مختارات من:

عيون الإنسان على الفضاء

أحمد مدحت إسلام

يتم حاليا صتاعة جيل جديد من المناظير الفلكية (التلسكوبات) التي تحتوي على أنماط جديدة من المرايا تستطيع أن تجمع في بؤرتها أكبر قدر ممكن من ضوء النجوم، وتمثل هذه التلسكوبات الجديدة تقدما هائلا في علم الفلك، وستزيد من مقدرتنا على رؤية كثير من أجرام السماء التي تقع في أغوار الفضاء، لعلنا نعرف أكثر عن الكون الذي نعيش فيه

منذ زمن بعيد والإنسان يحاول أن يبتكر بعض الوسائل والتجهيزات التي قد تتيح له أن يرى مزيدا من تفاصيل السماء التي تحيط بكوكب الأرض، والتي قد تساعده على رصد حركة مابها من كواكب ومواقع ما بها من نجوم. فقد عرف المصريون القدماء شيئا كثيرا عن حركة الكواكب وعن دوران الأرض، وتابعوا حركة الكواكب بدقة كبيرة وسجلوا الحركة الظاهرية لكوكب المريخ والتي تبدو وكأنه يتراجع في مساره في بعض الأحيان، ولذلك أطلقوا عليه اسم "سكدد إفم خت خت" أي الذي يتراجع إلى الخلف.

ويرى بعض العلماء أن الاهتمام برصد أجرام السماء يعود إلى عصور قديمة جداً، وربما يعود إلى عصور ما قبل التاريخ، ومن أمثلة ذلك تلك الدائرة التي رسمت بالحجارة على سطح الأرض في ولاية وايومنج بالولايات المتحدة ، وتعرف باسم "بيج هورن مديسين هويل" "Big Horn Medicine Wheel " ويبلغ قطر هذه الدائرة نحو 80 مترا، وضعت فيها الأحجار على هيئة 28 قطرا.

ويعتقد العلماء أن هذه الدائرة كانت تستعمل في تعيين شروق الشمس في بداية الصيف وفي بداية الشتاء، لأنها أقيمت في الوقت الذي كان فيه المصريون القدماء يبنون الهرم الأكبر، أي منذ نحو 5000 عام.

وكانت أولى المراصد التي وصلتنا أخبارها، المرصد الذي أقامه الفلكي الإغريقي "هباركوس" "Hipporchus" في جزيرة رودس في القرن الثاني قبل الميلاد. ولم تكن المراصد القديمة مثل المراصد التي نعرفها اليوم، ولكنها كانت عبارة عن أماكن وضعت بها بعض الأدوات البدائية التي يمكن استخدامها في رصد النجوم أو في تتبع حركة بعض الكواكب، ومن أشهر مراصد العصور الوسطى في أوربا المرصد الذي أقامة الفلكي الدانمركي "تيخوبراهي" "Tycho Brahe" في جنوب السويد في القرن السادس عشر.

من جاليليو إلى إيراس

كان الفلكي الإيطالي "جاليليو جاليلي" أول من استخدم منظارا فلكيا (تلسكوبا) ورصد به القمر من شرفة منزله بمدينة "بادو" Padua بإيطاليا، واكتشف به أن القمر ليس جسما أملس وتام الاستدارة كما كان يظن، ولكنه على هيئة كرة يمتلىء سطحها بكثير من التضاريس، مما أثار عليه رجال الكنيسة في ذلك الحين، الذين كانوا يؤمنون بنظرية تمام الكمال والجمال بالنسبة للأجرام السماوية.

ومن أهم المراصد الدائمة ذلك المرصد الذي أقيم في بريطانيا في قرية "جرينتش" عام 1675، واستخدم في رصد أجرام السماء، وفي تحديد الوقت على سطح الأرض، وهو مايعرف باسم "توقيت جرينتش".

ومن الملاحظ أن أغلب المراصد تقام في أماكن منعزلة وبعيدة عن المدن مثل مرصد القطامية الذي أقيم بمنطقة صحراوية في جمهورية مصر العربية، وتتميز بجوها الصحو على الدوام، أو تقام على قمم الجبال للتقليل، من أثر الغلاف الجوي على أشعة الضوء، فهو يمتص جزءا كبيرا من موجات الضوء ويسبب عدم وضوح الصور المنعكسة من سطح مرآة المرصد.

وقد حاول العلماء استخدام إشعاعات أخرى خلاف أشعة الضوء المرئي، في رصد أجرام السماء، ومن أمثلة هذه الإشعاعات، موجات الراديو، والأشعة تحت الحمراء، والأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية، وأشعة جاما.

ولا ترى هذه الإشعاعات بالعين المجردة ، ولذلك لا يمكن استقبالها بالمناظير الفلكية المعتادة، ولذلك يجب إقامة مراصد خاصة بكل منها.

وتختلف هذه الإشعاعات بعضها عن بعض في أطوال موجاتها، فموجات الراديو تتميز بأنها أطول هذه الموجات، وهي تستطيع أن تخترق الغلاف الجوي للأرض دون تغير يذكر، ولهذا أقيمت لها مراصد خاصة تعرف باسم "تلسكوبات الراديو" "Radio Telescopes" ، وأمكن عن طريقها اكتشاف كثير من الأجرام السماوية التي تقع على أبعاد سحيقة في الفضاء مئل أشباه النجوم المعروفة باسما "الكازار" "Quasars" ومثل النجوم النابضة وغيرها.

وعادة ماتقام تلسكوبات الراديو على هيئة مجموعة من الهوائيات التي تشبه الصحون والتي تستخدم معا في تجميع موجات الراديو الواردة من الفضاء، ومن أدق هذه المجموعات مجمع الهوائيات المقام في ولاية نيو مكسيكو بالولايات المتحدة والذي تتوزع فيه الصحون التي يبلغ عددها سبعة وعشرين هوائيا، على مسافات متباعدة، ويقوم حاسب آلي باستقبال المعلومات الصادرة منها في محطة مركزية، وتستطيع هذه الهوائيات أن تميز كثيرا من التفاصيل الدقيقة للمادة الكونية، مثل هالات المادة غير المضيئة المحيطة بالمجرات والتي لا يمكن رؤيتها بالتلسكوبات التي تستخدم الضوء المرئي.

ويجري حاليا بناء شبكة جديدة من هذه الهوائيات في الولايات المتحدة، تتكون من عشرات من هذه الصحون يبلغ قطر كل منها 25 مترا، وتتوزع هذه الصحون في دائرة كبيرة يصل قطرها إلى نحو 8000 من الكيلومترات، وتمتد عبر الولايات المتحدة من جزيرة "سانت كروا" بالبحر الكاريبي إلى جزر هاواي في المحيط الهادي، وينظم العمل في هذه الشبكة حاسب إلكتروني متقدم يقع في "سوكورو" بولاية نيومكسيكو. وتعتبر هذه الشبكة الجديدة من أكبر شبكات تلسكوبات الراديو في العالم.

ويمكن استخدام الأشعة تحت الحمراء في رصد الأجرام السماوية، ولكن لا يمكن إجراء ذلك من على الأرض لأن الغلاف الجوي يقوم بامتصاص أغلب هذه الموجات الواردة من الفضاء، ولذلك أطلق لها قمر صناعي خاص، به مرصد يعمل بالأنشطة تحت الحمرإء أطلق عليه اسم "إيراس"، "IRAS" وذلك في عام أختصار لاسم " Infrared Asronomical Satellite " وذلك في عام 1983.

وقد ساعد هذا القمر الصناعي على اكتشاف وجود خمسة مذنبات جديدة تدور حول الشمس، كما ساعد على اكتشاف مجرات أخرى أشد لمعانا من المجرة التي نعيش فيها بنحو 500 ضعف في مجال الأشعة تحت الحمراء، كذلك ساعدنا على جمع قدر كبير من المعلومات عن السحب الكونية التي تقع بين النجوم، كما تم بواسطته اكتشاف وجود حلقات من الغبار الكوني حول نجم يعرف باسم "فيجا" "Vega"، ويعتقد العلماء أن هذه الحلقة قد تكون من مخلفات ولادة هذا النجم وربما يتشكل منها كوكب سيار أو أكثر يدور حول هذا النجم في مستقبل الزمان.

نوافذ أخرى

ويمكن رصد الأجرام السماوية واستكشاف الفضاء الكوني المحيط بنا عبر نافذة أخرى، وهي نافذة الأشعة فوق البنفسجية، وقد استخدمت هذه الموجات في بعض سفن الفضاء، مثل سفينة الفضاء كوبرنيكوس التي أطلقت عام 1973، والتي سميت باسم العالم الفلكي البولندي " نيكولاس كوبرنيكوس".

وقد استخدمت أيضا الأشعه السينية في أكتشاف أغوار الفضاء، ووضعت لها تجهيزات خاصة باستقبالها على قمر صناعي يعرف باسم "أوهورو" "Uhuru" وهي كلمة تعني الحرية باللغة السواحيلية، وعلى قمر صناعي آخر عرف باسم "أينشتاين" الذي سمي على اسم العالم الرياضي الشهير صاحب النظرية النسبية.

وقد نجح العلماء حديثا في تحويل ما تكتشفه الأشعة السينية إلى صور مرئية، وهي تعتبر من أفضل أنواع الإشعاعات عند رصد الأجرام مرتفعة الحرارة مثل الثقوب السود اء، ونجوم النيوترون، والكازار، وبقايا النجوم المنفجرة المعروفة باسم "سوبرنوفا".

كذلك استخدمت أشعة جاما في رصد أجرام السماء، وهي تعتبر من أصلح الوسائل للكشف عن الانفجارات النووية التي تحدث في الفضاء، وهي تفيد كثيرا في استكشاف أشباه النجوم والسوبرنوفا التي تقع على أبعاد سحيقة في الفضاء ولا يمكن رصدها بالطرق الضوئية المعتادة.

وقد اكتشف العلماء أن مايرونه بواسطة التلسكوبات الضوئية لا يمثل إلا جزءا يسيرا من مادة الكون، وان أغلب مادة الكون معتمة ولا ينبعث منها أي ضوء، ومن هنا جاءت أهمية أجهزة الرصد التي تستعمل فيها الأشعة تحت الحمراء والأشعة السينية وأشعة جاما وغيرها، فهي وحدها القادرة على اكتشاف وجود مثل هذه المواد المعتمة.

ومع ذلك فلم يفتر اهتمام العلماء بالتلسكوبات الضوئية، واستقر عزمهم على أن أفضل الطرق للتخلص من عدم وضوح الصور التي تلتقطها هذه التلسكوبات هو إطلاق مرصد خاص في الفضاء الخارجي، وتم بالفعل إطلاق مرصد أطلق عليه اسم "تلسكوب هابل الفضائي "تكريما للعالم الفلكي الأمريكى "ادوين هابل".

وقد كان من المعتقد أن هذا التلسكوب سيحل أغلب المشاكل الناتجة عن عدم وضوح الصورة بسبب تدخل الغلاف الجوي للأرض، وأننا سنستطيع بواسطته أن نرى أشعة الضوء الصادرة من الأجرام السماوية التي تبعد عنا بنحو 7 - 10 آلاف مليون سنة ضوئية، ويعني هذا أنه سيمكننا من أن نرى هذه الأجرام السماوية كما كانت عليه منذ عشرة آلاف مليون سنة، وهي مدة تبلغ نحو نصف العمر المقدر للكون على وجه التقريب. وقد خابت الأمال في هذا التلسكوب الفضائي، فقد أصيب ببعض الأعطال منها مانتج عن التمدد الحراري بسبب تعرضه لضوء الشمس المباشر في الفراغ وصعوبة ضبط البعد البؤري لمرآته، بالإضافة إلى العطل الذي أصاب جيروسكوب التوازن الملحق به.

كانت أهم الصعوبات التي تعترض إقامة تلسكوبات ضوئية كبيرة على سطح الأرض تنحصر في عاملين أساسيين؟ أولهما هو عدم وضوح الصورة بسبب تدخل الغلاف الجوي للأرض، وثانيهما هو صعوبة صنع مرايا ذات أقطار كبيرة تسمح بجمع أكبر قدر من الضوء الصادر من الأجرام التي تقع في أغوار الفضاء. وقد تم حاليا التغلب على عدم وضوح الصورة بابتكار طريقة جديدة تعرف باسم "التكيف البصري"، تستعمل فيها أشعة الليزر لتصحيح تشوه الصورة وزيادة وضوحها، وذلك عن طريق حاسب آلي مبرمج، وتستعمل هذه الطريقة بنجاح كبير في بعض المراصد القائمة حاليا، وأمكن عن طريقها الحصول على صور شديدة الوضوح مما جعل بعض العلماء يقولون إن هذه الطريقة الجديدة جعلت الرصد من على سطح الأرض مماثلا للرصد من الفضاء.

كذلك تم التغلب على صعوبة صنع مرايا ذات أقطار كبيرة بأسلوب متقدم ومبتكر. وقد كانت المرايا تصنع من قطعة واحدة من الزجاج، وتترك مدة طويلة لتبرد ببطء ثم يتم تكوين سطحها المقعر بحكها بآلات خاصة، وهي عملية بالغة الصعوبة وتحتاج إلى دقة متناهية ووقت طويل.

وهناك طريقة أخرى استعملت لصنع بعض المرايا الكبيرة، وهي تتلخص في صب الزجاج المصهور على صينية خاصة تدور حول مركزها في داخل فرن الصهر، وتستمر هذه الصينية في الدوران في أثناء التبريد البطىء للفرن وبذلك تعطي القوة الطاردة المركزية الناشئة عن الدوران، الانحناء المطلوب أو التقعر المناسب لسطح المرآة.

وقد جرت العادة على صنع مثل هذه المرايا الكبيرة من زجاج سميك حتى لا تنكسر أو يتغير تقعر سطحها تحت وزنها، ويمكننا تصور ذلك إذا علمنا أن مرآة مرصد "هيل" "Hale" المقام على جبل بالومار بالولايات المتحدة؟ تزن نحو عشرين طنا ويصل سمكها إلى نحو 24.5 من السنتيمترات وأنها احتاجت إلى سنة كاملة لتبرد ببطء حتى لا تحدث بها شروخ أو التواءات قبل أن يتم إعطاء سطحها التقعر المطلوب.

ولو أننا أردنا مضاعفة قطر هذه المرآة من خمسة أمتار إلى عشرة أمتار؟ فإن وزنها سيزداد بمقدار ثمانية أضعاف، أي يصل إلى نحو 160 طنا مما يجعل تحريك مثل هذه المرآة واستعمالها مستحيلا، بالإضافة إلى أنها تصبح أكثر عرضة للانحناء والانثناء وتغير تقعرها تحت ثقلها.

من عش النحل إلى أطراف الكون

والطريقة المبتكرة حاليا لصنغ مثل هذه المرايا الكبيرة تتضمن صنع المرآة من عدد من القطع سداسية الشكل تجمع معا كما في خلايا عش النحل لتكون المرآة الكبيرة المطلوبة.

وتستخدم هذه الطريقة حاليا في بناء مرصد جديد بالولايات المتحدة يعرف باسم "تلسكوب كيك 1" "Keck 1" تتكون مرآته الكبيرة التي يبلغ قطرها عشرة أمتار من 36 قطعة من المرايا الصغيرة سداسية الشكل لا يزيد سمكها على 7.5 من السنتميترات، وتتحكم في حركتها مجموعة من المحركات المتصلة بحاسب آلي مركزي.

ويتميز تلسكوب "كيك" الذي يصل قطر مرآته المجمعة إلى عشرة أمتار، عن تلسكوب "هابل" الفضائي الذي يصل قطر مرآته إلى 2.4 من الأمتار في أن الأول يستطيع أن يجمع الضوء بنسبة تصل إلى نحو 17 مرة قدر مايجمعه التلسكوب الفضائي.

والسؤال الأن الذي لا نعرف لة إجابة في الوقت الحاضر هو: هل سيقنع الإنسان بما سيراه بهذا التلسكوب الضخم من أجرام السماء، أم سيظل يطور في وسائل استكشاف الفضاء أملا في الوصول إلى أطراف هذا الكون الذي نعيش فيه، ورغبة منه في الوصول إلى تصور مقبول لهذا الكون الغامض الرحيب؟!

أحمد مدحت إسلام مجلة العربي سبتمبر 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016