مختارات من:

الشاعر الأمريكي جون بار و د. شهاب غانم

محمد الثبيتي

تمهيد: يوم البحارة القدامى 1985 الجزء (14)
شعر: جون بار
ترجمة: شهاب غانم


بالنسبة لنا لم يحدث ضرر،
لم نخسر أطرافا
أو تتكسر لنا عظام.
كان الخليج مسرحا
ونحن كنا المشاهدين
لضربنا بالقنابل.


كان الطقس معتدلا.
وفي ذلك الربيع جاءت الطيور إلى سفينتنا.
في الليل كنا نشم الرياح المقبلة من اليابسة
وكنا نتخيل حيوانات جديدة
رابضة في الظلام تحت الأغصان العارية.


منعطف هائل نحو الأسفل والبعيد،
وتعيدنا الأرض إلى أحبابنا.
ريح دافئة تزعج السفينة.
لقد حان الوقت لإيقاظ النوبة البديلة.


ولد الشاعر الأمريكي جون بار في عام 1943 في ولاية نبراسكا، بقلب الغرب الأوسط الأمريكي. والده ووالد أبيه كلاهما عمل في شركة بيرلينجتون للسكك الحديدية. وقد نشأ جون في ليسلي، وهي بلدة صغيرة في ولاية إيلينوي، وفيها بدأ كتابة الشعر.

بعد تخرجه عام 1965 في هارفارد مع مرتبة الشرف خدم كضابط بحري لمدة خمس سنوات، وقام بثلاث رحلات إلى فيتنام. في عام 1968 تزوج من بيني، وكانت زميلة له في المدرسة الثانوية، واليوم لديهما ثلاثة أبناء ناضجين يعملون في لوس أنجليس.

عاد جون إلى هارفارد وحصل على ماجستير في إدارة الأعمال من كلية بيكر في عام 1972. ومنذ ذلك الحين واصل جهوده على خطين متوازيين كشاعر وكمصرفي في مجال الاستثمار في «وول ستريت» وفي عام 2004 أصبح أول رئيس لمؤسسة الشعر، وهي المؤسسة التي تنشر مجلة «شعر» الشهيرة.

وكان لنا معه الحوار التالي:

* هل وجدت الشعر أولاً في جامعة هارفارد، أم في المدرسة الثانوية، أم في بيئة عائلتك؟ وهل كانت قصائدك حداثية منذ البداية؟

- لا ليس في عائلتي، إذ لم يكن هناك سوى ديوانين من الشعر في المنزل الذي نشأت فيه؛ هما «أوراق العشب» لوالت ويتمان، و«قصائد» لإدغار جست، وهو شاعر كانت له شعبية، ولكنه أصبح اليوم منسيًا. أما من تسبب في وضعي على بداية طريق كتابة الشعر، فكان مدرسا للغة الإنجليزية في المدرسة الثانوية وبسببه حاولت كتابة العديد من القصائد لكنها كانت بالتأكيد بعيدة عن الحداثة بل كانت أشبه بمحاولات لتقليد وردزورث.

عندما سئل الشاعر الأمريكي الكبير والاس ستيفنز ذات يوم عن شعوره حيال قصائده الأولى فأجاب: «إنها تسبب لي هياجًا عصبيًا بالغًا!». وهذا هو ما أشعر به حول محاولاتي الأولى.

* في اثناء دراستك في جامعة هارفارد، من هم الشعراء والنقاد الذين استقطبوا اهتمامك وكيف يمكنك أن تصنف الشعر الذي كتبته في تلك المرحلة؟

- كان أول ديوان شعر اشتريته كطالب للشاعر الأيرلندي الكبير وليم بتلر ييتس. وهو شاعر أخرج الشعر الإنجليزي من عصر الرومانسية إلى حداثة القرن العشرين القاسية. ولايزال ذلك الكتاب في حوزتي وإن كان مهترئًا بعد 50 عامًا من الاستعمال. كان تي إس إليوت في كل مكان كعامل مؤثر في عالم الشعر، في الستينيات كان الناس لايزالون يتعلمون قراءة «الأرض اليباب» وكانت كتاباته النقدية ذات سلطة كبيرة. قصائدي كانت تقلد هؤلاء وغيرهم ممن كنت أقرأ لهم. وأعتقد أننا جميعًا نتعلم الكتابة من خلال تقليد الشعراء الكبار، والعثور على صوتك الخاص هو مسألة التخلص من نفوذهم حتى تكتب قصائد لا يمكن أن تكون مكتوبة من قبل أي شخص آخر. وقد استغرق الأمر معي عشرين عامًا من الكتابة، أو ربما حين بلغت سن الأربعين لكي أتمكن من إيجاد صوتي الخاص كشاعر.

* متى بدأت النشر في مجلة «شعر» التي كانت تحررها هارييت مونرو ومن هم الشعراء المفضلون لديك؟

- في الواقع لم يسبق لي أن نشرت في تلك المجلة ولا حتى قدمت لها شيئًا للنشر فلم تكن قصائدنا آنذاك، ككاتب شاب، جيدة بالدرجة الكافية. وحين أصبحت رئيسا لمؤسسة الشعر التي تنشر المجلة، وجدت أنه من غير اللائق تقديم عملي للمجلة التي ننشرها. لكن عبر السنوات الـ 25 الماضية نشرت بنشاط في عدة مجلات أدبية أخرى، وأيضًا في الكتب.

وفي عملي أتنفس وآكل وأنام مع كتب الشعراء الآخرين وذلك ما يجعل وظيفتي هذه ممتعة، ولكن ذلك يجعل من الصعب عليّ تسمية شعراء مفضلين فهم يتغيرون كل أسبوع.

* خبرنا عن المجموعات التي نشرتها حتى الآن، وكيف تراوحت أو تطورت تجربتك الشعرية في تلك المجموعات عن بعضها البعض؟

- كان أول ديوان لي بعنوان «منطقة الحرب» وقد نشر في عام 1989. واستغرق الأمر 14 عاما لكتابته، فقد كنت أبحث عن صوتي الخاص وقد أعدت كتابته بشكل كامل ثلاث مرات. وحسب علمي فهو الشعر الوحيد عن حرب فيتنام الذي تمت كتابته من خلال تجربة بحرية على متن السفن. وقد تلته أربع مجموعات أخرى تتابعت على فترات كل بضع سنوات، وهي: «عجائب الطبيعية»، و«رسامي الاتصال الهاتفي»، و«الجناح المئوي» و«منحنى المئة قامة». في العام الماضي تم نشر هذه الدواوين في كتاب بعنوان «قصائد جديدة ومجمّعة: منحنى المئة قامة».

وفي عام 1999 نشرت مجموعة بعنوان «غريس»، وقد كانت خروجا حقيقيا بالنسبة لي لمنهجي الشعري، فقد كتبت بلهجة منطقة البحر الكاريبي لشاعر متخيل اسمه «ابن أوبست»، والكتاب عبارة عن ملحمة وهمية ساخرة عن أمريكا اليوم. وقد قال عنها بيلي كولينز، الشاعر الحائز على لقب U.S. Poet Laureate أو ما يعادل شاعر البلاط أو أمير الشعراء في الولايات المتحدة، إنها «إنجاز بالغ الأهمية ... نوع من Finnigan s Wake الفينجانس ويك وهي الرواية الكوميدية للأديب الأيرلندي الشهير جيمس جويس- ولكن في شكل شعر مع أشجار النخيل». وفي العام المقبل سيعاد نشر «غريس» مع تتمة، في مجموعة من مجلدين تحت عنوان «مغامرات ابن أوبست».

* يدين الشعر الأمريكي الحديث كثيرًا للشاعرة هارييت مونرو التي أسست مجلة «شعر» عام 1912 واستطاعت هي ومساعدها في التحرير الشاعر والناقد الشهير إزرا باوند أن يستقطبا شعراء أمثال تي إس إليوت وماريان مور وإتش دي (هلدا دولتل) ووليم كارلوس وليمز وروبرت فروست لينشروا قصائدهم الأولى فيها. فهل نشرت مجلة «شعر» قصائد من الشعر الإنجليزي لغير الأمريكيين؟ وهل نشرت ترجمات لقصائد من لغات أخرى؟

- دعني هنا أستعين بالرد على هذا السؤال أصدقائي وزملائي المحررين الذين يقولون إن مجلة «شعر» منذ بدايتها الأولى، أخذت اهتمامًا قويًا في نشر قصائد من مختلف أنحاء العالم، سواء كانت مكتوبة في الأصل باللغة الإنجليزية أو مترجمة من اللغات الأخرى. وسجلها في استطلاع وتحري أخبار الشعر من كل ركن من أركان المعمورة وتقديمه إلى قرائها سجل مشرف لم يقتصر على نشر الشعر الغربي فقط بل امتد إلى الكثير من رموز الشعر في الشرق وشعرائه الكبار ومن أمثال طاغور قبل قرن من الزمان ومحمود درويش وغيرهما كثر في وقتنا الحاضر. وتنشرالمجلة حاليا عددا سنويا يختص بالترجمة، ولكنها أيضا تنشر أعمال شعراء من دول عديدة في أعدادها الشهرية العادية.

* هناك سيدة أخرى قامت بالكثير من أجل الشعر الأمريكي هي روث ليلي، التي أوصت بمائتي مليون دولار في وصية من دون شروط لمجلة «شعر»، على الرغم من أن المجلة لم تقبل أياً من القصائد التي كانت قد قدمتها للنشر فيها. وأنت وظفت كأول رئيس لمؤسسة الشعر لتوظيف هذه الهدية الضخمة في مصلحة الشعر. فقل لنا ما هي الخطوات التي اتخذتها؟

- بالإضافة إلى دعم مجلة «شعر»، أطلقنا موقعاً على شبكة الإنترنت (poetryfoundation.org) والذي أصبح موقعًارئيسيًا للشعر على شبكة الإنترنت. واليوم أصبح بامكاننا أن ننتج عشرات من القراءات الشعرية الحية والمناسبات والنشاطات الشعرية كل عام، والتي تشمل شعراء من مختلف أنحاء العالم. واشتركنا في تأسيس مسابقة وطنية لقراءة وإلقاء القصائد في المدارس الثانوية، وهذه المسابقة استقطبت حتى الآن أكثر من مليون طالب وطالبة إلى الشعر الكلاسيكي والمعاصر. ونحن نرعى سلسلة الشعر في الإذاعة والتلفزيون العام. قبل الحصول على منحة روث ليلي كان وصول المؤسسة مقصورا على المشتركين في مجلة «شعر»، والذين كانوا نحو 11000 شخص. أما في العام الماضي بعد الاستفادة من المنحة فقد استطاعت هذه البرامج أن تتيح الفرصة أمام 20 مليون شخص لكي يقرأوا الشعر ويتعرفوا على العديد من التجارب الشعرية المهمة. وفي العام الماضي أيضا قطعنا شريط الافتتاح لبيت جديد ودائم للشعر في شيكاغو. وقد تلقى هذا المبنى الجديد جائزة «بناء العام» وأيضًا «جائزة أفضل تصميم» من المعهد الأمريكي للمهندسين المعماريين. ويمكن القارئ أن يشاهد صور المبنى على موقع المؤسسة على الإنترنت!

* الشعر العربي هو على الأرجح فن العالم العربي الأبرز. وهو متطور منذ القرنين الخامس والسادس الميلاديين أي منذ العصر الجاهلي. هل كانت مشاركتكم في إطلاق مجموعة Gathering the Tide (أي جمع التيار) وهي الترجمة الإنجليزية لمختارات من شعر نحو خمسين شاعرًا وشاعرة من الخليج وذلك في قطر مارس 2012 أول اتصال لك مع الشعراء العرب؟

- نعم، وقد ذهبت إلى هناك ممتلئًا بروح الاستكشاف، لأنه لم تكن لدي أي معرفة جدية بالشعر العربي عدا ما كان قد نشر في مجلتنا. السؤال الذي أخذته معي إلى الدوحة: هل سيكون تي إس إليوت المقبل من الذين يكتبون باللغة العربية؟ وستكون أمامي مغامرة رائعة لمعرفة ذلك.


-----------------------------------

أنا خاتم الماثلين على النطعِ
هذا حسام الخطيئة يعبر خاصرتي
فأُسلسل نبعاً من النار يجري دماً
في عروق العذارى
أنا آخر الموت..
أول طفل تسوَّر قامته
فرأى فلك التيهِ
والزمن المتحجر فيهْ..
رأى بلداً من ضبابٍ
وصحراء طاعنة في السرابْ.
رأى زمناً أحمراً
ورأى مدناً مزق الطلق أحشاءها
وتقيحَّ تحت أظافرها الماءُ
حتى أناخ لها النخل أعناقهُ
فأطال بها.. واستطالْ
وأفرغ منها صديد الرمالْ.

محمد الثبيتي مجلة العربي اكتوبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016