مختارات من:

جمال العربية: إبداعُ لغة في الذكرى الثلاثين لرحيل صلاح عبدالصبور

فاروق شوشة


1-الليل (يا صديقتي) ينفضني بلا ضمير
ويطلق الظنون في فراشي الصغير
ويثقل الفؤاد بالسواد
ورحلة الضياع في بحر الحداد
فحين يقبلُ المساء، يقفرُ الطريقُ،
والظلامُ محنةُ الغريب
2- الليل (يا صديقتي) أغنية صغيرة
عن طائر صغير
في عشِّه واحدُه الزغيب
وإلْفهُ الحبيب
يكفيهما من الشراب حسْوتا منقار
ومن بيادر الغلال حبّتان
3- الطارقُ المجهول (يا صديقتي) مُلثّمٌ شرير
عيناه خنجرانِ مسْقيّانِ بالسّموم
والوجه من تحت اللثام وجهُ بوم
لكنّ صوته الأجشَّ يشدخ المساء
«إلى المصير» والمصير هُوّةٌ تُروّع الظنون
4- في الفجر (يا صديقتي) تولد نفسي من جديد
كلَّ صباحِ أحتفي بعيدها السعيد
مازلت حيًّا! فرْحتي!
مازلتُ والكلام والسّباب والسّعال
وشاطئُ البحار مايزال يقذفُ الأصدافَ واللآل
والسحْبُ ماتزال
تسحُّ، والمخاض يُلجئ النساء للوساد
****
(صديقتي) عمي صباحًا، هل ذكرْت نُزهةَ الجبل؟

(من قصيدة: رحلة في الليل)

5- أ-
صديقتي عمي صباحًا، إن أتاكِ في الصباح
هذا الخطاب من صديقك المحطّم المريض
وادعي له إلهك الوديع أن يشفيه
وسامحيه، كيف يرجو أن يُنمّق الكلام
وكلُّ ما يعيش فيه أجردٌ كئيب
فقلبه كسير
وجسمهُ مُغلّلٌ إلى فراشه الصغير
ب- (صديقتي) إني مريض
وساعدي مكسور
ومهجتي على الفراش كلَّ ساعةٍ تسيل
وأغزلُ التراب في سكينتي رداء

(من قصيدة: رسالة إلى صديقة)

6- نامي أيا (صديقتي) المعذبة
بدائك الأليم
واستفرغي حكمتهم في ثوبك القديم

(من قصيدة: استطراد أعتذر عنه)

****

لم تجئ كلمة «صديقتي» في العديد من قصائد صلاح عبدالصبور في مسار رحلته الشعرية مصادفةً أو عفْو الخاطر، فبزوغها في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، مرتبط بنضج وجدان الشاعر المعاصر من ناحية، وبداية تململ الشاعر الذي ينزع إلى صوغ المعادل الشعري لإحساسه بالمرأة في حياته، في صيغة تتسم بالجدّة، والتخلص من شوائب التكرار وانعدام الشحنة المشعة لكلماتٍ أخرى أصبحت باردة ومستهلكة من مثل: حبيبي، وحبيبتي، ومحبوبتي، التي امتلأت بها صفحات التراث الشعري القديم والحديث معًا، وأصبحت هذه المفردات وغيرها بمنزلة الاستهلال الفاتر الذي يُولّده عزف مكرور وغناء لم يعد يُحرّك شعورًا أو يثير عاطفة.

مفردة «صديقتي» في معجم صلاح عبدالصبور، هي من ناحية سبْق شعري وشعوري انفرد به من بين أقرانه في إبداع قصيدة الريادة في حركة الشعر الجديد، ومن ناحية أخرى تعبير عن نظرة جديدة مغايرة إلى المرأة عندما تصبح صاحبة أو محبوبة أو ملهمة، فإذا بها في الميزان المتمرد على «طرطشة» الرومانسية الزاعقة التي اشتهر بها شعراء أبولّو الذين سبقوا شعراء التجديد، وبخاصة رومانسية إبراهيم ناجي تأخذ بأيدينا إلى حالة المشاركة الإنسانية، والدفء الواقعي، والمواجهة المشتركة لواقع الحياة، بدءًا باليومي المتناثر منها وانتهاءً بالوجودي والكوني الشامل. الصداقة هنا تتضمن «الحب» بمعناه المعروف والشائع في أدبيات الإبداع العربي وزيادة، وتتضمن موقفًا إنسانيًّا يفسح المجال للندّيّة والمشاركة، وحمل المسئولية التي ينوء بها اثنان، حتى لا ينفرد بها أحدهما نجاحًا أو فشلاً، اندفاعًا أو إحباطًا. وبالرغم من أن صلاح عبدالصبور استخدم مفردات أخرى مألوفة وغير مألوفة من طراز: واحدتي وحبيبتي ورفيقتي وحبيبي ونجمي، إلا أن سبقه وانفراده بين شعراء جيله بهذه المفردة التي تزيّن معجمه الشعري يظل في سياقه التاريخي منتصف خمسينيات القرن الماضي وفي مسار الشعر المعاصر حتى اليوم - يظل يعني الكثير عن الثقافة الإنسانية والموقف الشعري على مستوى الحياة والتصور بالنسبة لنموذج جديد في العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، وحلم الانتماء إلى كائن إنساني يتوهج بركائز الصداقة الحقيقية، صداقة العقل والقلب والتوجُّه والمشاركة. من خلال علاقة لا تجسّد الذوبان الرومانسيّ باعتباره مقام الوجد والهيام، ولا تؤكد النزوع الجسدي باعتباره ظمأ الرغبة وجوع الشهوة، لكنها تعني هذا التوازن الحميم بين ما هو انعطاف وتأمّل، وجموح وتعقُّل، وانجذاب وتكامل.

إبداع لغة:

عندما فاجأ صلاح عبدالصبور حياتنا الأدبية بديوانه الثاني «أقول لكم» وعليه سمْت الرائي الحكيم، والواخز الذي يوقظنا على عارنا وسلبياتنا ومباذلنا، ويأخذ بأيدينا إلى فضاءاته العليا بعيدًا عن ترابية البشر، وعهر الواقع وعبثيته، كان رد الفعل سلبيًّا عند من ينفسون عليه مكانته الشعرية، التي أصبحت حديث الناس، وتعجّله في ارتداء قناع الحكمة واصطناع صوت الحكيم وهو لايزال في مقتبل العمر، فما الذي سيطرقه إذن في رأيهم في عمره القادم؟

لكنهم لم يفطنوا إلى الشاعر الذي كان مسكونًا بمسٍّ من النبوة، كاشفٍ عن هجمة الوباء القادم وضراوته، محذِّرٍ من السقوط في مذلة الواقع ومستنقع ضروراته، ملوِّح بقرب النهاية التي سيضطر الناس عندها إلى الاختيار، وهو ما صوره بلغة شعرية درامية فذَّة في مسرحيته «ليلى والمجنون» الفاضحة لما يتصوره البعض حبًّا عصريًّا، وهو في جوهره وهْمُ الشهوة والمذلة والجوع والتملك، بينما يقف «سعيد» منتصبًا في وجه مَنْ معه، ووجه جمهور المسرحية، ووجهنا جميعًا وهو يتحدث بصوت صلاح عبدالصبور: الرائي، الحكيم، المهزوم، المتوجِّع:


هذي آخر أشعاري
العنوان طويل
«يوميات نبي مهزوم، يحمل قلما،
ينتظر نبيّا يحمل سيفا»
هذي يوميته الأولى
يأتي من بعدي من يعطي الألفاظ معانيها
يأتي من بعدي من يتحدث بالأمثال
إذ تتأبى أجنحة الأقوال
أن تسكن في تابوت الرمز الميّت
يأتي من بعدي من يبري فاصلة الجملة
يأتي من بعدي من يغمس مدّاتِ الأحرف في النار
يأتي من بعدي من ينعى لي نفسي
يأتي من بعدي من يضع الفأس برأسي
يأتي من بعدي من يتمنطق بالكلمة
ويغني بالسيف!

(هذا ما خطَّ مساء اليوم الثاني)

كهان الكلمات الكتبة
جهال الأروقة الكذبة
وفلاسفة الطِّلسمات
والبلداء الشعراء
جرذان الأحياء
وتماسيح الأموات
أقعوا في صحن المعبد مثل الدببة
حكُّوا أقفيتهمو، وتلاغَوْا كذبابِ الحانات
لا يعرف أحدهمو من أمر الكلمات
إلا غمغمة أو همهمة أو هسهسة أو تأتأة
أو فأفأة أو شقشقة أو سفسفة أو ما شابه
ذلك من أصوات
وتسلّوا بترامي تلك الفقاعات
لما سكروا سُكْر الضفدع بالطين
ضربوا بنعيق الأصوات المجنون
حتى ثقلت أجفانهمو، واجتاحتهم شهوة عربدةٍ فظّة
فانطلقوا في نبراتٍ مكتظة
ينتزعون ثياب الأفكار المومس والأفكار الحرة
وتلوك الأشداق الفارغة القذرة
لحم الكلمات المطعون
حتى ألقوْا ببقايا قيْئهمو العنِّين
في رحم الحقّ
في رحم الخير
في رحم الحرية

(هذا ما خط مساء اليوم الثالث)

لا أملك أن أتكلم
فلتتكلم عني الريح
لا يمسكها إلا جدران الكون
لا أملك أن أتكلم
فليتكلم عني موج البحر
لا يمسكه إلا الموت على حبات الرمل
لا أملك أن أتكلم
فلتتكلم عني قمم الأشجار
لا يحني هامتها إلا ميلاد الأثمار
لا أملك أن أتكلم
فليتكلم عني صمتي المفعم

(هذا ما خط مساء اليوم الرابع)

لا، لا، لا أملك إلا أن أتكلم
يا أهل مدينتنا
يا أهل مدينتنا
هذا قولي:
انفجروا أو موتوا
رعب أكبر من هذا سوف يجيء
لن ينجيكم أن تعتصموا منه بأعالي جبل الصمت
أو ببطون الغابات
لن يُنجيكم أن تختبئوا في حجراتكمو
أو تحت وسائدكم، أو في بالوعات الحمامات
لن ينجيكم أن تلتصقوا بالجدران،
إلى أن يصبح كل منكم ظلاًّ مشبوحًا عانق ظلا
لن ينجيكم أن ترتدّوا أطفالا
لن ينجيكم أن تقصر هاماتكمو حتى تلتصقوا
بالأرض
أو أن تنكمشوا حتى يدخل أحدكمو
في سَمِّ الإبرة
لن ينجيكم أن تضعوا أقنعة القِردة
لن يُنجيكم أن تندمجوا أو تندغموا
حتى تتكون من أجسادكم المرتعدة
كومة قاذورات
فانفجروا أو موتوا
انفجروا أو موتوا

(وهذا ما خط مساء اليوم الخامس)

يا سيدنا القادم من بعدي
أصففْت لتنزل فينا أجنادك
لا، إني أنزل وحدي
يا سيدنا القادم من بعدي
هل ألجمْتَ جوادك؟
لا، ما زال جوادي مُرخًى بعد
يا سيدنا، هل أشرعْت حسامك
أو أحكمْتَ لثامك?
لا، سيفي لم يبرح جفن الغْمِد
وأنا لا أكشف عن وجهي إلا في أوج المجد
أو في بطن اللحد
يا سيدنا، أعددْت خطابك أو نمَّقتَ كلامك?
لا، كلماتي لا تولد أو تنفد
يا سيدنا، الصبر تبدّد
والليل تمدَّد
أنا لا أهبط إلا في منتصف الليل
في منتصف الوحشة
في منتصف اليأس
في منتصف الموت
يا سيدنا، إما أن تدركنا قبل الرعب القادم
أو لن تدركنا بعد

ويصدح صوت «سعيد» في المنظر الثالث من الفصل الثالث من المسرحية وهو يقول:

أبغي أن أبعث برسالة
للقادم من بعدي
لكني لا أعرف عنوانه
ما دمت رسوله
فأحمّلها له
هي بضعة أسطر

(يخرج ورقة من جيبه، ويبدأ في القراءة)

يا سيدنا القادم من بعدي
أنا أصغر من ينتظرونك في شوق محموم
لا مهنة لي، إذ إني الآن نزيل السّجن
متهما بالنظر إلى المستقبل
لكني أكتب لك
باسمْ الفلاحين، وباسْم الملاحين
باسْم الحدادين، وباسْم الحلاقين
والحمّارة، و البحّارة
والعمال وأصحاب الأعمال
والأعيان وكتّاب الديوان
والبوابين وصبيان البقالين
وباسم الشعراء، وباسْم الخفراء
والأهرام، وباب النصر، والقناطر الخيرية،
وعبدالله النديم، وتوفيق الحكيم، وألمظ،
وشجرة الدر، وكتاب الموتى، ونشيد بلادي بلادي
نرجو أن تأتي وبأقصى سرعة
فالصبر تبدد
واليأس تمدّد
إما أن تدركنا الآن
أو لن تُدركنا بعد
حاشية: لا تنسَ أن تحمل سيفك
***


ويبدو أن الشعوب العربية قد تذكّرت في مناسبة الذكرى الثلاثين لرحيل صلاح عبدالصبور صيحة «سعيد» المدوِّية في مسرحية ليلى والمجنون:

فانفجروا أو موتوا
انفجروا أو موتوا

وليته بيننا الآن، ليراها وقد أجابت بصورة حاسمة، مزَلزلة:

لقد انفَجرْنَا أيها الشاعر العظيم!.

فاروق شوشة مجلة العربي اغسطس 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016