مختارات من:

منير بعلبكي وجهاد فاضل

المحرر

* نحن محتاجون لترجمة كل شيء لأنه ليس عندنا شيء
* بنيت الموسوعة على الكلمات الإنجليزية لاختلاف المصطلحات العربية
يعتبر الأستاذ منير بعلبكي من كبار المترجمين العرب في هذا القرن فقد ترجم إلى العربية ما يزيد على مائة كتاب لنفر من كبار علماء وأدباء الغرب. وقد كلل جهده في هذا الإطار بوضع معجم المورد (إنجليزي- عربي)، الذي طوره عدة مرات عن طريق إغنائه بالمواد العلمية والفنية وبمجموعة من أعلام الأشخاص والأماكن حتى بات مرجعا عربيا وأجنبيا في آن. وقد ساهم منير بعلبكي عن طريق عضويته في مجمع اللغة العربية بمصر في تعريب الكثير من المفردات والمصطلحات الأجنبية التي أخذت طريقها فيما بعد إلى التداول دون أن يعرف أحد اسم واضعها. وتشكل خبرته في مسألة الترجمة بابا مستقلا في ذاته، يمكن بواسطته تقديم أجل الخدمات لحركة الترجمة من وإلى العربية. ولكن منير بعلبكي ليس مجرد مترجم أو ناقل، فقد وضع كتبا كثيرة لعل جهاد فاضل أشهرها وأجزلها فائدة في آن موسوعة المورد التي صدرت في بيروت في السنوات الأخيرة عن دار العلم للملايين. وهي موسوعة عامة تنتظم شتى المعارف الإنسانية وتعتبر وسطا بين الموسوعات العلمية المعروفة، فلا هي بالموجزة حتى الإخلال، ولا هي بالمطولة حتى الإملال. وقد اقتضت من مؤلفها عشر سنوات حتى اكتملت في عشرة مجلدات كبيرة. يحاوره الكاتب والصحفي اللبناني جهاد فاضل الذي أجرى العديد من الحوارات مع أعلام الأدب والفكر في العالم العربي. في هذا الحوار مع العربي، يروي منير بعلبكي حكايته مع الترجمة من البداية عندما نقل لأول مرة كتاب المؤرخ الدكتور فيليب حتي إلى العربية: (العرب تاريخ موجز)، كما يتحدث عن العمل الموسوعي العربي في وضعه الراهن وآفاقه المستقبلية وصولا إلى السؤال المؤرق والمقلق:

* أين نحن من عصر التنوير؟.
- نشوء دار العلم للملايين في بيروت اقتضى مني أن أنصرف إلى الترجمة لكي أغذي منشورات الدار، فكنت كلما اطلعت على كتاب ذي شأن، حاولت أن أنشره إما مختصرا وإما كاملا، فكان من ذلك ذخيرة كبيرة في بادئ الأمر، إلى أن استقر رأيي على ألا أختصر بعد ذلك أي عمل من الأعمال التي أترجمها. فترجمت إلى العربية ما يزيد على مائة كتاب من كنوز الأدب العالمي من ديكنز إلى هيمنغواي إلى شتاينبك إلى كالدويل إلى فكتور هيغو "وقد ترجمت له ألفين وخمسمائة صفحة من القطع الكبير كاملة مع حواش وتعليقات وذلك بالاستعانة بالنسخة الإنجليزية المترجمة وبالأصل الفرنسي".

كانت هذه الفترة مفيدة جدا لأنها كانت تغذي القارئ العربي بروافد الفكر العالمي. ولم يقتصر الأمر على كنوز القصص والروايات، بل ترجمت كتبا كثيرة منها على سبيل المثال: تاريخ الشعوب الإسلامية لـ "كارل بروكلمان" بالتعاون مع الدكتور نبيه أمين فارس، ومنها كتاب رواد الفكر الاشتراكي للبروفسور البريطاني "كول "، وبعض الكتب الإسلامية ومنها كتاب عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم "لمولانا محمد علي ". وكانت هذه الفترة من أغنى الفترات في حياتي.

وكنت أعاني من الترجمة ما يعانيه كل مترجم في ذلك الحين لأن المراجع والمعاجم كانت قليلة ونادرة. لم يكن هناك إلا بضعة معاجم منها: معجم الجامعة (المطبعة الأمريكية) العتيق الصادر سنة 1910 أو قبل ذلك، ومعجم أنطون إلياس (القاموس العصري) ثم ظهر معجم مظهر (قاموس النهضة) وسواها وكنت أستعين بها وأستفيد منها استفادة كبيرة، علما بأنها كانت تلبي طلباتي حينا وتعجز عنها حينا آخر، لأن كثيراً من الأشياء التي كنت أمر بها خلال عملي لم تكن منصوصا عليها في هذه المعاجم.

من المصطلح إلى القاموس

* ماذا كنت تفعل إذن؟
- كنت أجتهد في وضع المصطلح للكلمة التي لا وجود لها في هذه المعاجم حتى إذا استقر رأيي على مصطلح معين أو صيغة معينة دونتها على هامش "العصري" أو "النهضة" أو على هامش أي من هذه المعاجم إلى أن اجتمع لدي على هذه الهوامش جمهرة من المصطلحات والكلمات الجديدة.

فجاء من قال من الإخوان لماذا لا تضع معجما يوفر على الناس بعض العناء أو كثيرا من العناء الذي عانيته أنت في عملك، فالناس يحتاجون إلى هذا. فاقتنعت بالأمر وبدأت العمل الذي انتهى بصدور قاموس المورد. وقد استغرق حوالي سبع سنوات كاملة قصدت به إلى أن أقدم للقارئ العربي أكبر كمية ممكنة من متن اللغة الإنجليزية، أي من الكلمات الأساسية في اللغة الإنجليزية، مضافا إليها المصطلحات التي لا يستغني عنها أي مشتغل في العلم، سواء أكان طبيبا أو مهندسا أو عالم فضاء أو مزارعا أو كيميائيا أو في أي فرع من فروع العلوم.

وقد نهجت في هذا القاموس نهجا جديدا تميز عن النهج الذي كان سائدا قبل صدوره، فجعلت نصب عيني أن أستقصي المعاني، بمعنى ألا أكتفي بمعنى أو معنيين أو ثلاثة للكلمة الواحدة، وإنما أحاول استقصاء جهدي وأكثر من الأمثلة على هذه المعاني، لأن ثمة أشياء بالإنجليزية مهما شرحتها بالعربية لا يمكن للقارئ أن يفهمها أو يفهم المراد منها إلا إذا أعطيته نموذجا أو مثلا بالإنجليزية، فعندها يزول لديه كل التباس وكل غموض. هذا فضلا عن حرصي على أن نضع وراء كل كلمة بالإنجليزية طريقة لفظها، وكان هذا شيئا جديدا في المعاجم.

* بعد صدور المعجم، كيف خطر ببالكم الانصراف إلى وضع موسوعة مستقلة عنه؟.
- بعد صدور المعجم ونجاحه بدا لي أن أوسعه فأضيف إليه مواد علمية لم تكن موجودة فيه لأني لم أكن عندما أصدرت المعجم مقتنعا بأن القارئ قد يتحمل كل هذه الضخامة. المعجم صدر بألف ومائة صفحة وأن نجعل من المعجم ألفا وخمسمائة صفحة أو أكثر، فقد يضيق القارئ ذرعا بهذا الحمل، ويصعب عليه شراؤه. تجاريا لم يكن بإمكاني أن أتوسع أكثر مما توسعت في "المورد"، فاقتصاري في "المورد" على ما ورد فيه، كان بدوافع عملية اقتصادية وبملاحقة من زميلي المرحوم بهيج عثمان الذي كان يقول لي: لا تطوله خوفا من عدم إقبال القارئ عليه.

ولكن ظل في ذهني هاجس يحدوني دائما إلى أن أكمل ما كنت أرغب في وضعه، ولكني لم أضمنه في المورد. وبدأت العمل فوجدت أن ما اجتمع لدي من هذا يكاد يصبح موردا جديدا. وقد ذكر لي المجلد الذي تعاونا معه منذ البدء في تجليد "المورد": إياك أن تزيد صفحة على "المورد" بعد الآن، لأني كنت أزيد كل سنة أشياء: مجموعة من الأمثلة الإنجليزية وما يقابلها عند العرب، زدت مرة مجموعة من الكلمات الإنجليزية ذات الأصل العربي. كنت كل سنة أحاول أن أضيف إلى أن ضاق الرجل ذرعا، فقال لي: "الماكينة" لم تعد تحمل " المورد".

فخطر ببالي أن أقوم بمشروع جديد رغم ضخامته هو موسوعة المورد، أضع فيها كل المعارف التي يتعين على المثقف العربي أن يلم بها دون الكلمات اللغوية المنصوص عليها في "المورد". نقينا الكلمات العادية اللغوية، القسم اللغوي من "المورد"، وأبقينا على ما يسمى المعارف والمفاهيم العلمية التي تشتمل عليها دوائر المعارف في العالم.

وبدأت في العمل. بنيت "موسوعة المورد" على الكلمة الإنجليزية لثقتي بأن الكلمة الإنجليزيـة يعرفها الطالب ويعرفها المشتغل بالعلم، بينما لو بنيتها على الأبجدية العربية، فقد تكون هناك مصطلحات من وضع المجمع أو من وضع المشتغلين في مختلف هذه العلوم المتخصصة، لا يحيط بها القارئ. أعطيك مثلا: كلمة Metabolism وهي عملية في علم الأحياء تعني: بناء، الجسم وكيف يتمثل الأكل ويصبح جزءا من بناء الجسم. المجمع كان وضع لها كلمتين: الأيض والاستقلاب. لو أردت أنا أن أبني موسوعتي على الحرف العربي لكنت ذكرت "الأيض" بحرف الألف و"الاستقلاب" أيضا بحرف الألف، وشرحت بالعربية. الكلمة الإنجليزية بالإنجليزية والشروح في الموسوعة هي بالعربية. أحيانا يأتي الشرح في صفحة أو صفحة ونصف، أحيانا في عمود، أحيانا أخرى في نصف عمود أحيانا في أربعة أسطر: مدينة، عاصمة، اسم علم مغمور وإذا كان اسما عربيا فأتوسع فيه.

لماذا لجأت إلى هذه الطريقة؟ القارئ الذي يسمع بعد بكلمة "أيض" كيف سيفتح على كلمة "أيض "؟ أنت تبحث عن أمر سمعته، أو عن أمر مر بك. كيف ستفتح على كلمة "أيض"، وأنت لم ترها في أي مرجع ولم تسمعها من أحد؟ في حين أن كلمة Metabolism ستمر مع هذا القارئ يوميا في كتاب البيولوجيا. وهكذا..

إنما ظل في ذهني هاجس نصصت عليه في مقدمة الموسوعة هو أنني سأحاول إن أمد الله في العمر، وكان في العمر فسحة، أن أعرب الموسوعة، أي أن أقلبها فأجعلها عربية عربية، فتأتي كلمة "ميتـابوليزم" في "الأيض " وفي "الاستقلاب " وقد وفقنا الله إلى إصدار هذه الموسوعة فكانت موسوعة المورد العربية في مجلدين.

العمل المعجمي العربي

* ما الذي حققنا برأيكم على صعيد العمل المعجمي العربي وما الذي يتعين علينا أن نحققه؟
- العمل المعجمي العربي اليوم يكاد يكون- مع احترامنا لكثير من المشتغلين به- وقفا على مجمع اللغة العربية بالقاهرة. هذا المجمع هو الذي ينهض بعبء استدراك النقص الموجود في العربية لجهة المصطلحات العلمية. المجمع تضع لجانه في كل سنة مجموعة مصطلحات في كل علم من العلوم، الأمر الذي أدى إلى أن يصبح لدى المجمع ذخيرة غنية لا تقدر بثمن.

المجمع له خبراء في مختلف العلوم ولجانه تعمل طوال العام بمقدار ما تستطيع. أحيانا تنجز أربعمائة مصطلح وأحيانا أخرى أكثر أو أقل، حسب الصعوبة والسهولة. وتضع تقريرا بما وضعته وتقدمه إلى المجمع لكي يعاد بحثه ودراسته في مؤتمر المجمع الذي يستمر أسبوعين في شهري فبراير. ومارس من كل عام.

هذه المصطلحات التي يقترحها خبراء المجمع تعرض على أعضاء المجمع، على أعضائه الرئيسيين، فيناقشونها ويقرون ما يقرون، ويعدلون ما يرونه محتاجا إلى تعديل.

وهكذا أصبح لدى المجمع في الواقع مجموعة كبيرة من المعاجم بعضها اكتمل وبعضها لم يكتمل. المجمع أصدر معجما كاملا اسمه معجم الجيولوجيا، وأصدر معجما آخر اسمه معجم الجغرافيا.

أما العلوم الأخرى التي لم تكتمل بعد فهي تصدر تباعا الواحد تلو الآخر. مثلا: المعجم الطبي، صدر منه حتى الآن جزءان، ولكن المصطلحات الطبية لم تنته بعد. كل سنة يحضرون خمسمائة مصطلح تقريبا وبعد سنوات قلائل سيكون لنا معجم طبي معتمد من قبل المجمع. وكلمة المجمع والحمد لله موضع التقدير والاحترام، أما ما كان يشاع عن المجمع من انغلاق فكري وتحجر فهذا غير صحيح. نحن في جلسات المجمع نقترح كلمات عربية فيقول الرئيس: "لا، فلنستعمل الكلمة الإنجليزية، فلنعربها". ثمة انفتاح لم يكن حاصلا في السابق. فالمجمع ينهض في الواقع بهذا العبء، ويقدم ذخيرة لكل المشتغلين بالعلوم، سواء كانوا مؤلفين أو أساتذة أو واضعي معاجم.

نحن وعصر الترجمة

* هل انتهى عصر الترجمة، سؤال يدور في الذهن العام لا انطلاقا من استكمالنا لحاجتنا إلى الترجمة بل شعورا من الناس بأن حركة الترجمة من الأجنبية إلى العربية قد توقفت عمليا؟
- قد يكون عصر الترجمة انتهى عندنا عمليا بمعنى أنه لم يعد هناك زخم في النتاج المترجم، ولكن هذا لا يعني أننا أصبحنا في غنى عن الترجمة. نحن لا نزال في حاجة ماسة إلى الترجمة في مختلف العلوم والفنون. وأنا أعتقد أنه لن يستقيم لنا أمر الترجمة إلا إذا قامت مؤسسة عربية مركزية مدعومة مثلا من جامعة الدول العربية تضع مناهج للترجمة لأن الترجمة الآن- كما كانت في عهدنا- ترجمة عشوائية. أترجم كتابا ثم أكتشف أن سواي يترجمه في الوقت نفسه، فتصدر ترجمتان لكتاب واحد وهذا هدر للوقت وللجهد.

على هذه المؤسسة العربية المركزية للترجمة أن تضع كشفا بالكتب التي ينبغي على الطالب والمثقف أن يعرفها، بكل أمهات الكتب الأدبية في العالم. ما هي أهم عشرين كتابا عند اليونان، عند الرومان، عند الفرس، عند البريطانيين، عند الصينيين، عند الروس، تقوم هذه المؤسسة بكشف، إحصاء، وتضع خطة لترجمة هذه الأعمال.

في الفيزياء. ما هي أمهات الكتب الفيزيائية التي لا يجوز أن يستغني عنها مثقف عربي. توضع أيضا بيانات فيها، ويعهد بنقلها إلى لجان مختصة يدفع لها ويسخى بالدفع.

بهذا وحده تصبح عندنا مكتبة عربية كاملة. مكتبتنا العربية تنقصها أشياء كثيرة في التأليف، وهذا أمر طبيعي، وتنقصها أشياء كثيرة في الترجمة.

* وإلام نرد هذا التراجع في حركة الترجمة؟ هناك من يردها إلى ضآلة أجور المترجمين، وهناك من يردها إلى عدم وجود مدارس ألسن ولغات وما إلى ذلك. كيف نعيد الحياة إلى حركة الترجمة؟
- أن ندخلها أولا في مناهج التعليم. مثلا هناك في كليات الجامعة كلية الآداب. لماذا لا يكون هناك "كورس" أو أكثر من "كورس" متعلق بالترجمة، أو أن يكون هناك معهد خاص بالترجمة وتخريج المترجمين بصورة خاصة، إذا وضعنا هذا الكشف، أو هذا الجرد، على الأصح. نقوم بجرد للتراث العالمي في الأدب، في الفن، في الفيزياء، في الطب، في الفلسفة، في التاريخ، في الاقتصاد. هؤلاء الخريجون يمكن توزيعهم على فروع وحقول المعرفة المختلفة، كل يعمل وبإرشاد من هيئة عليا تسخو في الدفع، وتطبعها أيضا عند الحاجة على حسابها.

* وهل تدخل الترجمة في باب الأعمال الإبداعية؟
- أنا عندما كنت أترجم كنت أعتبر الترجمة من أهم الأعمال، وكنت أعتز أيما اعتزاز عندما أنجز ترجمة كتاب. ولا تتصور كم كنت أعتز عندما كانت تصلني رسائل من أقطار عربية مختلفة: من المغرب، من الجزائر، من السعودية، من الخليج، يقول لي فيها أصحابها إنني أزودهم بما لا يستطيعون أن يطلعوا عليه باللغات الأجنبية. وكنت أكثر ما أنقله إلى العربية هو عن اللغة الإنجليزية.

الطالب العربي والمثقف العربي محتاج إلى أن يطلع على كل هذه الأمور. وقد كانت طريقتي في الترجمة أن أترجم بالحرف الواحد، لا بمعنى الترجمة الحرفية كما يسمونها، بل بمعنى ترجمة العمل كما هو، فلا ابتسار ولا اختصار.

المترجم بين الأمانة والتحريف

* وكيف تصف طريقتك في الترجمة؟ ثمة طرائق شتى في الترجمة: الترجمة بتصرف، بأمانة، الترجمة الحرفية.
- الترجمة بتصرف لا أوافق عليها أبدا وقد ولى زمانها. ربما كان لها مبررات في وقت من الأوقات: كان المنفلوطي مثلا لا يعرف الفرنسية، فكان هناك من يلخص له القصة ويصوغها هو بالعربية، يتصرف كما يشاء.

والترجمة الحرفية كذلك أنا لست من الداعين إليها لأن لكل لغة منطقها البياني.

كانت طريقتي في الترجمة هي أن أقرأ العمل في أول الأمر كاملا، أحاول أن أستشف روحه وأتشبع من روحه حتى إذا انتهيت من هذه المرحلة بدأت في العمل، أقرأ الفقرة وليس الجملة. أقرأ الفقرة، أحيط بمعناها كاملا ثم أبدأ بالترجمة التي تؤدي المعنى كاملا دون التقيد بالحرفية التي يتقيد بها بعضهم عند الترجمة، لأن البيان العربي مختلف تمام الاختلاف عن البيان الفرنسي أو البيان الإنجليزي.

ورأس الحكمة في النجاح في الترجمة هو الأمانة.

والترجمة تقتضي شرطين: فهمك للغة الأجنبية التي أنت تنقل عنها، وتمكنك من العربية وأسرار العربية.

ليس كل من فهم الإنجليزية يستطيع أن يترجم، وليس كل من أتقن العربية، أو تخرج من الأزهر، يستطيع أن يترجم. الأمر يحتاج إلى ثقافة مزدوجة: ثقافة باللغتين العربية أولا وبالأجنبية ثانيا.

* وهل تعتقد أن الترجمة هي ترجمة أساليب أيضا؟
- على المترجم أن ينقل الروح، عليك أن تنقل روح الأثر. مثلا: قصة مدينتين لتشـارلز ديكنز، أنا ترجمت هذه القصة، وترجمتها بلغة تتلاءم مع لغة ديكنز، فكنت أتقصد الجزالة في الترجمة. أما عندما كنت أترجم همنغواي فكنت أتقصد البساطة لأن همنغواي كاتب صحفي انقلب فيما بعد إلى كاتب روائي، وهو يكتب الرواية لعصرنا ولأهل عصرنا، ومعظم كلماته من الكلمات العامية، يضع لك كلمات دارجة في أمريكا لا تجدها في المعجم أحيانا.

الترجمة وعصر النهضة

* هل هناك صلة بين الترجمة وعصور النهضة؟ الملاحظ أن كل نهضة تبدأ بالترجمة أو تصاحبها ترجمة؟
- ما تقوله حول أن كل عصر نهضة يبدأ بالترجمة هو صحيح تاريخيا، بدليل أن نهضة العرب في العصر العباسي بدأت أول ما بدأت بتعريب العلوم الهندية واليونانية بشكل خاص.

تبدأ النهضات عند الأمم بالترجمة ونحن اليوم في منبلج هذه النهضة التي نعيشها مضطرون لأن نترجم. أما ماذا نترجم، ففي اعتقادي أننا محتاجون لترجمة كل شيء لأنه ليست عندنا شيء ليس لدينا شيء وكل الترجمات التي صارت، باستثناء قلة قليلة قام بها نفر معروفون، مشهود لهم بالأمانة العلمية والخبرة، كلها لا تغني ولا تسمن ولا تؤدي المراد من عمل الترجمة. بعضها محرف، بعضها مختصر، بعضها مليء بالأخطاء. ويكفي أن أقول لك إن عمل الترجمة في الدنيا العربية كلها هو عمل فوضوي. لماذا؟ لأنه لا توجد منهجية في العمل، ولا كفاءات. لا تخضع الترجمة اليوم إلا لمزاج المترجم ومزاج الناشر. طبعا كثر خيرهم. كثر خيره الناشر الذي يفكر في ترجمة كتاب ونشر كتاب لأنه يؤدي خدمة، وكثر خيره المترجم الذي يتفق أن يعجب بكتاب. وهذه قصتي أنا مع الترجمة.

عندما ترجمت الكتب التي ترجمتها لم أترجمها إلا لأنني أعجبت بها. معنى ذلك أن عملنا في الترجمة مرتبط حتى الآن بمزاج: مزاج المترجم ومزاج الناشر. الناشر إذا أعجبه الكتاب المترجم ينشره، وإن لم يعجبه، أو خاف منه؟ لا ينشره.

* وإلام نحن محتاجون في هذا القطاع بالذات؟
- نحن محتاجون، وبذلك نقرر حقيقة، إلى ترجمة حقيقية. ليس لدينا شيء حتى الآن اسمه ترجمة. إذا أخذت مثلا "إبريمانز لايبرري" في إنجلترا، تجد فيها مثلا ألف كتاب أو ألفين. تجد في هذه المكتبة كل التراث العالمي مترجما إلى اللغة الإنجليزية بكامله، وبمسئولية: من الأوديسة إلى الإلياذة، إلى الشهنامة، إلى المهابراتا، إلى سواها من أمهات الآثار العالمية. في الفكر السياسي يأخذون مثلا أفلاطون، الأمير لمكيافيللي، وهكذا. كل شيء مبرمج. الناشرون ليس لديهم هذه القدرة أو هذه الكفاءة، إنها مهمة ينبغي أن تقوم بها مؤسسات علمية وقومية في آن.

إذن يجب أن نقرر حقيقة راهنة وهي أنه ليس لدينا مكتبة ترجمة أولا. ينقصنا إذن كل شيء. إذا كان السؤال: ماذا يجب أن نترجم، فالجواب هو أننا يجب أن نترجم كل شيء. وكيف نترجم؟ بطريقة. نظامية. لا يجوز أن تظل العملية فوضى. يجب أن توضع مناهج. من يضع هذه المناهج؟ مجموعة ناشرين؟ لا مانع. مجموعة دول؟ دولة؟ مجمع علمي؟ هيئات ثقافية؟ المهم أن يكون هناك عمل مبرمج وألا يكون هناك تضارب بين الجهات إذا تعددت. ألا يكون هنا في بيروت ترجمة لديكنز وفي مصر تكون الترجمة نفسها تتم في وقت واحد. إذا نحن أخذنا مثلا جانب الأدب الإنجليزي لتغطيته، فليأخذ الآخرون جانب الأدب الألماني، أو الفرنسي، وهكذا.

التأليف أسهل

* وأيهما أصعب: الترجمة أم التأليف؟
- أنا عانيت الترجمة وعانيت التأليف. موسوعة المورد مؤلفة، ولكنها أسهل بكثير من الترجمات التي ترجمتها. لماذا؟ لأنه أمامك خمسة أو ستة مراجع. أنت تؤلف كتابا في علم النفس، كتابا في التاريخ. أمامك كل المراجع، كل الحقائق تأخذ منها ما تشاء وتغفل ما تشاء. أنت أشبه شيء براكب السيارة السائر في شارع عريض. تأخذ يمينك، تأخذ شمالك، تتوقف، تبدل. أما في الترجمة فأنت كسائق "الترام" أمامك خط معين لا تستطيع أن تحيد عنه، إذا حدت عنه وقعت في الخطأ.

وطبعا يجب أن يكون هناك تخصص في الترجمة، فمترجم الفلسفة لا يجوز له أن يترجم كتابا في الكيمياء، هذا إذا كان ذلك بالإمكان، لأننا لم نصل بعد إلى هذه المرحلة المتقدمة.

نحن وعصر التنوير

* أخيرا أستاذ منير: أين نحن من عصر التنوير؟
- الواقع أن التنوير لفظ استخدم أول ما استخدم في العصر السابق للثورة الفرنسية، أي في الخمسين سنة أو الستين سنة التي سبقت الثورة لفرنسية، عصر دائرة المعارف الموسوعية: مونتسكيو، جان جاك روسو، بوالو وسواهما ممن عملوا لإصدار الموسوعة الفرنسية. ومن هناك بدا عصر التنوير في العالم.

أما عصرنا "التنويري" نحن، فأنا لا أوافق على أنه هو عصر طه حسين ورفقائه. لقد بدأ هذا العصر التنويري مع رفاعة رافع الطهطاوي الذي وضع أول لبنة في التواصل الفكري بين العربية واللغات الأجنبية. والبعثات التي أرسلها محمد علي باشا إلى أوربا، كانت بداية التنوير. قد يكون طه حسين والعقاد ورفقاؤهما قمة التنوير، ولكنهم لم يكونوا البداية، ولن يكونوا النهاية. فنحن قد لا نرى الآن الآثار التي يمكن أن ندرجها تحت باب التنوير، ولكن الأيام سوف تكشف أنها كانت عوامل أساسية في التنوير.

المحرر مجلة العربي اغسطس 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016