مختارات من:

وجها لوجه: صلاح ستيتيه وبسام بركة

المحرر

اللغة العربية لغة حضارة كبرى تعبر عن الثقافة والمقدس معا

- الأطفال والعلماء يشتركون في رغبتهم المستمرة في الاكتشاف
- ليل المعنى هو الشعر ويشبه النغمة بالنسبة للموسيقى
- كل عمل من أعمال الترجمة خيانة للغة الأصلية

توجّهنا إليه في مسكنه الذي يقع في بلدة صغيرة غرب العاصمة الفرنسية باريس، وهي «ترامبلي سور مودر». وفُوجئنا بأنَّ المنزل الذي يعيش فيه شاعرُنا يعود إلى القرن السادس عشر، على مسافة قريبة من قصر فرساي الشهير، وعرفنا أنَّ شعراء فرنسيين مرموقين قد قطنوا في المنزل نفسه خلال القرون السابقة، فجاءنا عطرُ حديقة هذا المنزل العريق كأنه ينبع من عَبق التاريخ الأدبي ليلقي علينا من نور الفكر والأدب ما يسطع به شخصُ صلاح ستيتيه وأعماله. وكان لنا معه هذا الحديث، حديث جاء بصوت ينهمر في الأسماع كما اللآلئ الآتية من أعماق الزمان لتشعّ بنور يُضيء العقول ويُزيل الظلمة من القلوب.

(أجرى معه هذا الحوار الأستاذ في الجامعة اللبنانية والكاتب والباحث في علوم اللغة والمعاجم والأمين العام لاتحاد المترجمين العرب بسام بركة)

- صلاح ستيتيه، أنتَ شاعر ومفكر، الشاعر يكتب بقلبه والمفكر يبحث بعقله وأنت جمَعت في أعمالك بين هذا وذاك. لكنَّ الشاعر الفرنسي مالارميه يقدم اللغة على القلب والعقل معًا، إذ أنه يقول: «لا تتكوَّن القصيدة من أفكار ولا من عواطف ولا من أحاسيس، بل هي تتكوَّن من كلمات». هل هذا صحيح في نظرك ؟ وكيف تفسِّر كلام مالارميه هذا انطلاقًا من تجربتك الشعرية؟

- كلّ ما قاله مالارميه صحيح، مالارميه عملاق في الشعر الفرنسي، بل في الشعر العالمي. وما يريد مالارميه قوله هو أنه مهما كانت العاطفة مُفعَمة وجَيّاشة ومهما كانت الفكرة عميقة وقوِيّة في الإنسان الشاعر، فإنه إذا لم يصل إلى التعبير عن كلِّ ذلك بكلمات من شأنها أن تُوصل الفكرة أو العاطفة للقارئ أو المستمع، فكأنَّ الشاعر لم يشعر ولم يفكّر. لنأخذ مثلًا : الكهرباء موجودة في العالم بكامله، إن لم يكن هناك جهاز لنقل الكهرباء وتحويلها إلى نور أو طاقة، فكأنَّ هذه الكهرباء لم تكن موجودة. الكلمات هي أساس الشعر مثلما الحُجرة ـ وهي غير البيت ـ هي أساس البيت.

إذن، الكلمة بحدِّ ذاتها مهمة في بناء الشعر كما هي مهمة في توصيل الأحاسيس والأفكار من الشاعر إلى القارئ والمستمع. لكنَّ الفكرة أساسية، وكذلك العواطف. أليس كذلك؟

- هنا أريد أن أضيف شيئًا وهو أنَّ الشعر ليس بفلسفة، وهو ليس بعاطفة، الشعر هو شعر، إنه يتضمَّن الفكرة والعاطفة والذاكرة وكلَّ ما يكوّن الإنسانَ في وجوده الكامل. وهذه المجموعة التي توجد في كل كيان إنساني هي التي تكوِّن مادةً للشعر، كما أنه للوصول إلى النار أو النور هناك العديد من المواد التي يُمكن استعمالها. لكنَّ الشيء الأساسي، في نهاية الأمر، هو المادة الأولى، والنتيجة هي أن يُؤدّي كلُّ ذلك إلى أن يكون الشعر نارًا ونورًا. لذلك توجد فكرة النار بكثرة في شعري. أعطيك مثلًا آخر هو أحد كتبي وعنوانه «الجانب الآخر مُشتعلًا في الصفاء الكامل». بمعنى آخر، الجهة الأخرى للنقاء، وقد ترجمه مروان فارس «الجهة الأخرى المحروقة للأكثر صفاءً».

لنرجع إلى فكرة أنَّ الشعر كلمات، إذا كان الشعر كلمات وإذا كانت الكلمة هي الأساس والنتيجة في كلّ ما يتعلق بالإبداع الشعري، فأين هو الفارقُ بين لغة التواصل العادي ولغة الشعر؟

- الكلمة نتيجةُ إضافةِ المعنويّ أو العاطفي إلى اللغة. فاللغة هي بالنهاية مكوِّن طبيعي للإنسان ولِما يختلج في ضميره أو في قلبه. إنها خطّ الأفق للشاعر، وطبعًا اللغة لا تتكون من أشياء، إنها مجرّدة تأخذ من العالم وتعطي، والأشياء التي هي بالأساس مادية تصبح عبر الكلمات، إلى حدّ ما، معنوية أو مجردة من معناها المادي.

في هذه الحالة، ومادامت اللغة أساسية إلى هذا الحدّ في الإبداع الشعري، لماذا اخترتَ الفرنسية؟ هناك عدد كبير من قراء صلاح ستيتيه يتساءلون لماذا اختار الفرنسية بدلًا من العربية، لغته الأم، للتعبير عن عوالج نفسه وخلاصة أفكاره؟

- أنا لم أخترها وهي لم تخترني. إنَّ الجواب على هذا السؤال صعب، لأنه أولًا هناك أشياء تاريخية. أنا أحيانًا أقول على سبيل المزاح عندما يُطرح عليّ هذا السؤال - وقد طُرح مرارًا - أنا كاتب باللغة الفرنسية لأنَّ والدي تعلَّم التركية. فيسألونني ما العلاقة؟ فأجيبهم أن والدي في أيام الإمبراطورية العثمانية أراد أن يدخل الوظيفة، وأن يصل إلى مركز مهم، فدرس اللغة التركية في اسطنبول ليستطيع عند عودته إلى لبنان أن يصبح موظفًا في وظيفة معتبرة ومهمة، عاد من دراسته، وكان يقرأ ويكتب التركية بصورة هائلة، وجدّتي وهي من عائلة الصمدي عاشت جزءًا من حياتها في قبرص التي كانت تركية، فكانا يتكلمان فيما بينهما بالتركية، أذكر أنهما في طفولتي كانا لا يتخاطبان إلا بالتركية. عندما عاد والدي من دراسته إلى وطنه - في العشرينيات

- تغيّر الحكمُ في لبنان، إذ أصبحت فرنسا بناءً على قرار من الأمم المتحدة يومذاك مسئولة سياسيًا عن لبنان وعن سورية، مثلما أصبحت إنجلترا مسئولة عن فلسطين والأردن وإلى حدّ ما عن العراق ومصر. تضايق والدي طبعًا، فهذه اللغة التي تعلمها وتبحّر بها لم تعُد تُفيده في شيء.

عندما وصل أول جنرال فرنسي إلى لبنان - وكان غورو -، ونزل من الباخرة العسكرية، ووضع رجله في بيروت، قال: «نحن هنا لألف سنة». فقال والدي لنفسه: «إن الفرنسيين قوم جديّون، إذا قال الجنرال إنهم سيبقون ألف سنة فهذا يعني أنهم باقون ألف سنة، عندما سأرزق بولد سأعلمه اللغة الفرنسية».

ووُلدت بعد تسع سنوات من فكرة والدي العظيمة هذه، منذ نعومة أظافري - أنا أحب كثيرًا هذه العبارة - وضعني في أفضل مدرسة فرنسية آنذاك، وكانت «الكوليج بروتستانت». ظللت في هذه المدرسة حتى صف الثالث المتوسط، ومن بعدها انتقلت إلى اليسوعية، تكوَّنت في اللغة الفرنسية، علمًا بأنَّ هناك أشخاصًا غيري تكوَّنوا في اللغة الفرنسية مثلي عن طريق اليسوعية، إنما اختاروا اللغة العربية فيما بعد، مثل الروائي يوسف حبشي. لماذا؟ لأنَّ العلاقة بين الإنسان واللغة هي كالعلاقة بين الرجل والمرأة، إنها علاقة حب. أنا أُغرِمت باللغة الفرنسية، ربما لأنه في طفولتي لم يكن هناك كتب مصوّرة باللغة العربية للأطفال، والطفل كلما كان يحبّ القراءة - وأنا كنت أحبّ القراءة كثيرًا - كان بحاجة إلى الصور لتساعده في فهم مضمون الكلام. والصور الموجودة بالفرنسية كانت تُساعدني على فهم الكلمات، وحين لم أكن أفهم الصورة كانت الكلمات تساعدني. هذا الحوار الداخلي بين الصورة والكلمة بحدّ ذاته أولًا أمتعني جدًا، وثانيًا أثَّرت الصورة كثيرًا في تكويني شخصيًا طوال حياتي. كما ترى، جدران بيتي مليئة باللوحات الفنية، ولدي منها ما هو أهم بكثير، وهي مخبَّأةً، لأنه ليس عندي مكان لأضعها فيه.

علاقتك باللغة الفرنسية إذن علاقة معنوية وعاطفية بقدر ما هي ثقافية وتاريخية.

- نعم، من هنا جاءت محبتي للغة الفرنسية، من الظروف التاريخية ومن الظروف المعنوية. وهناك كذلك المسئوليات التي تسلمتها في حياتي المهنية والعملية. فقد كانت كلها باللغة الفرنسية، وهذا لا ينطبق فقط على عملي الديبلوماسي كسفير للبنان. أنا درّست أول فترة من حياتي في الجامعة الفرنسية في بيروت، في «مدرسة الآداب العليا»، ثم انتقلت إلى الصحافة الفرنسية في صحيفة «لوريان»، وأسَّست الملحَقَ الأدَبيّ فيها «لوريان ليتيرير»، الذي كان أول مجلة أسبوعية تصدر في بيروت وتُعنى بشئون الفكر والأدب. كانت باللغة الفرنسية، وكانت أكثر من ملحق، كانت فعلًا جريدة من 12 صفحة وأحيانًا كانت تصل إلى 18 صفحة. وكانت تعالج الأمور الأدبية والفنية والإبداعية.

نعم، أنا أذكر الأعداد الأخيرة التي صدرت منها، فقد كنت طفلًا آنذاك، لقد كان ذلك في نهاية سنوات الخمسينيات تقريبًا، وبداية الستينيات: أليس كذلك؟

- نعم بعدها انتقلت إلى فرنسا كمستشار ثقافيّ ثم إلى الأونيسكو، واللغة الفرنسية هي واحدة من أهم اللغات في الأونيسكو. أينما ذهبتُ، كانت اللغة الفرنسية حليفي. وفي الوقت نفسه هي حليفي ككاتب. فأنا ألّفتُ كلَّ كتبي باللغة الفرنسية.

في إحدى مقابلاتك، وهي كثيرة ومتنوّعة، ذكرتَ أنك عندما كنتَ مراهقًا كتبت بعضَ القصائد الشعرية، ثم سكتَّ عن قول الشعر حتى بلغت سنَّ الثلاثين. كيف تفسِّر هذا التوقّف عن الإبداع الشعري لفترة طويلة، هل هو لمتابعة القراءة وإتمام البحث، أم أنك كنت تنتظر الوصول إلى النضج الفكري، أو بكل بساطة بسبب نُضوب الوحي خلال هذه الفترة؟

- كل الشباب والصبايا الصغار شعراء. الطفل شاعر، ما يقوله الطفل مليء بالشعر، إنه شِعر لأنَّ الطفل لا ينفكّ يكتشف العالم. لديه شِعرية فورية وعَفويّة. ثم تأتي سنّ المراهقة، آنذاك تتأجَّج العاطفة في الإنسان بصورة دائمة، ليس هناك من شابّ لديه إمكانية تعبيرية إلا وكان شاعرًا في فترة من فترات نُمُوّه. ثم تأتي الحياة والأشغال اليومية والدخول في إطار العمل والسيطرة المادية على الإنسان - هو يريد أن يكسب حياته - فتُبعده كل هذه الأمور عن الشعر وعن الطفولة في الوقت ذاته.

هناك إذن، في نظرك، علاقة وطيدة بين الشعر والطفولة. لكنَّ الطفولة بريئة وفِطرية، في حين أنَّ الشاعر يكون عادةً ناضجًا فكريًا وربّما عاطفيًا. أين تكمن العلاقة بين الاثنين؟

- في الاكتشاف. الطفل هو من يكتشف العالم، والاكتشاف يعني أنَّ كل شيء يبقى جديدًا، وكل شيء يَطرح سؤالًا على الطفل كما على الشاعر. ولذلك هناك امتداد من طفولة الشاعر إلى شيخوخته، هذا إن ظلَّ شاعرًا. الشاعر هو طفل يصبح رجلًا ثم كهلًا ثم شيخًا، ولكنه يبقى طفلًا. بمعنى أنَّ العالم يظل يُدهشه، إنه يظل مدهوشًا بالعالم، والعالم يظل يسأله. «الوردة هي دون لماذا»، إنها موجودة. إنها واقع عليك أن تتقبَّله كما هو، دون معرفة لماذا، هذا هو الفارق الذي يميّز الشعر عن العِلم، خصوصًا العلم في أيامنا هذه. «الكيف» هو سؤال العِلم الأساسي. كيف الحياة؟ كيف نصل إلى القمر؟ كيف تشتغل الحركة الدموية؟ هذه أسئلة الكيف، وهي من صميم العِلم. أما سؤال «لماذا؟»، فإن الأديان تقدِّم الإجابة وتقول: هذا هو الجواب، الجواب كذا وكذا. هناك أشخاص يقبلون بهذا الجواب المعترف به دينيًا، وهناك أشخاص مع احترامهم للدين لا يكفيهم جوابُ الدين، فيُكمِلون المسيرة ويتابعون طرح السؤال: «لماذا؟».

هل هؤلاء الأشخاص هم الشعراء؟

- هؤلاء هم الفلاسفة والشعراء. الفلاسفة والشعراء هم الذين يطرحون السؤال «لماذا». يصل الفلاسفة في النهاية إلى وضع نِظام أو تنظيم للحياة، إنما هذا التنظيم يضمحلّ ويذوب إجمالًا بعد فترة، ويأتي مكانه تنظيم آخر. إنَّ تاريخ الفلسفة مليء بالقبور. من أرسطو وأفلاطون إلى هيغل. صحيح أنَّ هناك أشياءَ تبقى وتنتقل من تنظيم إلى آخر، لكن، بالإجمال، التنظيم بحدّ ذاته ينتهي. لماذا؟ لأنه عندما تضع تنظيمًا، تكون كأنك انتهيت من بناء البيت، وتنام داخله. أما الشاعر، فهو لا يملك تنظيمًا، لذلك يظل السؤال مطروحًا عنده.

يعني ذلك أنَّ الشاعر في تطوّر مستمرّ وأنَّ الشعر سؤال دائم.

- نعم، هو تساؤل دائم. سؤال وتساؤل. ورغبة دائمة. وأجوبة تمرّ وتترك شيئًا من النور ثم تنطفئ. هناك كلمة لرينيه شار أحبّها كثيرًا، وقد عُدت إليها في الكثير من نصوصي: «إن كنّا نعيش في البرق، فهو - أي البرق - قلبُ الأبدية». لا توجد أبدية إلا في هذا البرق، هذا البرق هو سرّ الشعر ربما. نعود هنا كما قلت لكَ في البداية إلى شأن النور، إلى وجود النور.

في أحد أبحاثي حول أعمالك انطلقتُ من كلمات قلتَها حول الجِسر لأُعرّفك بأنك جِسر، ولكنك جسر متعدِّد الاتجاهات. فأنتَ جسر بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر، بين العربية والفرنسية، بين الإنسان وروحه، وأخيرًا بين شمس لبنان وضباب باريس. فأين تجد نفسك في كلّ هذه الاتجاهات؟ أم أنك تجد نفسك فيها كلّها؟

- لقد جرّبت طوال حياتي أن أكون مَن يسعى إلى فهم الآخر. ومارستُ دائمًا ما يسمونه اليوم «الحوار بين الثقافات». لقد مارسته وعشته في ذاتي، داخليًّا، ومن خلال علاقاتي بالآخرين. ربما كان ذلك لأنني فهمت لبنان من البداية أكثر من غيري، أو ربما مثل غيري. ولكنني فهمته في العُمق. بمعنى آخر، أنا مسلم سنيّ من عائلة عريقة في لبنان، عائلة موجودة منذ زمن قديم في لبنان. مسلم سني بيروتي، بيروتي أكيد، ليس لدي خلية واحدة من خارج بيروت. كثير من جُدود اللبنانيين الذين يعيشون في بيروت كانوا موجودين في الجبل، أو في البقاع، أو غيره. أما بالنسبة لي أنا، لا، تاريخ عائلتي كله محصور في بيروت. إذن أنا مسلم سني بيروتي، كنت تلميذ مدارس أجنبية. هذا يعني أنني انتقلت إلى الضفة الثانية وأنا لم أغادر المدينة بعد. أمامي وفي مُواجهتي هناك البحر، وأنا موجود في بلد تقبع بيوتُه في ظِلِّ الجبال الشامخة في حين كلُّ نوافذها تتطلع إلى البحر، أي إلى عالم آخر. وأنا من بلد هو كما تعرف بلد الاغتراب. منذ أيام الفينيقيين، اللبناني هو من يذهب إلى العوالم الأخرى، إلى أفريقيا، أمريكا.. هناك دائمًا هذه الرغبة في السفر. عندما كنت في سنّ المراهقة كنتُ أجلس في مقاهي الروشة وأنظر إلى البحر وأقول إنه في يوم من الأيام لابدَّ أن أذهبَ أنا أيضًا إلى ما وراء هذا الأفق.

هذا بالنسبة للتَّوق إلى الحوار بين الذات والآخر. لكن، في ما يتعلق بالتواصل بين الثقافات وبانفتاح المجتمع اللبناني على المجتمعات الأخرى وتوطيد العلاقة معها، أودّ أن أضيف إلى حبّ الاغتراب والسفر، واقعَ أنَّ اللبناني يعيش أيضًا في داخل وطنه مسألةَ الحوار بين الثقافات والأديان، نظرًا للتعدّدية التي يُعرف بها هذا البلد. أليس كذلك؟

- نعم. بالإضافة لمسألة الرغبة في السفر، هناك في لبنان مسلمون من جميع الأطياف، ومسيحيّون من جميع الأطياف. وفي طفولتي كان هناك يهود أيضًا، كان بعضُ أصحابي من اليهود، كانوا بيروتيين لبنانيين. وهناك الكثير منهم لا يزالون يعدّون أنفسهم لبنانيين، وهم يعيشون في باريس ولا يذهبون إلى إسرائيل لكي يستطيعوا الاستمرار في السفر إلى لبنان. لذلك، بلدنا هو بلد الحوار بين الشخصيات، والذاتيّات، والأديان، واللغات. إنَّ أيَّ لبناني لديه القليل من الثقافة يستطيع التكلم بلغتين على الأقل، العربية والفرنسية أو العربية والإنجليزية، وأحيانًا ثلاث لغات، العربية والفرنسية والإنجليزية، وأحيانًا أربع لغات، العربية والفرنسية والإنجليزية والأرمنية. عندما أرى النواب الأرمن والوزراء الأرمن يتكلمون العربية أخجل من نفسي أمامهم، إذ أنهم يتكلمون العربية أفضل مني. كما لديك كلَّ يوم مجلات تصدر باللغات الأربع، هذا عدا عن المجلات التي تأتي من الخارج والتي تحمل لغات غير تلك اللغات، فهناك العديد من اللبنانيين الذين عاشوا في الاغتراب وعادوا ويعرفون البرتغالية. في عائلتي مثلًا، أشخاص يعيشون في البرتغال وأصبحوا برتغاليين. وهناك البرازيل وكل بلاد الاغتراب الإسبانية ـ تعلم أن هناك أربعة أو خمسة ملايين لبناني في أمريكا اللاتينية، هناك ثلاثة أو أربعة ملايين لبناني يتكلمون الإسبانية. وهناك أفريقيا وآسيا. هذا من مزايا لبنان الأساسية... كما قلت لك، والدي كان يتكلم العربية والتركية، وربما كان يعرف التركية أفضل من العربية، رغم أنه درّس فيما بعد اللغة العربية وكان شاعرًا أيضًا باللغة العربية.

وهل تعدّد اللغات ظاهرة صحيّة، وما موقف صلاح ستيتيه كشاعر ومفكر من أن يكون المرءُ ضليعًا بعدة لغات، خصوصًا أنَّ هوية الإنسان، وكذلك تاريخه الثقافي والديني، يرتبطان بلغته الأم؟

- أظنّ أن تعدّد اللغات ظاهرة صحية. هو تعدّد الآفاق، تعدّد الثقافات، تعدّد زوايا رؤية العالم والوجود. عندما ينتقل الإنسان من لغة إلى لغة أخرى، يتغير. وأنتَ كعالم في اللسانيات تعرف ذلك ولا شك.

أنا أحبّ اللغة العربية كثيرًا وذلك لأسباب عديدة. أحبّ اللغة العربية لأنها لغة حضارة، إن لغات الحضارات الكبرى قليلة. وأقلّ منها أيضًا اللغات الحضارية التي أنتجت - بالإضافة إلى الحضارة المدنية - حضارةً قدسية، اللغة الفرنسية مثلًا لغة حضارة هائلة، ولكنها ليست لغة قدسية. واللغة الإنجليزية كذلك. إنما بعض اللغات، كالعبرية والعربية والهندية والصينية واليابانية، قدّمت أيضًا القدسيات إلى البشرية، أعني بذلك فكرةَ أنَّ العالم هو هذا العالم وعالم آخر يعلو هذا العالم، وأن العالمين متكاملان. واللغة العربية من هذه اللغات الكبرى التي قدمت للإنسان - بالإضافة إلى الفكر والثقافة - امتدادًا إلى عالم اللامرئي.

ما واقعُ اللغة العربية الآن؟ لقد نزل القرآن الكريم بلسان أهل قريش، بالعربية. ومن بعد ذلك أضحت هذه اللغة وخلال قرون عديدة لغةَ العلم والفلسفة والحضارة. كما أنها أصبحت - ولا تزال - لغة الإيمان والقداسة. فما هي نظرتُك للغة العربية حاليًا، وما هو مستقبل اللغة العربية من منظورِ تقييمك للواقع الحالي للعرب ولغتهم؟

- أنا أحبّ اللغة الجاهلية كثيرًا، لأنها إلى حدّ ما من أقدم لغات العالم. «لوي ماسينيون» الذي هو من أكبر اللغويين، كان عالمًا كبيرًا وفي الوقت ذاته كانت لديه نظريات في اللغة وخصوصًا في اللغة العربية ليس لها مثيل. كان يعتقد أنَّ اللغة العربية ربما تكون أقدم لغة في العالم لأنها الأكثر تعقيدًا. فكلما كانت اللغة قديمة كانت أشدَّ تعقيدًا. هذا قانون اللغة، أي لغة. اللغات المتطورة جدًا تذهب بتطورها في اتجاه البساطة. واللغة العربية معقدة جدًا. من هذا المنطلق، وحسب «ماسينيون»، فاللغة العربية إذن من أقدم لغات العالم، هذا إذا لم تكن أقدمَ لغات العالم. وهي، بتاريخها العظيم، أعطت في فترة من الفترات شعرًا عظيمًا هو الشعر الجاهلي. الشعر الجاهلي من أهم الشعر العالمي، ولكن حتى الآن مع الأسف ليس له ترجمات على مستوى مقبول. أدونيس يجرّب حاليًا، وطلب مني العمل معه، وهو يترجم مقتطفات من الشعر الجاهلي. ولديّ الترجمة الأولى، ولكنها تتطلب الكثير من الوقت. أنتَ تجد في هذا الشعر الجاهلي تعابير غريبة جدًا مثل تلك الكلمة التي تتحدث عن شيء موجود وغير موجود. إنها زهرة موجودة فقط لأنَّ اسمها يُعبِّر عنها، ولكنها بالفعل غير موجودة، وهي التي اكتشفها مالارميه بعد 2000 سنة من شعراء الجاهلية. إنها «الخنفشار». هي زهرة بالأساس، ولكنها زهرة غير موجودة. عندما تريد أن تقول بأنَّ شيئًا غير موجود تقول عنه إنه خنفشار. هذه الزهرة هي ما يذكره مالارميه في شعره في أواخر القرن التاسع عشر والتي يسميها «الغائبة من كل باقات الزهور». وهي موجودة في الشعر الجاهلي. اللغة العربية القديمة هائلة. والشعر العربي دخل بقوة لعالم التعبير. ثم أتى القرآن. والقرآن كتاب كبير جدًا - ضَع الدين جانبًا - بلغته، بتحرّر اللغة فيه. اللغة حرّة في القرآن، وفي الوقت ذاته هي لغة تقبّل الشيء وتقبّل نقيضه.

كما قلنا، لغة معقّدة وفي الوقت نفسه لغة معبّرة.

- لغة معمقة ولغة مليئة بالقوة الداخلية، وبالتالي بالقوة الشعرية. من الأشياء الغريبة في القرآن أنَّ هناك سورةً اسمها «الشعراء»، وهي تنتقد الشعراء. إنها تنتقدهم ربما بل بالتأكيد كي لا يكون هناك لبس أو التباس بين الآيات القرآنية والخطاب الشعري. ولكي يُقطع السبيل على التأويلات والتفسيرات الشعرية للآيات القرآنية. لقد قيل بصورة جذرية إنه ليس هناك من وجود شعري في النص القرآني. ولكننا نعود ونقول إنَّ النص القرآني مليء بالمعاني، ومليء بالروحانية. والمعاني الروحانية هي من مبادئ النور، نور على نور، لذلك يأتي القرآن بكثير من العبارات، خصوصًا في السور الأولى، السور المكية، التي هي مشحونة بقوة شعرية غريبة، وهائلة. وقد تأثَّر العرب كثيرًا بها لدرجة أنَّ من أهمّ عناصر القرآن الأساسية هو جمالية النص القرآنيّ.

هذه الجمالية هي ما يُسمّى باسم «الإعجاز». لكن هذه اللغة الإعجازية لا نزال نستعملها حتى اليوم. إنها تبقى هي نفسها تقريبًا ولا تتغير كثيرًا، ما يتغير بمرور الزمن هو طريقة استعمالها للتعبير عن مواضيع جديدة ومن أجل الخوض في مجالات جديدة تقتضيها مستجدّاتُ العصر والزمن الحاضر.

- نعم. لا بدّ من استعمال اللغة في مجالات جديدة، لأنَّ وطأة ما يسمى بالحداثة على كاهل الإنسان العربي أصبحت هائلة. ولكي يعبِّر عن وجوده الفعلي في الحداثة يتوجب عليه أن يخلق مفردات جديدة. لقد حاول المسئولون عن القواميس إدخال هذه الكلمات شيئًا فشيئًا في المعاجم والقواميس، ولم تُقبل هذه الكلمات دائمًا لأنَّ التقاليد اللغوية والمخيالية عند الإنسان العربي كانت أقوى من الرغبة بالتجديد. ومن المجدِّدين الأوائل كان المترجمون. حاول المترجمون المصريون في فترة من الفترات، كالمنفلوطي وغيره، أن يُدخلوا بعض التعابير الجديدة في ترجماتهم، لكنَّ العمل الأساسي كان في لبنان عن طريق البساتنة، ثم عن طريق جبران خليل جبران. أهم كتب جبران هو «النبي». هنا نعود لنرى إلى أيّ مدى وصل تأثيرُ العالم الروحاني والقدسية العربية القديمة. وجبران لم يكتب هذا الكتاب بالعربية، بل بالإنجليزية. كأنه صعُب عليه أن يكتب بالعربية كتابًا مجدِّدًا. لكن عندما شاء أن يكتب عن الشعر بلغة أجنبية، اختار شخصيةً أطلق عليها اسم الرسول المسلم «المصطفى» وأعطاها روحانية التوراة والإنجيل.

بما أننا نتكلم عن الكتابة بلغتين وعن النقل من لغة إلى لغة أخرى، عدد كبير من كُتبك الشعرية والنثرية تُرجم إلى اللغة العربية. ما رأيك بهذه الترجمات، وما رأيك بترجمة الشعر؟ نفهم أنَّ التجاريب والأفكار والتحليل النقديّ تُنقل إلى اللغة العربية ومنها، هذا مُمكن، لكن الشعر هل من المُمكن أن يُنقل من اللغة التي وُضِع فيها إلى لغة أخرى، خصوصًا أنه يؤسَّس كما قلنا على «الكلمات» التي منها يشعّ نورُ الإبداع؟ هنا أذكّركَ بأنَّ أحدَ قُرّائك في لبنان والمعروف بحسّه النقدي والفني قال عندما قرأ ترجمة أحدِ دواوينك: «لقد تلذّذت بقراءته بالعربية مثلما - بل وأكثر - مما تلذّذت بقراءة النص الأصلي». ذلك ربما لأنَّ العربية لغتُه الأم. فما رأيكَ في موضوع نقلِ الفنّ الأدبي من لغة إلى لغة، شعرًا كان أم نثرًا؟

- من الصعب جدًا نقلُ الشعر الفرنسي إلى اللغة العربية، لأنَّ لِلّغتين نظامين مختلفين جدًا. اللغة العربية لغة سامية، هي لغة لها تاريخها وقوانينها وجذورها. واللغة الفرنسية من أصل لاتيني، والعالم اللاتيني أيضًا له تقاليده وقوانينه وتاريخه، مع العلم بأنَّ التبادل المشترك موجود منذ أيام الأندلس وأيام الصليبيين، وربما قبل ذلك عن طريق بيزنطة أو عن طريق التزاوج بين الحضارة اليونانية الأولى والحضارة اللاتينية والحضارة البيزنطية مع العالم الفينيقي والعالم العربي. صحيح أنَّ هناك كلمات انتقلت من لغة إلى لغة، ولكنَّ نظام كل لغة يبقى بعيدًا جدًا عن نظام اللغة الأخرى.

في ما يتعلق بنقل الشعر الفرنسي إلى العربية، وخصوصًا شعري أنا، لا يوجد في نظري ترجمة جيدة وكاملة. كل الترجمات مليئة بالخيانة. الخيانة غير مقصودة، ولكنها موجودة. عظماء الشعر الفرنسي قاموا بهذه التجربة وترجموا أعمال شعراء أجانب، مثل سان جون بيرس، ورامبو، ومالارميه، ولكنهم لم ينجحوا. أنا تَرجمت الكثير من الشعر الفرنسي إلى العربية. وهناك العديد من المترجمين المهمّين جدًا الذين ترجموا أعمالي، مثل أدونيس، وقاسم شهاب، ومروان فارس، وغيرهم. إجمالًا، كل واحد منهم له قراءة للنص وقامَ بنقل المعنى. لكنَّ المعنى يختلف عن «ليل المعنى». ليلُ المعنى هو الشعر، إنه ما يُرافق المعنى، وهو يشبه النغمة بالنسبة إلى الموسيقى.

على الرغم من «خيانة» الترجمة والمترجمين، لا تستطيع أيُّ حضارة أن تستمر وتتطوّر إذا لم تتعرّف على الحضارات الأخرى بواسطة الترجمة. أليسَ كذلك؟

- طبعًا. لابدّ للثقافة - أيًا كانت - من أن تخرج من إطار التقليد، وأن تذهب إلى الحضارات الأخرى على قدر الإمكان، وأن تُغني نفسها بالتعرّف على مختلف الحضارات. أنا مثلًا بدأت بالأشياء الإسلامية، ثم انتقلت إلى الأشياء المتوسطية والأوربية، ثم في آخر تطور لي تركتُ العالمَ الذي أعرفه، العالم الفلسفي المنبثق من الديانات السماوية، واتجهت إلى الشرق الأقصى. وأصدرتُ الكتاب الوحيد الموجود باللغة الفرنسية عن حضارة جنوب شرق آسيا، وهو عن «كيوتو» Kyôto.

في بعض مقابلاتك قلتَ ليس الموتُ بالنسبة للشاعر الفاصلَ بين الوجود واللاوجود، بل هو الفاصل بين الوجود والوجود الآخر. ماذا تقصد بذلك؟
- إن كانت هناك حياة أخرى، فالشاعر هو أول من يستشفّ وجودَها. الشاعر يؤمن بفكرةِ أنَّ الأشياء لها معنى ولها معنى آخر هو «ليل المعنى». وبالتالي، قد يكون هو المهيَّأ أكثر من غيره لأن يمرّ في الحدود الفاصلة واللافاصلة بين الوجودَين. لكن، هل هناك حدود؟ وهل بعد الحدود من عالَم؟ إن شاء الله، كما يقال.


---------------------------


وُلد صلاح ستيتيه في بيروت بلبنان في العام 1929. هو شاعر وأديب ومفكر يعيش في فرنسا ويكتب باللغة الفرنسية. مارس العمل الديبلوماسي كممثل للبنان في المحافل الدولية، فكان سفيرًا لبلاده في الأوساط الديبلوماسية والسياسية كما هو الآن سفير للعرب ولغتهم وتاريخهم في محافل الأدب والشعر والفلسفة العالمية. جالَ في أصقاع العالم بصفاته التمثيلية، كما جالت أعمالُه الشعرية في أماكن متعدّدة، فقُرِئ شعرُه في لغات مختلفة، ونُوقشت أفكارُه ودواوينه على مقاعد الجامعات وفي أرفع المنتديات الأدبية. نالَ العديدَ من الجوائز التقديرية، منها «جائزة الفرنكوفونية الكُبرى» من الأكاديمية الفرنسية في العام 1995.

المحرر مجلة العربي يونيو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016