مختارات من:

قصص على الهواء

داليا سعودي

قصص لأصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية
لماذا اخترت هذه القصص؟

-------------------------------------------


مما تجدر الإشارة إليه، أن أجواء الربيع العربي تطغى على الكثير من مواضيع القصص المقدمة للمسابقة، ولكنها تتفاوت في معالجة هذا الموضوع من قصة إلى أخرى، فالكثير منها يسقط في فخ الخاطرة والتعبير الوجداني المباشر، حيث تختفي فنية القصة ويطغى كل ماهو وجداني وتأثري وانطباعي. وبعد الفحص والقراءات المتعددة توصلت إلى النتيجة التالية:

* المركز الأول: قصة (بقايا مدينة) أنور محمد السراجي اليمن.
تنحو القصة منحى رمزيا في إطارها العام، كما أنها تمتاز من حيث المعالجة بدقة الوصف وبالنقلات السردية التي تنم عن خبرة في الكتابة السردية وفهم لجنس القصة القصيرة، فالقصة تعبر بهدوء على الورق وتنتهي بقفلة تنم عن دهشة خفية ومحاولة لعقد مقارنة بين اختلالات الطبيعة وإرهاصات الواقع البشري الدامي.

* المركز الثاني: قصة (من خلف الثريا) إيناس يونس محمد مقيمة بالسعودية.
تمتاز القصة بتتابع الفكرة وسلاستها، إلى جانب قوة في اللغة، كما تمتاز القصة بعنصر الخيال، وهو أحد العناصر الضرورية في القصة.

* المركز الثالث: (التوت المحروق) إيهاب رضوان السيد - جمهورية مصر العربية.
القصة تمتاز بحركية واضحة، كما أن مناخ التعامل مع الحدث ينم عن خبرة ووعي بعناصر القصة، حيث تزخر القصة بتفاصيل دقيقة عن جانب من الحياة الهامشية للبسطاء، كما أن استخدام الحوار كان موفقا في القصة ووجوده كان محركا ضروريا لأجوائها، والحوار عنصر أساسي في القصة القصيرة بشكل عام، وبسببه تم توزيع مساحات هذه القصة على أكثر من رقعة، مما ميزها بالحركة والانطلاق والتحرر.

* المركز الرابع: قصة (خيمتي) حارث علي الصمدي من اليمن.
عنصر الخيال كان الدعامة الأساسية لهذه القصة، وقد اعتمدت القصة على المونولوج الداخلي ولكن اعتراها بطء شديد في الوصف لا يخلو من حشو.

* المركز الخامس: (نسوة ومواقف) - لحسن ملواني - المغرب.
تم استخدام تقنية جديدة في هذه القصة وهي تقنية اللعب بموضوع واحد وتقسيم جسده - أي جسد الموضوع إلى عدة مقاطع ، فالهيكل العام جديد وينم عن مغامرة ولكن المضمون تنقصه الخبرة، حين لم يوفق الكاتب في إبراز روح المفارقة والتي هي من سمات هذا النوع من القصص التي تحمل هذا النوع من الأشكال.


----------------------------
بقايا مدينة
أنور محمد السراجي - اليمن


ترتفع أخرى وتحط ثانية بحركة ديناميكية تكاد تُقرأ سرعتها على شاشة رسمت قطرات المطر المتطايرة منحنى مداها في خطوات متداركة وحثيثة وكأنها تسابق بعضها في مهمة البحث عن المصير....

هكذا انطلقتُ أُسابق الشارع الأسود بعيدا عن خطوطه الصفراء التي تجمهرت على جانبي الخط حيث تبدو الصورة مشوشة بتتابعات قطرات المطر التي تتراشق من أعلى في انسجام مع مثيلاتها التي تلهث خلفي وكأني هارب من المطر وإلى المطر غير أن مهمتي تكاد تكون بصورة أخرى وتفاصيل أقرب إلى الجو الصحو منها الى المشمس.

استمرت المباني في التلويح نحوي على عجل وأنا أجد الخطى بعزيمة أكبر وإصرار مُستبد بروح الضمير, معركة الطبيعة تبدو مفهومة غير أن معارك أخرى كثيرة تجر خلفها علامة استفهام وشهادة إزهاق لمولد الإنسانية وشيخوخة الضمير على أكف جلاد أدمن أعماله المترعة بالظلم وجلد الآخر كهواية تجري فيه مجاري الدم كحالة إدمان مستعصية على أطباء الإنسانية ومحاكمها التي تقبع في قبو القوة على استحياء من إنصاف اصحاب الحق والحقوق.

نعم...

استفاقت للتو نوبة الأفكار الشاردة وبدت اطلال المعركة القائمة بالانحلال خلال الضباب الصناعي الذي طوته اصابعي بعناء غير آبهة بتلك الرصاصات التي تخترق جسدي مثل قطرات المطر التي تستتب في بحر رحب وواسع لمثل تلك الرصاصات التي يقف في وجهها جسدي وتذوب بعد الاختراق كمخلفات وقمامة ارميها خلفي لتخلد مزبلة من يطلقها في وجه وروح وجسد أتى لإنقاذ آخر طفلة وعجوز وحمامة ذات جناح نبتت في مكانه وردة كآخر ما تبقى في تلك المدينة من ذكرى الحياة وأهلها ومحيطها....

آثار الدخان والبارود ونقش أصابع الدبابات الخشنة ونشيد استغاثات الاطفال المتوزعين في أشلاء متداخلة بين ركام المدينة من الحي والصلب والدم والماء والهواء المستباح بكيمياء الجبروت والقوة.

بدت آخر المباني المتبقية كأنها تنحني على أحد أعمدتها المكسورة تماما كتلك العجوز التي تستند إلى عصاها لكنها لا تقوى على الحراك في محاولة منها لسحب تلك الطفلة عن نصف الجسد لأمها المذبوحة وهي تصيح أمي أمي, بينما تكاد الحمامة أن تواسيها بوردة ولدت عوضا عن جناحها المغدور في خضم المعركة من أجل الحق, هيا يابنيتي قبل أن تسقط علينا بقية العمارة هيا. تصيح بتقطع تلك العجوز قبل ان يتهلل وجهها المشقق بتلك الجروح وترى طلتي للتأكد أنني جئت كي أساعدهم لنشق طريقا في ضواحي تلك المدينة التي تحمل تاريخا مترعا بشيء من هذا أو ذاك.



----------------------------
من خلف الثريا
إيناس يونس محمد مقيمة بالسعودية


على أعلى ارتفاع لمدينتي اجلس... أتأمل منظر مدينتي الصغيرة...

ليس لمدينتي سر يذكر... غير ذكرياتي التي خبأتها فيها.. وجوه الناس المتشابهة تشعرني بالحنين إلى ماضيها... ابتهالات المصلين.. أبواق السيارات.. صراخ المارة.. والمسابح الملونة المتدلاة من دكاكينها.... جميعها تشدني إليك...

... مضت السنون ولازال وجهك يطل من خلف الثريا.... تحيطه وجوه تشبهك... طيفك فيني وفي المدينة لايزل... أراه في وجه ألف طفل...... يسكن الواحات... الجبال والأنهار..... فطيفك نبضٌ لكل مدينتي...

همست للنخلة. بجانبي.."من الأرض إلى السماء.... هي الرحلة..".... رحلتنا ورحلتك ياصديقي...

انظر للسماء.. لوجهك البريء الملائكي من خلف الثريا... اشتاق إليك.... إلى لعبنا قفز الحبل.. افتراشنا الأرض مساءاً نعد النجوم.. نثرثر خرافات حول القمر... جلوسنا أمام السيد قاسم. ذو البطن الكبيرة كما يحلو لنا ان نسميه بعيون لامعة ترتجي ما سيعطيها من القليل من المال مقابل مابعناه من المسابح .., فنطير فرحًا كأننا ملكنا العالم.. لنشتري القليل من الحلوى مدخرين الباقي للغد....

اشتاق إليك...... اشتاق صوتك ياصهيب... صوتك المعزوف على نغمات ارتطام المسابح ببعضها في يديك.. اشتاق للدمع في عينيك إذ لم تبع شيئا.. اشتاق لخوفك من عقاب ذو البطن الكبيرة.... اشتاق كم اشتاق

لازلت تزورني من خلف الثريا....صار عندك أجنحه كأجنحة الملائكة طرت بها بعيدا عن عيون البشر...كم قلتُ سأحمي عيون الصغار..وازرعُ نخلا لتعلق فيه الأماني.. أماني الصغار فقط واحفر بئرا لأروي به النخيل...

الحنين يردني إليك.. وليلة الأمس.... كأنني رأيتك بيننا.....

بالأمس ياصهيب.. جلست في مقهى المدينة أتأمل حركة السيارات والمارة.. أمامي فنجان قهوتي لم احتسي منه سوى رشفات قليله... أتأرجح بين الماضي والمستقبل.. خبأت رأسي بين يدي لأرحل مع الشرود اللا منتهي.. حتى قطعني صوت رهيب..

صوت سيارة....... ثم صراخ... تجمهر الناس.. خرج الكثير من المقهى...خرجت معهم... لأسمع كلمات متقاطعة غاصت في ذاكرتي " طفل.... مات.... يبيع في الطريق... حادث..."

تخطيت الزحام.. أدوس بقدمي أزهارا تناثرت في الطريق.. رحت ألملمها.. امسح أوراقها حتى وصلت إلى الجسد الممدد في الطريق.. عمره عشرة أعوام.. مثلك تماما يا صهيب....... وجهه صُبغ بالأحمر القاني مثلك تماما يا صهيب..... اقتربت منه أكثر... جلست إلى جانبه...أمسكت يده... هززته..... ولم يجب.. هززته ولم يجب....... نثرت ما لممتُ من الأزهار على جسده .. رفعت رأسه.. ووضعت خدي على خده وبكيت............

بكيت ألما..... بكيت شوقا إليك... وصرخت لما لم تحموه؟.... لما لم تحموصهيب؟..... اطفأو الشموع ولتحترق كل الضمائر فاليوم قد مات صهيب.... اليوم قد مات صهيب...

قبلته على الجبين ليحملوه بعيدا عني... بعيدا بعيدا

لمحت صبيا يقف متأملا مذهولا لما يحدث....

اتجهت نحوه.. حملته وركضت.. ركضت مسرعا حتى أنهكتني قدماي.. وجلست على نفس هذه الصخرة... احتضنته بشده وهمست في أذنه..." لا تكن مثل صهيب.... إن نجوت كما نجوت انا زمانا.. فلربما تهلك غدا كما هلك اليوم صهيب.. ساعيطك ماتريد.. لكن لاتبع مجددا...

ياويح قلبي إن تركتك بعد اليوم تخرج للشارع بائعا... إن نجوت من السيارة لن تنجو من شر اللصوص.. أو مكر الذئاب من البشر.. أرجوك لا تخرج حبيبي .. عدني صغيري... بالله عدني.. عدني حبيبي..

أواه كم أخشى عليك.. فانا من عرف صهيب وانا من شق الطريق معه... قل لي ما ذنبه بربك؟.

أكان الذنب ذنبي؟... ماحميته... اخنتُ وعدك ياصهيب؟.. رباه ارحمني أخنت وعدي لنفسي من سنين؟ أخنت الصديق... أخنت عيون البائسين؟؟....لما لا تجبني يا صغيري؟؟"

لفت إلي الصبي مذهولا: "عماه انا لا أبع...انا اشتريت زهره بيضاء... دمرتها انت بعناقك الشديد."

ابتسمت إليه ماسحا يدي على شعره ليضع يده الباردة على خدي مكملا: وأين ابنك صهيب؟ أتبكي عليه؟

ابتسمت مجددا وقلت : كان صديقي...كان ممتدا بلا روح على ذاك الطريق... الم تراه؟

فقال ببراءة: حينما اشتريت منه كانوا ينادونه سعيد...لم يكن اسمه صهيب!!.


----------------------------
التوت المحروق
إيهاب رضوان السيد - جمهورية مصر العربية


والله لم أقصد يا أمي .. أنا أحبك .. والله العظيم أحبك رغم كل ما كان .. صدقيني إنني حتى نسيت .. ورحمة جدي الذي كنت تحبينه نسيت كل شيء .. بالذات المرة الأولى حين قمت أشرب فسمعت ذلك الصوت من حجرتك المغلقة .. آهات عجيبة جعلتني أشب على أصابعي لأدس عينيّ المزروعتين بالرمد في خرم الباب .. من ذلك البغل الذي كان يأكلك ؟.. كيف تركته يعب لحمك الكثير .. الكثير هكذا .. الذي كنت تمنعينني من رؤيته عاريا كأنني لست ولدا مفعوصا كما تقولين دائما .. تذكرت العلقة التي أخذتها منك لما أخرجتني أنا وبهية من تحت سريرك وقلت لي:

ـ يخيبك .. بتعمل إيه إنت وهي ؟!

حلفت لك أننا فقط نختبئ من باقي العيال .. لكنك لم تصدقيني .. من أسبوعين قلت إنني أصبحت رجلا وطردتني من حضنك لأنام على الكنبة وسط كل العفاريت الذين تعرفين أنني أموت منهم .. وأنهم يبللون جلبابي الوحيد لتضربيني أنت كل صباح .. تذكرت كلامك وكلام الشيخ "عبد العزيز" عن النار التي سيرمينا الله فيها لو خالفنا ثلاثة : الله والشيخ "عبد العزيز" وأمهاتنا .. جعلني كل هذا أعرف أن ذلك الرجل كان يفعل بك ما يفعله غصبا عنك .. دفعت الباب وهجمت عليه .. لكنه كان بغلا فعلا .. فلم يمكنني إلا أن أعض يده الكافرة التي تنبش صدرك .. بعد أن زعقت فيه:

ـ سيب أمي يا راجل انت.

يااااه.. كانت عضة يا أمي .. ليس أقوى منها إلا القلم الذي أعطاه لي .. فطرت .. طرت مثل الكرة الشراب حين يشوطها الولد "سيد" الذي أكرهه .. لابد أنك كنت تخافين منه كثيرا .. لأنك لممت صدرك كأنك تخفينه عني أنا وأخرجتني بقسوة زاعقة فيّ :

ـ إنجر نام يا مقصوف الرقبة.

ونمت.. نمت كالكلب أمام بابك المغلق بعد أن بكيت وارتعشت مثل نور لمبة الجاز فوق سريرك.. لكنك في الصباح كنت طيبة معي.. لم تضربيني وأنا أقف أمامك عاريا لتغسلي جلبابي المبلول.. لم تشتميني وتدعي عليّ لما تأخرت في الذهاب مع العيال للشيخ "عبد العزيز" في الجامع.. هل تعرفين.. لو كنت ضربتني ساعتها لم أكن سأبكي أبدا.. هل خفت مني يا أمي؟..

في الليالي التالية لم ألعب مع العيال في الجرن .. كنت أقعد على الكنبة بعد أذان العشاء بكثير.. أراقبك وأنت تسرحين شعرك الجميل الطويل الذي أحبه.. حين كان الرجل يدخل كنت أطاوع نفسي وأفكر في منظرك وشعرك هذا ملفوف على رقبتك وأنا أشده بقوة.. سامحيني يا أمي.. إنني لم أكرهك والله.. كرهت فقط ذلك البغل الذي وضع يده على رأسي مرة فأحسست أنه سيخنقني ولما حاول أن يعطيني ريالا كاملا رفضت.. هل كان يعطيك ريالات أنت أيضا لينام في حضنك بدلا مني؟..

فكرت أن الريالات هي السبب فقلت لك في الصباح إنني سأعمل من اليوم لأحضر لك ريالات كثيرة بشرط أن تأخذيني في حضنك كل ليلة.. مصمصت شفتيك ونظرت لي باستهتار قائلة:

ـ عيال آخر زمن!

هل أبي هو السبب؟.. جريت إلى داره الجديدة العالية .. زوجته سدت الباب وهي تكذب وتقول إنه ليس هنا .. ناديت عليه وأنا أفلت من يديها .. لكنها أمسكتني وضربتني .. لم أبك إلا حين شتمتك وقالت:

ـ أمك "....."

هل كانت تعرف من ينام في حضنك كل ليلة؟.. هل كان أبي يعرف ولهذا طلقك؟.. كثيرون يضربونني في هذه الدنيا يا أمي.. زوجة أبي تضربني لأنها تكرهني وأبي نفسه يضربني وهو لا يراني إلا صدفة.. الشيخ "عبد العزيز" يسلخ لي رجليّ لأنني أتأخر عليه بالفلوس.. الولد "سيد" ينام فوقي على الأرض ويكتم نفسي أمام العيال لأن "بهية" لا تلعب "عريس وعروسة" إلا معي.. أنت أيضا تضربينني وتركت ذلك الرجل يضربني أول مرة.. خرج أبي زاعقا فحاولت أن أغطس في حضنه الذي لم يفتحه لي.. انخرس لساني فأخذت أبكي وأشد فيه ليجئ معي.. لكنه ترك زوجته ترميني على عتبة الدار.. صحيح أن فمي امتلأ بالدم والطين.. لكني فكرت ساعتها كيف سأقطع إذن رِجل ذلك البغل من دارنا.. جاءت "بهية" تسألني لماذا لم أعد ألعب معهم في الجرن.. فجريت معها وقلت للعيال إننا سنلعب أمام دارنا كل ليلة..

قالوا كيف نترك الجرن الواسع وأكوام التبن والقش والترعة التي نستحم ونسابق السمك فيها.. فوعدتهم أن أسرق لهم كل السكر الذي في دارنا.. سرقته من ورائك وأنت تستحمين في انتظار رجلك الذي تأكدت أنه لن يجئ هذه الليلة لأننا سنلعب أمام الدار طول الليل.. تركتهم يغلبونني كل المرات.. ولكن لما لعبنا "عريس وعروسة" لم أترك "بهية" للولد "سيد".. كله إلا "بهية" يا أمي.. هل تعرفين أنها جميلة مثلك ولها عينان واسعتان أختبئ فيهما ونحن نلعب "استغماية".. وأنها رفضت أن تأخذ مني نصيبها في السكر لأنه حرام؟!!..

الشيخ "عبد العزيز" أذن للعشاء بسرعة لينام.. فقال العيال كفاية لعب.. أرادوا أن يذهبوا كلهم فقلت إنني في الصباح سأعطي كل من يبقى ليلعب معي حفنة توت مثل العسل من التوتة العجوزة التي عينها الله على ترعتنا قبل تعيين جد العمدة الكبير.. لم يصدقوني.. والولد "سيد" الله يلعنه قال:

ـ لو كنت راجل صحيح هات لنا التوت الليلة...

نسيت أننا بالليل وجريت أسرع من طيارة الرش .. التوتة لم تكن طيبة معي.. قطعت يديّ ورجليّ الحافيتين.. وجذعها طال.. طال حتى خرم السماء.. والعفاريت بللت جلبابي كثيرا حتى أنه لن ينشف لو نشرته في نن عين الشمس.. لكنها لم تسخطني قردا كما تقولين.. جمعت توتا يكفي العيال المفاجيع لأسبوع.. ولما نزلت لممت كل التوت الواقع على الأرض.. هذا التوت كان غاليا جدا.. سيأكله الملاعين صحيح.. لكنه من أجل عيونك أنت.. التوت يا أمي جعلني لم أعد مفعوصا.. فلما ألصقت كتفي بالتوتة وجدتني أنظر لها من فوق..

قابلتني "بهية" وقالت إن العيال أولاد الكلب ضحكوا عليّ وغاروا من زمان.. حلفت لها أنني سأكبس بطونهم طينا بدلا من التوت الذي لففته في صرة كبيرة قبل أن أجري للدار.. بابك المغلق خلعته برجلي مثل "طرزان" الذي يحلف الولد "سيد" أنه قريبه..

ارتعشت كالفرخة المذبوحة وأنا أجدكما تأكلان بعضا مثل.. مثل الكلاب المسعورة يا أمي .. سامحيني .. لا أعرف هل وجدتني بينكما على السرير.. أم أنني رميت صرة التوت في وجه رجلك.. المهم أنني رأيت التوت يفرش السرير كله ولمبة الجاز تسقط فوقه لترش الحجرة بالنار .. هل عرفت أن رجلك جرى مع أول صرخة لك ؟ .. وأنني لم أعد مفعوصا تبلل العفاريت جلبابه.. وأنني والله.. والله العظيم لم أقصد ذلك؟..

هل عرفت كل هذا يا أمي قبل أن تبلعك النار مع التوت المحروق؟.



----------------------------
خيمتي
حارث علي الصمدي من اليمن


أنامُ كثيراً هذه الأيام.. هل أنا مرهق أم أن حياتي أصحبت مظلمة إلى حد يدفعني للنعاس والانطلاق في النوم, لا يوجد في خيمتي سوى كنبة واحدة ويعيش فيها رجل واحد , لا اعلم أين تقع الخيمة تحديداً لاتساع ساحة الاعتصام الكبيرة وعدد الخيام المتشابهة والمتشابكة كما لا اعرف كيف اخرج منها ولكنها قد تكون أفضل كثيرا مما في الخارج, فإضافة إلى أنني لا أجد المخرج فأنا أيضا لا أريد أن أخرج , لأني إذا خرجت سوف أكون قد خنت الأمانة والعهد بيني وبين صديقي المتوفى منذ عام, ولكن المشكلة الأزلية التي لا أجد لها حلاً هي , ما الذي جاء بي ,وكيف وصلت إلى هُنا بالأصل. وهل هناك مجال للخروج؟

لم اصف لكم الخيمة كما ينبغي. خيمة فقيرة بسيطة وسط ساحة مغلقة, إلا من اتجاه واحد يوجد به مخرج يمر من خلاله أشخاص لا اعرفهم ولا استطيع الوصول إليهم, استغاثة بعيدة المنال ضعيفة التشخيص تخرجني من الكابوس إلى احتمالات الأمل, كابوس يشف عن حلم, دائما هناك شعاع نور واحد ,يتغير زمانه ويتبدل مكانة ولا اعرف من أين سيأتي في المرة المقبلة. وهذا الشعاع سمح لي أن أرى مكونات الخيمة, مجرد سرير بسيط صنعته من الخشب والكرتون أنام وأقوم وأعيش وربما سأموت علية.

لم اصف لكم الإحداث العجيبة التي تحدث فيها, برد وحر ورعد وبرق وجوع لا يرحم .... نعم اشعر بغربة معلنة وأنا في وطني اشتاق للأهل والأصدقاء ابحث عن زاد فلا أجد شيء سوى تلك التبرعات البسيطة التي تأتي من فاعلي الخير والتي تصل الينا وقد اصابها الهلاك, يوميا, وكل دقيقة يمر أناس, يعبرون من إمامي, اسمع خطاهم والمح وجوههم المغبرة, أصواتهم الشاحبة لا تنقطع على مدار الليل والنهار وهي تنادي حيا على الخلاص لا أكاد اتاكد هل هم موجودين فعلا أم لا حتى يختفوا من إمامي, ولكن من أين يدخلون ومن أين يخرجون؟! حتى أني لا اعلم علو سقف خيمتي, أحيانا اصطدم به وانا جالس وأحيانا أخرى اقفز فلا اطولة.

وكذلك الأعمدة والزوايا, هي ثابتة أصلا, ولكنها تتضام الى بعضها البعض, ثم تبتعد ثانية. أحيانا اشعر أنني مختنق بها. لقد أصابني مرض التوحد وأصبحت معزولا عن العالم وأحيانا اشعر أنني أعيش في براح مخيف كثيرا ما حاولت ان اهتف مناديا طالبا العون, داعيا ان يأتيني من يخرجني من تلك الخيمة التي جعلتني شبية بالمعتقل, أو حتى يدلني على طريق الخروج من هذه الساحة التي أصبحت أشبة بمخيمات اللاجئين, وكان الرد يجيئني سريعا ومباغتا, لم يكن إلا صدى صوتي الهزيل الخائف وتردد كلماتي المتقطعة وكأن هناك شخصا آخر يطلب العون ايظا من خيمته الأخرى.

لم اصف لكم المشهد كما يجب, يوم سئ وغريب .. أرى السماء ملبدة بالغيوم من فوقي, وضوء الشمس اختفى وحلمي المسلوب الذي أتيت من أجلة بعيد المنال, أنا معلق في الهواء, لست معلقا على مشانق الموت, ولكن الغريب اني عالق وسط كومة من الأوهام والأحلام الكئيبة, بدا كأنة ليس يوم موتي, لا اسمع أصوات المارة في الشارع ليس فقط لان الشارع بعيد, ولكن أيضا لأني لست بحاجة ان اسمعهم في هذا اليوم, إنني لا اسمع إلا صوت ليس بغريب عني يكاد يمزق غطاء خيمتي لقد صادف ذلك اليوم ذكرى استشهاد زميلي قبل عام ونصف في إحدى المظاهرات التي خرجنا فيها معا لإسقاط نضام الحكم الذي حكمنا منذ عقود بالظلم والاستبداد والتخلف.

اليوم كُنت نائماً, فهذا هو الشيء الوحيد الذي أفعلة في كل يوم اقضيه من أيامي المريرة في ساحة الثورة واستيقظت لأرى شعاع النور إياه مسلطا على وجهي مباشرة, قلبت وجهي وأغمضت عيني هرباً منة, فإذا بي اصطدم بمشاهدة جسم بجواري, لم أتعود ان أرى او المس او المح اي جسم في هذه الخيمة بعد استشهاد زميلي, تذكرت سريعا انة كان لي صديقا عزيزا في متقبل العمر يدعى مصطفى, فكنت قد نسيته ولا أبالغ لكم ان قلت أنني قد نسيت نفسي.. أيضا, فبعد ان فارقته أصبحت لا أرى لا رجالا ولا نساء, أرى فقط تلك الأشباح التي تدخل وتخرج من الخيمة يوميا ولا استطيع تمييز جنسها....

وفي هذ الليلة الغريبة أرى صورا خيالية لوجه صديقي وبعض القطع النادرة واللافتات التي كان يدون عليها الشعارات الثورية قبل خروجنا في المظاهرات, وأوراق عليها عبارات تتحدث عن حب الوطن وما يجب علينا من تضحيات في سبيله أيضا عن الصداقة الدائمة حتى بعد فناء الكون وعن الأجراس التي تدق في عالم النسيان كان قد تركها لي.

كان نائما هو الآخر. حاولت أن أيقضه, لا أكاد أن ألمسة حتى اسحب يدي سريعا من قبل أن المسه وأخيرا صرخت بصوت عال.

اصحى, اصحى

وجدته يتقلب في سريرة, وكأنة اعتاد النوم في هذه الخيمة... ثم نضر الي بعين نصف مغلقة, وقال لي بصوت تخلله تنهيدة وتثأب:-

صباح الحرية.

بدا كأنة ليس مستغربا للموقف كما هو الحال بالنسبة لي, كأنة يعرفني وأنة معتاد على الاستيقاظ في أسرة الغُرباء... سألت بصوت متلجلج ( من أنت ! هل تعرفني؟!) كان شعاع النور الآن موجهاً على وجه مع أني لم أراه جيدا, وكان هناك شعاع آخر يخرج من رأسه ... قام من السرير وتحول من ملاك نائم الى رجل نشط, وكأنة مستيقظ منذ عام وليس من أربع ثوان.. وقال لى:

طبعا أعرفك

قلت له منذهلا ً: ولكني لم أراك قبل الآن.

قام من السرير وأعطاني رأسه وعلية اثر الرصاصة التي قتلته في تلك الحادثة المؤسفة وكنت عندما أودعته إلى مقبرته التي أصبحت الآن مزاراً للماضي قد وضعت كفي على رأسه وقرأت له ما يجب عليّ أثناء دفنه, فتثأب وهو يقول: ولن تراني طوال عمرك, من قال انك ستراني أصلاً.., مددت يدي كي المسه, وكلما اقتربت اجتاحتني موجة من الخوف والذعر, لم استطع ان المسه. نضر إلي وضحك ضحكة بريئة احدث لها صدى واضحا في الخيمة ثم اختفى, تماماُ مثل كل الأحلام التي أراها يوميا تدخل وتخرج من خيمتي التي عادت تضمني أنا وحدي ... وحدي.



----------------------------
نسوة ومواقف
لحسن ملواني - المغرب


رفع يده الفولاذية عازما على صفعها، أطلقت من شفتيها كُليْمات أذابت اليد، صار الرجل أبتر، تحول ورقا مطواعا صنعت منه حذاءها الصامت المطيع.

امرأة

تحرش بها مرارا، سمعت منه أرق وأرقى عبارات الغزل، صارت غزالة في قصائده العصماء...

في اليوْم الثالث، كشفتْ عن وجْهها، ويْحَهُ، إنَّها امرأته بقامتها ووجهها الطبيعي الجميل، تلعثم، أراد أن يحتج فأغلقت فمه الجريء بمنديلها الأسود، في الصَّباح، وُجد قتيلا وعلى شفتيه شيء من التحرش ومُشتقاته الكثيرة.

امرأة

رأى قدميها فتملكه الشوق إليها... رأى فخديها المغلفين بالسروال الضيق، فاشتاق إلى بسمتها، لمح صدرها فكاد يرقص عجبا... رأى وجهها فصرخ هلعا... ابتعد قليلا قبل أن يفرَّ وقلبُه ينبض بقوة...

فطنتْ بالعلَّة، فعادتْ إلى السّوق واشترت الوجه أيضا...



ذات صباح، في السوق الأسبوعي بالضبط، شوهد مرافقا لها يتجولان، كان جذلا يصرُّ على تلبية مطلوباتها بلا حِسَابٍ.

داليا سعودي مجلة العربي اكتوبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016