مختارات من:

إنطاق المسكوت عنه

جابر عصفور

أحسب أن أول آثار الترجمة, في سياق نشأة الرواية العربية ومسارها الباكر, يرتبط بما أسهمت به ترجمة فنون القص الأجنبي من تحرير أسلوب الكتابة السردية, خصوصا من حيث اقترانها بلغة الجرائد التي كانت متجهة ـ بحكم وظيفتها ـ إلى دوائر عديدة من القراء, وكان عليها ـ منذ البداية ـ أن تراعي سهولة التعبير وبساطته التي لا تباعد كثيرا بين لغة الكتابة ولغة الحياة اليومية. صحيح أن المترجم عن القص الأجنبي اتخذ لترجماته عنوانا مسجوعا في البداية, وذلك على نحو ما فعل محمد عثمان جلال عندما نشر (الأماني والمنة في حديث قبول وورد جنة) التي كانت ترجمة مسجوعة وتعريبا خالصا لعنوان العمل الذي أصدره الكاتب الفرنسي برناردين دي سان بيير (1737 ـ 1814) تحت عنوان (بول وفرجيني), أو ما فعله رفاعة الطهطاوي عندما ترجم رواية فينيلون (مغامرات تليماك) بعنوان (مواقع الأفلاك في وقائع تليماك), أو ما فعله ميخائيل جورج عورا الذي نشر سنة 1886 ترجمة روائية بعنوان (البنون في حب مانون). وأغلب الظن أنها ترجمة على طريقة العصر لرواية الكاتب الفرنسي أنطوان فرانسوا بريفو Prevost (1697 ـ 1763) الذي اشتهر بروايته (مانون ليسكو) Manon Lescaut التي نشرها سنة 1731. وصحيح كذلك أن أسلوب الترجمة لم يفارق في بدايته لغة البديع التي كانت لاتزال سائدة. ولكن تتابع الأعمال المترجمة على صفحات المجلات والجرائد, فضلا عن تزايد طلب المجلات والجرائد على المترجم من القص, وسيلة للترويج وجذب القراء, ساعد على تخلص أساليب الترجمة شيئا فشيئا من أثقال اللغة البديعية, واكتساب القصة المنشورة أو الرواية المسلسلة في الجريدة صفات البساطة والسلاسة التي كانت أقرب في تأكيد معنى مشاكلة القص للحياة من ناحية, واقترابا من المستويات المختلفة للقراء والقارئات الذين تزايدت أعدادهم من ناحية مقابلة. وأحسب أنه بقدر ما فرض تدفق الأسلوب في الأصل المترجم نفسه على لغة المترجمين, خصوصا الذين تأثروا بعوامل المثاقفة الجديدة, ومالوا إلى لغة أقل تعقيدا من اللغة التقليدية, فإن أثر الصحافة فرض نفسه على الترجمة والكتابة السردية بوجه عام. وكانت النتيجة غلبة (لغة الجرائد) على الترجمة التي أصبح أسلوبها من جنس لغة الصحافة.

هكذا, ساعدت الترجمة على تغيير لغة السرد المقيدة التي التزمت بها كتابة المقامات, تلك الكتابة التي حاول بعثها كتاب من أمثال ناصيف اليازجي (1800 ـ 1871) بمقاماته الستين التي نشرها مفرقة, قبل أن ينشرها مجموعة الخواجة نخلة مدور في بيروت سنة 1856 بعنوان (مجمع البحرين). وقد ظهرت محاولة التمرد الجذرية الأولى على كتابة المقامات فيما كتبه أحمد فارس الشدياق صاحب جريدة (الجوائب) الذي يظهر نفوره من الكتابة المقاماتية مقترنا بالأثر الذي لعبته الكتابة الصحافية في تغيير أسلوبه السردي.

من الطراز الشفاهي للكتابي

ومهما يكن من أمر, فقد كان الإقبال على القصص المترجم في الجرائد والمجلات تأكيدا لاستجابتها إلى رغبات شرائح قراء الطبقة الوسطى الذين رفعهم التعليم درجات على سلم التراتب الطبقي, كما كان تعبيرا عن التحول من طراز سردي شفاهي إلى طراز سردي كتابي فرضته أدوات إنتاج المعرفة وعلاقاتها في المدينة الحديثة. وفي الوقت نفسه كان هذا الإقبال تجسيدا لعلامة دالة من علامات الوعي المديني, خصوصا حين تتأصل في هذا الوعي نزعة إنسانية مترتبة على تنوع أعراق المدينة وأجناسها وطوائفها ومعتقداتها, الأمر الذي يجذر في عقول أبناء المدينة طبيعية الشعور بوجود الآخر, المختلف في اللغة والديانة والملبس والموطن.

وبقدر ما توقع المدينة الحديثة الشعور بالمؤالفة بين سكانها, رغم اختلاف أصولهم العرقية والجنسية والحضارية, فإنها تؤكد في المجموعات القرائية لهؤلاء السكان, على نحو واع أو غير واع, التسليم بالوحدة الإنسانية التي تصل بين المختلف منهم, من منظور الهوية الوطنية أو الدينية أو اللغوية.

ويمكن القول إن ترجمة القصص الأجنبي في الجرائد والمجلات قد دعم صعود هذه النزعة والعكس صحيح بالقدر نفسه. فوجود هذه النزعة نتيجة تنوع أعراق المدينة, يؤدي إلى تطبيع وعي أبنائها بالمختلفين عنهم, ويعينهم على أن يكتشفوا في مشاعر وعواطف وأفكار وسلوك غيرهم ما يشبه مشاعرهم وعواطفهم وأفكارهم وسلوكهم. وبالقدر نفسه, اكتشاف ذلك كله بواسطة قراءة القصص المترجم يؤدي إلى دعم النزعة الإنسانية, وتأكيد أوجه القرابة التي تجمع بين أبناء البشرية كلها, مهما اختلف اللسان أو تباعدت الديانة أو تعارضت المصالح. ويستوي من هذا المنظور أن يتعود أبناء المدينة على وجود المغايرين حولهم في المدينة فيألفوا حضورهم إلى الدرجة التي تقضي إلى تبادل التأثر والتأثير. ومن ثم الوعي بوجود المغاير الذي هو صورة لنا أو شبيه بنا بأكثر من معنى. أو تنتهي إلى هذا الوعي نتيجة تعرف أبطال وبطلات القص الأجنبي الذين يشبهوننا بأكثر من معنى في مشكلاتهم وعواطفهم ومشاعرهم.. إلخ.

تحرير الوعي الاجتماعي

وما له دلالة في هذا السياق الدور الذي قامت به الترجمة في تحرير الوعي الاجتماعي لطلائع القراء في المدينة, فقد أسهمت إسهاما كبيرا في تخفيف وقع الموضوعات الحساسة على وجدان القراء وعقولهم, وأفضت إلى تطبيع علاقة هؤلاء القراء باختلاف أنواع الروايات وجسارة مضامينها, ومن ثم تمكين السرد الروائي من التعرض للمسكوت عنه في الخطاب الاجتماعي للمجتمعات التقليدية المحافظة. وابتدأ الأمر بفتح أبواب الحديث عن أسرار العلاقة (الحبية) بين الرجل والمرأة, وتخفيف القبضة الصارمة لنواهي التحريم الاجتماعي في أمور (الغرام) التي لم تخل منها رواية مترجمة, الأمر الذي جعل (القصة الغرامية) نفسها عنصرا من عناصر التشويق في الرواية التاريخية التي كتبها أمثال جرجي زيدان ابتداء من سنة 1891, ومجالا للسباق بين كتاب الرواية وكاتباتها الذين جعلوا من القصة الغرامية وسيلة من وسائل مناوشة المحرمات الطائفية على نحو ما فعلت لبيبة هاشم في روايتها (قلب الرجل), أو حيلة فنية من حيل إنطاق المسكوت عنه اعتقاديا في العلاقة ما بين (الدين والعلم والمال) على نحو ما فعل فرح أنطون في روايته التي تحمل العنوان نفسه.

وبقدر ما أكدت ترجمة الروايات الأجنبية القيم التي تعطف الإنسان على الإنسان في كل زمان ومكان, بعيدا عن حواجز اللغة والعرق والجنس والديانة, أتاحت للروائي العربي إمكان تحويل الترجمة إلى قناع أليجوري, ينطق المسكوت عنه سياسيا أو اعتقاديا في عالم المترجم, وذلك في سلسلة دالة تبدأ من رفاعة الطهطاوي الذي نفاه الخديو عباس الأول إلى السودان بحجة التعليم في مدارسها, فاستبدل بالوحدة القاسية حماسة صياغة (مواقع الأفلاك في وقائع تليماك) (1867) تعريبا لرواية فينيلون (مغامرات تليماك), فأسهم بتعريبه ذلك في تأسيس أصول الوعي المحدث لمسيرة الرواية الرمزية التي تنطوي على توريات سياسية, وأضاف بها من منظور تقليم براثن الحاكم المطلق ما أصبح نموذجا يحتذى عند اللاحقين في دوائر التعريب.

ترجمة الدستور

وقد استهل رفاعة رافع الطهطاوي (1801 ـ1873) الحضور الإحيائي لهذا النوع من التوريات السياسية, حين نقل في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) (1834) ما أطلق عليه: تدبير الدولة الفرنسية, شارحا حقوق المواطن الفرنسي في دولته التي يستوي الجميع أمام دستورها, ابتداء من الملك وانتهاء بأصغر مواطن. وترجم رفاعة مواد هذا الدستور الفرنسي (الشرطة La charte) الذي ينظم العلاقة بين الدولة والمواطنين, ويؤكد أن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الملك وراحة العباد.وعاد رفاعة الطهطاوي بعد أكثر من ثلاثين عاما, ليختفي وراء قناع المترجم ليوصل عبر ألسنة شخصيات رواية فينيلون (مغامرات تليماك) لوازم ما ظل يلح عليه من مفاهيم الحرية العدل والحرية.

ولم يكن رفاعة في ذلك يتأثر بالأدب الفرنسي الذي عرفه, وإنما كان يعتمد بالقدر نفسه على تقاليد عربية تتصل ببلاغة المقموعين في تراثنا. أعني التقاليد التي دفعت المثقفين إلى الاختفاء وراء أقنعة القص الرمزية المؤلفة أو المترجمة. وفي حالة الترجمة تحديدا كان المترجم يلجأ إلى الترجمة بوصفها قناعا ينطق من خلفه, محتميا بالمؤلف الأجنبي الذي ينطقه ما لا يستطيع هو النطق به من المسكوت عنه من خطاب الجمع, ولذلك كانت الترجمة ـ في جانب من جوانبها ـ وسيلة للتعبير عن ما لا يمكن التعبير المباشر عنه في مجتمع المترجم الذي يضطر إلى ممارسة دور المؤلف المختفي وراء حجاب, وذلك على نحو ما فعل ابن المقفع الذي اختفى وراء قناع (بيدبا) في (كليلة ودمنة) ليواجه في مجتمعه شبيه (دبشليم) ولا يختلف ما فعله رفاعة في ترجمة رواية فينيلون عما فعله ابن المقفع في ترجمة (الحكايات الخمس) التي أصبحت (كليلة ودمنة), فالدافع يشبه الدافع, والحيل البلاغية القديمة لا تفترق عن الحيل المحدثة في التحليل الأخير من منظور الدافع نفسه. ويعني ذلك أن العلاقة بين (مغامرات تليماك)التي كتبها فينيلون و(مواقع الأفلاك في وقائع تليماك) التي ترجمها رفاعة هي العلاقة بين الوجه والقناع, أو هي ـ إذا شئنا الدقة ـ العلاقة بين القناع الثاني الذي اختفى وراءه الطهطاوي والقناع الأول الذي ارتداه فينيلون ليعبر تعبيرا رمزيا عن الأساسي من أفكاره السياسية. والقناع الثاني إعادة إنتاج للقناع الأول, ومحاولة لتوظيفه في الدائرة التي حاول بها رفاعة إنطاق المسكوت عنه في خطابه إلى عباس الذي توجه إليه بترجمته, طامعا في استمالته والحصول على رضاه, حالما, فيما يبدو, بإمكان ترويضه بالطريقة التي تولى بها فينيلون ترويض أميره, أو الطريقة التي تولى بها الحكيم بيدبا ترويض بطش السلطان.

الاحتجاج على القمع

أما فينيلون فهو المفكر الكاثوليكي الفرنسي فرانسوا فينيلون (1651 ـ 1715) الذي كتب رواية (مغامرات تليماك) لتلميذه دوق بورجوني, حفيد وولي عهد لويس الرابع عشر, كي يدعم الحاسة الخلقية في تكوينه ويعلمه تعليما غير مباشر أصول الحكم العادل كما يراها المعلم, إلى جانب مساعدته على مراجعة آداب وأساطير الإغريق القديمة. وقد تلقف رفاعة هذا الهدف, وانطلق منه, مضيفا إليه ما انطوى عليه نتيجة ما قام به الخديو عباس الذي نفاه إلى السودان بعيدا عن مدرسة الألسن وعن القاهرة كلها. وفي المنفى, شعر رفاعة بالدافع إلى التوجه إلى الخديو, ومن ثم الحديث عنه, والحديث إليه, بما ينطق المسكوت عنه من خطاب المثقف الذي يحتج على تصاعد الأسلوب القمعي للحاكم المطلق. ويبدو أن الذي ساعد رفاعة على اقترابه من فينيلون, تحديدا, هو التشابه في النزوع العقلاني والمنزع الأخلاقي, خصوصا من الزاوية التي كان بها فيلسوفا ومعلما للحاكم القديم, ولي العهد الذي كتب له رواية (مغامرات تليماك) (1699) التي تصوغ صياغة رمزية مغامرات تليماك أن في البحث عن أبيه أوديسيوس, وذلك على سبيل مزج الخيال بالحقيقة, وإنطاق المسكوت عنه من الأفكار السياسية الأساسية لفينيلون. وكان ذلك بعد سنوات من انتخابه عضوا في الأكاديمية الفرنسية 1693.

وبالطبع, لا يكشف رفاعة عن الهدف المضمر من ترجمة رواية (مغامرات تليماك). ويستبدل بالهدف الباطن هدفا ظاهرا يعبر عنه بقوله إنه ترجم الرواية على سبيل التسلية في غربته, ولأنها تشتمل على الحكايات النفايس, وأن عليها مدار التعليم في المكاتب والمدارس في ممالك أوربا وغيرها, فإنها كتاب مشحون بأركان الآداب ومشتمل على ما به كسب أخلاق النفوس الملكية وتدابير السياسات الملكية. وينبهنا رفاعة إلى أن عمله يدخل في باب (التعريب) الذي أداه فيما يقول بأسهل تقريب وأجزل تعريب, فتحاشى ما يورث المعاني أدنى تعبير, ويؤثر في فهم المقصود أقل تأثير, (اللهم إلا أن يكون محلا مخلا بالعادة فأتمحل لذكر مآل المعنى ومضمونه بعبارات تفيد لازم المعنى أكمل إفادة). ويقول رفاعة إن ذلك أسلوب معتاد في قالب الترجمة, عساه أن ينفع في سائر البلاد المشرقية التلامذة, وأن يكون كتابا جيدا من كتب العربية يعتمد عليه أساتذة التعليم, (لاسيما في الديار المصرية التي تقدمت كل التقدم في التعليم والتعلم).

تطويع النص

وأحسب أن رفاعة آثر استخدام مصطلح (التعريب) لوصف عمله في الترجمة تأكيدا لدوره في إعادة إنتاج الأصل, لا من حيث تطويعه لمقتضيات الصياغة العربية والعادات العربية على السواء, وإنما من حيث إنطاق الكتاب الهموم الخاصة التي انطوى عليها رفاعة في منفاه. وهو يكشف عن بعض هذه الهموم على سبيل الإلحاح عندما ينبهنا إلى أنه أقبل على الرواية (لما اشتملت عليه من المعاني الحسنة من نصائح للملوك والحكام, ومواعظ لتحسين سلوك عامة الناس, تارة بالتسرع وطورا بالتوضيح), وهذا كلام يجب أن نقرنه بما يقوله بعد ذلك من أن (الملك هو ولي الأمر في الرعية يأمر وينهي وأحكام المملكة وقوانينها تجرى عليه وإذا أساء الاستعمال تغل يده, فإن الأهالي سلمته الشرائع وديعة بشرط أن يكون أبا للرعايا بموافقتها).

وتضع الكلمات السابقة الرواية المترجمة في موضعها الذي يرتبط بمحاولة العقل الإحيائي الطليعي مواجهة التقاليد الجامدة للحكم المطلق في عصره, وذلك على نحو أبرزه أستاذي المرحوم عبدالمحسن بدر بما لا يدع مجالا للشك, خصوصا حين يؤكد ـ في كتابه الرائد عن (تطور الرواية العربية الحديثة في مصر) ـ أن صياغة رفاعة لمغامرات تليماك تحوي ما يعبر عن احتجاج رفاعة المضمر على نفي الوالي عباس له إلى السودان, ففي المقالة الثانية نسمع ما يقوله منظور (منتور) في مديح عدل حكام مصر وسعادة أهلها, ونظر ملكها في شكايات الناس. لا يعيب في أفعاله إلا وثوقه بأحد رعاياه الذي دس لمنظور وتليماك عند الملك الذي غضب عليهما, فأرسل تليماك في قيد العبودية إلى الواحات, بينما أرسل نفي منظور إلى السودان. وبعد أن يتحدث تليماك عن بعض المغامرات يتحدث عن ملك جديد يتولى الملك بعد الملك الأول ويطلق سراح جميع الأسرى. وذلك في خطاب لا يخفى ما يبطنه من رغبة التحرر من الوالي الظالم ـ عباس ـ والحلم بوال جديد عادل يفتح المستقبل الواعد.

وينبهنا عبدالمحسن بدر إلى دلالة لقاء تليماك ومعلمه الحكيم في إحدى مغامراتهما برفيق يسمى آدم, يحادثهما عن حاكم ظالم يتحول الحديث عنه إلى تعريض بعباس الذي كان سيئ الظن بالمصريين والأوربيين, والذي كان عهده بمنزلة تراجع عن طموحات أبيه. ويضيف عبدالمحسن إلى ذلك دلالة خطاب منظور في اليونانيين الذين يحدثهم عن ضرورة الوحدة, كما يحدثهم عن الرابطة الإنسانية التي تجمع البشر بالاتفاق والاتحاد, كأنهم جميعا أبناء رجل واحد. وهي أقوال لا تخلو من التعريض بانغلاق عباس, وسياسته التي فرقت بين المصريين, وباعدت بينهم وبين الإفادة من حضارة العالم المتقدم حوله.

مغامرة فكرية

ونتيجة مثل هذه المواقف الدالة وغيرها, يرى عبدالمحسن بدر أن رواية (مواقع الأفلاك) ليست رواية مغامرات بالمعنى المعتاد, لأنها أقرب إلى المغامرات الفكرية منها إلى المغامرات الحقيقية. والهدف المتكرر من الانتقال الجغرافي فيها ليس الحرص على تتبع الرحلة الأسطورية التي تضمنتها (الأوديسة) بقدر ما هو البحث عن مبرر للحديث عن الخلل السياسي في المجتمعات, واستغلال نقد هذا الخلل في توجيه النقد المضمر إلى عهد عباس. ويبدو أن إلحاح هذا الهدف هو ما دفع رفاعة إلى التغاضي عن صفة الوثنية في الأساطير اليونانية التي يتضمنها الكتاب, خصوصا أن ما يرد في ترجمة رفاعة من هذه الأساطير لا يأتي إلى على سبيل دعم النقد المضمر الذي تتضمنه وقائع تليماك, وهي وقائع تبدأ وتنتهي عند مبدأ سياسي واحد, مؤداه أن الحاكم لابد أن تغل يده إذا أساء استغلال سلطته, وأن الأهالي لم تسلمه سلطته إلا ليكون أبا للرعايا بموافقتها الطوعية لا القسرية.

ومن هذا المنظور, تحديدا, تقع ترجمة رفاعة موقعا قريبا من رواية فرنسيس فتح الله المراش المؤلفة (غابة الحق), فترجمة رفاعة لاحقة على رواية المراش, ومؤكدة لتصديها للحكم المطلق على السواء. وما له دلالة في هذا السياق أنه ما كاد يمر عامان على صدور (غابة الحق) حتى أصدر رفاعة الطهطاوي (مواقع الأفلاك في وقائع تليماك) بواسطة المطبعة السورية في بيروت, وليس في قاهرة عباس الأول المعروف بنكوصه عن مشروعات محمد على المتقدمة, والمعروف بعدائه لطلائع الاستنارة التي تناقضت ومفاهيمه المنغلقة للحكم المطلق. ولم يجد رفاعة الطهطاوي وسيلة فنية أنجح في تقليم براثن عباس, ومراوغتها في الوقت نفسه, من ترجمة الرواية التي كتبها فرانسو فينيلون لتقليم أظفار الحكم المطلق التي انطوى عليها ـ بحكم المكانة ـ تلميذه دوق بورجوني.

والصلة بين (مغامرات تليماك) التي كتبها فينيلون و(مواقع الأفلاك في وقائع تليماك) صلة الأليجوريا التي تسعى إلى ترويض بطش أمثال السلطان دبشليم بواسطة القص الذي يضرب من الأمثال ما يستميل مخيلة المستمع, أو المتلقي, إلى تصديقه والعمل به.

ولا بأس لو قدم رفاعة بين يدي ترجمته بشيء من التزلف إلى عزيز مصر, فيبسط كفيه بالدعاء لصاحب الأفضال الذي أخرج مصر من الشقاء, وسقى ملكها ماء حياة التخليد والبقاء ناصر الأمة, كاشف الغمة, ولي النعمة طالع يمنه محفوف بالإسعاد, وساطع ذهنه مقرون بالسداد, أبقاه مولاه ومتعه بما أولاه ـ أقول: لا بأس بمثل ذلك التزلف (فالأراقم لا يطاق لقاؤها, وتنال من خلف بأطراف اليد). والأهم هو ما يمكن أن يتحقق بعد ذلك من تحسين حال الوطن الذي يقول رفاعة إن حبه من شعب الإيمان, والتطلع إلى العهود المستقلة بطوالع الصعود المقبلة, وتوصيل ما يمكن توصيله من المسكوت عنه في كسب أخلاق النفوس الملكية وتدابير السياسات المدنية. ولا ضير لو قام رفاعة, في سبيل ذلك, بتغيير ما هو مخل بالعادة, أو إضافة ما يكمل المعنى بأكمل إفادة. عسى عمله أن ينفع التلامذة في كل البلاد المشرقية, وأن يصل حبل الود المنقطع بينه وبين عباس بالديار المصرية.

وكما كانت النزعة العقلانية هي النزعة الكامنة وراء المدلولات التي انطوت عليها دوال الشخصيات الأساسية في (غابة الحق) لفرنسيس مراش, من حيث إلحاحها على أولوية العقل في المعرفة, والعلاقة الكاشفة التي وصلت خطابها بخطاب فلسفة الأنوار الأوربية, كانت النزعة نفسها الأصل في تمثيلات (مواقع الأفلاك) التي قادت رفاعة إلى فينيلون ودفعت إلى التأثر به, في سياقات تأثره بمفكري العقلانية الفرنسية التي وصلت القرن السابع عشر بالقرن الثامن عشر. ويبدو أن تواصل هذه النزعة العقلانية هو المسئول عن اتصال تأثر رفاعة بأفكار فينيلون, أعني التأثر الذي يحتاج إلى جهد خاص في الكشف عن جوانبه, خصوصا ما يجمع منها بين ما كتبه فينيلون بعنوان (رسالة في تعليم البنات) حوالي سنة 1683, استجابة إلى ما سألته عنه دوقة من صديقاته حول أصول تعليم البنات, وما كتبه رفاعة بعنوان (المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين) سنة 1873, استجابة إلى طلب تلميذه على مبارك الذي افتتح في العام نفسه أول مدرسة لتعليم البنات.

جابر عصفور مجلة العربي يونيو 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016