مختارات من:

شعرة سحرية..

عبدالباقي محمد بخيت

تحملنا إلى القرن الحادي والعشرين


شعرة يقل قطرها أحيانا عن قطر شعرة الإنسان. لكنها قادرة على حمل أطنان من المعلومات وأكداس من الطاقة. وهي بإمكاناتها الفذة تلك قادرة على تحويل العالم - بالفعل - إلى قرية صغيرة، وقادرة على نقلنا بيسر.. إلى القرن القادم.

نجح إنسان النصف الثاني من القرن العشرين في الانطلاق بخياله يجوب شتى أرجاء الكون، فصال في فن الكمبيوتر حتى بلغ الروبوت شبابه. وجال في الفضاء ليهبط فوق سطح القمر، وسبح مع الأشعة الكونية ليستخلص شعاع الليزر السحري. ثم تحدى عثرات الطبيعة فأنجب طفل الأنابيب، وبارز الجوع فأنبت ما يشتهي داخل الصوب الزجاجية. بيد أن القرن الحالي قارب أن يسدل ستائره ولم تشب عن الطوق أبحاث إنسانه في مجالات أخرى، فيشهر الإيدز سيفه في وجه البشر في الوقت ذاته الذي يهدد فيه طبقة الأوزون الحياة على وجه الأرض، كما لايزال الفضاء يعج بالأسرار.

ومن الواضح أن الإنسان يدخل بوابة القرن الحادي والعشرين؟ وفي جعبته الكثير من التحديات:
السلام.. أين واراه القتل والدمار؟!!
الرخاء،، من أوقف نبته وواراه؟!
الصحراء.. أما آن لها أن تغير لونها إلى الاخضرار؟!!
الطاقة.. أزمة، من مجدد شبابها؟!!
التكنولوجيا.. ثورة متأججة، من يستثمرها؟!!
والألياف الزجاجية.. ابن شرعي لها، فمن يفجرها؟!!

بداية البداية الاتصالات

حقا تنتهي التسعينيات أو أوشكت ومازالت الألياف الزجاجية معتمة، لم ير الإنسان كل فوائدها. بدأت معه منذ السبعينيات وما زالت تحبو في ساحات التطبيق. رغم أنها ثورة حقيقية، إذا انطلقت شرارتها فلن يتنبأ أحد بمدى انعكاساتها على حياة البشر.. فلقد شهد عام 1979 أول كابل مصنوع من الألياف الزجاجية استخدم في مجال الاتصالات لحمل ألفى خط تليفوني بالخدمة. وحقا كانت الاتصالات أكثر تطبيقات هذه التكنولوجيا رواجا، ففضلا عن نقاء الصوت خلال وصلاتها لانعدام الشوشرة وعدم تأثرها بالنبضات الكهرومغناطيسية، فإنها سمحت بمرور الإشارات الكهربائية محمولة على شعاع الليزر الذي يسافر بسرعة الضوء البالغة "300" ألف كيلومتر في الساعة، وهو ما يعني اتصالا سريعا عبر وصلات الألياف الزجاجية. أتاح لها شعام الليزر الوسيط تحميل هذه الإشارات الكهربية بطرق متعددة وفي شكل متغير، فأمكن تحميل الطرف الواحد من هذه الألياف بآلاف الخطوط التليفونية، كانت تستلزم نحو آلاف الأطراف عن السلك العادي. وظهر التليفون المرئي ينقل صورة الطرف الأخر الذي يتحدث إليك ولولا هذه الألياف السحرية لكانت هذه النقلة التكنولوجية شبه مستحيلة.

ويكفي أن نشير إلى أن الكابل المحوري الممتد عبر المحيطات سعته "4200" خط فقط، تكلفة كل كيلومتر للخط الواحد منه "3.1" دولار. بينما سعة الكابل المصنوع عن الألياف للزجاجية "12" ألف خط؟ وتكلفة ككيلومتر الواحد منه للخط الواحد لا تتعدى "13" سنتا. كما أن "60" طنا من السلك النحاسي المستخدم في خدمة الاتصالات، يمكن استبدالها بنحو "6" أطنان فقط من الألياف، فضلا عن أن الحيز الذي تشغله أقل بنسبة 85% !

كان مدير الاتحاد الدولي للاتصالات محقا عندما جزم، بأن ما حققته الاتصالات من ثورة خلال السنوات العشر الأخيرة في ظل استخدام الألياف الزجاجية، أعظم مما حققته في تاريخها الأسبق الذي تجاوز "125" سنة..!! وهناك ثورة أخرى تفجرت في ظل هذه الألياف السحرية، إنها ثورة المعلومات التى لم تكن لترى النور في ظل نظم الكابلات التقليدية. وراجت بنوك المعلومات في أرجاء الدنيا، وبلغت المنازل والمصانع والجامعات والمكتبات والمؤسسات الصحفية، بالإضافة إلى القطاعات الحكومية الواسعة الانتشار. وبذا توارت الأساليب القديمة في الحصول على المعلومات، المتمثلة في سفر المستفيد إلى بنك المعلومات والبحث عما يريد المحفوظات الورقية.

وفي ظل هذه الثورة - أيضا - تعدد نصيب الفرد من الرفاهية، فبدلا من امتلاء كل شارع بكابلات التليفون التقليدية الواصلة إليه وتعدد هذه الكابلات الواصلة حتى إلى المبنى الواحد. بات من السهل مد طرف واحد من الألياف الزجاجية إلى هذا الشارع، ودخوله إلى كل مبنى وإلى كل شقة بل وإلى كل غرفة أو مكتب. ويحمل هذا الطرف جميع الخطوط التليفونية المادية والمرئية الواصلة إلى كل هذا الشارع، كما يحمل آلاف القنوات التلفزيونية الخاصة وقناة بنك المعلومات. فضلا عن تحميله إشارات الإنذار عن الحريق إلى مراكز الإطفاء وشفرة استدعاء الشرطة إلى أقسام البوليس، حيث يتم ذلك أوتوماتيكيا بمستشعرات للحريق في كل منزل، أو بزر يغلق دائرة الشفرة في حالات الخطر.

ولم لا..؟ فعرض الموجة في كابل الألياف يبلغ "30" مليون ذبذبة في الكيلومتر، ويسمح ذلك بحمل آلاف الخطوط في الطرف الواحد حيث يخصص جزء من هذه الذبذبة للاتصالات العادية يكون لكل مشترك طول موجى يختلف عن الآخر بجزء من ألف من هذه الذبذبة، فالفقد لا يتعدى "10" ديسيبل في الكيلومتر. وكذلك الحال في التليفون المرئي ولكل شبكة تلفزيونية خاصة، وأيضا لمراكز المعلومات وشبكة الكمبيوتر ومراكز الإطفاء وأقسام البوليس.

ونتوقف عند هذه المعجزات التي قدمتها هذه الألياف السحرية إلى التكنولوجيا المعاصرة، لنوضح طبيعة هذه الألياف وكيفية تصنيعها. فقد احتفظت الشركات المنتجة بسر العناصر الأساسية لمادة الألياف الزجاجية، غير أنه لا يخفى أن الزجاج والمواد الصمغية عنصران رئيسيان لهذه المكونات، التي بخلطها جميعا ببعضها البعض - على البارد - تبدأ سلسلة تفاعلات كيماوية.

ويجري عمل منتج الألياف الزجاجية بالطريقة التالية:
(1) يصنع نموذج خشبي يأخذ تفاصيل، السطح الداخلي للمنتج النهائي، وينظف جيدا ثم يدهن بطبقة عازلة لتسهيل فصل المنتج عن القالب الخشبي. وتكون الطبقة العازلة من الورنيش الشمعي "الشهير بشمع كرنويا" أو من الشمع السائل أو الشمع العادي أو سيليولوز الأسبتيت او البوليفينيل الكحولي.

(2) ينتخب نوع المادة الصمغية حسب الغرض، وينتخب نوع الألياف الزجاجية طبقا لمساحة سطح القالب. وهى إما غلالة أو حصيرة أو قماش؟ ومن نوع الألياف يحدد وزن المادة الصمغية المستخدمة.

(3) تحدد المواد الإضافية المستخدمة حسب نوع الاستخدام، فمسحوق الطباشير وبودرة التلك النقية، تزيد حجم المسحوق وتحد من تكاليف تصنيعه. أما مسحوق الألومنيوم فيضفي اللون المفضض على المنتج النهائي، ومسحوق الحديد للمنتج القابل للمغنطة، ومسحوق الميكا لصناعة الأوعية المقاومة للحرارة. ويعطي مسحوق السيليكا مقاومة احتكاكية عالية للمنتج، ويستخدم مسحوق الجرافيت في إنتاج أشباه الموصلات الكهربية، ومسحوق الأسبيستوس للمنتج كثير التعرض للصدمات واللهب. كما يعطى مسحوق نشارة الخشب منتجا شبيها بالأخشاب لأغراض الديكور، وكربونات الكالسيوم لمنتج ذي لون فاتح يقاوم الخدوش، لذا يستخدم في معجنة السيارات.

(4) تحدد نوعية المواد الملونة أيضا طبقا لنوعية الاستخدام، فالشفافة منها - بنفاذ الضوء عبر المنتج، لذا تستخدم في أعمال الديكور وأسطح المنازل وغرف ماكينات السفن.

(5) يضاف المعجل للمادة الصمغية وتضاف إليهما المواد الملونة والمواد الإضافية وتقلب جيدا مع إضافة العامل المساعد مباشرة إلى 90% من المزيج السابق، ويبقى الجزء الباقي بدون عامل مساعد.

(6)، تصنع الطبقة الهلامية وهي الطبقة الأولى الملامسة لسطح القالب، بدهان القالب، بالمزيج الصمغي السابق الإشارة إليه بدون العامل المساعد. ويكون سمك هذه الطبقة "3" سنتيمترات، وترك حتى تجف ثم توضع غلالة الألياف الزجاجية فوق سطحها.

(7) تدهن بعد ذلك طبقة من المزيج الصمغي المضاف إليه العامل المساعد، وتوضع فوقها طبقة عن الألياف الزجاجية. ثم يكرر ذلك لأربع طبقات - كحد أقصى - حسب الاستخدام، مع مراعاة عدم تحرك الألياف من مكانها وسحب فقاعات الهواء، وذلك بأدوات مساعدة.

(8) وهنا يترك المنتج حيث يمر بالمراحل الآتية:

أ - مرحلة الإنماء: يظل فيها الخليط صالحا للاستخدام رغم أنه في حالة تفاعل.
ب - مرحلة الجيلاتين: يكون الخليط فيها هلاميا.
ج - مرحلة التصلب: يصبح المخلوط خلالها صلبا متماسكا، ويصلها بعد زمن يتراوح من (1 إلى 24) ساعة، حسب درجة حرارة الوسط ونسب الخليط وسمكه.
د - مرحلة النضج: يصل فيها الخليط إلى حالة من الاستقرار الكيماوي والميكانيكي، ويتصف بصلابته العالية وندرة امتصاصه لبخار الماء.

(9) ثم يفصل المنتج النهائي من القالب بعد وصوله إلى الصلابة المطلوبة، وهو زمن يجب ألا يقل عن "24" ساعة، ثم تستخدم المناشير والمبارد للتخلص من زوائد المنتج النهائي وتنعيمه. علما بأن هناك منتجات لا تحتاج إلى فصلها، كعمليات تغطية الحفريات والأثريات بالألياف الزجاجية لحفظها، ويراعى أن يكون المنتج شفافا - بالطبع - لإتاحة رؤية الحفرية أو الأثر.

ولعل مرونة أسلوب تصنيع مادة الألياف الزجاجية، جعل من السهل تطويعها لجميع التطبيقات المدنية والعسكرية. فضلا عن إمكان إكساب المنتج النهائي لخواص متعددة يسهل التحكم فيها اثناء التصنيع، جعل من الألياف الزجاجية كابلات أضفت إلى الأتصالات ثورة وإلى تكنولوجيا المعلومات والكمبيوتر والأقمار الصناعية ثورات أخرى يصعب حصرها.

ورغم ذلك جاء استخدام تكنولوجيا الألياف الزجاجية في المجال العسكري متأخرا، وحتى أنها سارت بخطى بطيئة عن التطبيقات المدنية فلمتانتها وقوة تحملها للصدمات وخفة وزنها ومقاومتها للتآكل، استخدمت في بناء السفن وصناعة الطائرات التي أفادت أيضا من امتصاص مادتها للأشعة الرادارية، مما يقلل فرصة اكتشاف العدو للهدف الجوي الداخلة في تصنيعه، كما أن عدم قابليتها للمغنطة جعلتها مثالية لبناء كاسحات الألغام.

وقد أفادت التطبيقات العسكرية من استخدام هذه الألياف السحرية فى مجالي الاتصال والمعلومات، فالكابل من هذه الألياف الذي يبلغ قطره أقل من شعرة رأس الإنسان، قادر على نقل عشرات الآلاف من المحادثات التليفونية وبسرعة الضوء!

لهذا صنع صاروخ أمريكي مضاد للدبابات يوجه بالسلك، لكن السلك - هذه المرة - من الألياف الزجاجية ينقل عبر كاميرا في أسفل مقدمة الصاروخ صورة المواقع التي يمر فوقها، إلى شاشة أمام الرامي الذي ما عليه إلا انتخاب الهدف الذي يدمره الصاروخ. وبالطبع لا يرى الرامي هذا الهدف بعينه لأن المسافة بينهما تصل إلى "8" كيلومترات أو أكثر، العيب الوحيد لهذا النظلم الذي يسمى (فوج - إم) ارتفاع سعره، لدرجة أن سعر الفصيلة منه "4" قواذف + "40" صاروخا) تصل إلى "125" مليون دولار.

ثم توالت التطبيقات - بعد ذلك - لنرى الصاروخ "سيواسير"، المضاد للسفن والصاروخ "سكيبر" جو/ بحر، كما نجح تطوير القذيفة الموجهة "وول آي" التى لا يمكن الشوشرة عليها بفضل مادة الألياف الزجاجية، وأخيرا كانت القذيفة الموجهة ( جي. بي. يو-15).

ولا يزال المستقبل مفتوحا

أعلنت إحدى الشركات الغربية في يوليو 1991، أنها قاب قوسين أو أدنى من إنتاج دبابة درعها من طبقتين، الأولى بسمك "20" سنتيمترا من الصلب والثانية من الألياف الزجاجية. حيث استغل المصمم متانة هذه الألياف ومقاومتها للقذائف المضادة للدروع، وعدم تأثرها بالحرارة التى تعتمد عليها هذه القذائف في اختراق الهدف المدرع، فضلا عن خفة الوزن الذى استفادت منه الدبابة الحديثة في خفة الحركة والمناورة السريعة، وحمل كميات أكبر من الذخائر لا تتاح لغيرها من المدرعات.

كما استفادت شركة "هيوز" الأمريكية من عدم تأثر الألياف الزجاجية بالماء، فزودت بها الصواريخ المنطلقة من الغواصات أو المضادة لها. فكابل الألياف الذي طوله "100"، كيلومتر يمكن لفه على بكرة قطرها "30" سنتيمترا وطولها "60" سنتيمترا. كما جرى عمل مستشعرات الضغط في الطائرة "هارير" والطائرة "هورنيت" و الطائرة "إف- 15" من مادة الألياف الزجاجية، وكذلك مستشعرات الوقود والحرارة ووسائط الاتصال والملاحة الجوية، وحاسب المعلومات ووحدة الذاكرة لأغراض الهجوم الليلي.

ورغم هذا كله لم تتوغل هذه التكنولوجيا في التطبيقات العسكرية إلى ما يمكن وصفه بانقلاب أو ثورة، ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى حداثة استخدام هذه التكنولوجيا في نظم التسليح، وأيضا أدى نجاح الشركات المنتجة لهذه الألياف في تسويقها على نطاق واسع، في مجالات الأقمار والكمبيوتر والمعلومات والاتصالات والشبكات التلفزيونية، إلى عدم تشجعها. على الخوض فى التطبيقات العسكرية، وهو ما يعني أن الألياف الزجاجية خلقت ثورة في تليفون "بيل" وتلغراف "ماركوني" اللاسلكي، لكن مازالت هناك ثورات تتفجر في تطبيقاتها الطبية والهندسية والعسكرية. كما أن شعاع الثورة يلوح في أفق دنيا الأعمال والصحافة والتجارية وهو ما سيخلق - بالطبع - ثورة سيكولوجية في طبيعة البشر وسلوكهم الاجتماعى والثقافى والحضاري. وذلك ما أفرزته دراسة حديثة قي أوربا، أفادت أنه في ظل هذه التكنولوجيا المثيرة التى تعدد بها وصول القنوات التلفزيونية الخاصة إلى المنازل على مدار ساعات اليوم كله. فإن المواطن الأقل مشاهدة للتلفزيون يقضي "24" ساعة أسبوعيا أمامه والمواطن الذى عمره "60" عاما يكون قد أمضى "15" ألف ساعة في مشاهدة التلفزيون، خلال السنوات العشر الأخيرة - المواكبة لثورة الألياف.

إنها ثورة تكنولوجية تنذر بتفجر الكثير من الثورات فور تغلغلها في جميع واجهات أنشطة الإنسانى المعاصر، وذلك ما لا يمكن الحكم عليه خلال الحقبة الباقية من العقد الحالي التى لا تكفي للتنبؤ بشىء، لكن كل هذا سيأتي به - بالطبع - القرن الحادي والعشرون الذي بات يقرع الأبواب.

عبدالباقي محمد بخيت مجلة العربي سبتمبر 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016