تماما.. نعم كـان زمن المسام المفتوحة.. ففيما بعد تغيرت أشياء. كـان هناك شيء من خيبة الأمل لكن مع ذلك ظل المناخ ثوريا.

الدائرة وتصاعد الروح

لا تشعرك دكتورة لطيفة الزيات - حتى وأنت تحاورها صحفيا - إلا بالحميمية.. تختلـف معها.. أو تتفق فلا تتمزق أو حتى "تنجرح" علاقة الود الإنساني، هذه العلاقـة التي تغلف كل جسورها مع الحياة.. ولعل ذلك ممـا يكسب كلامها حتى عن أعقد الأمور وأكثرها موضوعية "لمسات" من "الطراوة" وبالذات حـين تنبثق ذاكرتها مستدعية حكاية.. موقفا.. أمرا لا تخفى دلالته.. تقول:

- مرة كنت في ندوة نظمتها إذاعة " البرنامج الثاني " القاهرية أناقش العمل الأول ليوسف القعيد وبحثت عن ملاحظة حول الشكل الـذي استخـدمه القعيد ملخصها أن هناك شيئا من "الدائرية" حيث ينتهي الكاتب من حيث بدأ في شكل دائري.. وقلت معلقة: معك حق يـا يوسف أن ترى الأشياء دائرية الحركـة فأنت لم تعش تصاعد الروح في الأربعينيات.. لم تر الشعب فـواحـا بـالحـماس "نـاس زي الـورد" في الشوارع.. في كل الشوارع تسعى وراء الحقيقة والحق. لقد أوقفوا التسجيل عند هذا الرصد.. بل وأوقفوا تعامل الإذاعة كلهـا معي.. لكنها كـانت رؤيتي الصادقة لمصر الأربعينيات.. كانت فترة تحد ثـوري صاعد فدعوة واحـدة للإضراب تخرج من القاهرة كانت البلد كلها من أقصاها تستجيب.

هذا الجو صنعني.. حولني من إنسانة خجـولة إلى إنسانة قيادية.

* "الخصوبة".. هي الزاوية الرئيسية التي يمكن من خلالها أن ترى شخصية كلطيفة الزيات.. الخصوبة في تعدد جسورها مع الحياة كمبدعة.. كصاحبة موقف.. كإنسانة غنية الوجدان.. أوحت لي هذه الزاوية بسؤال لها كامرأة.. هل باستطاعة المرأة ذات التكوين الخاص أن تكتفي مثلا بدورها العام بديلا عن حياة خاصة.. أو العكس؟

وأحالتني الإجابة لبديهية أولى تراها:

- الإنسان رجلا كان أو امرأة كائن مركب للغاية.. حس.. وعقل.. ووجـدان.. ملكـات متعددة تطالب بـالإشباع وعليـه أن يحاول إشباعهـا بشكل يحقق التكامل.. وإلا يظل وعيـه بالحياة ناقصا.. فضياع ما هو شخصي وصميـم في "العام " خطأ.. وضيـاع العام فيما هـو شخصي ومبني على الأنا.. خطأ.. وما يسعى إليه الإنسان هو المعادلة الصعبة التي تحقق له ذاتيته واختياراته الحرة ومطالبه الإنسانية.

العمل العام

* واعتبرت أنني لم أتلق إجابة شافية.. عن الدكتورة لطيفة كامرأة شرقية عربية، الراصد لخطواتها يلحظ مراحل شبه واضحة، فأحيانا تذوب في العام كما في البداية، وأحيانا يتوارى العام وتضيق الشرنقة على الخاص.. فهل إشباع جانب يدفع للكف عن الآخر؟

- علاقتي بالواقع العام لم تهدأ أبدا حتى في زيجتي الثـانية التي خفت فيها دوري العام، كـانت العلاقـة بالعام موجودة ولـو وجدانيا.. صحيح لم تكن هناك ممارسة سيـاسية مباشرة، لكن كـان ذلك لأسباب متعلقة بالظرف العام. فالمسألة ليست أن امتلاء جانب في حياة المرأة يغني عن جانب آخر.. وأضرب لك مثـالا.. حتى سنة 1952 كـانت هنـاك حركـة ثورية يشعر الفرد فيها أن له دورا "مطلوبا" لكن مع ثورة 23 يوليو تغير المناخ، أصبح الفرد غير متحقق في الجانب العام، وبالتالي كان الخيار المتاح هو إما ممارسة العمل السيـاسي بشكـل سري أو الكف، وإذا لم أعمل بالسياسة سرا فكـان شأني شأن أفراد عديدين كـانوا يتطلعون للعمل العام وتطلعاتهم مجهضة، ولا يغير في الأمر كون الفرد رجلا أو امرأة.. لأن الإنسان كما قلت لك مجموعة ملكات - عقلية ووجدانية وحسية - وأي اختلال في إشباع جانب يصاحبه نوع من الإحباط، وكلما كان الإشباع كان التوازن.

وجع واحد

* أنت لم تجدي نفسك في لحظـة مضطـرة للكلام عن "أوجاع " خاصة بالمرأة دون الرجل وكانت عينك دوما على معاناتهما معا في ظل الظرف العام للوطن.

- قناعتي لم تتغير أبدا بوحدة المعاناة بينهما ولأسباب عديدة.. أذكر أن الدكتور لويس عوض رحمه الله وجه لي سؤالا في حوار تلفزيـوني: قال لي لماذا لا تكـونين زعيمة نسائية وأنت مؤهلة لمثل هذه الزعامة، وقتها كانت سيناء محتلة بـاليهود فكان ردي: لا أستطيع بأي حال من الأحـوال أن أفكر في قضيـة المرأة بمعزل عن قضية المجتمـع.. صحيح أن للمرأة خصوصيتها لكن هناك امتزاجا.. ومازال هذا مفتاحا لرؤيتي.

* عبر مشوار د. لطيفة تبدو أضلاع مثلث تكاد تتساوى.. "إبـداع" و"عمل عام" و "وجدان يقظ" وما أن تعطي نفسها لواحد من الثلاثة حتى يتصور المرء أنه الأوحد في حياتها.. ألا يعني ذلك أن ضلعا من الثلاثة يسبق الضلعين الآخرين قربا إلى نفسها؟

- إجـابة ذلك تحيلنا ثانية لفكرة تكامل تكوين الإنسان يعني العمل - أو الضلع - الأقرب إلى النفس هو الذي يستوعبني كإنسانة بكل مكـوناتي وملكاتي. مثلا: عنـدما أقوم بالتـدريس لطالباتي في الجامعـة فأنا أقوم بعملية عقلية أكثر منها وجدانية، لكن حين أقوم بممارسة النقد الأدبي فهناك وجدان وعمق.

فقط حين أمارس الإبداع أقوم بعمليـة تستوعب جميع حواسي الإنسانية: الوجدانية والعقلية والحسية. عند الإبداع ينشط الإنسان داخلي كاملا متكاملا.

ولا يقارب الإبداع من حيث تكامل الملكات عندي إلا العمل الجماهيري بين الناس في ظل انتماء ثوري، في هذه الحالة أشعر أن العمل يستوعبني: عقلا ووجدانا وحسـا.. أشعر أو يشعر الإنسان أن العمل يتخلق.. طبعا هذا اللون من ممارسة العمل العام غير متوافر.. أو لنقل إنه لم يتـوافـر إلا في المنـاخ الـذي ساد مصر سنوات الأربعينيات.

* يعني توقف أو توقفت أنت سنوات ثورة يوليو مع بداية الخمسينيات؟

- لم أتوقف لكن العمل الثوري بهذا المعنى هو الذي تـوقف.. صحيح فترة عبدالناصر كانت فترة خصبة ووطنيـة.. لكـن الجـماهير.. سلب دورهـا فلـم يكن القصور مني.. لكن المناخ كله.

إشباع

* مع توقف هذا الدور العام أي شيء حل محله.. ماذا كان يشبعك؟

- الإبداع.. لا يشبع ملكاتي مجتمعة إلا الإبداع.

* ومع ذلك كان إبداعك مقلا لدرجة "الشح "، فستة وعشرون عـاما تفصل بين عملك الإبـداعي الأول "1960" "البـاب المفتوح " ومجموعتك الثانية "1986" التي حملت عنـوان "الشيخوخة" ثم سنـوات تقترب من نصف العقـد لتأتي رواية قصيرة " الرجل الذي عرف تهمته" "1991" ثم أخيرا أوراقك الحميمة "حملة تفتيش".

- سؤال مبدئي إجابة عن تساؤلك.. ماذا يدفعني للكتابة؟ ماذا يحركني نحو الإمساك بالقلم؟

ببساطة أكتب حين أحس بتشكل رؤية ما للحياة، هذه الرؤية المعنية للحيـاة تلح علي.. تطالبني بالإفراج عنهـا.. وهذه الرؤية أيضا تجعلني أشعر كـما لو كنت معزولة أو كما لو كنت وحدي لأن الرؤية حبيسـة داخلي وأريد أن أقـولها وأوصلها للنـاس، وأريـد أن يشاركني الناس فيها وحين تتم هذه المشاركة تنكسر عزلتي وأعود جزءا من المجموع.

هذا عن تفسير دافعي للكتابة.. تكون رؤية، ورؤية الإنسان لا تتغير كثيرا.. فلكل كاتـب شعوره الإنساني المهيمن على بقية مشاعره.. وهذا المعين هو الذي يشكل حـافز الإبـداع.. وهذا الشعـور لا يتغير على مسار العمر، وإن تغير مرة أو مرتين طيلة العمر. وفي العمل الأول تكون الطزاجة والحيوية وتبدأ المشكلة مع العمل الثاني، لأن خطورة التكرار تهدد الكـاتب، وحتى لا يكرر الكاتب نفسه فإنه يسعى لإيجاد أقنعة جـديدة يخفي خلفها رؤيته وسطوره، وإيجاد هذه الأقنعة ليس سهلا، ولعل هذا ما حدث لجوستاف فلوبير القصاص الفرنسي الكبير الذي كتب طيلة حياته عملين روائيين فقط.

ربما لو كنت عثرت على أقنعـة جـديدة لتعددت أعمالي واستطعت أن أكتب الـرؤيـة مـرة وأكثـر.. ويحضرني هنا ما قـاله الكاتب الألماني توماس مان بعد أن انتهى من رائعته "بود نبرس": كـدت أتـوقف عن الكتـابـة بعـد روايتي الأولى، غير أنـه لحسن الحظ وجدت أقنعة جديدة أتخفى وراءها.

* ما بين "الباب المفتوح ".. و"الشيخوخة" لم يمس التغيير رؤيتك؟

- لقـد فضلت التوقف بعد "الباب المفتوح" على أن أكرر قولي، وحتى ظهور مجموعة " الشيخوخة " تقدمت في السن، والتجـربة، وتغير منظـوري للحقيقة ونما داخلي شعور مهيمن جديد يطالب بدوره في التغيير.

* فيم تختلف الـرؤيـة في عملك "البـاب المفتوح" ومجموعتك "الشيخوخة"؟

- في المرحلـة الأولى بدت لي كل الأشياء مفهومة.. محلولة واضحة، وحلها ممكن ووارد وممتد، لدرجـة أنني جعلت من نهاية "الباب المفتوح" بداية لحياة ثانية. في عـام 1986 كـانت الـرؤيـة تغيرت بحكم المتغيرات وبحكم السن وتجربـة الحيـاة، لم تعـد " الكليات " التي وردت في الباب المفتوح مطروحة في الشيخوخة: الوطن.. ومصير الوطن ومسار الوطن.

* لماذا لم تعد هذه الكليات مطروحة؟

- لأن أحدا لم يجد يجرؤ على النظر إلى المستقبل، فلم تعد الأسئلة تلقى إجـابة، ولأنني أصبحت بحكم النضج أدرك هذه الحقيقة، جـاء عملي "الشيخوخـة" ممسكا بالجزئيات التي يمكن للإنسان أن يمسك بها.

* هل يعني ذلك أن المبدع لم يعد قادرا على الإمساك إلا بجزئيات تخصه في المقام الأول؟

- يستطيع المبدع أن يدلي بقوله فيما يريد وكـما يريد، لكنه غير قادر إلا على تغيير الجزئيات التي تخصه.

جنين

* "حملة تفتيش" آخر العصارة الإبداعية للكاتبة لطيفة الزيات الذي أخرجته دار الهلال المصرية قرب نهاية 1992 وحوى ضمن ما حوى أوراقا من سيرة د. لطيفة الزيات متسمة بجرعة غنية من "الصدق ".. الصدق مع النفس أولا ثم ما يشبه الحنين الرقراق.

- الحنين كان بالضرورة محيطا بكل ما كتبت في "حملة تفتيش " الذي هو نوع من مراجعـة للذات.. حنين إلى سنوات الشباب لكنـه لم يتحول إلى نوع من الحنين المرضي الذي يعوق عن النظر إلى الأمام وقـد عبرت الناقدة الدكتورة فريال غزول عن هذا المعنى جيدا بأن حملة تفتيش ليس عن امرأة كانت بل عن امرأة تكون.. لقد كتبت "حملة تفتيش " لأجل الاستمرار.. فهي حملة تفتيش داخل النفس لمراجعة ما تصورت أنه كان خطأ ولإحداث نوع من قبول الذات كـما هو.

* في مراجعتك لأوراقك الحياتية ألم يراودك خاطر "التنصل " من بعض سطورها؟

- أبدا.. لم يحدث فإعادة النظر في المشوار قـد يقبل "الغربلة" لكن المهم أن تندرج كل حياة الإنسان في عقد منظوم، وأن يشكل العقد كلا مقبولا ومغفورا من الذات.

* مقارنة جلية حوتها "حملة تفتيش" بين سجن الإنسان أي السجن المادي الواضح وبين سجن الذات أو وأدها. خاصة بالنسبة للمرأة، بمعنى أكثر تحديـدا بالنسبة لك شخصيا.

- وأد الذات أو وأد المعنوي في حياة المرأة قد يكون أقسى أحيانا من السجن المادي.. والفتاة العربية طفلة كانت أو شابة يفرض عليها كثير من الأسوار وتتعدد طرق سجن ذاتها.

* لعلك كنت من أكثر الكاتبات العربيات شجاعة حين لمست في "حملة تفتيش" كثيرا من خطوط تماس علاقة زواج المرأة والرجل في شرقنا العربي؟

- المرأة في جيلي وربما في أجيال بعدي تتربى على أنها هي التي تعطي.. تعطي وتعطي دون انتظـار لأخـذ مقابل وأعتقد أن هذا مفهوم "غير واقعي" بل هـو مفهـوم لا يمكن أن يترتب عليـه سـوى الإحبـاط للطرفين.

فالمرأة كإنسان لها حاجتها في أن تأخذ وهي تمنح كي تأخذ بعد ذلك وأتصـور أن الأجيال الجديـدة في طريقها لتصحيح هذا المفهـوم، والرجل ربما أصبح أكثر تفهما للعلاقـة التبادليـة أخذا وعطاء مما كـان في جيلنا.. أليس كذلك؟

ولاحت مني ابتسامة ترد على سؤالها!

صمود

* تغيرت ملامح خريطة حياتك فتراجعت أمور وتقدمت أخرى، لكن العلاقة الثابتة ظلت علاقتك كأستاذة جامعية بطالباتك.. توافقين على هذا الرصد؟

- هذه حقيقة.. لأنها علاقـة تقوم على الرغبة في الوصول والتوصيل.. وهي علاقة عميقة جدا.. فقد أكـون تعيسـة في البيت وأخـرج وأنا غير راغبـة في الخروج، لكن ما أن أصل إلى الجامعة وأدخل قاعة المحاضرات وأبدأ في التدريس حتى تبدأ موجـة من التواصل تمتد مني للآخـرين ومن الآخرين لي حتى أصبح في منتهى السعادة وإذا لم يحدث هذا التواصل أكاد أحس بألم عضوي.. أضرب لك مثلا.. أحيانا مع طالبات السنة الأولى يحدث نوع من صعوبة الفهم فأنا أدرس النقد الأدبي باللغة الإنجليزية، ومع الصفوف الأولى تكون البداية من أرسطو وأفلاطون فقد تكون الصعوبة مضاعفة وما دمت أحس أنني لم أصل للطلبة أشعـر بالحزن.. بل كـما قلت لك أحس بآلام عضوية شديدة جدا.. حتى نتواصل.

* هل تبحثين أحيانا في وجوه طالباتك عن لطيفة الزيات أخرى؟

- ليس بالضرورة لكن أنا تسعدني الفتاة المتفتحـة الذكية.. اللامعـة جدا أحس أنها مسئـولة مني. كان عندي طالبة من هذا النوع.. أرادت أن تتزوج زميلا لهـا ولقيت معـارضة مـن أهلهـا.. اعتبرت أنهـا مسئوليتي، قلت إن محاولة كبت مثل هذه الفتاة جريمة كبرى لأن الزواج لا يؤثر على مشوارها العلمي وفعلا تزوجت وهي سعيدة جدا.

* هل يترك الـزواج الخطأ بصمة أقـوى في حياة المرأة العملية أكثر من الرجل؟

- بالتأكيد المرأة أكثر تأثرا من الرجل فـالمرأة العادية تضع حياتها الخاصة في المقـام الأول ثم عملها بينما يضع الرجل العمل في المكانة الأولى فالزيجة المختلة قد تحطم المرأة ولا تحطم الرجل.

* لماذا ظل دورك كأستاذة الجامعة وحـده الذي لم يخضع لأي نوع من المراجعات برغم استمـرار مراجعـاتك لدورك العـام بل ولحياتك الخاصة؟

- لأنه دور فيه مساحة واضحة من اليقين في توصيل المعلومة.. على الأقل متأكدة من صدق المعلـومة التي تريدين توصيلها، وحين تقومين بذلك يكـون هناك مردود جميل والمردود الأجمل حـين ترين طالباتك وقد أصبحن زميلات لك.

* هل تتغير عـلاقتك بهن حين يصرن زميلات ولسن تلميذات؟

- والله أنا أحاول أن أغيرها لكنهن يصممن لأنني بالنسبة لهن أم قبل أن أكون أستاذة تستمر نظرتهن لي كأم روحية.

* هل تضمن آخر أعمالك ما يشبه التحذير غير المباشر من الخيـارات الخاصة الخطأ في حيـاة المرأة ذات الدور.. هل تعتقـدين أن الأجيال التي تلت جيلك أكثر إعمالا لعقلهن في خياراتهن الخاصة؟

- قطعا البنات الآن أكثر إعمالا لعقلهن وما يثير دهشتي هو ترحيب البنات الصغيرات بكتابي "حملـة تفتيش " لقد كنت أتصور أن جيلي وحده هو الـذي سيتلقى الرسالة لكنها وصلت للشباب.

* عندك تفسير لذلك؟

- التفسير الوحيد هو أن الصـدق في التعبير عن التجـربة الإنسانيـة هو الأرض المشتركة بينك وبين المتلقي أيا كان.

* ضايقك "التناول الذكوري" لبعض ما جاء في "حملة تفتيش" وخاصة ما تعلق بمراجعتك لحياتك الوجدانية؟

- كثير من الأقلام الرجالية أو الذكورية بحد تعبيرك التقطوا الرسالة الحقيقية وكتبوا بود واحترام شديد وفهم.. القلة القليلـة جـدا أسـاء بعضها. إلي بعض الإساءة إن لم يكن كل الإساءة وكـانت في إطار الرغبة لمعرفة المزيد!

خفوت

* هل ترصدين مؤشرات تواري وخفوت المرأة في الحياة العامة.. بل وتراجعها ثانية داخل البيت؟

- المرأة ليست سوى جزئية صغيرة جدا ومهمة جدا في صورة كلية.. والخفوت أو التواري أو التراجع ليس تراجعا خاصا بـالمرأة لكنه تراجع خاص بالمجتمع لأن المرأة جزئية من المجتمع.. هي ترمومتر يعكس حـال المجتمع.

* يعني هل بإمكانك مد البصر واستشراف بعض مـلامح وصيغة المجتمع العـربي من خلال المرأة؟

- صعب أن نقول هـذا لأن الواحـد كثيرا ما ينتابه الأمل في حـدوث نوع من التطور برغم الإخفاقات لأن الحركة لا يمكن أن تكون دائرية يعني تواري المرأة وعودتها للبيت لا يمكن أن يكون إيذانا بالعودة لنقطة البدء.

قناعات

* دفعت من عمـرك سنـوات في السجن لقناعات سياسية بأفكار تقع الاشتراكية على رأسها.. كيف تبدو لك الصورة بعد تهاوي صروح هذه الاشتراكية؟

- قـد يبـدو الأمـر غريبا لكنني لم أفقد إيماني بالاشتراكيـة ومازلـت أؤمن بأن الاشتراكية هي الوسيلة الوحيدة لتحرير الإنسان وإعطائه الفرصة كي يعيش بصورة متكاملة الملكات.. كون أن الاشتراكية أسيء تطبيقها في الاتحاد السوفييتي أو لم تكن اشتراكية على الإطلاق فهذا لا يغير من حلمي الدائم بإمكان قيام الاشتراكية في وقت آخر.. هو بعيد.. لكن يظل تمسكي بالحلم.

* تجربة تطبيق هذا الحلم أثبتت أن الحرية قد تسبق الرغيف.. ألا يدفعك هذا النوع إلى مراجعة الأفكار؟

- التجربة تعلمنا أن نقص الديمقراطية (التي تعني حكم الشعب لنفسه) يمكن أن يفشل أي تجربة سياسية أيا كان نوعها، والركن الأساسي لاشتراكية المستقبل هو الديمقراطية إذ بدونها لا يمكن أن يتحقق أي أمل.

* هل معنى ذلك أن الـديمقراطية سبقت عمليا فكرة العدالة الاجتماعية؟

- هذا صحيح وجلي.. خاصة في العالم الثالث لقد وصل الإنسان مـع اقتصاد الـديمقراطيـة إلى خـد المجاعات وأبسط حقوق الإنسان أن يتقاسم بشكل مرض مصادر ثروة الوطن.

* كصاحبة فكر سياسي ورؤية نقدية.. إلى أي مدى كان الإبداع معبرا عن ثنايا مجتمعك أوجاعا وآمالا؟

- منذ البداية كان الإبداع متابعا لحركة المجتمع المصري فقد عبر عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس عن مفـاهيم الأربعينيـات وأصـدائهـا السيـاسيـة والاجتماعية. ثم إلى جيل الستينيات تعبير إبداعي واضح وجميل عن أبعاد مجتمعه، والغريب أنه الآن وفي وقت يتهدد أوطاننا صنوف من الأخطار والأزمات فإن الإبداع لا يمر بأزمة.. إنه يقظ ونشيط ويتقدم بشكل خصب.. والميل الذي ظهر في فترة من الفترات للتمحور حول الذات ورفض الجانب العام والانكفاء على التجربة السطحية هذا الميل خـف، وصار الداخلي والخارجي يتوازنان في الإبداع.

* هل يمكن التوقف عند نماذج؟

- أقرأي أول أعمال إبراهيم عبدالمجيد واقرأي " البلدة الأخـرى".. انكفـاء على الذات، انفتـاح على العـالم الخارجي.. إبراهيم أصلان في "يوسف والرداء " و" مالك الحزين " اختلاف شـديد. جمال الغيطاني لم يختلف لأن الهم العام لم يغب عنه في أي وقت، كان حاضرا باستمرار في كل إبداعه محققا المعادلة.

* لعله سؤال تقليدي ينتظر إجابة غير تقليدية، هل هناك كتابة نسائية؟

- هناك كتابة تكتبها المرأة وليس بالضرورة كتابة نسائية.

* هل تدخل تلك الكتابة التي تكتبها المرأة في السياق العام للتأريخ الإبداعي أو لها معايير أخرى؟

- الكتابة التي تكتبها المرأة حاول المجتمع العربي تهميشها أي وضعها على الهامش خارج المجرى الرئيسي للسياق الإبداعي.

* هل كان ذلك بسبب مستواها أم هو تعنت من الراصد؟

- الراصد تعمد تهميشها.

* يعني تعنت؟

- إلى حد كبير.. لكن ما حدث أن الكتابة التي تكتبها المرأة تقدمت إلى حد أجبر الراصد على إدخالها في السياق الإبداعي.

* مثل كتابات من الكاتبات؟

- سلوى بكر.. فترة قصيرة استطاعت بعدها أن تصنع شيئا.. رضوى عاشور.. اعتدال عثمان.

* بودي لو نقترب أكثر من فعل الكتابة والمرأة.. الكتابة "جمرة" الصدق فيها هو المحور ألا يعوق ذلك لاعتبارات الاجتماعيـة المحيطـة بـالمرأة العربية؟

- لا شك في ذلك.. لكن الحقيقة أن الكاتبات يقلن وكثيرا من المبدعات يضطررن لنوع من التوازن.

* ألا تضطر بعض الأوضاع الاجتماعية الكاتبة العربية لنوع من "الحجب" للحقيقة؟

- إذا أتت الحقيقة في قالب روائي فيمكن أن يقال الكثير.. هذا توازن لا بد منه.

* أو هو تحايل!

وكان الرد.. ضحكة صافية منها وتساؤلا لم أقاومه في داخلي: وهل المرأة وحدها التي "تتحايل"!؟.

المحرر مجلة العربي يونيو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10

info@3rbi.info 2016