مختارات من:

كاناليتو.. «القنال الكبير في البندقية»

عبود عطية

تعود أول لوحة مؤرخة وصلتنا من الرسام البندقي جيوفاني أنطونيو كانال المعروف باسم كاناليتو إلى العام 1723، وإن كانت اللوحة التي نحن بصددها هنا قد رسمت في العام نفسه أو في العالم التالي، فإنها مع مثيلاتها من تلك الفترة لاتزال من أفضل أعمال هذا الرسام الذي عاش طويلًا ورسم كثيرًا.

ففي العام 1746، سافر كاناليتو إلى لندن وأقام فيها لمدة تسع سنوات، لأن معظم زبائنه والمتحمسين لفنه عندما كان في البندقية كانوا من الإنجليز. ولكن هؤلاء ما عادوا يستطيعون الوصول إلى البندقية بعد اندلاع حرب وراثة عرش النمسا عام 1740، فقصدهم كاناليتو في ديارهم، وهو يعتقد أنه سيلاقي النجاح نفسه. ولكن نوعية إنتاجه في لندن تدنت إلى مستوى دفع أحد النقاد ويدعى جورج فيرتيو إلى أن يقول بأن الرسام الموجود في لندن هو رسام آخر ينتحل شخصية كاناليتو، مما حدا هذا الأخير على أن يؤدي جلسات رسم علنية أمام الجمهور ليؤكد هويته الحقيقية!!

وعلى الرغم من استمراره في العمل بعد عودته إلى البندقية عام 1755، وتعيينه عضوًا في أكاديمية المدينة عام 1763، ومساعيه الكثيرة لأن يغير في مواضيع لوحاته وأسلوبه، تبقى مشاهد القنال الكبير في البندقية الكثيرة التي رسمها بناءً على طلب من أرستقراطية المدينة في بدايات حياته الفنية أفضل أعماله بإجماع النقاد قديمًا وحديثًا.

اللوحة التي نشاهدها هنا مسماة «القنال الكبير كما يبدو من قصر بالبي». ولكن النقاد لاحظوا أن المبنى الظاهر في أقصى اليسار هو قصر بالبي، واقترح بعضهم تغيير الاسم ليكون «القنال الكبير كما يبدو من كافوسكاري وحتى جسر الريالتو».

تكاد هذه اللوحة أن تكون نموذجًا معبرًا عن مجموعة مشاهد البندقية التي رسمها كاناليتو، ولا تختلف عنها إلا بالسماء الغائمة، إذ أن باقي لوحاته هي عمومًا ذات إضاءة نهارية قوية وساكنة. واللوحة كبيرة الحجم نسبيًا (144 × 207 سم)، تظهر عليها الخبرة التي اكتسبها الرسام عندما كان صغيرًا وساعد أباه الرسام برنارد كانال الذي كان يصمم ديكورات المسارح، قبل أن يدرس على يد رسام مدن متوسط المستوى يدعى لوكاس كارليفاريس. فالمباني الكبيرة هي عند طرفي اللوحة، وكأن الوسط متروك لحركة الممثلين على خشبة المسرح كي تملأه.

ولكن بالتدقيق قليلًا في هذه اللوحة، نكتشف الشوط الكبير الذي قطعه الرسام بعيدًا عن ديكور المسارح. فالمباني مرسومة بأمانة مطلقة للواقع من حيث الشكل والتفاصيل مثل أعداد النوافذ وطبيعة الزخارف وما إلى ذلك. الأمر نفسه ينطبق على الزوارق المختلفة الطرز في القنال الشهير.

أما ذروة النبوغ والتفوق في هذه اللوحة فتكمن في مقاربة لون السماء وعلاقته بلون الماء في القنال. ففي الأعلى نرى سماء زرقاء تشوبها بعض الغيوم البيضاء والسوداء، وفي الأسفل نرى ماءً أخضر اللون لا تتخلله إلا بقعة صغيرة مائلة قليلًا إلى الزرقة. وفيما اعتمد الرسام في تلوين السماء على فرشاة غليظة جدًا، ورسمها خلال دقائق، فإنه اعتمد على فرشاة في غاية الدقة لرسم تفعيلات الأخضر ما بين المائل إلى الزرقة والمائل إلى الذهبي في بعض الزوايا، لينجح في إضفاء وحدة لونية وتجانسًا على اللوحة ككل. ومقاربة لوني السماء والماء بهذا الشكل، هو ما أثار لاحقًا إعجاب كل الانطباعيين، حتى أن البعض يصنف كاناليتو كأول ملهم للانطباعية التي ظهرت بعده بأكثر من قرن.

عبود عطية مجلة العربي اكتوبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016