مختارات من:

المصارف العربية ومتطلبات التكيف مع أجواء المنافسة في عصر التمويل الدولي الجديد

حكمت شريف النشاشيبي

يشهد العالم حاليا ثورة في تكنولوجيا نقل المعلومات الإلكترونية، بكل ما تشتمل عليه من أجهزة ومبتكرات، تتيح لكل من لديه مقبس كهرباء التزود بصورة فورية بآخر المعلومات عن أسعار الأسهم والعملات أو السلع، وتدفقات الأموال وأسعار الفائدة، وغيرها ومن أركان الدنيا الأربعة.

هذا المقال يلقي الضوء على المستجدات الجوهرية التي أخذت تسود عالم التمويل الدولي، والتي تنطوي على متغيرات تهم المؤسسات المالية العربية المشاركة في الأسواق المالية الدولية وتؤثر في عملياتها ومستقبلها.

ليس سرا أن عالم التمويل الدولي هو الآن على أعتاب حقبة جديدة تختلف، من وجوه عدة، اختلافا جوهريا عما عرفناه. فكيف يتسنى لمؤسسات التمويل العربية أن تتكيف بنجاح مع هذه الظروف المستجدة التي لا تخلو، في رأينا من قدر كبير من الخطورة على المؤسسات المالية العربية في السوق الدولية.

وبادئ ذي بدء، دعونا نتلمس ماهية السمات الأساسية لعالم التمويل الدولي الجديد الذي علينا أن نعمل وننجح في خضمه العاصف:

السمة الأولى: "توريق" المعاملات المالية seouritisation.

السمة الثانية: "عولمة" الأسواق المالية Globalization of market، بحيث يغدو العالم كله بمثابة سوق مالية واحدة وساحة مالية واحدة تتنافس، أو تتصارع فيها الحيتان المالية والبقاء فيها للأقوى، ولا نقول للأصلح، وربما وفق شريعة الغاب الأولى في بعض الأحيان.

والسمة الثالثة: "تحرير" تدفق الأموال والاستثمارات على أنواعها Deregulation وهذا يعني سقوط فكرة الأسواق المالية "المحمية" كما عرفناها حتى الآن.

الأبعاد المترتبة على ما يشهده عالم التمويل الدولي

وعواقب هذه التطورات الجوهرية التي أخذ يشهدها عالم التمويل الدولي، بصورة ملحوظة ومتسارعة، لن تقتصر على عالم المال والتمويل، بل هي ذات أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية يطول فيها الحديث ويتشعب، وهي لا تخلو من الخطورة بالنسبة لمصالحنا العربية، وعلى أكثر من صعيد.

وفي هذا المقام، سنحاول أن نحصر نطاق هذا البحث، وبإيجاز، في التغيرات الأساسية التي ستطرأ على الأساليب والوسائل الفنية لعالم التمويل الدولي بفعل هذه التطورات المستجدة والمتسارعة.

الاقتراض بالإصدارات السندية

فمن الظواهر الملحوظة التي تطورت في الأسواق المالية، أخيرا نتيجة هذه الأوضاع الجديدة، أن المدخرين أخذوا، بصورة متزايدة، يسحبون ودائعهم من البنوك بهدف جني ربح أكبر من خلال استثمارها في الأوراق المالية، ومن جهة أخرى أخذ المقترضون من البنوك يجنحون إلى إلغاء قروضهم لديها عند أو قبل استحقاقها، ويتوجهون، بدلا من ذلك، ومباشرة، إلى الاقتراض بالإصدارات السندية في أسواق المال ذاتها Capital Markets بهدف الحصول على احتياجاتهم التمويلية بأكلاف أقل وأسعار أدنى. مثل هذه التطورات تنطوي على خسارة واضحة للبنوك التجارية مثلما فيها مغنم لبيوت الأوراق المالية Seourities Houses.

والعامل الأساسي الذي أدى إلى تطور هذه الأوضاع الجديدة في أساليب التمويل الدولي هو هذه الثورة التي يشهدها عالمنا في تكنولوجيا نقل المعلومات الإلكترونية بكل ما تشتمل عليه من أجهزة ومبتكرات تتيح لكل من لديه مقبس كهرباء، التزود بصورة فورية، بآخر المعلومات عن أسعار الأسهم والعملات أو السلع وتدفقات الأموال وأسعار الفائدة وغيرها وغيرها ومن أركان الدنيا الأربعة.

متغيرات تهم المؤسسات المالية العربية

وهذه المستجدات الجوهرية التي أخذت تسود عالم التمويل الدولي تنطوي ولا شك، على متغيرات وأمور كثيرة تهم المؤسسات المالية العربية المشاركة في الأسواق المالية الدولية وتؤثر على عملياتها ومستقبلها، ونسجل في هذا المقام النقاط التالية:

(1) أسلوب الإقراض في الأسواق المالية الدولية هو الآن آخذ في التحول وبسرعة، من صيغة القرض المصرفي Euroloans إلى صيغة السندات Eurobonds.

وفي المستقبل، قد تغدو القروض المصرفية الدولية مجرد جسر تمويل مؤقت Bridge - Finanoe لغاية أن تسمح ظروف السوق للطرف المقترض أن يؤمن احتياجاته التمويلية بالسندات الدولية.

(2) لقد أخذت تتطور بسرعة، في الآونة الأخيرة، سوق عالمية جديدة لإصدارات أسهم وحصص.

الشركات تتجاوز الحدود الإقليمية والقومية roequities-Eu وهذه السوق الأولية ستنحو في تطورها وتكوينها نحو النهج الذي سبق أن سلكته سوق القروض المصرفية الدولية وسوق السندات الدولية، ولكن بخطى أسرع بكثير.

(3) في جو المنافسة الشديدة الحالي الذي يسود الأسواق المالية. وبفضل تطور تكنولوجيا المعلومات وسقوط الأنظمة المقيدة للتدفقات المالية، ارتقى مستوى كل من المستثمرين والمقترضين، على حد سواء، وانفتحت أمامهم مجالات اختيار أوفر وقدرة أشد على تمييز وتقييم هذه الاختيارات... وبعبارة أخرى، لقد انكشفت أسرار المهنة، ولم تعد مهمة رجال المصارف وسهلة ولا وادعة، فلكي يكسبوا الرسوم والعمولات في هذه السوق المحمومة يتأتى عليهم أن يقدموا لزبائنهم خدمات متميزة ومنافسة، بسرعة وبكفاءة، سواء من حيث حجم المبالغ والعمولات والأكلاف وتواريخ الاستحقاق وغير ذلك من الشروط التفصيلية.

(4) كذلك بات من الضروري أن تكون صيغ العروض المالية التي يقدمها المصرف لزبائنه منافسة وجيدة ليس بمقاييس البيئة المحلية فحسب، بل منافسة وجيدة بصورة مطلقة في أي مكان آخر من العالم، وإلا فان الذئاب الكاسرة من الأصقاع البعيدة ستغزو مرابعه لافتراس قطعانه المحلية.

(5) أعمل المصارف غدت تعتمد أكثر من أي وقت مضى، على النوعية الجيدة والمتميزة للأشخاص العاملين فيها كأهم المقومات الأساسية للنجاح في أعمالها، أما التجهيزات والاستعدادات الأخرى بما في ذلك توافر القدرات المالية فهي في المقام الثاني من حيث متطلبات النجاح- عملا بالقول السائر: "الإنسان هو أثمن رأسمال".

(6) وكي يتسنى للمصارف النجاح في هذه البيئة الجديدة المحمومة للأسواق، عليها أن تخطط استراتيجية عملها وفق ظروفها في إطار خيارين أساسيين: الأول: أن تستطيع أن تكون من المؤسسات العملاقة في السوق القادرة على حشد أكبر عدد من الزبائن بتقديم أكبر عدد ممكن من الخدمات بأكبر المبالغ، فالحوت يظل أقوى الأسماك في الأعماق.

والخيار الثاني: أن تسعى المصارف للتخصص في تقديم نوع معين من الخدمات لزبائن معينين ومعروفين له بشروط ومواصفات متميزة ومنافسة لا يجاريه فيها الآخرون مثل صانع "الكنافة" الماهر الذي يحافظ على زبائنه بفضل النكهة المميزة لكنافته.

تخطيط أساليب العمل

(7) التخطيط الاستراتيجي لخطط وأساليب العمل والتحرك هو في صميم اللعبة الجديدة. وهو تخطيط ينبغي أن يتوخى تقديم الخدمات المالية الأفضل في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب.. ولذلك فإن مديري المصارف لا يحظون بمكافآتهم السمينة على سبيل "الوجاهة"، بل هم يستحقون هذه المكافآت بفضل قدرتهم على التخطيط الاستراتيجي وتمتعهم بالخيال الإبداعي والدراية، والقدرة على المناورة، والكفاءة في حشد وتعبئة الموارد والإمكانات، وريادة الآفاق الجديدة التي تقود مؤسساتهم إلى مرابع النجاح والازدهار.

(8) مورد الدخل الأساسي للمصارف ينبغي دائما أن يأتي من العمولات المكتسبة من العمليات والصفقات الاستثمارية، وليس من هامش الربح المتأتي من الفارق بين سعر الإقراض والاقتراض، Balanoe Sheet Spread.

وينبغي أن يكون هذا الدخل من العمولات مستقرا وكافيا لتغطية النفقات والأكلاف الإدارية بنسب متواترة الزيادة. وعدم تحقيق ذلك يطرح علامة استفهام كبيرة على ماهية وكينونة المؤسسة ومبررات وجودها ذاته.

هذه الأوضاع المتطلبة التي استجدت على بيئة التمويل الدولي تقتضي من رجال المصارف في شتى أنحاء العالم أن يتجاوزوا في تفكيرهم ورؤاهم هموم الصفقة التالية من أعمالهم الآنية، وأن يطرحوا على أنفسهم جملة من الأسئلة المستهجنة حول ماهية أعمالهم الحالية ومكوناتها، وما ينبغي عليهم أن يستحدثوه من صيغ وترتيبات للتكيف بنجاح مع متطلبات الوضع الجديد لأجواء التمويل الدولي.

مسئولية رجال المصارف العربية

وهذه المهمات تتسم بطابع الإلحاح بالنسبة لرجال المصارف العرب بوجه خاص نظرا لحداثة عهد مؤسساتهم في أسواق المال الدولية. فعليهم أن يتدبروا أمرهم قبل فوات الأوان، وأن يتلمسوا أفضل السبل لمؤسساتهم للتكيف بنجاح مع أجواء هذا الوضع الجديد من عصور التمويل الدولي.

يتطلب هذا، بادئ ذي بدء، أن يجتهد رجال المصارف العرب لتغيير عقلياتهم وتوجهاتهم الذهنية من إسار نهج المصارف التجارية التي تقف عند حدود مخاطر الإقراض فحسب Credit Risk إلى جسارة الاستثمار المالي التي تجرؤ على خوض غمار السوق ومخاطرها Market Risk.

ثانيا: يقتضي الوضع الجديد من المصارف العربية أن تجند إمكاناتها لبناء شبكة توزيع لخدماتها تتميز بالكفاءة وتستهدف، بصورة أساسية، خدمة احتياجات الزبائن العرب أنفسهم.

وثالثا: يقتضي الأمر أن تبذل المؤسسات المالية العربية أقصى الجهد لبناء سمعة حسنة لذاتها من خلال تطوير نوعية مستخدميها ومديريها ثم من حيث التسلح بالقدرات الرأسمالية اللازمة.

ورابعا: وكما أسلفنا القول، إن ضرورة الضرورات بالنسبة لمستقبل المصارف العربية في هذا العصر الجديد هو النجاح في اكتشاف وتحديد معالم ذلك المجال الذي تتفوق فيه وتستطيع أن تتمتع فيه بوضع منافس وبكفاءة متميزة يضمن لها النجاح مع زبائنها. وفي هذا المجال المتميز، عليها أن تركز على تلك الخدمات التي تتفوق فيها ولا يجاريها فيها أحد. وهناك نقطة توحي بالأمل بالنسبة لمستقبل المصارف العربية هي قوة ومتانة العلاقة بينها وبين زبائنها المحليين سواء لاعتبارات شخصية أو تاريخية، أو لاعتبارات تتعلق بالبيئة والثقافة، وهذا بحد ذاته شكل نوعا من السياج المعنوي لحماية مصالح الصارف العربية في أسواقها المحلية النامية ومع زبائنها المحليين، وذلك في وجه الغزو المتوقع من جانب مؤسسات التمويل العالمية الكبرى لهذه الأسواق المحلية.

حظيرة الأمان لمستقبل المصارف العربية

إن رجال المال والمستثمرين العرب، شأنهم شأن أقرانهم في أنحاء العالم، يتوقون، ولا شك، إلى الاطمئنان على مستقبل أموالهم واستثماراتهم في عالم تشتد فيه حمى القلق والاضطراب، يوما بعد يوم، وعلى أكثر من صعيد ولأكثر من سبب. ويقينا أن حظيرة الأمان لمستقبل المصارف العربية، في هذا العصر المحموم، هي أن تركز، بنجاح، نشاطاتها في المرحلة القادمة، على تطوير، إصدارات الأسهم والحصص والسندات الدولية لحساب الجهات العربية التي تحتاجها بحيث تتحول سوق المال الدولية إلى معابر وقنوات تحويل للأموال العربية من المصادر العربية المدخرة إلى الجهات العربية التي تحتاج هذه الاستثمارات.

الامتحان الصعب

والامتحان الحاسم الذي يواجهه مديرو المصارف والمؤسسات المالية العربية، الآن وفي المستقبل، هو في إظهار القدرة على الابتكار والإبداع في تطوير الصيغ المناسبة من إصدارات الأوراق المالية من أسهم وسندات وغيرها من أشكال التمويل التي تتلاءم مع احتياجات الجهات العربية المعنية وتلبيتها على الوجه الأمثل، وليس الاكتفاء بمجرد التقليد الحرفي "الببغائي" للصيغ السائدة في الأوراق الغربية (ومن الأمثلة الحية على ذلك، السندات الدولية المقومة بالدينار الكويتي لصالح العديد من المقترضين العرب وخاصة من الجزائر وتونس والمغرب والتي كانت صكوكها مدرجة في بورصات لوكسمبورغ ولندن). وبذلك تغدو سوق المال الدولية بمثابة وسيلة تمتطيها مؤسسات التمويل العربية لخدمة مصالحها هي والمصالح العربية عامة، وذلك للقفز منها، ومن خلالها، فوق أسيجة العوائق والتعقيدات الإقليمية العربية التي مازالت تحول - مع الأسف - دون التوجه نحو تكامل الاقتصاد العربي ونحو تطوير السوق المالية العربية.. هذا بدل أن تكون السوق المالية الدولية هذه بمثابة شبكة لتشتيت الأموال العربية وتسريبها في متاهات مجهولة المصير.

والظروف الجديدة في السوق المالية الدولية باتت تقتضي من مديري المصارف العربية أن يفحصوا من جديد استراتيجية أعمالهم لتحديد معالم وأطر نشاطهم في المرحلة القادمة من خلال استكشاف مواطن القوة والضعف في مؤسساتهم وأعمالهم بغرض التركيز على مجالات العمل التي يتفوقون فيها على من عداهم من المنافسين.

واكتشاف حظائر الأمان، أو بالأحرى المراعي المضمونة، التي تؤمن لمؤسساتهم النمو والازدهار في المرحلة المحمومة المقبلة هو الامتحان المصيري لقدرة هؤلاء المديرين على الخيال المبدع والقرار الرصين، في آن واحد، لتوجيه مؤسساتهم المالية نحو درب النجاح في ظروف المنافسة الحادة الصعبة في هذا العصر الجديد. أما المصارف ومؤسسات التمويل العربية التي لا يسعفها الخيال للاهتداء إلى "حظيرة الأمان" الخاصة بها فالمستقبل لا يبدو مشرقا. وقديما قالوا: "من لا قديم له لا جديد له"، ولعل في العودة إلى المنابع والأصول الأولى ما يشفي الغليل.

حكمت شريف النشاشيبي مجلة العربي يوليو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016