مختارات من:

من المكتبة الأجنبية: إرث من الرماد (تاريخ السي آي إيه)

تيم واينر

يكشف هذا الكتاب الذي ألفه الصحفي الأمريكي تيم واينر، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» للشؤون الاستخباراتية طوال عشرين عامًا، أسرار الستين عامًا الأولى من تأسيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه»، استنادًا إلى أكثر من 50 ألف وثيقة اطلع عليها، وعشرات المقابلات الصحفية التي أجراها مع بعض مدراء الوكالة السابقين وأشهر عملائها في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، وتكمن أهمية الكتاب في أنه يطلع القارئ على كيفية تعامل الوكالة الاستخبارية الأشهر في العالم مع القضايا الدولية الملحة، وفي مقدمتها سقوط نظام صدام حسين، وملاحقة تنظيم القاعدة، وكذلك يروي لنا فصولًا من الصراعات داخل أروقة السلطة في أمريكا حول دور الوكالة والضغوط التي تتعرض لها من قبل وزارتي الدفاع والخارجية. وقد حاز هذا الكتاب جائزة صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» للكتاب، إضافة إلى «الجائزة الوطنية للكتاب» في الولايات المتحدة.

يتهم مؤلف الكتاب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأنها تشكل خطرًا على الأمن القومي الأمريكي لأنها عجزت عن فهم أو توقع مجرى الأحداث في العالم، ولذلك فإن إرثها بعد ستة عقود تحول إلى رماد لا قيمة له! ويرى أنها شكلت «عصابات شبه إجرامية» تعمل على نحو يتناقض مع قوانين الولايات المتحدة الأمريكية، ويشجب «الأكاذيب» التي روج لها بعض عملاء الوكالة لمجرد رغبتهم في الحصول على المال، والتي أوقعت الديبلوماسية الأمريكية في مشكلات جمة في إيران، وكوبا، وكمبوديا، والسلفادور، والفلبين، وكولومبيا، والعراق، وفيتنام، وغيرها من دول العالم.

ملاحقة زعيم تنظيم القاعدة

يكشف المؤلف أن عدد العاملين بالوكالة في بداية حكم جورج بوش الابن بلغ 17 ألف موظف، أي ما يوازي حجم فرقة كبيرة في الجيش الأمريكي، ولكن أغلبية هؤلاء الموظفين كانوا يعملون في وظائف كتابية، وكان معظم الضباط يقيمون في ضواحٍ فاخرة ومريحة في محيط واشنطن، ولم يكونوا قد تعودوا على شرب المياه الملوثة أو النوم في منازل من الطين، ولذلك لم يكونوا يصلحون للعمل في أماكن خطيرة وفقيرة، ذلك لأنهم لا يصلحون للحياة التي تقوم على التضحيات الكبيرة، وكان عدد الضباط المكلفين بمتابعة نشاط تنظيم القاعدة في يناير 2001 قد بلغ 400 شخص، وكان معظمهم يركز في عمله على متابعة المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت والتي تبث بيانات القاعدة وأفكارها المتطرفة وكانوا يجلسون داخل مكاتبهم في مقر الوكالة الرئيسي، ولذلك فإن أحدًا منهم لم يتوقع ما حدث لاحقًا في 11 سبتمبر من العام ذاته.

وبالنسبة للإخفاق في القبض على أسامة بن لادن، أو اقتفاء أثره، يقول المؤلف إن القوات الأمريكية احتاجت إلى 11 أسبوعًا لتنظيم عملية مطاردة زعيم تنظيم القاعدة في أفغانستان، مع العلم بأن الوكالة، واستنادًا إلى معلومات حصلت عليها من بعض زعماء القبائل الأفغان، كانت تعلم أن ابن لادن والمقاتلين معه لجأوا إلى جبل معزول في منطقة تقع على مسافة 35 ميلًا في الجنوب الغربي لمدينة جلال أباد بالقرب من قرية تورا بورا، إلا أن تأخر وصول القوات الأمريكية إلى المكان، أفشل محاولة القبض على ابن لادن الذي تمكن من الفرار وذاب بسرعة بعد ذلك في المنطقة الجبلية المتاخمة لباكستان.

أسلحة الدمار الشامل في العراق

رغم إشادة المؤلف بإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، واعترافه بأن غزوه للكويت كان «الجريمة» الأبرز في سنوات حكمه، إلا أنه يؤكد أن الوكالة أنفقت ما يربو على 40 مليار دولار أمريكي للحصول على أدلة حول تملك العراق لأسلحة الدمار الشامل، التي ثبت خلو البلاد منها لاحقًا، الأمر الذي أوقع مسؤولي الوكالة في مساءلات كبيرة وكثيرة من جهات قانونية وحكومية في الولايات المتحدة، عن جدوى إنفاق هذا المبلغ الهائل من أجل قضية واحدة (إثبات امتلاك بلد لأسلحة محظورة) في بلد واحد (العراق) خلال سنوات قليلة.

ويقول المؤلف إن ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، ظل يشدد دائمًا على أن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، وأنه قام بتجميع هذه الأسلحة لاستخدامها ضد «أصدقائنا وحلفائنا»، وأن دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي في الفترة من العام 2001-2006 كان يقول عن النظام العراقي: «إننا نعرف أنهم يمتلكون أسلحة دمار شامل وليس هناك أدنى نقاش أو جدل حول ذلك الأمر». ويلفت إلى أن مصدر معلومات الرجلين كان تقريرًا أعده جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال الفترة من 1997-2004، واستند فيه الأخير إلى شهادة مصدر واحد فقط هو الرجل المعروف باسم «ابن الشيخ» الليبي الذي كان يعتبر عضوًا هامشيًا في تنظيم القاعدة، وقدم إفادة في عام 2001 حول قيام عملاء عراقيين بتدريب عناصر قيادية في تنظيم القاعدة على استخدام الأسلحة البيولوجية والكيماوية. وكان هذا «الاعتراف» الذي يقول مؤلف الكتاب إنه «أُخذ تحت التعذيب» ركنًا محوريًا بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الابن، في تبرير إسقاط النظام العراقي عام 2003، رغم أن سجل صدام حسين كان مليئًا بجرائم كثيرة لم تلفت انتباه الإدارات الأمريكية المتعاقبة. وقد تم ترحيل «ابن الشيخ» إلى ليبيا في عام 2006، وأُحيل إلى القضاء الذي أصدر ضده حكمًا بالسجن المؤبد، ولكنه وجد منتحرًا في سجنه عام 2009!

وبعد سقوط النظام العراقي تدفقت عناصر وكالة الاستخبارات المركزية على بغداد فور سيطرة القوات الأمريكية على العاصمة العراقية، وكان ضباط الاستخبارات في العراق يعملون مع جنود القوات الخاصة في محاولة لإقامة مناخ سياسي جديد في البلاد.

واستغلت الوكالة التناقضات والانقسامات العرقية والسياسية بين السياسيين العراقيين، وحاول العملاء الأمريكيون العمل مع زملائهم البريطانيين الذين كانوا يتوقون أيضًا إلى القيام بنشاط كبير في العراق بعد سنوات طويلة من حكم صدام حسين وحرمانهم من العمل هناك. وقامت المؤسسة الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية باختيار الزعماء المحليين، ولكن المحصلة النهائية لهذا النشاط المحموم كانت ضئيلة جدًا بالنسبة للإنجازات التي حققتها هذه الأجهزة الخفية.

وكان من نتائج ذلك اندلاع التمرد ضد الاحتلال الأمريكي وبالتالي انهار المشروع الاستخباري، وبدأت قيادات الوكالة في بغداد تصاب بالتصدع والانهيار. ويقول المؤلف في عبارات دامغة إنه بعد أن أصبح الاحتلال الأمريكي خارجًا عن السيطرة اضطر ضباط الاستخبارات الأمريكية إلى أن يقبعوا داخل مبنى السفارة الأمريكية في بغداد، ولم يعد بوسعهم أن يتركوا هذا المبنى الحصين الذي كانت أسواره عالية جدًا ومحاطة بالأسلاك الشائكة وهكذا أصبح ضباط الاستخبارات الأمريكية أسرى داخل المنطقة الخضراء.

سقوط مدير الوكالة بسبب العراق

ولم يكن جورج تينيت بحاجة إلى مقدرة فائقة لكي يصبح متأكدًا من أن الوقت قد حان بالنسبة له لكي يقدم استقالته من الوكالة ويقول المؤلف إن التاريخ سيتذكر تينيت من خلال أمر واحد وهو تأكيده القاطع لبوش قبل الحرب أن الوكالة لديها أدلة دامغة حول تملك العراق لهذه الأسلحة، واعترف تينيت بعد ذلك بأن هذه العبارات التي أطلقها كانت أسوأ ما قاله خلال فترة عمله الطويلة في الاستخبارات. وأصبح واضحًا للمراقبين وكبار المسؤولين أن الوكالة قد فقدت هويتها ومصداقيتها الكبيرة التي تحلت بها خلال فترة الحرب الباردة، ولكن عدم توقعها لانهيار الاتحاد السوفييتي كان بداية الكارثة بالنسبة لها، وكان هذا التأثير له وقع الصاعقة على هيئة الوكالة وسمعتها العالمية.

وقال ديفيد كاي، كبير مفتشي الوكالة عن أسلحة الدمار العراقية: «إن الاستخبارات ليست مهمة جدًا لتحقيق النصر في الحرب في المقام الأول، ولكن الحقيقة أن الحروب يتم انتزاع النصر فيها عن طريق الدم والشجاعة للشبان الصغار الذين يشكلون خطوط الهجوم الأولى خلال المعارك»، وأوضح كاي أن المهمة الرئيسية للاستخبارات هي «العمل ليل نهار للمساعدة على تفادي نشوب الحروب، وهذا كان يعتبر في النهاية الإخفاق النهائي لعمل الاستخبارات في العراق».

ويقول تيم واينر في فصل آخر من فصول الكتاب إن عدم تمكن القوات الأمريكية من العثور على أسلحة دمار شامل في العراق، أصاب الوكالة في مقتل، حيث أصبح العالم يتشكك في «الأساس الأخلاقي» للحرب الأمريكية ضد الإرهاب بشكل عام، وذلك وفقًا لتحذير كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق. ويتساءل المؤلف عما إذا كانت أمريكا ستتم خدمتها من خلال أجهزة استخبارات لا يمكنها إدراك أو توقع التهديدات القائمة وكذلك هل تصلح مثل هذه الأجهزة للاضطلاع بدورها المهم إذا ما كانت تعتمد على معلومات تم انتزاعها عن طريق التعذيب في سجون سرية وذلك بناءً على تعليمات من الرئيس نفسه؟

ويؤكد الكاتب في ختام هذه الصورة القاتمة لعمل وكالة الاستخبارات الأشهر في العالم، أنه سيتعين على باراك أوباما أن يواجه ويتصدى لهذه الأسئلة المثيرة للحرج، كما أكد المؤلف أنه ينبغي على الرئيس الأمريكي الحالي أن يستعيد روح المبادئ السامية الأمريكية وهذا معناه التخلي عن التعذيب كأداة لممارسة القوة وكذلك ضرورة اغلاق معسكر جوانتانامو، والتخلص من السجون السرية. ويطالب أيضًا بتقليص المزايا التي يتمتع بها العملاء بالنسبة للحيلولة دون ممارسة العدالة أمام المحاكم، وفقًا لأوامر من الرئيس، ولذلك ينبغي أن تتم استعادة أساليب الرقابة والشفافية بالنسبة لأي نشاط يتعلق بالأمن الوطني الأمريكي.

تيم واينر مجلة العربي يوليو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016