مختارات من:

كنز اسمه: الفطر

محمد عودة جمعة

عرف عند الصينيين القدماء باسم "إكسير الحياة" وعند الإغريق باسم "غذاء الآلهة" وسمي في أوربا ب"الطبق الماسى"، حيث لم يكن يوجد إلا على موائد النبلاء والأمراء. وكان اكتشاف إمكان زراعته وإنتاجه محض مصادفة وذلك في أوائل القرن السابع عشر، يوجد منه حوالي 5000 نوع، بعض هذه الأنواع صالح للأكل وبعضها غير صالح لذلك، بينما بعضها الآخر مميت. ذلك هو الفطر الذي يدور حوله هذا الموضوع.

يشغل الفطر مكانا متواضعا فى المملكة النباتية، ويختلف عن النباتات الأخرى في ناحية أساسية، فهو لا يحتوي على اليخضور Chlorophyll المادة التي تجعل النبات قادرا على القيام بعملية. التركيب الضوئي Photosynthesis، تلك العملية التي تمكن النباتات الخضراء من تصنيع غذائها بنفسها انطلاقا من مواد بسيطة (الماء والأملاح المعدنية التي تمتصها من التربة، وغاز ثاني أوكسيد الكربون الذي تحصل عليه من الهواء الجوي). أما الفطر فهو عاجز عن القيام بذلك، لذلك فهو يعتمد في تأمين غذائه على كائنات أخرى، حية كالنباتات الخضراء والحيوانات، أو ميتة كالمواد العضوية المتحللة. وبناء على ذلك تقسم الفطور إلى فطور متطفلة تتغذى على الكائنات الحية المختلفة، وفطور تعايشية يرتبط وجودها بوجود نبات آخر تعيش معه في علاقة تكافلية يقدم بموجبها الفطر للنبات الماء والنيتروجين والأملاح المعدنية ليحصل منه على المواد العضوية اللازمة له مصنعة وجاهزة، وثمة مجموعة ثالثة من الفطور تتغذى على المواد العضوية الميتة، وتدعى مثل هذه الفطور بالفطور الرميّة وإلى هذه المجموعة تنتمي معظم أنواع الفطر الزراعي موضوع بحثنا هذا.

يتبع الفطور الزراعي تصنيفياً قبيلة الفطور الحقيقية Mycophyta التي تضم عدة صفوف أهمها صف الفطور الدعامية Basidiomycetes الذي يضم مايربو على ال 5000 نوع من أنواع الفطر المختلفة. بعض هذه الأنواع صالح للأكل وبعضها غير صالح لذلك، بينما بعضها الآخر سام ومميت.

لا شك أن التفريق بين الأنواع البرية للفطر، من حيث صلاحيتها للأكل أو عدمه، ليس بالأمر اليسير أبدا، وكثيرا مايكون جهل هواة جمع الفطور البرية وافتقارهم للخبرة المطلوبة سببا في الكثير من الحوادث المؤسفة.

ويتكاثر الفطر بواسطة الأبواغ Spores التي تعد بمثابة البذور عند النباتات الراقية. والأبواغ صغيرة الحجم إذ تقدر أبعادها بالميكرون- يساوي الميكرون 0.001 من الميلليمتر- ويعطي الفطر البالغ النمو أعدادا كبيرة منها قد تصل إلى عدة مليارات، وما أن تصادف هذه الأبواغ بيئة مناسبة من تربة (وسط مغذ) وحرارة ورطوبة.. وغير ذلك، حتى تبدأ بالنمو والانقسام السريع لتكون فيما بعد شبكة من الخيوط الدقيقة والمتفرعة تمتد ضمن التربة تدعى بالمشيجة Mycelium التي يمكن اعتبارها بمثابة الجهاز الإعاشي لهذا النبات، فهي تقابل المجموع الخضري في النباتات الراقية. وبعد مرور فترة من الزمن يختلف طولها باختلاف نوع الفطر، تبدأ بعض خلايا المشيجة بالتمايز لتعطي كتلا صغيرة تأخذ في النمو السريع لتكون فيما بعد ما يدعى بالجسم الثمري. يشكل الجسم الثمري الجزء المأكول من الفطر، وتختلف الأجسام الثمرية من حيث الشكل والحجم واللون باختلاف نوع الفطر وجنسه أولا، وباختلاف ظروف نموه أو إنتاجه ثانيا. إلا أن جميع الأجسام الثمرية تتكون من جزأين رئيسيين هما الساق والقبعة حاملة الأبواغ، التي لا تلبث بعد نضج الجسم الثمري أن تسقط على التربة أو تنتشر في الهواء لتعيد الكرة من جديد إذا ما صادفت الظروف البيئية المناسبة.

زراعة الفطر بدأت مصادفة

لقد كانت زراعة الفطر وإنتاجه بطريقة مشابهة للطريقة التي يتم بها إنتاج مختلف الأنواع النباتية من الأمنيات القديمة التي طالما حلم المزارعون بتحقيقها. ومما زاد الاهتمام بهذا النبات قدرته على النمو اعتمادا على مواد تعد من مخلفات النبات والحيوان (كالقش والخشب والروث.. وغيرها) من جهة، وتمتعه بقيمة غذائية عالية من جهة أخرى.

ويعتقد أن اكتشاف إمكان زراعة الفطر وإنتاجه كان محض مصادفة. ففي أوائل القرن السابع عشر استخدم البساتنة الفرنسيون الأحواض المدفأة بالسماد الحيواني لإنتاج البطيخ الأصفر (الشمام)، حيث لاحظوا ظهور الفطر في تلك الأحواض ونموه فيها بشكل جيد، مما لفت انتباههم إلى إمكان زراعته وإنتاجه، إذا ما تم توفير الظروف البيئية المناسبة له. وسرعان ما بدأت المحاولات الخاصة لذلك، التي تكللت بالنجاح في عام 1678، حيث تمت زراعة أنواع من الفطر على السماد الحيواني المتحلل. ومنذ ذلك التاريخ وزراعة الفطر في تطور مستمر. إلا أن التطور الحقيقي لم يحصل إلا في عام 1890 وهو العام الذي تمكن فيه الفرنسيون من التوصل إلى طريقة لتحضير مادة إكثار الفطر Spawn مخبريا. ولقد كان اكتشاف هذه الطريقة سرا احتفظ به الفرنسيون لسنين طويلة، مما أعطاهم مكان الصدارة في زراعة الفطر آنذاك. وفي وقت لاحق تمكن الأمريكيون أيضا، من تحضير مادة إكثار الفطر، وقد تم ذلك في عام 1929، وهذا ما ترافق مع تعاظم دور الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال على حساب دور فرنسا الذي أخذ بالتراجع قليلا. واستمرت زراعة الفطر بعد ذلك في التطور إلى أن جاء عام 1950 وهو العام الذي شهد انعقاد المؤتمر العالمي الأول لعلم الفطر. وبانعقاد هذا المؤتمر بدأت الأسرار المتعلقة بهذا النوع من الزراعة بالشيوع والانتشار.

مليونا طن سنويا

يبلغ حاليا عدد الأنواع المزروعة من الفطر على نطاق تجاري أكثر من عشرة أنواع تتبع ثلاثة أجناس رئيسية وهي: جنس Agaricus (الغاريقون). جنس Pleurotus (المحاري) وجنس Volvariella (الصيني).

وينتج الفطر في أكثر من 120 بلدا من بلدان العالم المختلفة، ويقدر الإنتاج العالمي منه بحوالي 2.2 مليون طن سنويا. تحتل الولايات المتحدة الأمريكية المركز الأول في إنتاجه بكمية تفوق الى 200 ألف طن سنويا، تليها فرنسا التي يقدر إنتاجها ب180 طنا في السنة الواحدة، في حين تشغل هولندا المركز الثالث تليها الصين فتايوان.

أما في وطننا العربي فإن زراعة الفطر مازالت في بداياتها الأولى، حيث لا ينتج سوى في عدد قليل من المزارع المتفرقة في بعض البلدان العربية كمصر وسوريا والسعودية والجزائر.. هذا على الرغم من توافر مستلزمات هذه الزراعة في معظم الدول العربية.

أقوى غذاء من اللحم

يتمتع الفطر بقيمة غذائية عالية تفوق القيمة الغذائية لمعظم الخضار والفواكه وتقترب كثيرا من القيمة الغذائية للحم. الأمر الذي دعا بعض الباحثين إلى اعتباره بمثابة الغذاء البديل للحم، في حين أطلق عليه آخرون تسمية "لحم الفقراء". ولكن من أين للفطر هذه القيمة الغذائية العالية؟

ومما لا شك فيه أن قيمة الفطر الغذائية تكمن، بالدرجة الأولى، في محتواه من البروتينات. فالبروتينات تشكل حوالي 5% من وزن المادة الطازجة للفطر، وهذا مايعادل 34 - 40 % من وزن مادته الجافة، والفطر بذلك يتفوق على معظم أنواع الخضار والفواكه. لكن الفطر لا يتميز على الأنواع النباتية الأخرى بارتفاع محتواه من البروتينات فقط بل وفي نوعية البروتينات التي يحتويها أيضا. فالأحماض الأمينية التي تتكون منها بروتينات الفطر مشابهة كثيرا لتلك التي تتكون منها البروتينات الحيوانية كبروتينات اللحم والحليب والبيض. حيث تتكون بروتينات الفطر من حوالي عشرين حمضا أمينيا أهمها: لوسين، ايزولوسين، ليسين، فينيل آلانين، ميثيونين، ثريونين، تريبتوفان وفالين. وتشكل هذه الأحماض الثمانية ما يدعى بمجموعة الأحماض الأمينية الأساسية التي تعد ضرورية لحياة الإنسان ونموه نموا طبيعيا. وإذا ماعبرنا بالنسبة المئوية عن إمكان البروتينات النباتية المختلفة تعويض البروتين الحيواني، لوجدنا أن هذه النسبة لا تساوي سوى 40 - 50 % فقط في حالة بروتينات الحبوب والبقول والخضار، بينما تقترب كثيرا من 100% في حالة بروتينات الفطر.

الفطر ليس منبعا للبروتينات فحسب، وإنما للفيتامينات أيضا. فهو مصدر جيد للعديد من الفيتامينات كمجموعة فيتامين B وفيتامينات C (حمض الأسكوربيك) و K و E ويمتاز عن باقي النباتات باحتوائه على فيتامين D . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفطر لا يحتوي على فيتامين A على الرغم من احتوائه على المادة الأولية لهذا الفيتامين على صورة كاروتين.

كما يعد الفطر مصدرا جيدا للأملاح المعدنية أيضا. فمحتواه من هذه المواد يعادل تقريبا محتوى لحم البقر ويفوق محتوى بعض المنتجات الحيوانية كالحليب (اللبن) والزبد.. كما يفوق محتوى العديد من أنواع الخضار والفواكه كالخيار والتفاح والبندورة (الطماطم).. وغيرها. أما أهم الأملاح التي يحتويها الفطر فهي أملاح البوتاسيوم والصوديوم والفوسفور كما يحتوي على أملاح الكالسيوم والحديد والنحاس أيضا.

إن الفطر كمنبع قيم للبروتينات وكمصدر جيد للفيتامينات والأملاح المعدنية يعد فقيرا بالمواد الكربوهيدراتية مقارنة بالأنواع النباتية الأخرى كالحبوب والبطاطا (البطاطس) والتفاح. فالمواد الكربوهيدراتية لا تشكل سوى 3.5-5.2% من وزن الفطر، بينما تبلغ نسبة هذه المواد في القمح مثلا 60 - 70 % وتتكون المواد الكربوهيدراتية التي يحتويها الفطر من سكر المانيتول (سكر كحولي) والغلوكوز (سكر العنب) والسكروز (سكر القصب) والفركتوز (سكر الفواكه) بالإضافة إلى بعض السكريات الأخرى الأقل أهمية.

كما يعد الفطر فقيرا نسبيا بالمواد الدهنية، فمحتواه من هذه المواد يتراوح بين 0.1 إلى 0.2 % ، ويتكون هذا المحتوى بالدرجة الأولى من حمض اللينوليك وحمض الأولييك وحمض الستيارين.

إضافة إلى ما سبق يحتوي الفطر أيضا على العديد من الإنزيمات المهمة التي تساعد في عملية الهضم يصل عددها إلى حوالي 24 إنزيما. كما يحتوي على بعض المواد الإيزية التي تساعد في تكوين الشهية وتحسينها.

إن أهمية الفطر لا تكمن في كونه غذاء متكاملا فقط، بل تتعدى ذلك إلى اعتباره بمثابة الدواء أيضا. فالفطر يحتوي، كما أسلفنا، على مجموعة فيتامين B الضرورية لجسم الإنسان كالريبوفلافين (فيتامين B2) الذي يؤدي نقصه إلى التهاب الشفاه وتشققها، والنياسين (فيتامين B5 ) الذي يؤدي نقصه إلى التهابات في الجلد والأغشية المخاطية المبطنة للمعدة والأمعاء، والبيوتين Biotin الذي يدخل في كثير من التفاعلات الحيوية ويؤدي نقصه إلى فقد الجسم لمقدرته على مقاومة الأمراض المختلفة. كما يحتوي الفطر على حامض الفوليك Folic acid الذي يستخدم في علاج المرضى المصابين بفقر الدم (الأنيميا)، وعلى الكولين Choline الذي يعد عاملا مهما يساعد في تمثيل المواد الدهنية ومنعها من التراكم في الجسم ويؤدي نقصه إلى نزيف في الكلى وتضخم في الطحال.

ويعتقد بعض الباحثين أن بعض أجناس الفطر تحتوي أيضا على مادة أو بعض المواد المضادة للسرطان، أو التي تساعد الجسم في الوقاية من هذا المرض الخبيث. وهم يستندون في اعتقادهم هذا إلى انخفاض معدل الإصابة بهذا المرض بين صفوف منتجي الفطر، وقد عزوا ذلك إلى استهلاك هؤلاء المنتجين لكميات كبيرة من الفطر مقارنة بالناس الآخرين. ولقد أمكن حديثا فصل مضاد حيوي يدعى Neblarine من فطر Agaricus nebularis ويستخدم هذا المضاد الحيوي في علاج الأورام السرطانية والوقاية منها.

كما أن انخفاض محتوى الفطر من المواد الكربوهيدراتية والدهنية تجعل منه غذاء مناسبا لمرضى السكري ولأولئك الذين يعانون من ارتفاع في نسبة كوليسترول الدم، فلقد تبين أن استهلاك الفطر بشكل منتظم لعدة أسابيع متوالية يساعد في تخفيض كولسترول الدم بنسبة تصل إلى 45 % وللسبب السابق نفسه يعد الفطر أيضا غذاء مناسبا للمرضى الذين يعانون من السمنة، ولكل أولئك الذين يرغبون في المحافظة على رشاقة أجسامهم وحيويتها.

محمد عودة جمعة مجلة العربي سبتمبر 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016