مختارات من:

قصص على الهواء

محمد المنسي قنديل

قصص لأصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية
لماذا اخترت هذه القصص?

-------------------------------------------


قصص بسيطة، تحمل همومًا كبيرة، لا يستمتع كتابها برفاهية القصة، ولكن يجأرون بالشكوى، لا ينشدون بقدر ما يتألمون، ومهما اختلفت الأمصار التي جاءت منها القصص فكلها تعاني الهموم نفسها، لا غرو إذن أن الاعتراضات والاحتجاجات قد اندلعت في أكثر من بلد في أوقات متقاربة، هناك حمل ينوء به الكاتب العربي، يحمله معه إلى كل مكان، خاصة عندما يخلو لنفسه وتحين ساعة البوح.

قصة «المتحول» لحسام صبري- مصر: يعاني الراوي من افتقاد العدالة، فهو غير قادر على انتزاع حقه بالرغم من أن القضاء قد أقره له، ولأن القانون لا يساعده، لا يبقى أمامه إلا أن يتحول إلى ذئب ليأخذ حقه بيده، أو بالأحرى بأنيابه، وأمنية التحول إلى ذئب ترتكز على تراث فلكلوري قديم، يستمد جذوره من حكايات الغابة السوداء، ويلجأ الراوي للخيال ليداري عجزه عن احتمال الواقع. القصة بسيطة الأسلوب، سلسة، تصل إلى هدفها بلا تعقيد ولا مزايدة.

قصة «جلسة مقيل» لمحمد الصلاحي- اليمن: ترتكز القصة على جلسة القات التي يغرق فيها العديد من اليمنيين أنفسهم في ساعات الظهيرة، وتجعلهم الأوراق الخضراء يحلقون بعيدا عن الواقع، ولكن الراوي يفضل أن يجلس وحده، وبدلا من أن يحلق مع الوهم يغوص في مأساته الواقعية، وعجزه عن الوفاء بكل ما هو مطلوب منه، في ظل مرتب ضعيف، يطير ويطير معه عمره، قصة مليئة بسخرية موجعة، يعيبها فقط الثرثرة الأسلوبية.

قصة «الماضي لن يعود» للكاتب عادل العمراوي- المغرب: يعود السياسي إلى وطنه بعد سنوات كثيرة قضاها في المنفى، ولكنه لم يعد المناضل الذي كان، أخذ منه الزمن، وهدته الغربة، وهو لا يريد سوى أن يقول كلمته، أو وصيته الأخيرة، ولكن القدر لا يمهله، إنه كالفيل العجوز، عندما يشعر بدنو أجله، تسعى به أقدامه إلى مقبرة الأفيال. قصة جميلة لولا ما فيها من تزيد لغوي كان يحتاج إلى مزيد من الشظف والصقل.

قصة «الأربعاء الحزين» لعصام الدين محمد أحمد- مصر: يختار الكاتب يومًا من أيام ميدان التحرير، ذلك الحدث الهائل الذي هز مصر، وهو يوم فاصل أوشكت فيه جذوة الثورة أن تنطفئ، ولكنها اجتازت تلك الليلة العصيبة لتنهض من جديد، القصة يغلب عليها الطابع التسجيلي، وهذا طبيعي فالحدث لم يبتعد بعد، ولكنها تتصدى لنقطة فاصلة في التاريخ ولا يريد القاص أن يتخلى عنها، لذلك فهو يجازف ويحاول أن ينقل الحدث كما هو، حيًا وصاخبًا.

قصة «أغنية» لوجيهة عبد الرحمن سعيد - مصر: تقدم الكاتبة في هذه القصة صورة حزينة عن الضعف الإنساني والرغبة في التحرر، فالبطلة يصيبها الوهن ويقف بها على حافة الموت، ذلك الوهن الذي يصيب الطائر عندما يطول به المحبس، قصة حزينة، كتبت بلغة رقيقة ولكنها كانت بحاجة إلى مزيد من التفاصيل الحياتية.


----------------------------
«المتحول»

حسام صبري- مصر


أقف فى منتصف الطريق، أمام دار القضاء العالي، وأشعر بأنني سأتحول الآن.. ستبرز أنيابي وتتحور أظفاري مخالب، وتنمو الشعيرات على سطح جلدي فتملأ جسدي كله، لتعلن بوضوح رجل وسيّد الرجال. تنظر إليَّ المرأة الأربعينية باستغراب حين تراني أقف فجأة وسط الشارع وتقع حقيبة يدي على الأرض وأواجه السيارات المسرعة بنظرة خاوية وجرأة أحسد عليها. أرفع يدي بمحاذاة كتفيّ وأبتسم ببلاهة، ثم تبتعد عني حين تتحول ابتسامتي البلهاء لتصبح شرسة بفضل التحوّل الذي بدأ الآن.. تتوقف إحدى السيارات بغتة، بعد أن يئس سائقها الغبي من استعمال آلة التنبيه المزعجة وتتفاداني في آخر لحظة وتكاد تصطدم بأخرى، يرتفع صياح السائق لكن لسانه ينعقد، يسكت تماما بعد ثاني سبّة حين يشاهد انحناءة جسدي المرنة وعلو وهبوط أنفاسي ولون جلدي غير المحبب بعد أن تكاثفت عليه طبقة الشعر.

أشعر الآن بأنني خفيف جدًا، رشيق للغاية وأستطيع أن أقفز فوق دار القضاء العالي بقفزة واحدة فقط.. وبالفعل.. أقفز بدل القفزة.. قفزات.. عالية، ولا أرى أمامي بعدها إلا أشباحًا بيضاء وأضواء ساطعة تزيل عتمة الكون، أعتقد أن تحولي قد اكتمل، بالرغم من أن القمر لم يزل هلالاً صغيرًا، لابد أن هناك مشكلة ما، نحن في منتصف النهار على كل حال, لا بأس.. مادامت مشكلاتي لم تحلّ، وحتى بعد أن بتّ القضاء فيها وأصدر أوامره التي لم تنفذ من قبل السلطات التنفيذية، وحتى بعد أن أعدت الشكاوى ووصلت الردود الواضحة أن السلطات القضائية شيء والسلطة التنفيذية شيء آخر..

ولم أفهم ماذا يقصدون؟!

وقررت أن أتحوّل..

أن أستذئب.. وهو شعور رائع أنصحكم جميعًا بتجربته، ربما نقلوني بعدها إلى استقبال أحد المستشفيات وادّعوا أني فقدت وعيي أو وقعت من طولي في عرض الطريق، لكنهم أغبياء.. كل ما في الأمر أنها أعراض جانبية لعملية التحول الرائعة، وأنا أنصحكم بها..

نعم.. أنصحكم أن تتحولوا، وتجرّبوا شعور المستذئب الرائع.. مرتين على الأقل كل أسبوع.


----------------------------
«جلسة مقيل»

محمد الصلاحي- اليمن


في الآونة الأخيرة اعتدت أن أقيل وحيدًا.. بعيدًا عن الأصدقاء أغلق قفل حجرة التفكير في رأسي بإحكام محلقًا في جو روحي سماوي بعيد عن عالم الإنسان وعالم الجان. وأنا لا أفشيكم سرًا إن قلت لكم إنني انتقلت إلى هذا المكان العلوي عبر أغصان سحرية ندية ذات وريقات أرحبية.

وسط هذا الجو الرائع المشبع بالطمأنينة الذي صنعته من بنات أفكاري.. مزقت السكون رنات متلاحقة، استمعت إلى الصوت القادم من هاتفي ذي الشريحتين فاندفع إلى أذني صوت صارم بصرامة صوت أبي وعنفوانه، ونظرًا لتوقيت الاتصال، فأنا أعرف متى يتصل أبي، وماذا يريد.. وقبل أن أستجمع قواي وأثوب إلى رشدي لأرد عليه، تصلني رسالة هاتفية تقول: «انتهى الشهر. وقدم العيد. وخلا البيت من المصروف. وأنت تعرف ماذا يجب عليك. ولا عذر لك.. انتهى». دققت رقم أبي وكلمته قائلاً:

- أبي حبيبي لا تقلق. ستكون الأمور بخير. فقط أتسلم الراتب، وأرسل لك في أقرب فرصة ممكنة، اطمئن . لم أكمل الحديث بعد وإذا الهاتف يرن مرة ثانية، من الشريحة الأخرى، وعرفت المتصل فورا بسبب النغمة المخصصة، إنها الحاجة مريم (أمي).. لم أعطها فرصة التحدث فقلت بصوت محبب إليها:

- أهلا أمي مرحبا كيف الحال ؟ لا تقلقي أبدًا أنا بخير كالعادة. سأرسل مستحقاتك على الفور..أنا متأكد أنك في مسيس الحاجة إلى الفلوس، خصوصا بعد انفصالك عن أبي سامحه الله.. سأظل كما تعرفينني ابنا بارًا.. فقط تحلي بالصبر، فالراتب لن يتأخر كثيرًا هذه المرة.. مع السلامة.. كنت على يقين أن المدير لن يخذلني أبدًا، حيث وقد هاتفته فأكد لي اهتمامه بالأمر..

بيد أن الجرس عاود رنينه من جديد وتيقنت أن أمي استأنفت الاتصال ربما لأني تشاغلت عن تمييز النغمة المميزة لأمي.. فتحت سماعة الهاتف للإنصات لصوت أمي فسمعت الأستاذ حسين صديقي الأثير يقول :

- أخي محمد: لا أريد أن أطيل عليك في هذه الساعة فأنا أعرف مقدار انشغالك في مثل هذه اللحظة ولكن اعذرني فموعد سداد قسط الجمعية قد تأخر أكثر مما ينبغي. والمبلغ هذه المرة من نصيب الأستاذ أبو شنب وهو كما تعلم سليط اللسان يشك حتى في قدميه. ولا أريد أن ينالك أو ينالني منه شيء من سلاطة لسانه. وأخشى إن تأخرت ألا يسلم كلانا من أذاه.. فقلت له:

- حالاً أتسلم المرتب، وسيكون القسط بين يديك، في أقرب وقت.. لم أكمل كلامي. دوى قرع عنيف على باب غرفتي، نزلت علي كالصاعقة.. وقد كنت أظن أنه لا أحد خارج الأسرة يعرف غرفة مقيلي.. انفتح الباب بعنف، ودخل المعتوه كما أسميه في سري (صاحب البيت) يلهث كالكلب ويطحن أضراسه. يجلجل كالجمل فاتحا فاه الذي بدا محشوا بالقات بحيث لم يبق متسعا للمزيد. تغطي فوهة فمه سحابة من دخان السجائر التي لا ينفك يمتصها وينفثها بشراهة.. يرغي ويزبد، يهدد ويتوعد وأنا ألاطفه وأسليه وأداريه عله يهدأ، كنت أخافه واخشى من تصرفاته الهمجية. إنه يريد إيجار البيت.. رجوته أن يصبر قليلا، وزعمت له أنني السبب طبعا في تأخر تسلم الراتب بسبب مشاغل أخرى.. قدمت له هذا التبرير خوفا من أن يستثار، انصرف وهو يهدد ويتوعد بأسوأ العواقب، إن لم يأت الغد وقد دفعت له الإيجار، أو إن ماطلته هذه المرة كما هي عادتي دائما كما زعم.. دخلت زوجتي الحبيبة لتلطف هذا الجو الملبد بالكآبة، جففت بمنديلها المعطر العرق المتساقط من وجهي على صدري وأتبعت ذلك بقبلة ساخنة على جبيني، وقبل أن تنصرف رمت إلى حجري بورقة ملفوفة اختصرت فيها كل ما يحتاجه منزل يضم زوجين وثمانية أطفال.. كانت تعلم تماما وقع الصدمة على قلبي بسبب هذه الورقة، فلطفت الموقف بقولها: ستشتري ذلك عندما تتسلم الراتب إن شاء الله، ثم انصرفت والبسمة تعلو محياها.

كما جرت العادة آخر كل شهر يتقدم الأولاد بطلباتهم مكتوبة، لأن ذلك يتزامن مع تسلم الراتب.. دخلوا جميعهم وقدموا طلباتهم المتواضعة مكتوبة، وعلى الفور أحلت الطلب على ظهر الورقة تحريرًا إلى المدير المالي (زوجتي بالتأكيد) لإبداء الرأي.. وهي حيلة لم أجربها من قبل - وقد نجحت - وكنت أقصد من وراء ذلك مماطلتهم إلى أن أتسلم الراتب.. انطلت عليهم الحيلة وتقبلوا الطعم بنفوس راضية وانصرفوا مطمئنين.. في هذا الوقت توالت قرعات الباب فتجاهلت الطارق. ورنت أجراس التلفون ذي الشريحتين فشغلته، تكررت دقات الباب ورنات الهاتف فادعيت المرض لطارق الباب، وجعلته يسمع أنيني، وأغلقت الهاتف بالكلية.. وشرعت في سرد أحداث القصة كما قرأتم..

في صبيحة اليوم التالي وقبل أن أكحل عيني بسنة من النوم؛ غادرت الغرفة من نافذتها قبل زقزقة العصافير، اتقاء لشر مطالبين آخرين، أرجو أن تعفوني من ذكر أسمائهم، رغبة في درء الشر عن نفسي وترصدت طريق المدير الذي اعتاد أن يمر منه.. وقدمت له المطلب مكتوبا فرد على ظهر الورقة بخط جميل: يخصم من المبدع راتب الشهر القادم جزاءات!.


----------------------------
«الماضي لن يعود»

عادل العمراوي - المغرب


يتعاظم هيكل الطائرة في خاصرة الأفق رويدا فرويدا، فتلوح في فضول من مرمى العين أمام الواجهة الزجاجية الرئيسية لباحة الانتظار في المطار؛ تجثم الطائرة على أرض الميناء الجوي لتترك المجال مشرعا أمام الركاب للنزول.

يبدو جسده النحيف المرتوي من جفاف الأيام المتكئة على خريف العمر منهكا من طول الرحلة الجوية؛ تحتشد عليه جموع غفيرة من المنتظرين؛ رجال السياسة، و أصدقاء الأمس البعيد وصحافة جاءت لالتقاط صورة العودة و أخذ تصريحات لآخر المبعدين.

يعانق هذا و ذاك و يخترق الجمع ليصل أخيرا إلى باحة الاستقبال حيث يأخذ قسطا من الراحة قبل مواصلة مشواره إلى الفندق؛ و الذي حجز له فيه مسبقا حيزا يؤويه مؤقتا إلى أن يتيسر له إيجاد مأوى قار يمضي فيه ما تبقى من نصيب في الحياة.

في باحة الفندق الرئيسية يودع مرافقيه إلا واحدا؛ وهو أقرب أصدقائه و رفيق دربه السياسي الغابر:

ـ<< آه من العمر بين الفنادق لا يستريح. كم مرت من السنوات على هجرانك السحيق عن الوطن و الأحباب.>>

ـ<< حوالي أربعة عقود، مرت و كأنها مشوار حياتي ككل؛ شغلتني عن ذكريات الطفولة، و تاريخي النضالي السياسي في وطني. عقود أكلت من دهري أزهى سنوات العمر،

لا أخفي عليك ياصديقي مدى المرارة التي تجرعتها من جراء تجاهل أصدقائي لوضعي هناك.>>

ـ << وبما ذا تفسر هذا الاستقبال الكبير الذي يؤكد مكانتك و رصيدك الرمزي إلى حدود الآن رغم طول الغياب؟.>>

ـ<< بهرجة إعلامية و سياسية لا غير.. لا يهم فكل شيء قد دونته في مذكراتي التي أنهيتها للتو في المنفى، و هي الآن محفوظة لا تنتظر إلا الطبع و الخروج إلى حيز الإطلاع، و سأعمل جاهدا على نشرها لإماطة اللثام عن جزء هام من مساري و مسار حقبة سياسية وتاريخية؛ لازالت مغمورة

ـ<< جيد سأتركك تستريح بعد مغبة رحلة جوية طويلة متعبة، و تأخذ قسطا من السكينة و تنعم بالهدوء المنشود في بلدك؛

ـ<< ماهو برنامج الغد ؟>>

ـ<< حضور الندوة الصحفية التي ستنظمها بعض المنابر الإعلامية الوطنية و الدولية هنا بباحة الفندق لأجيب عن أسئلة الصحافيين، و قبل ذالك سأقصد المطبعة الملحقة بهذا المركب الفندقي لأباشر طبع ما بحوزتي من مذكرات.>>

دخل غرفته، وبعد الاستحمام تقدم إلى فراشه؛ عله يجد للنوم الذي غادر بريق جفنيه في المنفى سبيلا إليه، في أول ليلة يلجها في مستقره ما بعد الإبعاد تتشابك بداخله هواجس وشذرات لتوقظ أنين معاناته، فيبرح النوم جفنيه من جديد، ليستنهض همته المنهورة، يتبوأ جسده خاصرة المكتب المنتصب قبالة النافذة المطلة على فضاءات الليل الهادئ بشارع المدينة الرئيسي، ينير فانوس مكتبه الخافت؛ ويخرج أوراق من درج المكتب، و يخطط بقلمه انحرافات حبرية تتداعى لاهتزازات أنامله على فضاء القرطاس. بعد حين يضع نقطة النهاية، ثم يمسك بحقيبته اليدوية المتوسطة الحجم ليخرج منها ملفا دسما من كثرة سمكه، يفتحه على مصراعيه ليضيف الورقتين إلى ركام القرطاس في آخر دفتي الملف ويغلقه بإحكام.

يعاوده الحنين إلى السرير الذي تركه دون نوم منذ ساعتين مضت؛ وهذه المرة مع إصرار لمغازلة عالم النعاس الذي استسلم لرغبة صاحبنا الدفينة منذ أمد.

تتعالى رنات المنبه مؤذنة بحلول صباح مشمس للغاية، تناول وجبة الفطور برفقة جمع من الأصدقاء بمقهى الفندق، واستأذن بعد ذلك لينزوي وحيدا في ضاحية ركنية من الصالة التي تتوسط باحة الفندق؛ يؤثث آخر اللمسات بملفه الذي يتأبطه منذ المفيق الباكر.

ارتشف بسرعة فنجان القهوة، و استجمع وقفته و لاح يحيي أصدقاءه بأنه سيغادرهم مؤقتا هذه الصبيحة لقضاء شغله الشاغل، وضرب لهم موعدا في نفس المكان بعد حين حيث ستنعقد الندوة الصحفية.

وقف يتأمل مشهد الشارع الغاص عن آخرة بطوابير السيارات التي تنخر عباب المسير. مشهد أحاله إلى ومضات لا زالت عالقة بمتاهة الذاكرة، عن فضاء أضحى مليء بالحركة السيارة بعد أن كان شبه شارع مقفر. و على الجانب الآخر تلوح المطبعة، التف يمنة وشمالا قبل اتخاذ قرار الالتحاق بالضفة الأخرى عبر شارع مكتظ بمركبات السير، فتقدم متأبطا ملفه يخترق الممرات الضيقة المحاطة بطوابير السيارات.

على بعد خطوتين من الرصيف المقابل تصدمه بقوة سيارة مسرعة في جنون فتسقطه أرضا، تطايرت أوراق ملفه في مسالك الهواء متناثرة؛ كأنها أوراق أشجار طواها الخريف فاستسلمت لجحافل ريح هوجاء.

توقف المسير لبرهة من الزمن؛ فتوقف معه النبض عن الخفقان في تباريح جسده المصدوم.

غابت ذكريات آخر المبعدين عن مناوشة آفاق الحاضر.


----------------------------
«الأربعاء الحزين»

عصام الدين محمد أحمد- مصر


السابعة صباحا موعد قدومى الميدان، أمارس طقس التجول بين المعتصمين تبيت أسر كاملة فى الميدان، بيدى لفة سندوتشات فول وطعمية، أوزعها على بعض الجالسين على الأرصفة، أختار موضعا مواجها للشمس، أقرأ عناوين الصحف التى أحرص على شرائها لفرشها أثناء الصلاة، جموع الناس تذهب وتجئ، الحناجر تزأر بالنداءات، أناس آخرون يقفون فوق كوبرى السادس من أكتوبر، يتشبثون بشعارات قديمة نسمعها منذ سنوات، يهتفون من اجل استمرار النظام، ينتصبون وأيديهم مدججة بالسيوف والبلط والمطاوى والجنازير، فوق أسطح العمارات المواجهة للمتحف يشعلون الزجاجات الحارقة، تنهمر الزجاجات فوق رؤوس المحتشدين بالميدان والصارخين برعب حقيقى :

- سلمية..سلمية.

الحجارة تتساقط علينا كالأمطار، قنابل المولوتوف تمنع تقد منا تماما، فوق المتحف قناصة يصوبون بنادقهم لصدورنا، تتشابك أذرعنا كأعضان الورد، الشباب يقفزون في الميدان يحملون الجرحي، الأئمة يصرخون عبر مكبرات الصوت:

- حي علي الجهاد .. حي علي الجهاد.

الشيوخ يكسرون بلاط أرصفة الميدان، الأقل عمرا يفتتون البلاط إلي حجارة صغيرة الحجم، البنات والنساء تحملن الماء والخل إلي الصفوف الأمامية، بيدى أربع حجارة، أتحرك كالمغشى عليه، لا أدرى ماذا أفعل؟

يتساقط الشهداء؛ الشهيد يلى الشهيد )

أتحسس جبهتى، ما هذا الشئ الغريب؟ ضمادة ضخمة تعصب جبهتى، الأصوات تتعالى :

- يسرقون المتحف.

موجات هادرة من الهجوم المرتبك؛كر؛فر، يعنف القتال، مازالت الهواجس تكبلنى، بنت( تى شرتية) تحتضن صرة الطوب.

- ما بالك أيها المعتوه؟

تبا لكل آيات الجنس، سحقا لكل شهوات النظر، يداى قابضتان على الحجارة، أطباء الميدان ينتشرون كالفراشات، يجوبون الساحة بالأسعافات الأولية، يحملون أكياس القطن، وزجاجات الميكوكروم والمطهرات، لا يهابون روائح الموت المنتشرة فى شتى الأرجاء، صوت أمى المنكسر ينغز أذنى:

- مات أبوك يا فقرى.

أكاد أتهاوى من الأعياء، محمد يسندنى .

- لماذا حضرت فى هذا الوقت؟ ألتلقى حتفك؟ ونحملك فوق الأكتاف ونستجير:

- دم الشهيد بيننا وبينك.

يسجل بهاتفه المحمول المعركة الدائرة، أنتفض:

- لن أسقط الآن، فالوقت مازال طويلا.

جحافل السلطان يقتحمون الميدان، الشباب يتمترس، الأصوات تتماس:

- الجبان جبان والجدع جدع ..وأنا شهيد الميدان.

كتل بشرية تندفع إلى مركز الميدان، تهطل من جهة عبد المنعم رياض، أرتياع يحرك الجميع، القلوب واجفة، الإرادات هلعة، المحتجون لا يعون من أين سيقتنصهم الموت، الهلاك يصب ويلاته من فوق العمارات والمتحف المصري والكوبرى، الحظ وحده يحدد نوع الإداة، يمكنك أن تموت بحجر مدبب حملته سيارات الأمن المركزى وبعض ناقلات شركات البترول، ربما تكون محظوظا فتهرب روحك بطلق نارى لقناص يختبئ خلف الشرفات، ربما تكون شقيا فتتفحم أسفل حمم المولوتوف، الأندفعات البشرية تزداد والأغبرة تؤطر اللوحة بالضبابية، جمل يبرطع مهتاجا، ينفث عن غيظه وكمده مخترقا الجموع الحانقة، يتبعه حصان أحمر وآخر أسود وفى ذيلهم ثالث أبيض، عبقرية الخيال تجسد واقعا سرياليا ؛لا أعرف معنى مادى لكلمة سريالى ولكن هذا من لزوميات القص، مهما بلغ بك الجنوح لن تتمكن من إجتزاء مكونات المشهد؛ركلات، صيحات، أتربة، أدخنة، طلقات نارية، غازات مسيلة للدموع، قنابل حارقة، الأيادى تنتزع فرسان القرن الحادى والعشرين قبل الميلاد من على صهوة دوابهم، مرجل القهر المتراكم منذ ثلاثين عاما ينفجر، ذعر، أضطراب، أناس يجرون جوار السور المتاخم لمعدات المقاولون العرب، الدبابات المنتكسة لا تبرح موضعها، يتكاثر الجرحى، تعلن مكبرات الصوت:

- القبض على لواء شرطة.

- الأمساك بعميدين وخمس وثلاثين أمين شرطة رقمهم القومى هو...

- مداخل القصر العينى والجامعة الأمريكية وطلعت حرب وشامبليون وقصر النيل يعوزها متطوعين لمقاومة الهجوم.

أنهض متثاقلا، ألج غرفة الأولاد، بالحجرة عشرات الكراتين المملوءة بالكتب، أقلب الكتب، تشدنى العناوين، لا أفتح كتابا؛فالبال مشغول، والعقل راكد، منذ الصغر أعشق الروايات، لعلى أجد فيها أنسانا يقاربنى؛يخزن الأحداث والوقائع فى عقل يموج بالغليان، النار تزنهر، الأبخرة تتصاعد، أنصهار الأحداث والوقائع واقع لا محالة، أحاول أستكشاف شخص لا تبرز ردة فعله إلا بعد أيام وأيام، وكأن المشاهد لا شواهد لها.

ها أنا معصوب الجبين ألتمس طريقى إلى فراش الأولاد المحتل ثلث الغرفة الصغيرة، أتهاوى فوق السرير ككيس محشو بالخرق البالية، أغمض عينى، تترى المشاهد:

(محمد يصيح فى وجه القائد العسكرى:

- لماذا لا تدافعون عنا ؟

ببرود يرد الضابط:

- أنتم مصريون وهم مصريون.

يسخر محمد :

- ضعوا حاجزا بيننا وبينهم.

يتجاهل الضابط المطالب،

الأكتاف تتزاحم، الصراع يشتد، ضرب ودماء، زئير وأنين، القتال يحتد، كميات الحجارة التى يقذفها المهاجمون لا تنفد، يتكسر أتوبيس ملئ بالجنود ويتوسط الدبابات الأربع، والجنود لا يغادرون مطرحهم، سيارات عملاقة كالحة اللون حبلى بأكياس الحجارة المسنونة، أقطع الميدان فى خطوات متسارعة، الصورة عند مدخل قصر النيل لا تختلف عنها عند بوابة عبد المنعم رياض، الآن ترسخ فى عقلى المضطرب أن للحرية والكرامة ثمنها الباهظ ..

- جمل وخنجر لصدر كل متظاهر.

- طلق نارى وضربة جنزير لكل متردد.

- أتظن أنهم سينتصرون؟

- صراع الإرادة فى الميدان سيحسمه الأعتقاد.)

أشعة الشمس تتساقط عمودية على رأسى، كاد نافوخى أن يشتعل، الآن حان وقت التجول، أطوى الصحيفة، أدسها فى جيب الجاكت، أهتف :

- الشعب يريد أسقاط النظام .


----------------------------
«أغنية»

وجيهة عبد الرحمن سعيد - مصر


كانت كلّما سارت خطوة باتجاه فجرها, كان يسمعها أغنيته المسحورة بندى فجرها, فكان كتلك الحوريّة التي تسمعك أجمل أنغامها بينما هي في محارتها، تندفع إليها وما أن تصل الى أسوار اللاّعودة تجد نفسك محاطاً بشباك عنكبوتيّة لا مفرّ منها، تقول له:

دعني وشأني...

دعني أمضي... تلك الإجابة الدائمة...

لا كيف لي العيش بدونك.

تكبّلها قيود كلماته... استجداءاته... تنظر إليه بعمق...

لكنني هناك، يجب أن أكون حيث الشَّمس....

تقول هذا ومن ثم تتركه غارقاً في نشوة نصرهِ عليها هذه المرّة أيضاً.

تدخل غرفتها تعبةٌ كلُّ خليّة في جسدها التّعب....

تستلقي على سريرها، تحاول الاسترخاء، كلماته انسلت إليها كمخدّر قويّ.. أصابها الشلل، يتمكّن النّوم منها، فتنام دونما قرار.

كانت تحاول إيجاد حلٍّ، فلم تجد غير سريرها يمتصّ منها التّعب.. لكنّه تآمر عليها، فنامت بعمق دونما حركة، دونما أرق....

في الصّباح لم تستيقظ مبكّرةً كعادتها، تسلّل الكسل إلى كل نأمةٍ في جسدها، انتظرها على الإفطار، تأخرت..

تململ قليلا، تأفّف من كسلها، نهض بعد أن كان قد ملأ كأس الشّاي.. فتح باب غرفتها، للحظة لم يجدها في سريرها الذي كان بمواجهة الباب..

هيئته تدلّ على أنّ أحداً ما كان نائما عليه، ولكن هل امتصّه الهواء، أين هو الآن الذي كان نائماً.....

انقضت تلك اللحظة، اندفع بقوّة, ليبحث في أرجاء الغرفة، لم يُطل التفتيش، وجدها مرتمية على وجهها في الطّرف الآخر من السّرير، غارقةً في الزّبد والعرق حملها بين يديه, احتضنها أبعدها عن حضنه, ينظر إليها ترتعش شفتاه، يناديها، يستجديها أن تردّ عليه، انهال بكفّيه على خديها الشّاحبتين ليوقظها من سباتها، عبثاً ارتسمت آثار أصابعه على صفحة القمر الذي سكن وجهها....

رفعها الى السّرير، جثّة باردة، برودة ذرّات التراب في نيسان لم يغادره المطر..

قشعريرة نصبتْ لحواسه الشَّرك، سرعان ما فقد الاتجاه....

هل يستلقي بجانبها..أم يسعفها...؟

بدا منتمياً لمجموعة الدلافين التي إذا ما مات أحد من مجموعتها, يبقى الآخرون معه حتى يبدأ الغرق..

وبصمت استحضر شيئاً ما من دفين ذاكرته القصيرة المدى.

ينظر إليها نبتة هلكها العطش.. ثم يعود لمحادثتها...

تذكّر عينيها البحريتين، قاعهما أعمق.. لونهما ذلك الخطّ الوهمي الذي يفصل البحر عن سماء الملائكة

همس:

إنّهما عينيها... ذلك البحر.. البحر يفعل ما يريد.

يجب أن يعلم بأنّ على المرء أن يكون مستعدّاً لكلّ طارئ.

مسح عرقها.. لثم جبينها، شعر بطعم الملح يتسرّب إلى شفتيه, نظر إليها غير قادر على الكلام، لم يكن ثمّة داعٍ للكلام إذ عجزت كلماته عن الحضور.

ففكّر كيف عليه أن يغلق دفتي ذلك الكتاب، نظر حوله

يتمتم: هذا المنزل هل هو سرير، أم جدار، أم حيث تقيم هي... أم ماذا..؟

عليه أن يواجه تبعات تلك الحقيقة غير مقتنع بها، فقد باتت على شفير هاوية تلك الرّوح التّواقة للنّور..

وبخطوات خجولة توجه الى الهاتف، وضغط بأصابعه الكسلى على الأرقام... يطلب مجيء الطبيب...

كان لابدّ من الاستسلام.. فليس من حاجة للإكثار من أكل السّكر في الأوقات السّيئة، وهو الذي أكثر من أكل السّكر، كما لا يمكن اللجوء الى الموتى أو العيش معهم وهي كما تبدو تتنفس في جسد ميت.

عليه أن يستسلم، ليجعل الأمور تبدو كفكرة نبيلة من صنعه..

عليه أن يعتقها...أن يفكّ أسرها، ويطلق جناحيها للطيران..

إذ أن بعض الطّيور لا تنتمي الى القفص.

محمد المنسي قنديل مجلة العربي يونيو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016