مختارات من:

الديناصورات تثور على الشاشة

محمد رضا

مازال فيلم "جوارسيك بارك" أو "الحديقة الديناصورية" للمخرج ستيفن سبيلبرغ يحصد منذ عرضه قبل بضعة أشهر، أعلى الإيرادات ويحطم اقصى الأرقام القياسية. إن الظاهرة ذاتها تدفع للبحث عن مصادر الفكرة وحسناتها وسيئاتها معا.

يرجع عنوان "جواسيك بارك" إلى العصر المسمى علميا بالجوراسيكي الممتد منذ حوالي 120 مليون إلى 65 مليون سنة قبل الميلاد. وهو الصعر المتوسط من ثلاثة عصور ديناصورية أولها العصر الترياسيكي، وآخرها العصر الكركاتيوسي الذي كان نهاية عصور الديناصورات التي انقرضت لأسباب مازالت محط أجتهاد العلماء.

لكن بذور قصة "جوارسيك بارك"، كما كتبها مايكل كريشتون، لا تعود إلى أكثر من نحو 20 سنة فقط. ففي عام 1972 وضع المؤلف رواية بعنوان "إجهاد الاندورميدا" "Andromeda Strain " دارت حول سباق مع الوقت يخوضه العلماء ضد جرثومة قاضية يتم بموجبها عزل بلدة كاملة. واقدم المخرج الجيد روبرت وايز على صنع فيلم مثير منها قام ببطولته آرثر هيل ودافيد واين ونقل فيهما ماميز أعمال كريشتون اللاحقة وصولا إلى "جوراسيك بارك" ومنها تحفظه الشديد تجاه ما أنجزه العلم من ناحية، وتصويره قدرة المصدر الغامض (الفيروس في الرواية والفيلم) على الفتك بالإنسان علاوة على ذلك، كان حصر الأحداث في محيط معين منعزل عن باقي العالم المحيط عنصر آخر من تلك التي سيستخدمها كريشتون لاحقا في معظم أعماله العلمية / الخيالية.

أطلق كريشتون كتابه هذا عام 1990 فحصد به رواجا كبيرا مازال يتردد صداه حتى الآن خاصة بعد أن تم تحويله إلى فيلم كبير من إخراج ستيفن سبيلبرغ وبطولة سام نيل ولوراديرن وجف فولدبلوم ورتشارد أتنبوره. والذي حدث مباشرة هو أن المخرج / المنتج سبيلبرغ قفز إلى المشروع واشترى حقوقه. وأقدم، من خلال شركته الإنتاجية المسماة ب"آمبلين" على إنتاجه ولو أن هذا لا يعني أن آمبلين هي التي قامت بدفع فواتير العمل، إذ تولت شركة يونيفرسال (التي حقق لها سبيلبرغ بعض أنجح أعماله مثل "فكّان" 1975 - Jaws ) و " إ . ت . غير الأرضي - E.T, The Extra - 1982 - Terrestrial ) الصرف على المشروع من دون شكوى حتى من بعد أن ارتفعت التكاليف من مبلغ ال 45 مليون دولار التي وضعت أساسا للمشروع إلى 55 مليون دولار أثناء التصوير، ثم إلى مبلغ إجمالي قدره 65 مليون دولار نتج عن تعرض التصوير للتأخير بسبب بعض الأعاصير التي اجتاحت مكان التصوير وأتت على معظم الديكورات الخارجية.

وتعكس الشاشة، الجهد الإنتاجي المبذول. ففيلم "جوارسيك بارك" ليس فقط علميا خياليا وهو الأكثر تكلفة من غيره، بل هو فيلم علمي خيالي الذي عليه أن يصنع العمل الذي لم يسبقه إليه آخر على النحو ذاته. المخرج الذي يصر على مستوى وقدر من الإبهار، بل وصنع من هذه الغاية منوالا للعمل صاحبه منذ أول أفلامه وشمل العديد منها وإن بصورة متفاوتة.

يبدأ الفيلم، كالكتاب، من موقع خارج الجزيرة عالم الحفريات دكتور غرانت (سام نيل) وصديقته / مساعدته إيلاي ساتلر (لورا ديرن ) يحفران في أحد المواقع عندما يصل إليهما الملياردير جون هاموند (رتشارد أتنبوره) بطائرته المروحية الخاصة. يعرض عليهما العمل في مؤسسته لقاء مبلغ مغر، ولا يطول الوقت حتى يحط الثلاثة فوق الجزيرة التي اختارها هاموند مقرا له. هناك يطلعهما بالتفصيل على حقيقة ما يقوم به.

لقد أستقطب هاموند مجموعة من العلماء المتخصصين في علم الأجنة وعلم البيئات وعلوم البيولوجيا والديناصورات وأفضل خبراء الكمبيوتر وعمل معهم على "تصنيع" ديناصورات جديدة خصص لها - الجزء الأكبر من الجزيرة لتعيش فوقها. الطريقة التي توصل خلالها علماء هاموند لتصنيع الديناصورات ( والتي ترد في الفيلم باقل قدر ممكن من التفاصيل) هي الاستعانة بدم ديناصورات مجمد وجد في بطن آعداد من الناموس التي اكتشفت مجمدة، بدورها. عام جذوع أشجار بعدما غطتها المواد اللزجة التي تنضح بها بعض تلك الأشجار. وعبر تلقيح خلايا خاصة من هذا الدم ( وهو ما لا يجد بين العلماء من يؤيد أحتمال وقوعه على أساس أن الخلايا الصاحلة - حتى من قبول الاحتمال الضعيف بوجود مجمداً في الناموس) بأخرى من حيوانات مختارة، كالضفادع، ثم تزويدها بما تحتاجه من كيماويات وهرمونات وتلقيح المزيج كله في بيضة رقيقة من البلاستيك، يمكن بعدها ارتقاب أن ينقر الديناصور المحتمل طريقه من داخل البيض إلى خارجها حيث ينقل إلى الطبيعة ليكبر ويقوى ويصير فرجة للسياح المرتقبين.

وفرح هاموند بالنتائج لايوازيه نشوة إلا فرح دكتور غرانت برؤيته للنتائج بنفسه وذلك في الجولة التي يقوم بها مع صديقه وعالم فيزيائي اسمه إيان ( جف غولدبلوم) مدعو كذلك للمشاركة في تهيئة الجزيرة لافتتاحها العالمي الأول. أيضا الموجودين محامي المؤسسة الذي يتولى الشئون المالية والعلاقات مع المصارف التي تشارك في تمويل المشروع وحفيدا هاموندا، وهما صبي في نحو العاشرة وفتاة في نحو الرابعة عشرة. دكتور غرانت، الذي لا يحب الأولاد، يجد نفسه بصحبتهما.

هذا التمهيد، أو التركيز، للأحداث لا يمتد طويلا. بل إننا لا ننتظر إلا نحو ثلث ساعة قبل أن نرى واحدا أنواع تلك المخلوقات ( في الرواية خمسة عشر فصفل اختزلها الفيلم إلى سبعة ) . لكن دفع الأحداث إلى منطقة التوتر الفعال سرعان ما يبدأ أثر ذلك ومع تقديم شخصية عالم كمبيوتر بدين ( واين نايت) قرر سرقة بعض الخلايا الذكرية ( كل المخلوقات المصنوعة من إناث حتى يتم التحكم بازديادها أو تكاثرها) من الجزيرة والهرب بها بعيدا. لكي يقوم بذلك على أفضل وجه، يتسبب في تعطيل الكمبيوتر والكهرباء بأسرها ثم يفلت هاربا في ليلة عاصفة هي ذاتها التي وجد فيها غرانت نفسه بصحبة الوالدين وإيان المحامي في الجهة الآمنة من الجزيرة والمعزولة عن الجهة الأخرى بجدار من الأسلاك المكهربة. لكن هذا الأمن ينهار عندما يخترق وحش من نوع تاريا نوسوروس ركس ( أو تي - ركس اختصارا) الحاجز السلكي ويهاجم الآدميين المعزولين.

الفيلم من هنا صراع مثير بين الآدميين، الذين يتناقصون عددا تبعا لهجوم الديناصورات الممعن، وبين تلك الوحوش. وخلال هذا الصراع يقطع غرانت على نفسه عهدا بإنقاذ حفيدي هاموند، وتنطلق إيلاي باحثة عن صديقها، ويصاب إيان ويموت من اختارهم الفيلم أشرار وهم دنيس البدين وآرنولد الأسود الذي يدخن السجائر بشراهة ( صامويل جاكسون) والمحامي، وذلك إلى جانب مقتل رئيس أمن الجزيرة مولدون (بوب بيك) وهو يتماثل، وموته، مع تلك الشخصية التي وردت في فيلم "فكّان" ولعبها الراحل روبرت شو : الرجل القوي الذي يعرف كل ما يمكن معرفته عن الوحش، لكنه الذي سيقضي نحبه على الرغم من ذلك.

من يعش ومن يمت

إلى جانب التجاوزات غير المنطقية (خلق ديناصور من ناموسة مثلا) يثيرنا في الفيلم وجود عدد من الشئون التي تستدعي الطرح والتي لا يمكن لها أن تطرح من دون أن تهز شيئا من إعجاب عديدين بالعمل كحرفة سينمائية.

وبالفعل، فإن حرفة سبيلبرغ التقنية ممتازة وباهرة. إنه مخرج يعرف كيف يسرد قصة ممسوكة بإحكام وأين يضع الكاميرا ليخلق نوعا من اللقطات المؤدية إلى درجة كبيرة من التأثير، ففي فيلم يتطلب الكثير من العمل التقني، سواء على صعيد تصميم وتحريك الدمى الإلكترونية أو إنجاز ديناصورات كمبيوترية / غرافيكية، فإن سبيلبرغ يوظف، على أفضل وجه، تلك التكنولوجيات المتقدمة ويخرج بنتائج مدهشة منها.

وكل ذلك يؤدي إلى صنع الفيلم الأفضل في تاريخ سينما الديناصورات (نحو عشرين فيلما أمريكيا وأكثر منها ما بين إنتاجات بريطانية ويابانية بما فيها سلسلة "غودزيلا" الشهيرة) . والأعلى قدرة على الإدهاش وشد المتفرج إلى درجة معايشة الخوف عندما يدرك، مع أبطال الفيلم، أن أرض الأحلام المتوقعة تحولت إلى جحيم من الكوابيس.

على صعيد آخر، فإن الفيلم لا يخلو من فجوات مهمة.

إحداها بسبب ناتج عن تجنيد المخرج لعدم إلقاء حمل البطولة على فرد بعينه. حتى سام نيل، الذي هو الأقرب إلى البطل الفردي، ليس سوى شخصية مستعارة لتقديم وصلات من مشاهد التخويف وصراع الحياة والموت. وهذا التجنب يوفر للديناصورات القيادة، لكنه يشي كذلك بضعف تحريك الشخصيات على مستوى مقنع. كذلك يعكس ضعف العلاقات القائمة والعواطف التي لا تتجاوز تسطيح مسألة تحول دكتور غرانت مع رجل لا يطيق الأولاد إلى رجل سيتدخل كلما تسنح له الفرصة لإنقاذ الولدين اللذين يخوضان المغامرة معه.

لكن المفارقة الأهم هي أن كريشتون في كتابه يقضي بموت المليونير الذي لم يعترف بوجوب عدم فرض الحياة على مخلوقات غيبها الموت وبصرف النظر عن الظروف والعواقب. في الفيلم يبدو هاموند رجلا طيب النية منذ البداية، وهو في آخر الفيلم ينجو وينجو معه البعد الرمزي لموته.

سبيلبرغ ولقاءات من كل الأنواع

"جوراسيك بارك" يمثل عودة ستيفن سبيلبرغ إلى سينما الخيال العلمي. ومن بين مجموعة أفلامه في هذا المجال، والتي تشمل "فكّان" و "لقاءات قريبة من النوع الثالث" و " أ.تي" و " منطقة الغسق"، يلتقي "جوراسيك بارك" والفك المفترس. كلاهما فيلم تشويقي مرعب وكلاهما وحش (أو وحوش) فتاكة تقضم الإنسان بلا رادع.

والنوع المذكور بأسره هو الأنجح تجاريا من بين أعمال سبيلبرغ الأخرى إلى جانب نوع المغامرة التي نفذ منها المخرج سلسلته الشهيرة ب "انديانا جونز" وشملت ثلاثة أفلام سينمائية ( وإنتاج فيلمين تلفزيونين) هي "أنديانا جونز وتابوت العهد المفقود" أو غزاة تابوت العهد المفقود" كما سمى كذلك (1981)، "أنديانا جونز ومعبد المصير" ( 1984) و "أنديانا جونز والحملة الصليبية الأخيرة" (1989) .

وكان سبيلبرغ بدأ نشاطه على الشاشة الصغيرة، فأخرج بضع حلقات من مسلسلات "معرض الليل" و "ماركوس ويلبي" . في العام 1972 أخرج فيلما تلفزيونيا بعنوان "مبارزة" Duel وجد طريقه للعروض السينمائية خارج الولايات المتحدة وعاد إليه بإعجاب النقاد من كل إنحاء العالم. وهكذا وجد ابن الخامسة والعشرين سنة حينها نفسه محط تقدير الوسط السينمائي الأمريكي على حين غرة.

تبعا لهذا النجاح، عرضت عليه شركة يونيفرسال إخراج فيلم يشبه "مبارزة" في تركيبته إذ كلاهما يحتوي على مطاردة سيارات طويلة الأمد. الفيلم هو دور زوجة سجين تسهل له الهرب حماية لطفلهما المهدد بالتبني. والنهاية المأساوية نوعات التي تختم الفيلم لم تحد من نجاحه ولا من تولي سبيلبرغ مسئولية إطلاق فيلم أكبر حجما من عملية السابقين هو الفك المفترس Jaws (1975) الذي أدى نجاحه المفاجئ إلى قيام يونيفرسال بإطلاق جزأين لاحقين (أقل نجاحا) .

وفي العام 1987 قد سبيلبرغ فيلما مختلفا آخر عن باقي أعماله هو "إمبراطورية الشمس" وهو في الحقيقة أفضل أعماله على أكثر من نحو. ولكن الحسنات الدرامية والفنية في هذا الفيلم اضمحلت عندما هدف سبيلبرغ لفيلم عاطفي فأقدم على تحقيق أحد أسوأ أعماله وهو "دائما" Always (1989) المأخوذ عن فيلم بعنوان "رجل يدعى جو" كان فكتور فليمنغ أخرجه عام 1944. وفي العام 1990 طرق سبيلبرغ باب الفانتازية التاريخية بفيلم عن الكابتن هوك (وعنوانه "هوك") الذي لعبه دستين هوفمان تحت ثقل المساحيق وبصورة مبالغ في محاولة استنباط حركاته الفنية ولوازم الإبهار التي لم تنجح في جلب معجبي سبيلبرغ إلا بقدر محدود.

إلى جانب كل ذلك، عمد سبيلبرغ إلى إنتاج العديد من الأفلام عبر شركته آمبلين. ومعظم ما أنتجه من نوع الخيال العلمي أو التشويق المرعب (Thriller) ومنها "غرملنز" و " الرجوع إلى المستقبل" و "الفضاء الداخلي" و "جو ضد البركان" كما أنتج "من ورط روجر رابيت" الذي مزج الرسوم المتحركة مع الصورة الحية على نحو لم يسبقه إليه أحد.

ما يقودنا إليه كل ذلك هو سينما لمخرج حرفي يؤمن بمتعة ممارسة المفردات السينمائية ويعرف كيف يوظفها كلما مكنته المادة التي بين يديه من ذلك أما إذا ما أخفقت هي، فإن الإخفاق غالباً ما سينتقل إليه. وليس من الضروري أن تكون المادة عميقة، بل يكفي أحياناً أن تكون ثرية الأحداث حتى يستمد منها المخرج المنوال الذي يرتاح إليه ويجد فيه منافذ شد إبصار الناس إلى الشاشة عبر كل لحظة.

محمد رضا مجلة العربي سبتمبر 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016