مختارات من:

اكتشاف الماء في الكون

علي حسين عبدالله

يغطي الماء 70% من الأرض من كل الماء الموجود على سطح الأرض، منها 1% فقط ماء عذب! إن أجمل منظر شاهده رواد الفضاء من القمر منظر الكرة الأرضية ذات اللون الأزرق والمغطاة بالسحب البيضاء والبقع الخضراء الناتجة عن انتشار الغابات. هذا الجمال لكوكب الأرض الفريد من نوعه راجع إلى وجود الماء. إن للأرض عوامل خاصة جدًا متعددة ومتزنة بدقة متناهية لتواجد الماء بحالاته الثلاث سائل وبخار وجليد، منها البُعد المناسب عن الشمس والغلاف الجوي والجاذبية المناسبة بالإضافة إلى عوامل أخرى اجتمعت للمحافظة على الحياة على الكوكب. ومن أغرب الصفات والتي أخذناها كمسلمات أن يكون الماء على شكل سائل! لأن الماء بشكله السائل لا يوجد في الكون بمثل سهولة وجوده بشكل صلب كالجليد أو بشكله الغازي كبخار ماء وهذا راجع إلى أن شروط الضغط والحرارة في الكون غير مناسبة لوجود الماء بشكل سائل. لقد تبين أن 99% من الماء المكتشف في مجرتنا على شكل جليد، بينما 1% منه على شكل بخار.

لماذا تحوي الأرض الكمية المناسبة من الماء؟ كمية الماء على كوكب الأرض لو كان جافًا فسيتم امتصاصها ويترك السطح جافًا وهذا لا يمكن أن يساعد على نشأة الحياة، ولو كان لكوكب الأرض ضعف كمية الماء الموجودة حاليا فإن القارات ستغرق وفي هذه الحالة لا يمكن خلق حضارة تكنولوجية راقية في كوكب مغطى بالماء لأنه لا يمكن للحيوان المائي مهما كان راقيًا أن يتمكن من صناعة التعدين أو أجهزة الكمبيوتر وغيرها من الأجهزة. إذن يتبين أن هناك اتزانًا دقيقًا لطبيعة الكوكب ولحساب كمية الماء الضرورية للحياة بشكل عام ولكائن سيبني حضارة على هذا الكوكب!

مصدر الماء في الكون والأرض

الماء الذي نستخدمه في حياتنا اليومية والذي يملأ المحيطات والبحار والأنهار مصدره الأصلي من النجوم وما حولها، هذا ما أعلنه العلماء في وكالة الفضاء الأوربية نتيجة الاكتشافات التي قام بها التلسكوب الفضائيISO، فقد لاحظ العلماء أن النجوم عندما تنتهي حياتها تندمج ذرات الهيدروجين المتوافرة في الكون مع ذرات الأكسجين المتولدة حديثا من داخل النجمة لتولد الماء. يظهر الماء ثانية بعد تولد النجمة الحديثة، لذلك يقول العلماء إن الماء الذي نستعمله الآن بدأ منذ أن خلقت الشمس والأرض، أي أننا نستخدم ماء عمره حوالي 4 بلايين سنة.

اكتشاف الماء في الكواكب والأقمار

قبل استعمال التلسكوب الفضائي أطلق العلماء البالونات إلى ارتفاعات عالية للكشف عن الماء خارج الأرض واستخدموا الطائرات ولكن كان لابد من الانتظار لحين دخول عصر الفضاء للكشف عن وجود الماء في الكون.

الطائرة التي وضع بها التلسكوب لاكتشاف الماء في كوكبين تحمل تلسكوبًا يعمل بالأشعة تحت الحمراء إلى ارتفاع يصل إلى 14000 متر وذلك لتفادي الغلاف الجوي (على هذا الارتفاع يتم تفادي 99% من امتصاص الأشعة تحت الحمراء). لقد تم استعمال هذه الأجهزة سنة 1977 للكشف عن الماء في الغلاف الجوي لزحل والمشتري.

عصر الفضاء

بدأ العلماء باستخدام الأقمار الاصطناعية للكشف عن الماء في الكون ويتم الاعتماد على الأجهزة الحساسة والدقيقة المحمولة بالأقمار الاصطناعية المعتمدة على الأشعة تحت الحمراء في الكشف عن الماء في أعماق الكون وكان أول اكتشاف لجزيئات الماء في الكون سنة 1968 فقد ثبت وجود الماء بالقرب من المحيط بالنجوم الباردة نسبيًا (أبرد من حرارة سطح الشمس).

الكشف عن الماء في الكون

أطلقت وكالة الفضاء الأوربية تلسكوبًا فضائيًا يعتمد على الأشعة تحت الحمراء وبدأ العمل بهذا التلسكوب من نوفمبر 1995 إلى مايو 1998.

هذا التلسكوب له القدرة على الكشف عن الأماكن الباردة في الكون والتي تصل درجة حرارتها إلى بضع درجات أعلى من الصفر المطلق (الصفر المطلق = - 273 سيليزية). من الضروري استخدام هذه النوعية من التلسكوبات الفضائية المحمولة على قمر اصطناعي نظرا لامتصاص الغلاف الجوي موجات الأشعة تحت الحمراء لأن التلسكوبات الأرضية لا يمكنها كشف الماء الموجود في الفضاء الخارجي بسبب الغلاف الجوي الذي يمنع مرور هذه الأشعة.

المحاولة الحديثة للكشف عن الماء في القمر

أطلق مشروع القمر الاصطناعي «LCROSS» في 18 يونيو 2009، وفي 9 أكتوبر2009 نجحت المهمة في الكشف عن الماء بالقرب من القطب الجنوبي للقمر وذلك عن طريق التصادم مع الصاروخ الذي أسقط على فوهة أحد براكين القمر وتمت دراسة الغازات والأتربة المتصاعدة من تحطم جزء من الصاروخ الذي انطلق بسرعة طلقة البندقية. لقد تبين أنه لكل طن من تراب القمر يوجد 1 لتر من الماء في هذه المنطقة والموضوع يحتاج إلى دراسة أكبر.

أهمية اكتشاف الماء في القمر للمستقبل

تكمن أهمية الاكتشاف في أنه يفيد في اكتشاف معلومات أكثر عن القمر أو المجموعة الشمسية وذلك بأخذ الماء من القمر بدلًا من حمل الماء اللازم معهم من الأرض، خاصة أن تكلفة نقل الماء عالية. مثلا قدّرت وكالة ناسا تكلفة نقل 33 مليون طن من الماء إلى مدار القمر من الأرض بـ60 تريليون دولار، أما تكلفة نقله إلى سطح القمر فلا يمكن تقديرها.

الزهرة: الغلاف الجوي للزهرة كثيف أغلبه ثاني أكسيد الكربون ولكن هناك بعضًا من آثار ماء.

المريخ: لا يمكن وجود الماء على شكل سائل، لأن الضغط في الغلاف الجوي للمريخ أضعف بكثير من الضغط الجوي للأرض (100 مرة أقل) ولكنه موجود على هيئة ثلوج مدفونة تحت طبقة من الرمال حسب ما ذكره علماء «ناسا» ويقدر العلماء سُمك طبقة المياه بالأمتار.

المشتري: هذا الكوكب العملاق أغلبه غازات لذلك التركيز على أقمار المشتري، وأهم الأقمار هو القمر يوربا.

الماء خارج المجموعة الشمسية

1 - كواكب خارج المجموعة الشمسية:

يقصد بهذا الكواكب التابعة لنجوم أخرى غير الشمس وبدءا من 1995 تم اكتشاف كواكب خارج المجموعة الشمسية ومازال العدد في ازدياد، وحتى يونيو 2010 كان مجموع ما تم اكتشافه من الكواكب يصل إلى 442 كوكبًا، أربعة منها تحوي الماء على شكل بخار نظرًا للحرارة الشديدة على الكوكب وقد تم اكتشاف أول كوكب خارج المجموعة الشمسية يحوي الماء سنة 2007م بواسطة التلسكوب الفضائي سبيتزر Spetzer التابع لوكالة الفضاء ناسا (Nasa).

2 - منطقة ما بين النجوم:

تعتبر هذه المنطقة باردة جدًا لذلك يتكثف بخار الماء على سطح الغبار الكوني الموجود في هذه المنطقة ويتكون الثلج (كما نلاحظه في فصل الشتاء في المناطق الباردة على سطح الأرض). وقد تم اكتشاف الماء في السحب ما بين النجوم والجليد في هذه المناطق (حول النجوم) ولكن في الأجزاء الأبرد منها، بالإضافة إلى الماء في الغبار المحيط بالنجوم المتولدة حديثا.

سديم الجوزاء: قال البروفيسور ديفيد نيوفيلد David Neufield أستاذ الفلك والفيزياء في جامعة جون هوبكينزJohn Hopkins إن الماء وجد في سديم الجوزاء بكميات ضخمة ولإعطاء فكرة عن ضخامة كمية الماء أن هذا السديم ينتج من جزيئات الماء في يوم واحد، ما يملأ محيطات الأرض كلها أكثر من ستين ضعفًا (السديم سحابة من الغازات تتوالد منها النجوم).

3 - مجرتنا أول قياس لوجود الماء تم بواسطة المرصد الفضائي الأوربي Infrared Space Observatory (ISO) وتم قياس كمية الماء في المناطق الباردة (متوسط درجة الحرارة 263 درجة سيليزية) وأثبتت القياسات وجود الماء بكميات أكثر مما كان متوقعًا. أما مركز مجرتنا ففيه وجود بخار الماء على شكل سحب داكنة ومن حسابات العلماء استنتجوا أن مجرتنا بها كميات هائلة من الماء.

التلسكوب الفضائي الأوربي هرشل

أطلق التلسكوب هرشل في مايو 2009 وبدأ في الحصول على البيانات اعتبارا من يوليو 2010 ومن ضمن مهامه اكتشاف الماء في الكون فلقد كشف التلسكوب بخار الماء في موقع كان في الماضي يعتبر مستحيلًا وجود الماء فيه وهو الغلاف المحيط بنجم من النوع العملاق الأحمر- (هذا الخبر من مجلة نيتشر (nature) العدد 2 سبتمبر 2010 ).

اكتشاف الماء عند بدايات خلق الكون

باستخدام التلسكوب الراديوي (تلسكوب 100 متر) من معهد ماكس بلانك تم اكتشاف الماء في أبعد نقطة ممكنة في الكون. هذا الماء في كوازار MG J0414+0534 الذي يبعد أكثر من 11 بليون سنة ضوئية. إن هذا الكشف له أهمية لأن له دلالة على أن الماء كان موجودًا في بدايات خلق الكون. أي عندما كان عمر الكون حوالي 2.5 بليون سنة (بالمناسبة عمر الكون 13.7 بليون سنة) ولتقريب الصورة عن عمر الكون مقارنة بعمر الكون الحالي كأنه صورة إنسان عندما كان عمره 10 سنوات، وهو حاليا عمره 50 سنة.

التلسكوب الراديوي قطره 100 متر تابع لمعهد ماكس بلانك.

الماء والمركبات الكربونية في الكون

إن التفاعلات الكيميائية التي تُنتج الماء شائعة في الكون وقد تم اكتشاف كميات كبيرة من الماء في مناطق مختلفة من الكون، فلقد كشف العلماء عن وجود الماء وجزيئات الكربون في الغبار والغاز المحيط للنجوم البعيدة عنا وهي أساسيات الخلية الحية وهذا ما عزز النظرية التي تقول إن أماكن تولد الحياة منتشرة في الكون. إن هذا ليس دليلاً على وجود الحياة في أماكن أخرى من الكون ولكن دليل على أن الشروط التي أدت إلى وجود الحياة على الأرض متوافرة في أماكن أخرى من الكون. لقد تبين بعد مسح الفضاء أن بخار الماء منتشر بشكل عام في المناطق حول النجوم المتولدة حديثًا. يقول أحد العلماء من جامعة هارفرد: تصل درجة الحرارة في السحب الغازية التي تكون مكانًا لتولد النجوم الحديثة إلى آلاف الدرجات السيليزية والتي تقود إلى تفاعلات كيميائية تؤدي إلى الحصول على الماء والذي يُعتبر من أكثر الجزيئات وجودًا في هذه السحب الغازية، والماء موجود هناك ولكن على شكل جليد كالذي يغطي حبات الغبار أي أن حبة الغبار يُغطيها الجليد.

لماذا كل هذا الاهتمام بالكشف عن الماء في الكون؟

اكتشاف الماء في الكون يدعو إلى التفاؤل بوجود الحياة في الكون، لأن الماء علامة مهمة على وجود الحياة وقد أعلن العلماء الدليل على وجود الماء في أماكن مختلفة من الكون مثل القمر والمريخ وأقمار المشتري والمذنبات والسحب الغازية ما بين النجوم وهذه الاكتشافات تعزز النظرية القائلة إن الكون يعج بالحياة.

دور الماء في نشأة الحياة

كل شكل من أشكال الحياة على الأرض من أكبر كائن حي إلى أصغر ميكروب يعتمد على الماء والسبب أن الماء جزيء مثالي في إذابة المغذيات اللازمة أو لإفراز النفايات. لقد ساعد الماء في الربط بين الجزيئات العضوية الصغيرة المكونة لأجزاء الحياة الابتدائية التي تكونت على الأرض وذلك لتكوين جزيئات وكان دوره الإسراع في عملية التفاعل الكيميائي ومع مرور بلايين السنين تكونت جزيئات معقدة أكثر فأكثر وفي النهاية تكونت جزيئات RNA ,DNA وهذه الجزيئات هي الجسر الذي عبرت منه المادة إلى الحياة. لقد كان الماء السبب القوي في تسريع التفاعل الكيميائي بين الجزيئات الصغيرة لتكوين جزيئات أكبر أساسًا للحصول على الخلية الحية. التأثير المهم للماء في نشأة الحياة الأولى هو أيضا في المحافظة على هذه الخلايا الأولية من خطورة الأشعة الضارة الصادرة من الشمس فوجود الخلايا تحت الماء عبارة عن حفظ لهذه الخلايا وبالتالي حفظ لبدء الحياة والتي تقول النظريات إن الحياة انتشرت من الماء إلى اليابسة. لذلك عندما يريد الإنسان الكشف عن الحياة في أي كوكب خارج الأرض فإن أول سؤالين هما:

أولاً: هل هناك كمية كافية من الماء لكي تساند الحياة؟

ثانيًا: هل الماء على الصورة السائلة؟

إن كل ميزة من ميزات الماء تفيد في حياة الخلايا المكونة للأجسام وكذلك للأحياء بشكل عام بالإضافة إلى حفظ التوازن الطبيعي والكيميائي على سطح الأرض من أجل استمرارية الحياة عليها. إن خواص الماء تدل على أن قوانين الطبيعة مصممة أن تكون الحياة مبنية على أساس عنصر الكربون ويكون الماء هو الوسط لإتمام التفاعلات الأساسية والضرورية للحياة.

الرابطة الهيدروجينية وأهميتها للحياة

يتكون الماء من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين بينما يملك الهيدروجين إلكترونًا واحدًا ويملك الأكسجين 16 إلكترونًا وبما أن الإلكترونات التي تحيط الهيدروجين عددها أقل من التي تحيط بالأكسجين لذلك تُكون الإلكترونات جدارًا غير سميك حول نواة الهيدروجين فتكون المحصلة النهائية لذرة الهيدروجين تأثيرًا موجباً، لأن نواة ذرة الهيدروجين محاطة بعدد قليل من الإلكترونات. الأكسجين عدد إلكتروناته أكثر لذلك تتكون طبقة سميكة حول نواته وبذلك يكون الطابع الغالب على الأكسجين الشحنة السالبة. هذا الاختلاف في الشحنة بين الهيدروجين والأكسجين في جزيء الماء يؤدي إلى وجود تجاذب خفيف بينهما وهو ما يسمى برابطة الهيدروجين hydrogen bond.

أهمية هذه الرابطة للماء في استمرارية الحياة

هذه الرابطة تعطي الماء ميزة خاصة مفيدة للحياة، فهي مؤثرة في التركيبة البلورية التي يتخذها الثلج حيث يجعل الثلج أقل كثافة من الماء وهذا ما يجعل الجليد يطفو على الماء ولو كان الجليد أكبر من كثافة الماء، كما هي حالة أكثر السوائل الأخرى لتحولت الكرة الأرضية إلى كتلة من المادة الصلبة المتجمدة التي تستحيل معها الحياة لو تجمد ماء كل المحيطات والأنهار والبحار لأثر ذلك على كمية الحرارة التي يحصل عليها كوكب الأرض من الشمس وذلك أن الجليد يعكس الضوء والحرارة انعكاسا عاليا وهذا يعني أن تنعكس كل الطاقة الشمسية القادمة لتدفئة الأرض والنتيجة أن الأرض سوف تبرد وتبرد أكثر وتصعب الحياة عليها بل تنعدم نهائيًا. الماء مثل أي سائل آخر يتمدد بالحرارة وينكمش بالتبريد ولكن إلى حد معين ثم تنعكس الحالة بعد درجة معينة وهي 4 درجات، يبدأ الماء بالتمدد بالتبريد ولو لم تكن هذه الخاصية الفريدة للماء لجمدت أعماق البحار وعندما تتجمد من الصعب إرجاعها إلى الحالة السائلة بتسليط الحرارة على السطح الخارجي للبحار وهذا يعني أنه مع مرور الزمن ستتجمد البحار وتكون بحارًا من الجليد! ولكن للخاصية التي ذكرت عند حدوث التجمد يطفو بعض الجليد على سطح الماء وهذا يمنع تجميد قاع البحار وبذلك تبقى الحياة على سطح الأرض وتستمر الحياة في أعماق البحار والمحيطات. ألم يكن محقًا ذلك العالم الذي قال إن الذي صنع الماء كان في تصميمه أن يخلق الحياة؟!.

علي حسين عبدالله مجلة العربي يوليو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016