مختارات من:

الحديد ولغز انسداد شرايين القلب

علي طاهر

عندما تضيق الشرايين التاجية- التي تحيط بالقلب وترويه بالدم- ويبلغ هذا الضيق حد الانسداد، لا تجد عضلة القلب ما تحتاج إليه من أكسجين، فتختنق، وتكون آلام اختناقها مروعة تشبه آلام الذبح، لهذا سميت بالذبحة الصدرية.

ولقد تعددت أسباب ضيق هذه الشرايين، لكن الحديد الذي طالما حرصنا على تناول الكثير منه، في طعامنا وفي الأقراص المقوية، لأنه عنصر مهم لتجديد كريات الدم الحمراء، ومكون أساسي في "هيموجلوبين" هذه الكريات.. هذا الحديد يقف الآن في قفص الاتهام، وتشير إليه أصابع الادعاء بأنه- أو بالأحرى ارتفاع نسبته في الجسم- يأتي في مقدمة أسباب انسداد الشرايين التاجية وحدوث الذبحة.

خلال العقود الماضية، استطاع العلماء الذين يجرون دراسات حول الذبحة الصدرية حصر الأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذا المرض بعدد من العوامل هي: التدخين، والتوتر العصبي، وعدم ممارسة الرياضة البدنية، وارتفاع نسبة الكولسترول في الدم.

وفي الآونة الأخيرة، أضاف العلماء الفنلنديون إلى هذه الأسباب سببا آخر أثار الحديث عنه ضجة كبرى في الأوساط العلمية هو: ارتفاع نسبة الحديد في الجسم.

في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي نشر فريق من العلماء الفنلنديين دراسة في مجلة "سيركيوليشن" التي تصدرها جمعية أمراض القلب الأمريكية جاء فيها "إن هناك علاقة كبيرة بين نسبة الحديد في الجسم.. وبين أخطار التعرض للذبحة الصدرية" بل إن الدراسة تكاد توحي بأن ارتفاع نسبة الحديد في الجسم تأتي مباشرة بعد التدخين من حيث خطرها على القلب.

الشواهد غير كافية

ولكن.. هل تصل الأضرار إلى حد الإصابة بالذبحة الصدرية؟

حتى الأمس القريب، كان العلماء يستبعدون ذلك، بل إن خبراء التغذية كانوا ينصحون باختيار أغذية تحتوي على نسبة جيدة من الحديد، أو ينصحون بتناول كبسولات طبية للمساعدة على حفظ نسبة هذه المادة عند حدود معينة ولعل هذا هو السبب الذي دفع شركات الأدوية التي تصنع هذه الكبسولات إلى التشكيك بالدراسة الفنلندية. فقد قال مدير إحدى هذه الشركات "إن الدراسة الفنلندية بدائية، من الناحيـة العلمية، وهي لا تقدم أدلة علمية على وجود علاقة مباشرة بين الذبحة الصدرية وارتفاع نسبة الحديد في الجسم".

أما المسئولون في المعهد الوطني لأمراض القلب والدم والرئتين في الولايات المتحدة، فقد علقوا "إن الدراسة تحتوي على شيء من المعقولية، ولكن إدارة المعهد بحاجة إلى المزيد من الشواهد قبل أن تتخذ قرارا نهائيا بهذا الشأن ".

وكان العالم الأمريكي الدكتور جيروم سوليفان أول من أشار إلى احتمال وجود علاقة بين ارتفاع نسبة الحديد في الجسم، وأمراض القلب، وقد استشهدت الدراسة الفنلندية بالبحوث التي أجراها.

ومنذ عام 1981، وقف الدكتور جيروم سوليفان حائرا أمام معضلة علمية لم يجد لها جوابا شافيا: لماذا ترتفع نسبة أمراض القلب بين الرجـال أكثر من النساء؟ ولم يقتنع الدكتور سوليفان بالتفسير العلمي الذي كان سائدا في ذلك الحين من أن الاستروجين الذي تتناوله المرأة قبل بلوغها سن اليأس يشكل حاميا لها من الإصابة بأمراض القلب، ولاحظ في البحوث التي أجراها أن نسبة الحديد في الجسم ترتفع مع تقدم العمر، واستنتج أن مخزون الحديد في الجسم هو السبب الرئيسي لأمراض القلب، وبالطبع فإن مخزون الحديد لدى النساء اللواتي لم يصلن إلى سن اليأس أقل بكثير من مثيله لدى الرجال، أو لدى النساء اللواتي تجاوزن هذه السن، بسبب الدورة الشهرية.

ونشر الدكتور سوليفان، نتيجة ملاحظاته في إحدى المجلات الطبية، فاستقبل العلماء مقالته بالسخرية، ورفضت المؤسسات الطبية مشروعا لإثبات نظريته. وفي منتصف الثمانينيات جاءت الدراسات التي أجريت على الحيوانات لتثبت معقولية تلك النظرية، كما أن الشواهد بدأت تتوالى حول علاقة ارتفاع نسبة الحديد في الجسم ببعض الأمراض، مثل السرطان، والتهاب المفاصل، وغيرهما من أمراض الشيخوخة، بما في ذلك مرض تغضن الجلد، وظهور بقع على الكبد.

الجديرات المدمرة

والعامل المشترك في كل هذه الأبحاث هو أن الحديد، على ما يبدو، يساعد على تشكيل المواد الكيماوية شديدة التفاعل التي تعرف باسم " الجديرات الحرة "، وهذه الجديرات تمتلك "إلكترونات غريبة " تحدث أضرارا عن طريق تحطيمها للروابط التي تشد الجزيئات إلى بعضها البعض، والجديرات الحرة تتكون بشكل مستمر داخل الجسم البشري ومثال على ذلك فإن خلايا جهاز المناعة تطلق الجديرات الحرة لمقاومة البكتيريا التي تدخل الجسم، ولكن، في بعض الأحيان، يخرج "السلاح" عن نطاق السيطرة ويحدث أضرارا في خلايا الجسم نفسها، وقد أثبتت التجارب التي أجريت في المختبرات أن مزج الحديد مع الجديرات الحرة أشبه بعملية صب البنزين على النار،إذ إنه يزيد من قدرة الجديرات على التدمير.

بل إن البحوث أثبتت أن الحديد عنصر أساسي في نظرية "الجديرات الحرة" المشهورة حول الشيخوخة، وهذه النظرية تقول إن التلف الذي يحدثه الحديد في جزيئات الدنا DNA حاملة الشفرة الوراثية يتراكم مع الزمن، ويؤثر على قدرة الجسم على إعادة بناء نفسه.

وحتى قبل أن ينشر العلماء الفنلنديون دراستهم، كانت الأبحاث التي أجراها الدكتور سوليفان قد بدأت تستقطب اهتمام العلماء في الولايات المتحدة والخارج، باعتبار أن هذه الأبحاث وضعت الإصبع على الكثير من الألغاز فيما يتعلق بمرض القلب، ذلك أنها تعطي تفسيرا للأسباب التي تجعل تعاطي أقراص منع الحمل تزيد من احتمالات الإصابة بأمراض القلب، فأقراص منع الحمل تقلل من كمية الدم الذي يطرده جسم المرأة أثناء الدورة الشهرية، مما يجعل مستوى الحديد في الجسم يرتفع، وفي الوقت نفسه فإن تعاطي الأسبرين يستنزف شيئا من مخزون الجسم من الحديد، مما يفسر الأسباب التي تجعل تعاطي جرعة صغيرة منه، وبشكل منتظم، يساعد على الوقاية من أمراض القلب.

انسداد الشرايين

والأهم من ذلك هو أن نظرية الدكتور سوليفان والأبحاث التي أجراها العلماء الفنلنديون لا تعارض النظرية المعروفة حول كيفية حدوث انسداد الشرايين، وهذه النظرية تقول إن بعض التفاعلات الكيماوية التي ينشطها الحديد تؤدي إلى الانسداد، وقد اكتشف فريق من العلماء في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، برئاسة الدكتور دانيال شتا ينبيرغ، أخصائي أمراض القلب، أن انسداد الشرايين يبدأ بأكسدة النوع الخبيث من الكولسترول وعندما تتأكسد جزيئات هذا الكولسترول تجرفها خلايا جهاز المناعة، ومع الزمن تصبح النفايات المجروفة جزءا من الرواسب الدهنية التي تتراكم وتسد الأوعية الدموية.

وفي الدراسة الفنلندية التي جرت بإشراف الدكتورة جوكا سالونين من جامعة كوبيو قام العلماء بقياس كمية الحديد في الدم باعتبارها مؤشرا لكمية الحديد المختزن في الجسم، واكتشفوا أن الرجال الذين تزيد النسبة لديهم على 200 ميكرو غرام في اللتر الواحد أكثر عرضة لأمراض القلب من الرجال العاديين.

ومعدل الحديد لدى الشخص البالغ في الولايات المتحدة يتراوح عادة بين 100 و 200 ميكرو جرام في اللتر الواحد من الدم، أما معدله لدى النساء فإنه أقل قليلا.. والأطباء لا يشخصون عادة ارتفاع نسبة الحديد في الجسم إلا إذا وصلت هذه النسبة إلى 400.

واكتشف العلماء الفنلنديون أن احتمالات الإصابة بالذبحة الصدرية وأمراض القلب تصل إلى أربعة أضعاف لدى الأشخاص الذين ترتفع نسبة الحديد ونسبة الكولسترول لديهم، مما يدعم الرأي بأن هاتين المادتين تساهمان في حدوث الذبحة الصدرية وأمراض القلب.

وتصاعد الذبحة يحدث عندما تتوتر الأنسجة بسبب افتقارها إلى الأكسجين، كما يحدث عادة عندما تنسد الأوردة التاجية أثناء الذبحة الصدرية، وقد دلت الدراسات التي أجريت على الحيوانات أن خلايا عضلات القلب تطلق ذرات الحديد المختزنة في داخلها بتسارع كبير.. وتنطلق هذه الذرات عبر الأنسجة محدثة انفجارات صغيرة تقوم الجديرات الحرة بدور بارز فيها. وهذا الأمر يفسر الأسباب التي تجعل الأشخاص الذين يعانون من الهيمو كروماتوسيس- وهو المرض الوراثي الذي يؤدي إلى ارتفاع نسبة الحديد في الجسم- يموتون في عمر مبكر بالسكتة القلبية من مجرد انسداد جزئي في الشرايين، كما أنه يفسر الأسباب التي تجعل الذبحة الصدرية تحدث غالبا في الصباح، حيث تكون معدلات الحديد مرتفعة في الجسم.

الحديد يدخل في كل شيء

وإذا أثبتت الدراسات أن تخفيض نسبة الحديد في الجسم يبعد أخطار الذبحة الصدرية فإن جهود العلماء في المستقبل ستتجه نحو هذا المجال. ومن الصعب تخفيض هذه النسبة عن طريق الغذاء، وذلك لأن الدوائر الصحية في دول العالم أقرت زيادة الحديد إلى الطحين والكورن فليكس وغيرهما من الأغذية، كما أن العديد من الأدوية يحتوي على مادة الحديد أيضا والجسم سيمتص الحديد من هذه المصادر. ولكن هناك وسيلة ربما تكون فاعلة هي: التبرع بالدم بين الحين والآخر، كما أن التمارين الرياضية تؤدي إلى حدوث تغييرات يقال إنها تعيق كيمياء التدمير التي يقوم بها الحديد في الجسم.

وهناك وسيلة أخرى يمكن أن تكون فاعلة هي "ربط" الحديد الحر. فالدراسات التي أجريت على الفئران والأرانب والكلاب أثبتت أن العقاقير التي "تربط" الحديد تساهم في تخفيف الأضرار التي تحدث من الذبحة الصدرية، وهذه الدراسات، إضافة إلى التجارب التي تجرى في المختبرات، دفعت العديد من الجهات في الولايات المتحدة إلى تمويل الأبحاث التي يجريها الدكتور سوليفان وغيره من الباحثين حول الدور الذي تلعبه الجزيئات شديدة الفاعلية في الذبحة الصدرية وأمراض القلب.

ويقول الدكتور جوماك كورد، وهو خبير في الجديرات الحرة في جامعة كولورادو: "نشأت وأنا أعتقد أنه لا يمكن أن أحصل على ما يحتاجه جسمي من الحديد مهما فعلت، وعندما مارست الطب كنت أنصح المرضى بأن يضمنوا وجباتهم الغذائية مواد تحتوي على الحديد، أما الآن فإن الأبحاث الجديدة جعلتني أدور حول نفسي دورة كاملة وأعيد النظر في كل شيء".

علي طاهر مجلة العربي اغسطس 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016