مختارات من:

صورة باريس في «الظل الحارس» لمحمد ديب

سليم بتقه

شكّلت المدينة في الفن القصصي والفن الغنائي - وإن كان ما أُلَّف في الرواية يتجاوز ما أُلَّف في الشعر - فضاء لإبداعاتهم، فقد استطاع الأدباء أن يكشفوا عن كثير من التناقضات التي يمتلئ بها عالم المدينة حيث عروا زيفها، وعبروا عن ضياع الإنسان فيها وغربته، وصراعه مع هذا العالم الجديد. فقد بدت باريس مدينة «الآخر» مصدرًا للفساد والخراب ومختلف القيم المنحطة عند شعراء الإحياء، وبلدًا للجنّ والملائكة في «أديب» لطه حسين، ومرآة لتقدم «الآخر»، والوعي بتخلف «الأنا»، كما كان الحال من قبل عند رفاعة رافع الطهطاوي. ترى كيف تجلت صورة باريس في شعر محمد ديب؟

لم تكن حرب التحرير بالجزائر سنة 1961م قد عرفت نهايتها-وإن كانت تلوح في الأفق-حين أودع محمد ديب لدى دار «قاليمار» «Gallimard» أربع روايات ومجموعة قصصية و«الظل الحارس» التي قدم لها «أراغون» «Aragon»، حيث أوضح صاحب «عيون ألزا» «Les yeux d elsa» مضمون الكتاب: «هذا الكتاب ذو مصراعين ينفتح الأول على الجزائر، والآخر لنقل على أوربا، أنفار، بوردو، باريس».

والذي يهمنا في هذا الكتاب القصائد التي خصصها لمدينة باريس، وهي عبارة عن مجموعتين «العاقبة بلا نهاية» «Suite sans fin»، و«أطوار الليل» «Les phases de la nuit» واكتشف محمد ديب مدينة باريس في الخمسينيات أثناء زياراته التي قادته إليها بمناسبة طبع أعماله الأولى. فما الانطباع الذي حمله عن تلك المدينة كمغترب؟ وما الذي أثر فيه؟ وما هي أحاسيسه؟ وأخيرا ما هي رؤيته الشعرية عن العاصمة باريس؟

لنرى بداية كيف تجلت باريس في النص، في الفضاء، وفي الزمن؟ إن اسم باريس حاضر في مجموعة «أغنية حزينة» «Complainte» من خلال البيت الأول:

- أماسي باريس الحنونة كم أنت مريرة.

يعود اسم باريس للمرة الثالثة، ثم لا يلبث أن يختفي في بقية القصائد الأخرى، ولا يظهر إلا في القصيدة ما قبل الأخيرة المعنونة بـ «منظر باريسي» «Paysage parisien»، ثم للمرة الأخيرة في «موت نزفال» «La mort de Nezval» حيث يستحضر من خلالها «باريس» الشاعر التشيكي:

- في براغ هذه الأيام يكون الحداد شديدًا

غير أنه بالأمس بباريس قد ذهب «نزفال» ليلًا.

في قصائد كثيرة تعود أيضًا صورة نهر السين «La seine»، ففي «حسناء من الخارج» «Belle d ailleurs» يظهر الديكور في البيت الأول:

- على أرصفة نهر قديم يجتاحها الضجر

في تكديس الحجر والصمت

أطارد تلك التي تتغلف في الليل.

وفي مجموعته «أغنية حزينة» نتبع الشاعر في هذه المدينة الواسعة عبر شوارعها وأمكنتها، شارع بونابارت، رصيف مالاكي، جسر الفنون...

- واصل المشي ما دام النهار يتلاشى..

شارع «بونابارت»، ثم رصيف «مالاكي»، ومرافيع ورشة، جسر الفنون، كلها تقيم ظلالاً قلقة

و«لوفر» بعدئذ ينام نوما عميقا غامضا.

يصل الشاعر المتجول إلى ساحة الوئام «Blace de la concorde»:

- ساحة «لكونكورد»، نسيان مباغة للنفس

المسرح فارغ، ولكن نور الحرير

يكون في وقت واحد الحلم المتوهج والفكر الأساس

يسترجع الطمأنينة، في نفسي تحت غناء السماء العاري.

وفي قصيدة أطوار الليل1 «Les phases de la nuit» يظهر فضاء المدينة مكتظا تارة:

- دائما يرجع الحشد إلى شكله الأول(...)

دائما سيارات، باعة الجرائد.

وتارة - وهو الانطباع المسيطر- يبدو الفضاء خاليا:

- أعمدة وجدران مجبسة بالملصقات أو عارية كلها

أشجار عملاقة خارجة من أقفاصها الحديدية

أتوغل في ليل المصابيح المجوف

حيث تتوالى الأرصفة، المفارق، الطرق

وهو الانطباع نفسه الذي نجده في قصيدة تنزرين «Tanzerin»:

- دائما هي في الليل ما أشده فراغا وقوة

تجرد حائط مدينة ذات توددات قاتلة.

وفي قصيدة كأنني أحلم «Comme si je rêvais» :

- كأنني أحلم...على نهر وديع

بينما الليل يفتح فراغا غريبا

يستحضر الشاعر في المجموعة السابقة بعد الظهيرة في الغابة «après-midi au bois» يومًا جميلاً باردًا نوعًا ما، لكنه يظل ولمدة طويلة خفيفا بفعل الخريف:

- وهذا النهار الجميل الهادئ بارد نوعا ما

غير أنه يتلألأ طويلا فيخفف

قلب الخريف الأصم.

يرمي بنا الشاعر في قصيدة غريب «Etranger» في جو شتوي بهذا السؤال:

-إذا لم يكن هذا البرد، فمن يعلن عني؟

أهو الحلم غير المنفسخ تماما، أم الطل الأسود والصوت اللذان يبكيان الطفل، أم الضباب الشتوي؟

ساعات اليوم اختيرت بعناية، إنه بداية اليوم في أغنية حزينة والذي ينفتح على الجديد، حيث بدت لنا في هذه العبارات: «ليالي باريس الطويلة»، وفي المقابل يذكر الشاعر طلوع النهار «ولادة ضوء» بعد أن يأخذ الليل نهايته، إنه الصبح المنبلج:

- الصمت الذي تزرقه الضياء ينداح

إنها تدور وفجأة هي الفجر القاطع

يبدو الشاعر وكأنه يفضل الليل، فساعاته تمتد على كل قصائد الجزء الثاني والمعنونة بـ «أطوار الليل»، فعلى الرغم من وجود النجوم والقمر وانعكاس ضيائه، يظل الليل تحت رحمة الظلمات، يمكن للمسكين أن يتضرع:

- ليل يا ليلا غير مؤلم، يستقبل الظل المسكين

الحارس مغمور بالسكر والهم

الليل يحمل معه البرد والحزن والوحدة، إنه يستطيع حتى أن ينقل في سيره صورًا جنائزية مثل: التي تظهر في «كأنني أحلم»:

- القمر في عالم يتصلب فيه كل شيء

في عاصمة ذات بياض شارد

يسهر عليه من أعالي لشتى أبراج الرصد

إن باريس بالنسبة للشاعر مدينة الغربة، ففي قصيدة «غريب» يفاجأ في طريقه بنظرة عدوانية حتى:

- النظرة التي ترمقه كانت تبعد الغريب

آتي من مكان آخر، ما هي قيمة الشيء المهمل؟

وها هو يزداد شكي

وتزداد الوحدة عمقا

إنه يحاول أن يتقبل تلك النسوة:

- أخواتي، فالتائه يتقدم على آثاركن:

يمنحكن الزهور الأستراسية.

لكن راقصة طنزارين تتجاهله، فهي تمر بجانبه دون أن تلتفت إليه:

- لا تلوي علي وهي تمر قريبا بجانبي

سيدة الليل التي تتخفف وتتفسح

إنها تسير جارية في حلقة ساحرة.

هذا الشاعر الجوال الوحيد لم تكن له من صحبة سوى التماثيل. ففي القصيدة التي أهداها لها، يسجل الشاعر بقليل من الدعابة وبكثير من الكآبة. يقول في قصيدة «التماثيل» «Les statues»

- أنا صاحب الأصنام المثالي

في الحدائق العمومية الخالية أراقب

شفاهها حيث تقف كلمة صامتة

بحركاتها الحجرية ذات التحفظات الغريبة.

إنه الرجل القادم من مكان آخر، المكان الآخر هو المأوى حيث يردد:

- آتي من مكان آخر، ما قيمة الشيء المهمل؟

وها هو يزداد شكي

وتزداد الوحدة عمقا.

إنها آلامه التي تقوده إلى الجنون، هكذا تزداد شكوكه في قرب الليل، إنه لا يستطيع فعل شيء، هذه الساعة شحذت جنونه. لكن الحقيقة أن هذا الجنون يمكن أن يظهر في كل ساعة، كما ظهر في المقطع الشعري الأخير من قصيدة «النهار الفلاني» «Tel jour»:

- في أعماق النفس تمزيق

من حيث الليل يطغى عليكم في وضح النهار،

أقل شيء ينسف القفل المحجوب

ويدخل الجنون في حريق غامض

إنه ظل الموت نفسها في لحظة، المسكين يبدو كالغريق في نهر السين:

- على فمه امتد النهر كملاءة

يمر دون أن يرى شيئا، لا ينادي أحدا

حتى الشجر الذي يرتعد على الضفة

إن حالة الألم التي يعيشها الشاعر تجعل من النظرة التي يسوقها إلينا عن مدينة باريس سوداوية، لقد ظهرت المناظر المقلقة أكثر من مرة خاصة في المشاهد المظلمة:

- الحائط يصفق كما تصفق أحكام الموت

فنادق العشق تقيم مصابيحها

أعمدة وجدران مجبسة بالملصقات أو عارية كلها

أشجار عملاقة خارجة من أقفاصها الحديدية

إنها رؤية درامية في الحقيقة، وهذا لا يمكنه أن يفاجئنا، ذلك أنه ومنذ القصيدة الأولى من المجموعة يؤكد الشاعر أن باريس المظلمة «جهنم»! ففي قصيدة «أغنية حزينة» يقول:

- باريس، باريس كلها كما هي، أنذرها للشيطان

يا أناسا شرفاء، اسمحوا لي حزني العضال

غير أن محمد ديب يبدو أكثر رقة وإحساسا بالجمال حتى لا يبقى حبيس هذه الصورة القاتمة، فإلى جانب باريس عاصمة الألم هناك مكان لباريس الضاحكة، ففي القصيدة السابقة يتساءل الشاعر عن الغريب الذي لا يشعر بأنه في بلده؟

- أي غريب هنا لا يشعر بأنه في دياره؟

لكنه يؤخذ هكذا عندما يأتي الليل

وضوء الظلمة: «Ile de France» الشاعر يظهر لطفا ورقّة حين يتعلق الأمر بسماوات جزيرة فرنسا

- لما ارتاحت السماء الرمادية والوردية فوق السين

مرتعدة، صرخ قلبه كله وأدمى.

الأحاسيس نفسها نجدها في قصيدة «بعد الظهيرة في الغابة»:

- أمام أعيني صورة

من نور ذي حركات لينة

يؤجج الفضاء حولها

سلم الحياة الحي يتدفق

جمر الشمس الطري

ينداح على كل الدروب

إن هذه القصيدة برمتها تسبح في فضاء هادئ وسعيد، لحظة للاستراحة في عالم صعب، الحالة نفسها نلحظها في قصيدة منظر باريسي، حيث عملت مع القصائد المظلمة التي تحيطها على جعل الصورة أكثر إيضاحا، إنها تنفتح على هذه اللوحة والتي لم يستطع الرسامون الانطباعيون جحدها.يقول في «Paysage parisien» «منظر باريسي»:

- إحدى السماوات التي ترعشك كصراخ

يمضي «السين» بسرعة ويتمرأى

في الصبيحة باريس بنفسجية ورمادية كلها

الأفضل أن يقال إنها متغيرة اللون

وتستمر القصيدة بهذا النسق من المصالحة:

- هذه السماء، فعلا هي التي تصلح بيني

وبين الحياة وهي التي تجعلها تحتمل

لا أشعر بأنني إنسان فريسة جنونها

الإنسان في كل الجهات ينتظر الظل العضال

وحركة المصالحة نفسها تظهر في نهاية المقطع من قصيدة «أغنية حزينة»، فبعد أربعة أبيات تتحدث عن القلق، وكأنه الانبهار:

- ساحة لكونكورد، نسيان مباغتة للنفس

المسرح فارغ ولكن نور الحرير

يكون في وقت واحد الحلم المتوهج والفكر الأساس

يسترجع الطمأنينة، في نفسي تحت غناء السماء العاري

يظهر لنا محمد ديب في هذه الشواهد أنه لم يكن إنسانًا محبا للمناظر الطبيعية، وحسّاسًا وقادرًا على أن يقبض على تلك الظلال الرقيقة للضوء واللون فحسب، بل بدا محللاً فطنا لكل التغيرات المتعلقة بحياته الداخلية، فعنده الإحساس ليس منفصلا عن العاطفة.

وهو بهذه العاطفة الشاعرية يقدم شكلا معينا، وهذا الشكل يندرج ضمن تقليد طويل هو شعر المراثي، فمنذ القصيدة الأولى المعنونة بأغنية حزينة، يبدو كأنه وجد النغمة الحقيقية، إنه يتحدث عن معاناته، معاناة الغربة، ودون أن يجهد صوته، إنه يضعه في تلك الموسيقى الشعرية، هو الشاعر الجزائري الذي استطاع لأول مرة يسمع صوته بعيدا عن إساءة استعمال لغة الآخر، تلك التي فرضت عليه تاريخيا، إنه لا يتحدث عن باريس بلا ذاكرة شعرية، إنه يحمل في نفسه ذكرى وبصمة الشعر الغنائي الفرنسي، ومن الطبيعي ألا يجد صعوبة في الكتابة عن أسلوب التفاعيل السداسية في قالب الرباعيات أو الثلاثيات، بل ذهب إلى حد إعادة الكتابة على الشكل التقليدي الخاص بالسونات بالنسبة لقصائده: «غريب»، «أطوار الليل» «1،2»، «حسناء من الخارج»، «تنزرين»، «كأنني في حلم»، «منظر باريسي».

خاتمة:

إذن فالصورة عن باريس التي يقدمها لنا الشاعر محمد ديب هي في الوقت نفسه نقدية، شعرية وشخصية «لا توجد قصيدة خالية من ضمير المتكلم». فهو يعمل على إيصال معاناة المهاجر والتي تسيطر وتلون رؤيته، فمحمد ديب يمثل جزءا من تقليد، تقليد خاص بالشعراء الفرنسيين الذين تغنوا بباريس،. غير أن تقليده لهؤلاء لم يكن عبودية، فالأمر لم يكن تقليدا بقدر ما كان تأثرا. إنها ثقافة مستوعبة ومتقنة انفلتت من قبضة الذوبان فكانت دليلاً على الانفتاح.

سليم بتقه مجلة العربي يوليو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016