مختارات من:

نُعوا وهم بَعدُ في الحياة

وديع فلسطين

الموت حقيقة كونية كبرى، ولعلها الحقيقة التي لا يكابر أحد في حتميّتها، ولها من المواقيت ما تقرّره الأقدار، والناس إزاءها صاغرون.
وإذا كان في الصحافة ما يعرف بالسبق الصحفي، أي أن يفلح صحفي في نشر خبر قبل وقوعه، أو يكون هو السابق على نشره قبل سواه، فإن مبدأ السبق الصحفي عند النعي هو كبيرة من الكبائر لو علم المروّجون له.

من الذين كانوا ضحايا للنعي السابق لأوانه الشاعرة نازك الملائكة، والشاعر المهجري جورج صيدح، والشاعر المهجري زكي قنصل، والأديب أحمد حسن الزيات صاحب مجلة «الرسالة» والأديب الدكتور محمد رجب البيومي.

ومع أن الشاعرة نازك الملائكة لم تصافح الموت إلا عام 2007، فقد روّج النعاة خبر وفاتها عام 1992، وتورّط البعض في رثائها، ومنهم أستاذها السابق في دار المعلمين العليا الدكتور بدوي أحمد طبانة، ومنهم الشاعر كمال نشأت. ولأنني شككت في الأمر ولم أكن مبتوت الصلة بأدباء العراق، فقد استوثقت منهم بأن هذا النبأ كاذب، وأفلحت في نشر التكذيب في صحفنا المصرية. كما أن زميلها في دار المعلمين العليا الأديب التونسي أبو القاسم محمد كرّو تشكك بدوره في وفاتها وكتب مقالاً في الصحف التونسية عنوانه «هل غابت عنّا نازك الملائكة؟»، وبمجرد أن تحقق منّي من كذب النعاة، بادر إلى نشر البشرى في الصحف التونسية، وهو ما سجله في كتابه الجديد «نازك الملائكة - من الذكريات والصور».

ولأن نازك كانت ومازالت في العراق في ذلك الوقت، فلم يتسنّ لي أن أعرف حقيقة مشاعرها وهي تقرأ نبأ كاذبًا ينعاها أو وهي تقرأ مرثيات منصفة وإن تكن جاءت في غير موعدها.

ومن الذين نعوا وهم أحياء الشاعر المهجري جورج صيدح الذي نظم قصيدة طويلة بعنوان «يا نعاتي» نشرها في مجلة «المواهب» التي كانت تصدر في المهجر، ولأن القصيدة تحتمل الاجتزاء، فقد اخترت منها المقاطع التالية:


مَنْ مُجيري من النعاة
رُسُل الموت في الحياة

سابقوا ربّهم على
أجلٍ في الكتاب آت

موعدٌ فيه يستوي
ذو لجاج بذي أناةٍ

يالها من رواية
شُؤمها حاق بالرواة

سيرّوها وطيّروها
شُعاعًا إلى الجهات

والردى سائر إلى
حيث لا ينتهي الحداة

قد يُريني رفاتهم
لا أراني لهم رفات

يا نعاتي أخذتم لي
ثأرًا من الحياة

فرثاني عواذلي
وبكوني مع البكاة

يا نعاتي أنصفتموني
وجُرْتم على العداة

عظّم الله أجركم
ووقاكم أَذَى النعاة


وكان صيدح قد وجّه هذه القصيدة إلى صديقه الشاعر اللبناني إلياس خليل زخريا الذي عارضها بقوله:


قد نعوني ولم أمتْ
أنا مازلتُ في الحياةِ

لي خطوٌ على العشيّ
ورفٌ على الغداةِ

أزرعُ الوردَ في الدروبِ
ولا أتّقي الجناةَ

يا نعيي عجلت، مهل،
ولطف بنا البكاة

سوف أبقي لك الترابَ
وأبقي لك الرفات

من يغنّي بعدي الذرى
من يُرجِّي بعدي الأُباة

مَن يسوق الطيوف في
أصغريه سوق الحداة

ويبثّ الحسن بعدي
شعاعًا في الكائنات

لي عمر غضٌّ التمني
ووديع سمح الصفات

لي كؤوس من الردى
وكؤوس من النجاة

لي ليالٍ من الرؤى
وأغانٍ من الصلاة

قلت للموت خذ ثيابي
ولا تلـمس الدواة

في جراحي ماء الوجود
وفي أحرفي النواة.


ثم إن الشاعر المهجري زكي قنصل لم ينج من أراجيف النعاة فخاطبهم بقوله:


أنا لم أمت، لكنني سأموت
فلماذا يستبق الردى عكروت؟!

وعندما توفي قنصل عام 1994 تم إحراق جثمانه إنفاذًا لوصيته.

وفي عام 1963 كنت أمثل في القاهرة مجلة «قافلة الزيت» السعودية، وكنت بهذه الصفة أتلقى أسبوعيًا مجموعة من الصحف والمجلات الصادرة في المملكة العربية السعودية.

وبينما كنت أقلّب في الأعداد التي وصلتني، استوقفت نظري مقالات وقصائد مجللة بالسواد ترثي أحمد حسن الزيات صاحب مجلة «الرسالة»، وكان وراء هذه المرثيات الأديب السعودي عبدالله بن خميس، وعجبت كيف سرت هذه الشائعة مع أن الزيات مازال حيًا يرزق، ولأن مكتب الزيات عندالإصدار الثاني لمجلة «الرسالة» كان قريبًا من مكتبي، فبادرت لإرسال هذه المناعي والمراثي إليه بلا تعليق، حيث استقبلها - كما أخبرني - بدهشة لم تخلُ من شبه سعادة لأنه قرأ في حياته كل هذا التقدير التلقائي الجميل.

وعندما هاتفني متسائلاً عن كيفية تكذيب هذا الخبر السابق لأوانه، نصحته بأن يُبرق إلى الصحف السعودية أولاً، ثم ينشر تكذيبًا له في الصحف المصرية، وهو ما حدث فعلاً.

وتعرّض زميلنا الدكتور محمد رجب البيومي لتجربة مماثلة، إذ حدث عام 2006 أن توفي المجمعي الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، وتوهم النعاة في السعودية بأن الراحل هو الدكتور محمد رجب البيومي الذي عمل سنوات في السعودية وارتبط بصداقات عميقة مع كثير من أدبائها. فتوهمت الصحف هناك أن الراحل هو البيومي لا الفيومي، ونشرت أخبارًا موسّعة عن وفاته، وتورط الأديب عبدالفتاح أبو مدين في رثائه. وعندما توافرت تحت يدي مجموعة من هذه المناعي والمراثي بعثت بها إلى البيومي في المنصورة وقام بدوره بالاتصال بمن يعرف هناك لتكذيب الخبر. أما الخبر الصحيح، فهو أن البيومي توفي في 5 فبراير 2010.

أما الشاعر محمود أبو الوفا، فقد أراد أن يسبق النعاة فنظم قصيدة عنوانها «رثاء نفسي» نعى فيها حظوظه من الدنيا وما عاناه فيها من قسوة الحياة ولم يرحم والديه من غضبه، جاء فيها:


في ذمة الله نفس ذات آمال
وفي سبيل العلا هذا الدم الغالي

بذلته، لم أذق في الدهر واحدةً
من الهناء ولا من راحة البال

كأنني فكرة في غير بيئتها
بدت، فلم تلق فيها أي إقبال

أو أنني جئت هذا الكون عن غلظٍ
فضاق بي رحبُه المأهولُ والخالي

أبي، وفي النار مثوى كل والدةٍِ
ووالدٍ أنجبا للبؤس أمثالي

خلقتني فوضعت الحبل في عنقي
تشدّه كفٌّ دهرٍ جدّ ختّال

ما كان ضرُّكَ لو من غير صاحبةٍ
قضيت عمرك شأن الزاهد السالي؟

أما الشاعر عزيز فهمي، فقد تنبأ بموته في قصيدة عن قارئ الكف خاطبه فيها بقوله:


يا قارئ الكف، ماذا خبأ القدر؟
وما عليك إذا لم يصدق الخبر؟

ثم عدّد أسباب المنايا إلى أن وصل إلى قوله:

أو أن في مسبح الحيتان مُنقلبي
يوم الرحيل إذا نادانيَ القدر

وكان الشاعر عزيز فهمي يعمل بالمحاماة، واقتضاه توكيل من أحد عملائه أن يسافر إلى بني سويف ليترافع في محكمتها دفاعًا عنه، ولما توجّه إلى محطة القاهرة لركوب القطار، وصل متأخرًا فلم يلحق به. واستقل سيارة أجرة وطلب من السائق أن يحاول اللحاق بالقطار في المحطة التالية وهي الجيزة، ولكن القطار كان أسرع. فأمر السائق بأن يسير بأقصى سرعة عساه يلحق بالقطار في المحطة التالية، ولكن عجلة القيادة أفلتت منه، فانحرف إلى ترعة تقع على يمين طريق الصعيد وغاص في مياهها. وإذا كان السائق قد أفلح في النجاة، فإن الشاعر عزيز فهمي «انقلب في مسبح الحيتان عندما ناداه القدر» تمامًا كما تنبأ في قصيدته.

وديع فلسطين مجلة العربي سبتمبر 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016