مختارات من:

جمال العربية: لغةٌ وإبداعُ لغة

فاروق شوشة

أ- قطوف لغوية:

من أطرف البحوث اللغوية المقدمة من لجنة الألفاظ والأساليب إلى مجمع اللغة العربية البحث الذي تقدم به الدكتور محمد داود أستاذ الدراسات اللغوية والخبير بالمجمع، متضمنًا قائمة من الألفاظ والأساليب شاعت على الألسنة والأقلام في مصر وعدد من البلاد العربية، بعضها من وحي ثورة الشباب، وبعضها الآخر من الألفاظ والتعبيرات العامة، التي تواكب المرحلة الراهنة وتعبّر عنها. ومن واقع النداءات الجماهيرية الداعية إلى التغيير في الحياة المصرية والعربية، التقط الباحث هذه الطائفة من الألفاظ والتعابير:

أبواق النظام أجندة أجنبية بركان الغضب ثورة بيضاء الثورة المضادة التجنيس السياسي أجواء ثورية أحزاب الديكور خلايا نائمة دقت ساعة العمل دولة الرجل الواحد رياح التغيير زعزعة الأمن تستيف الملفات شعارات رنانة مظاهرات استباقية مظاهرات فئوية اعتصام مفتوح على خلفية كذا مشاركة لا مُغالَبة فراغ أمني فراغ دستوري فراغ سياسي انفلات أمني الفوضى الخلاّقة قمع المظاهرات القوة الناعمة ملاحقات أمنية لاعب رئيسي مَلاءة مالية أنظمة قمعية نمر من ورق أنصاف الحلول نصر مستحق.

وفي مجال الألفاظ والأساليب والتعبيرات العامة التي تؤكد عصرية اللغة، واقتحامها لمجالات وآفاق جديدة، بوصفها لغة حية، تتجدد وتنفتح وتستوعب، وتمتلئ بدلالات ومضامين جديدة، ولا تقف عاجزة أمام الجديد من زخم الحياة وفورانها - كانت هذه الطائفة التي اهتم بالإشارة إليها ورصدها وتسجيلها - من أجل إثراء متن اللغة واتساع الذخيرة اللغوية الباحث اللغوي الدكتور محمد داود:

تجفيف المنابع الخروج على النص الزمن الجميل ازدواجية المعايير الساحرة المستديرة (يقصد بها كرة القدم) تسريبات التصالح مع النفس المستطيل الأخضر (ملعب كرة القدم) القنوات الشرعية (الرسمية) الأيدي الناعمة إيجابيات الثورة المضاعفات المتوقعة - يراوح مكانه تأثير المجتمع الدولي التجاوب السريع الدروب السرّية تحت مظلة (الأسرة / الأمم المتحدة / التأمين).

وقد جاء في المذكرة المتضمنة لهذا البحث اللغوي الطريف بالنسبة لكلمة «التجاوب» على سبيل المثال:

يقول الدكتور محمد داود:

شاع في محدث الكلام لفظ «التجاوب» بمعنى: التفاهم والتوافق، كما في قولهم: هناك تجاوب بين الكاتب وقرّائه.

والتجاوب مصدر على وزن «التفاعل» يقال: تجاوب القوم، أي: جاوب بعضهم بعضًا، ومنه قول الشاعر:

ومما زادني فاهتجْتُ شوقًا
غناءُ حمامتين تَجاوَبانِ
تجاوبتا بلحنٍ أعجميٍّ
على غُصْنيْن من غَربٍ وبانِِ

فالمجاوبة والتجاوب بمعنى: التحاور. (اللسان/ ج و ب).

وفي الوسيط أيضًا: «تجاوب القوم: جاوب بعضهم بعضًا».

وقد تطورت هذه الدلالة شيئًا يسيرًا في الاستعمال اللغوي المحدث، وأصبحت الكلمة تدل على التفاهم والتوافق، وهو نوع من التحاور المجازيّ الذهني والشعوري.

والكلمة هكذا صحيحة مبنًى ومعنىً.

وعن كلمة «تجسير» بمعنى إقامة علاقات حسنة وتعاون بين الدول غالبًا يقول الدكتور محمد داود: شاع في محدث الكلام استعمال لفظ «تجسير» بمعنى: إقامة علاقات حسنة وتعاون بين الدول غالبًا، كما في قولهم:

- تعمل الدول على تجسير العلاقات بينهما لدعم التنمية.

كلمة «تجسير» مصدر مصوغ من الاسم «جِسْر»، لإفادة معنى: مدّ الجسور، وهو مَجاز عن إقامة علاقات حسنة وصلات تعاون بين الدول. وكلمة «جِسْر» وردت في القديم بمعنى القنطرة ونحوها ممّا يُعبر عليه. (اللسان/ ج س ر).

والجديد في الاستعمال اللغوي المحدث هو صياغة المصدر «تجسير» بهذا المعنى.

واللفظ هكذا صحيح مبنى ومعنى.

وبالنسبة لتعبير «خلايا نائمة» يقول البحث اللغوي الطريف الذي قام به الدكتور محمد داود العالم والخبير اللغوي:

شاع في محدث الكلام استعمال تعبير «خلايا نائمة» بمعنى: مجموعات متمردة على الواقع ومنشقّة على الأنظمة القائمة، ولكنها متخفيّة وغير ناشطة في الوقت الحالي، للإفلات من الرقابة الأمنية، ومتربصة حتى تسنح لها الفرصة فتنشط من جديد محدثة آثارًا خطيرة، كما في قولهم:

- تنظيم القاعدة له خلايا نائمة في العديد من البلاد.

كلمة «خلايا»: جمع «خليّة» وهي: بيت النحْل. (الوسيط / خ ل و- ي). واستعيرت لهذه المجموعات، لاشتراكهما في ملمحين دلاليين، هما: التنظيم، والحركة والنشاط. فهذه المجموعات منظمة، وهي أيضًا ناشطة لتحقيق أهدافها. وقُيّدت بالوصف «نائمة» أي أنها هادئة غير ناشطة في الوقت الحالي، ومن معاني النوم: السكون والهدوء. (الوسيط/ ن و م).

والتعبير هكذا صحيح مبنًى ومعنىً.

كما جاء في المذكرة الخاصة بتعبير «مظاهرات فئوية» بمعنى: مظاهرات تقوم بها فئات أو طوائف معينة، كعمال المصانع أو موظفي البنوك أو السائقين... إلخ، للمطالبة بتحسين الأحوال الخاصة لتلك الطائفة، قول الدكتور محمد داود:

شاع في محدث الكلام تعبير «مظاهرات فئوية»، بمعنى: مظاهرات تقوم بها فئات أو طوائف معينة، كعمال المصانع أو موظفي البنوك أو السائقين...إلخ، للمطالبة بتحسين أحوال تلك الطائفة، كما في قولهم:

- كثرة المظاهرات الفئوية تؤدي إلى تعطيل مصالح الناس والإضرار بالاقتصاد الوطني.

فئوية: وصف منسوب إلى «فئة»، أي أن هذه المظاهرات تخصُّ فئة أو طائفة بعينها، وليست من المطالب الشعبية العامة.

والتعبير هكذا صحيح مبنىً ومعنىً.

وبالنسبة لتعبير «أجواء ثورية» تقول مذكرة الخبير اللغوي الدكتور محمد داود:

شاع في محدث الكلام تعبير «أجواء ثورية» بمعنى: ظروف وأحوال مصاحبة لقيام الثورة، كما في قولهم:

- عاشت مصر أجواءً ثورية في أثناء حركة الشباب.

أجواء: جمع جوّ، وهو ما بين السماء والأرض. (اللسان/ ج و و)، واستعير للظروف التي تصاحب حدثًا ما وتحيط به، «ثورية»: وصف منسوب إلى «ثورة» وهو لفظ مُحدث للدلالة على التغيير الشامل، أي: أنها أحوال مصاحبة لقيام الثورة، تدفع إلى إحداث تغيير شامل في المجتمع، وتعميم تلك الثورة إلى شتى المجالات.

والتعبير هكذا - صحيح مبنىً ومعنىً.

يبقى بعد ذلك القول: إنه بمثل هذه الجهود والأبحاث اللغوية الحية والعصرية تصبح لغتنا الجميلة قادرة على الوفاء باحتياجات العصر، والنهوض بمتطلبات النهضة والتقدم، والتعبير عن أشواق الإنسان ومطامحه وهمومه وتطلعاته. وبمثلها أيضًا، يصبح للمجامع اللغوية العربية دور فاعل ومؤثر ومرموق، وموقف مغاير ومتطور، ولوجودها في عديد من الأقطار العربية ضرورته وجدواه.

ب إبداع لغة:

والإبداع في هذه المرة يأتينا من الأندلس، مصطبغًا بأنفاس أمير الشعر الأندلسي: ابن زيدون الذي قال عنه الدكتور إحسان النص في مراجعته وتقديمه لطبعة البابطين من ديوانه، التي اعتمدت على تحقيق الأستاذ علي عبد العظيم وشرحه لهذا الديوان، وقد صدرت طبعة البابطين عام 2004 : «لقد أجمع النقاد والباحثون في الأدب الأندلسي، من العرب والغربيين، على أن ابن زيدون هو أعظم شعراء الأندلس وأكثرهم إبداعًا وتجديدًا في شعره»، ثم راح الدكتور النص يعرض للعوامل التي كانت وراء إبداعه، وإلى فنون الشعر التي تجلّى فيها هذا الإبداع، متحدثًا عن ثقافة الشاعر، وعن الطبيعة الأندلسية، وعن المجتمع الأندلسي، وعن تجارب الشاعر والأحداث التي مرّ بها، وعن نشأته وطبيعته ومزاجه. مؤكدًا أن الشاعر الأندلسي بصورة عامة قد سحرته طبيعة الأندلس وبهرته مشاهدها الرائعة وخلبت لُبَّه، فوقع في أسرها، وامتزجت بروحه وعواطفه، فهو يصفها من داخله، فيتفاعل معها ويحسّ نبضها، في حين أن شعراء المشرق كانوا يصفونها كما تبدو لهم من الخارج، ولا يتفاعلون معها صنيع الشاعر الأندلسي. وقد تركت هذه الطبيعة الخلابة أثرها العميق في نفس ابن زيدون، لا سيما أنه كان يقوم بنزهات في ربوعها الفاتنة بصحبة ولادة التي هام بها وتُيِّم بسحرها وفتنتها وعقلها ورهافة مشاعرها، وأدار من حولها جُلّ شعره في الغزل والوجد والصبابة فكانت ذكرياته لهذه النزهات ترتبط عضويًّا بحبه لولادة وتغزله بها، ولا تكاد تخلو قصيدة له من وصف الطبيعة والافتتان بها.

ولا يفوت الدكتور النص في تقديمه لأحدث طبعة من ديوان ابن زيدون- أن يلتفت إلى حرص الشاعر على أن يوفر لشعره قيمًا إيقاعية موسيقية، تجعل وقعه في الأسماع والنفوس أشدَّ إطرابًا وتأثيرًا. من هنا، أطلق عليه النقاد لقب «بحتريّ الغرب»، بعد أن رأوا كيف تأتي موسيقاه من اختيار معجم شعري حلو الجرس، فهو يختار ألفاظه اختيار الصائغ الحاذق جواهره ويواقيته.

هذا الهيام بالطبيعة المواكب لهيامه بولادة، بعد أن فتنته الطبيعة كما فتنته حبيبته، فخفق قلبه خفقتين وهتف بكلا الحبَّيْن هتافًا رددته الأيام وخلده الزمان، اختار له المحقق الأول للديوان الأستاذ علي عبدالعظيم عنوانًا دالاًّ هو: «بين روعة الطبيعة ولهفة الهيام»، وهو يقدم لشعره عن «ليالي قرطبة»، و«مواكب الذكريات» التي تتداعى إلى نفسه وتتزاحم:


سقى الغيثُ أطلالَ الأحبَّةِ بالحمى
وحاك عليها ثوب وشيٍ مُنمنما
وأطلع فيها للأزاهير أنجما
فكم رفلت فيها الخرائدُ كالدمى
إذ العيش غضٌّ والزمانُ غلامُ!

***

أهيم بجبارٍ يعزُّ وأخضعُ
شذا المسك من أردانه يتضوعُ
إذا جئتُ أشكوه الجوى ليس يسمعُ
فما أنا في شيء من الوصل أطمعُ
ولا أن يزور المقلتين منامُ

***

قضيبٌ من الريحان أثمر بالبدْرِ
لواحظ عينيه مُلئْنَ من السِّحْرِ
وديباجُ خدَّيْه حكى رونق الخمْرِ
وألفاظهُ في النطق كاللؤلؤ النَّثْرِ
وريقتُهُ في الارتشافِ مُدامُ!

***

سقى جنبات القصر صوبُ الغمائمِ
وغنَّى على الأغصانِ وُرْقُ الحمائمِ
بقرطبة الغراءِ دار الأكارمِ
بلادٌ بها عقَّ الشبابُ تمائمي
وأنجبني قوم هناك كرامُ

***

فكمْ ليَ فيها من مساءٍ وإصباحِ
بكلّ غزالٍ مشرقِ الوجه وضّاحِ
يُقدمُ أفواه الكؤوسِ بتفاحِ
إذا طلعتَ في راحه أنجمُ الراحِ
فإنا لإعظامِ المُدامِ قيامُ

***

ويومٍ لدى «البُنْتىّ» في شاطئ النهرِ(1)
تدار علينا الراحُ في فتيةٍ زُهْرِ
وليس لنا فرْشٌ سوى يانع الزَّهْرِ
يدورُ لها عذبُ اللَّمى أهيفُ الخصْرِ
بِفيه من الثغر الشنيب نظامُ

***

ويوم «بجُوفيِّ» الرصافة مُبهجِ(2)
مررْنا بروض الأقحوانِ المدُبَّجِ
ولاح لنا وردٌ بخدٍّ مُضرّجِ
تراهُ أمام النَّوْرِ وهو إمامُ

***

وأكرمْ بأيام «العُقابِ» السّوالفِ
ولهوٍ أثرْناهُ بتلك المعاطفِ
بسودِ أثيث الشعر بيضِ السَّوالفِ
إذا رفلوا في وشي تلك المطارفِ
فليس على خلع العِذارِ مَلامُ!(3)

***

وكم مشهدٍ عند «العقيق» وجِسْرهِ
قعدْنا على حُمْرِ النباتِ وصُفرهِ
وظبيٍ يُسقّينا سُلافةَ خمْرهِ
حكى جسدي في السُّقْمِ رقّةَ خصرْهِ
لواحظهُ عند الرُّنوِّ - سهامُ(4)

***

فقلْ لزمانٍِ قد تولىَّ نعيمهُ
ورثّت على مرّ الليالي رسومُه
وكم رقَّ فيه بالعشيِّ نسيمهُ
ولاحت لساري الليل فيه نجومُهُ:
عليك من الصبِّ المشوقِ سلامُ


وعندما يفرّ ابن زيدون من قرطبة، قاصدًا «الزهراء» - الضاحية الجميلة التي أنشأها الخليفة الناصر بسفح جبل العروس تخليدًا لذكرى إحدى حظاياه، وسمّاها باسمها، واستمر في بنائها زمنًا طويلاً، بعد أن جلب إليها الرخام ومهرة الصنّاع من القسطنطينية، فجاءت آية من آيات العمارة في القرون الوسطى ومن هناك يبعث ابن زيدون بهذه القصيدة إلى محبوبته «ولادة»:

إني ذكرْتُكِ بالزهراء مشتاقا
والأفق طلْقٌ، ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله
كأنه رقّ لي، فاعتلّ إشفاقا
والروض عن مائه الفضيِّ مُبتسمٌ
كما شققْتَ عن اللّبّاتِ أطواقا
نلهو بما يستميلُ العين من زَهَر
جال الندى فيه، حتى مال أعناقا
كأنَّ أعينهُ إذ عاينتْ أرقى
بكت لما بي، فجال الدمعُ رقراقا
وردٌ تألّق في ضاحي منابتهِ
فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سرى يُنافحهُ نيلوفر عبِقٌ
وسنانُ نبّه منه الصبحُ أحداقا
كلّ يهيج لنا ذكرى تُشوِّقُنا
إليكِ، لم يعْدُ عنها الصدرُ أَنْ ضاقا
لا سكّن الله قلبًا، عنَّ ذكْرُكمو
فلم يطرْ بجناح الشوق خفّاقا
لو شاء حملي نسيمُ الصبح حين سرى
وافاكمو بفتًى أضناهُ ما لاقى
يومٌ كأيام لذّاتٍ لنا انصَرمتْ
بِتْنا لها حين نام الدهر سُرّاقا
لو كان وفيَّ المنى في جَمْعِنا بكمو
لكان من أكرم الأيام أخلاقا

وما تزال الأنفاس الشعرية الحارّة التي انطلقت من قلب الشاعر العاشق ابن زيدون أمير الشعر الأندلسي تصل إلينا وتلفحنا بصهدها وقوة اشتعالها، وتجدّد انعطافنا إلى هذه الحقبة الفريدة من تاريخ العربية في الأندلس، وهذه القصائد البديعة، الناطقة دومًا - بسحر جمال العربية، ودورانه في ذائقة المتلقين له تأثيرًا وإعجابًا عبْرَ العصور والأزمان.

---------------------------------------------------------
(1) البُنْتي: نسبة إلى البنت وهو حصن من أعمال بلنسية أو نهر صغير ينساب منه إلى ضواحي قرطبة. عذب اللمى: حلو الشفتين.
(2) الجوف عند الأندلسيين والمغاربة هو الشمال: جوفيّ الرصافة : شمالها.
(3) أثيث الشعر: غزيره. السوّالف: صفحات العنق. المطارف: أردية من الحرير مربعة ذات أعلام. خلْع العذار: الانطلاق وعدم المبادرة.
(4) الرنوّ: إدامة النظر والتأمل من الفعل: رنا : يرنو.

فاروق شوشة مجلة العربي يوليو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016