مختارات من:

التفكير بشكل مختلف: قراءة في كتاب: جغرافية الفكر

نجمة إدريس

مازلت أتذكر العنَت والمشقة في بداية التحاقي بجامعة لندن طالبة للدراسات العليا، وأتذكر تماريني الأولى في كتابة أطروحتى باللغة الإنجليزية. كنت كلما دفعتُ بحفنة من الأوراق للمشرف على رسالتي العلمية، أراه ينظر فيها مليا ثم يبدأ بالشطب بلا هوادة، إلى أن يتمخض الأمر في النهاية عن نصف ما كتبت! بعدها يتوجه لي بابتسامة ذات مغزى قائلًا: ما زلتِ تفكرين بالعربية وتكتبين بالإنجليزية! ومن خلال اجتياز ذلك التمرين الشاق، بدأت أدرك أن التفكير باللغة الإنجليزية يتحرى المباشرة والدقة والتحديد، ويتوجه إلى القصد من أقصر الطرق، وينفر من اللفظية والحشو، ويتجنب التورية وظلال المعاني. وكيف أن التفكير باللغة العربية غالباُ ما يقود إلى الترهل في الأسلوب، والتعثر بشراك الجمالية اللفظية، وملاحقة المعاني السائحة بين أمواج من المترادفات والعطوف، والجمل التي يأخذ بعضها برقاب بعض.

تذكرت هذا المشهد حول اختلاف آليات التفكير بين الإنجليزية والعربية حين الدخول في طقس الكتابة وأنا بصدد قراءة كتاب «جغرافية الفكر». ورأيت كيف أن الجماعات البشرية والشعوب ستظل تفكر بشكل مختلف، وأن هذه الاختلافات ذات جذور موغلة في الأبعاد التاريخية والبيئية والاجتماعية، وإنها تتضافر في النهاية لتشكل خلاصة الثقافات الإنسانية بتنوعاتها وثرائها اللامحدود.

لقد مضى حين من الدهر روّج فيه الفكر الغربي، إبّان سطوته الكولونيالية وهيمنته الفكرية والثقافية، بأن أنماط الفكر واحدة سواءً في الغرب أم في الشرق، وأن آلية التفكير البشري ذات طبيعة كونية أو كلية. ومن هنا فقد ران على أدبيات الفكر الغربي إمكانية وضع شعوب العالم في سلة واحدة، وقيادتهم جميعًا بذات السياسات والأساليب التي تحكم الذهنية الغربية. ويبدو أن أسس الفكر الأرسطي منذ الإغريق وإرساءه لقواعد الفكر وآلية المنطق، كان عاملًا مساعدًا لترسيخ هذه الفرضية واطرادها. بيد أن الحراك الثقافي في هذا القرن، والزخم الهائل للمعلوماتية وثورة الاتصالات، بدأت جميعها تؤسس للخروج من بوتقة الفكر الغربي (الحداثي!)، الذي بات فكرًا تقليديًا وعرضة للنقد والتفكيك، في ظل عولمة قلقة تبحث عن شكل من التعايش والمواءمة.

في كتابه «جغرافية الفكر» ترجمة «شوقي جلال»، الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة - حاول عالم النفس الثقافي ريتشارد نيسبيت دحض فرضية أن آلية التفكير وأسسها واحدة لدى البشر، وإثبات أن الثقافات والشعوب والجماعات البشرية تفكر كل منها بطريقة مختلفة، تبعا لأصولها البيئية /المجتمعية/ الطبيعية الممتدة في الزمان والمكان. وأن الفروقات في التوجهات والسلوكيات والتصورات والمعتقدات، ما هي إلا ثمرة من ثمار الاختلاف في طرائق التفكير المتوارثة عبر الأجيال والمتأصلة كسمات نفسية وعقلية لدى الشعوب والمجتمعات.

ومن أجل إثبات هذه الأطروحة حول اختلاف أساليب وأنماط التفكير لدى الشعوب والجماعات، لجأ المؤلف إلى التجربة العملية، عن طريق إجراء اختبارات تقييم وقياس لمجموعات من الناس يتحدرون في الأعم الأغلب من فئتين عرقيتين مختلفتين، الأولى ذات أصول أوربية، والثانية تتحدّر من أصول صينية أو شرق آسيوية. وكان هدف هذه الاختبارات التعرف على مدى الاختلافات في المواقف والاتجاهات والسلوكيات وأساليب التفكير إزاء الأحداث والمشاهدات والتجارب الحياتية المعيشة. وقد توصل الباحث إلى جملة من النتائج الجديرة بالاهتمام، نوجز بعضاَ منها بالآتي:

الجذور الفلسفية للشعوب

بالعودة إلى الجذور الفلسفية، يرى المؤلف أن الأوربيين قد ورثوا عن الإغريق قوة الإحساس بالذاتية الفردية وتميزها ككيان مستقل. ولذلك فقد عظم لديهم الإحساس بالفوارق الفردية، وبأنهم مسئولون عن حياتهم، وأحرار في اختياراتهم. ويرون أن الإشباع والسعادة لدى الفرد يكمنان في قدرته على ممارسة إمكاناته وقدراته لتحقيق التميز والكمال في صورة حياة لا تعرف الضغوط والقيود. وكذلك هم ميالون لرؤية العالم مكونًا من جواهر منفصلة وموضوعات متمايزة وغير مترابطة، تحتمل المناورة حولها، والجدل إزاء صحتها وخطئها أو قبولها ورفضها.

أما الأساس الفلسفي للشعوب الشرق آسوية فيعود إلى مزيج من ثلاث فلسفات وهي: الطاوية والكونفوشية والبوذية، وقد أكدت هذه الفلسفات على التناغم «الهارموني» والتكامل بين عناصر الطبيعة والكون، ورأت العالم مؤلفًا من جواهر متفاعلة ومتناغمة، بما فيها الإنسان في علاقته مع بيئته ووسطه أو علاقته مع غيره من البشر.

فالصيني مثلًا عضو من مجموعة كالعشيرة أو القرية أو الأسرة، ولا يتصور نفسه ذاتًا متفردة أو مستقلة. ولذلك فالسعادة لدى الفرد تكمن في إشباع مصالح عامة للمجموعة على نحو متناغم ضمن شبكة اجتماعية. ويتمثل جوهر الحياة اليومية الصينية في أداء الأدوار التي تكرس الواجبات داخل الأسرة أو المنظومة الاجتماعية. ولم يتبلور لديهم الحسّ الإغريقي بالحرية الشخصية، إذ أن الحقوق الفردية في الصين هي مشاركة المرء في حقوق المجتمع في مجمله، وليست امتيازًا للمرء كي يفعل ما يحلو له. أما نظرتهم للعالم فيرون أنه دائم التغيير وزاخر بالمتناقضات، ولكنه في الوقت نفسه عبارة عن جواهر متناغمة ومتكاملة، تمامًا كعلامة الطاو حيث يتداخل الين (yin) واليانج (yang) في دائرة متضامة لا تنفصل.

أما انعكاسات هذا الفكر الفلسفي المتباين بين الأوربيين والآسيويين فقد اتضح جليًا في العادات والممارسات الاجتماعية. فبسبب سطوة المنطق عند الإغريق، فقد اعتاد الأوربي الجدل ومقارعة الحجة بالحجة، والانتصار للرأي أو نقيضه. والمجادل لا يرضى عادة بأنصاف الحلول أو التفاوض حول ما يعتقد، وغالبًا ما يستعمل لغة مباشرة ومحددة وذات دلالة قاطعة. أما الصيني أو الآسيوي الذي ورث الاستعداد للتناغم مع مجموعته فينزع حين يلمس تعارضًا في الآراء إلى حسم التناقض أو تمريره عبر طريق وسطي.

كذلك فإن الحفاظ على العلاقات الاجتماعية في تناغم له الأسبقية على أي إنجاز شخصي، الأمر الذي يغدو فيه التميز الفردي أمرًا غير مستحسن في ذاته. أما الشعور بالرضا عن النفس فمقترن على الأرجح بالتناغم مع رغبات الجماعة والوفاء بمتطلباتها. أما المساواة في المعاملة فليست مفترضة ولا ينظرون لها كشيء مستصوب بالضرورة.

ويميل أبناء شرق آسيا أيضًا إلى وضع اعتبار للتوافق مع مشاعر الآخرين ومشاركتهم هذه المشاعر، وهم على عكس الأوربي الذي يتقصى الوضوح في توصيل الأفكار بكلمات دقيقة وحاسمة، يميل الشرقي إلى التورية واللغة الإشارية وظلال المعاني. وطالما عانى الغربيون من صعوبة فهم أبناء شرق آسيا، والبقاء في حالة من اللبس إزاء تلميحاتهم والتواء مقاصدهم.

انعكاس الاختلافات معرفياً

في فصل متأخر من الكتاب، يردف المؤلف تجاربه العملية حول اختلافات طرائق التفكير، بسرد مختصر عن مجموعة من المجالات والأنشطة المعرفية التي تؤكد ما ذهب إليه من اختلافات وتدعمها. فالاختلاف في آليات التفكير بين شعب وآخر طالما اتضح أيضًا في مجالات وحقول معرفية متعددة، مثل الطب، والقانون، والجدل، والعلم، والعقود، وحقوق الإنسان، والدين.. إلخ.

فالطب في الغرب يلتزم نهج التدخل المباشر في الموضوع، والكشف عن الجزء المصاب للتعامل معه مباشرة وبتره أو استبداله إذا تعذر العلاج. كذلك عرف الغربيون التشريح والتدخلات الجريئة في أعضاء الإنسان. ولكن في شرق آسيا ذي النظرة الكلية لجسد الإنسان وكينونته العامة، فإنه يرى الصحة نتاج توازن بين حقول الطاقة في الجسم، تستدعي تدخلات طبيعية وغالبيتها من الأعشاب. وهم عادة لا يلجأون مطلقًا إلى الجراحة أو البتر، وذلك للحفاظ على التكامل والهارموني في جسد الإنسان.

أما القانون، ففي الولايات المتحدة مثلًا تتم معالجة النزاعات بين الأفراد بالمواجهات القانونية، والاعتماد على تطبيق مبدأ العدالة الذي يرون أنه الإجراء الحاسم لبيان الحق من الباطل والخاسر من الفائز.

أما في شرق آسيا فإنهم ينزعون إلى «الوساطة» بين المتخاصمين، ويرون أن الهدف من حسم النزاع هو على الأرجح خفض مستوى العداوة، كما أن التوفيق بين الخصوم هو النتيجة المرجحة.

فيما يتعلق بالإنجازات العلمية، يشير المؤلف إلى تقهقر اليابان في حصد جوائز نوبل في ميدان العلوم مقارنة بالعلماء الأوربيين، ليس بسبب قلة الإمكانات العقلية أو الدعم المالي الياباني، وإنما لأسباب ذات صلة بالفكر الاجتماعي والفلسفي. ذلك أن الكونفوشية تفرض لونًا من الاحترام لكبار السن، وهو ما يؤدي إلى توجيه الدعم إلى كبار السن من ذوي المستوى المتواضع دون الشباب من العلماء الموهوبين. يضاف إلى ذلك غياب الحوار العلمي والمواجهات الفكرية، إذ أن المراجعة والنقد بين الأكفاء شأن نادر في اليابان، حيث يعتبر ضربًا من التجرؤ والغلظة.

أما مفهوم حقوق الإنسان فيبدو أنه مفهوم غربي صرف، فالغربيون يرون أن ثمة نوعًا واحدًا فقط للعلاقة بين الفرد والدولة، وأنه وحده الصحيح والملائم. فالأفراد حسب هذا المفهوم وحدات منفصلة تدخل معًا في عقد اجتماعي مبرم بينهم وبين الدولة وبين بعضهم بعضًا، مما يترتب عليه حقوق معينة وحريات والتزامات. ولكن غالبية شعوب شرق آسيا لا ترى المجتمعات حاصل جمع أفراد، بل كتلة مكونة من كائنات مندغمة. ونتيجة لذلك فإن مفهوم حقوق الإنسان كشيء أصيل للفرد نادر وغير موجود، وغالبًا ما تُقدّم مصلحة الجماعة ومعتقداتها وأعرافها على مصلحة الفرد وحريته وحقوقه الذاتية. ومن جهة أخرى فإن الكثير من شعوب شرق آسيا لها اعتراضاتها الأخلاقية على السلوك الغربي، خاصة ما يتعلق بالجريمة والعنف والإباحية الجنسية، ويستهجنون تمريرها تحت مسميات حرية التصرف وحرية الرأي.

ويأتي الدين عاكسًا للتوجهات الذهنية المختلفة. فالذهنية الغربية تفهم الدين على ضوء الصواب/الخطأ، مقابل التوجه الشرق آسيوي المتسم بالتسامح وقبول التداخل بين الأفكار الدينية. إذ يمكن للمرء أن يكون كونفوشيًا وبوذيًا ومسيحيًا في كوريا واليابان. أما الحروب الدينية فهي تكاد تكون نادرة نسبيًا في الديانات الشرق آسيوية، بينما كانت داء متفشيًا في الغرب على مدى قرون، تؤججها سطوة العقيدة السائدة التي تصر على ضرورة دخول الآخرين فيها والالتزام برؤيتها عن الخالق والوجود.

محاولة للتوفيق والمواءمة

في الفصل الأخير من الكتاب يستجمع المؤلف خيوط الموضوع حول اختلافات الفكر عند الشعوب، ويقوم بإجراء مراجعة مختصرة تدور حول تجاذب نظريتي «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات».

ففوكوياما يفترض تلاقي المنظومات العالمية السياسية والاقتصادية، وبالتالي منظومات القيم، ويرى أن الرأسمالية والديمقراطية قد فازتا، ولا توجد قوى في الأفق يمكن أن تتولد عنها أحداث مهمة. أما صمويل هنتنجتون فيعتقد باستمرار الاختلاف، وأن العالم على حافة صدام حضارات بين جماعات ثقافية رئيسية من بينها شرق آسيا والإسلام والغرب، وذلك بسبب اختلافات لا يمكن التوفيق بينها من حيث القيم والنظرة إلى العالم.

بيد أن المؤلف يتحفنا في النهاية برؤية توفيقية متفائلة، ترى أن العالم يمكن أن يكون على طريق التلاقي والتقارب وليس التنافر والصدام. ثم يستعين بجملة من الشواهد والأمثلة المدعمة لرؤيته، منها قبول الشرقيين للكثير من منتجات الغرب واسعة الانتشار سواءً في الفكر أو الموسيقى والفنون أو المأكل والملبس وأنماط الحياة.

وبالمقابل بات الغربي يتقبل أدبيات الشرق وفلسفاته، ويقبل على الأطعمة الشرقية والعلاجات الصينية والرياضات الروحانية وما إليها. وإذا كانت الممارسات والقيم والمعتقدات الاجتماعية والأفكار العلمية مآلها إلى تلاقٍ، فيمكن لنا أن نتوقع أن الاختلافات في عمليات الفكر ستبدأ هي الأخرى في التلاشي، وأن الشرق والغرب يمكن أن يسهما في نشوء عالم هو مزيج وخلاصة لأفضل ما في كليهما.

وماذا عن شعوبنا العربية؟

في خاتمة المطاف يطيب لي أن أشيد بجهد المترجم الأستاذ شوقي جلال، وخاصة في صياغته المحكمة للمقدمة التي لم تأتِ تلخيصًا تقليديًا لفحوى الكتاب، بقدر ما كانت مساءلة نقدية ورؤية مقارنة. ولعل أهم ما يلفت الانتباه في مقدمة المترجم ما جاء في مقارنته بين ما توصل إليه المؤلف عن أحوال الشعوب الأوربية والشرق آسيوية، وأحوال منطقتنا العربية التي ماتزال ساحة بكرًا لم تمسها أمثال هذه الدراسات في علم النفس الثقافي. ثم يطلق مجموعة من التساؤلات الجادة التي تستدعي التأمل مليًا في جذور التفكير لدى الشعوب العربية، والأصول الثقافية والتاريخية والعقلية الكامنة وراء هذا الزخم المعقد من المرجعيات. يقول الأستاذ شوقي جلال في نهاية تقديمه لكتاب «جغرافية الفكر»:

«أرى في هذا الحصاد الجديد الفريد من الدراسة عن الغرب والشرق الأقصى دعوة لنا نحن العرب لكي نتأمل واقعنا الثقافي وتراثنا في ضوء دراسة عقلانية نقدية تجريبية. ويفتح هذا النهج مجالًا واسعًا لدراسة العقل أو الفكر العربي: كيف يفكر العربي؟ وكيف يرى العالم؟ وما الجذور الثقافية للمعرفة والتفكير العربي ورصيده التاريخي الفاعل والمؤثر؟..... وإلى أي مدى تدعم أو تعوّق هذه الذهنية العربية حركة التطوير الحضاري؟.... وجدير أن ننهض نحن بهذه الدراسة بدلًا من أن يظل مجالها مساحة صامتة، أو بدلًا من أن ينجزها غيرنا فنكون موضوعًا لا ذاتًا فاعلة».

نجمة إدريس مجلة العربي يونيو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016