مختارات من:

القصة في: كليلـة ودمنة

عبدالله خليفة

كان موقع "ابن المقفع " في تطور النثر العربي، وخاصة القصصي منه مهما وفريدا، لقد جاء هذا الكاتب المباع في وقت بدأ النثر الفني خطواته الأولى، فوجهه نحو مسارين، مسار اعتدناه في أدب الرسائل، لكنها رسائل لا تنوب عن حاكم، أو ذي سلطان فحسب، بل هي أيضا نصائح اجتماعية وأخلاقية وسياسية مهمة.

ظهر كاتب النثر في شخص ابن المقفع بصفته مبدعا مسئولا عن تطور الحياة العامة، وصاحب موقف مضيء في مساراتها المصطخبة، لكن من الناحية الجمالية الخالصة فإن ما أضافه ابن المقفع هو الأسلوب [ ذو الألفاظ القريبة والعبارات المبسطة، وكان يقول لبعض من حوله "إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة فإن ذلك هو العي الاكبر" ] كما يذكر د. شوقي ضيف في كتابه " الفن ومذاهبه في النثر العربي".

في هذه الرسائل نجد هذا التحويل للغة العربية الصعبة إلى شئون الحياة المختلفة من حكم وأقوال وآداب عامة وخاصة، فقد سحب ابن المقفع اللغة من أعرابيتها الخشنة ولم يلقها في التبذل والسوقية كذلك، بل فاق هذه اللغة الوسطى الفصيحة الشعبية الجميلة والبسيطة والدقيقة، لغة المدينة العربية المتحضرة..

إن تحويل ابن المقفع لغة النثر لاستيعاب الواقع قد وضعها في بدايات تحولها القصصي الفني.

ولكنه لم يقتصر على النثر العام، بل أعطى الدفقة الأولى والأساسية لتطور فن القصة، عبر ترجمته لكليلة ودمنة. وهذا هو المسار الثاني الذي وجه ابن المقفع النثر العربي نحوه.

تأسيس النثر العربي

إن كليلة ودمنة هذه سيكون لها أعظم الأثر في تطور النوع القصصي العربي لمدى قرون لاحقة، وحتى الآن لا تعرف بصمات المترجم على النوع القصصي، أي مدى تدخله في تحويرها وبنائها، لكن لغة ابن المقفع العربية وصياغاته الأسلوبية هي التى بقيت للتاريخ.

إن كليلة ودمنة تؤسس في النثر العربي طابع القصة المنفصلة- المتصلة، فهناك محور يحفظ للقصص المتعددة المنفصلة، كيانا عاما فضفاضا، ولا يؤدي تراكم القصص المتتالية إلى تحول نوعي في البناء.

هناك محور أساسي- ثنائي، جانبه الأول يضم الملك دبشليم والفيلسوف بيدبا، وهذا الجانب له مساره الخاص، وهو الذي توضع له مقدمات الكتاب ويفسر سبب تشكله، أما الجانب الثاني فهو الجزء الحيواني الترميزي: كليلة ودمنة والأسد والثور وغيرها من الشخصيات الفنية.

مملكة الإنسان.. ومملكة الحيوان

إن هذا المحور الأساسي الثنائي التركيب هو ما يوحد جزئيات الكتاب ويبقى على تواتره واستمرار سرده، فهو الهيكل العظمي لجميع التيمات التي تنمو على أساسه.

ولكن هذا المحور الثنائي هو عملة واحدة ذات وجهين، فليس دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف، إلا الأسد الحاكم والثور المشاور والناصح والصديق، إن المسافة ملغاة بين الشخصيات البشرية والحيوانية.

فثمة مملكتان، مملكة بشرية يرأسها دبشليم، ومملكة حيوانية يرأسها الأسد، وطابع الحكم في كلتا المملكتين واحد فهو مطلق، وينتقل من القسوة إلى الرحمة، ويسيطر هاجس واحد في اللحظة القصصية الرئيسية، هو وجود علاقة صحية وآمنة بين دبشليم ورعاياه، والأسد ومملكته.

بل إن أساس تأليف الكتاب هو بسبب هذا الصراع بين دبشليم و"رعاياه " وتحول بيدبا إلى لسان حال هؤلاء الناس، متوجها إلى كبح جماح غطرسة دبشليم وعنفه، ثم إصغاء الأخير إلى صوت العقل واستدعاء الفيلسوف من سجنه لكي يعلم دبشليم. وهنا تنقلب العلاقة، حيث يصبح بيدبا هو الموجه للمملكة، لكن تبقى السلطة لا تتزحزح عند دبشليم.

ويتوقف نمو الرجلين، الملك والفيلسوف، حالما تبدأ الحكاية. إن تطور علاقتهما كان سابقا لتشكل القصة، ولهذا فإنه لا توجد علاقة قصصية متنامية بين هاتين الشخصيتين المتجمدتين.

إن العلاقة تكمن فقط في "الحوار" بينهما، وهو حوار تجمد هو الآخر، فليس سوى سؤال من الملك وإجابة من الفيلسوف، وتغدو البنية القصصية هي هذه الإجابة التي تتحول إلى حكايات متراكمة.

ومع تجمد الملك والفيلسوف كشخصيتين فنيتين، تبرز شخصيات الحيوانات نامية على جسد السؤال المطروح. وتجسد العلاقة بين الحيوانات العلاقة السياسية في النظام المطلق، إنها هي المتحدثة عما تجمدت عنده العلاقة البشرية بين دبشليم وبيدبا، خاصة في باب الأسد والثور وباب الفحص عن أمر دمنة.

حيث نجد هنا العلاقة السياسية الثنائية نفسها: الملك- الفيلسوف، تتجسد في ثنائية الملك- الثور.

إن الثنائية الأولى تستمر في طول الكتاب دون أن يطرأ عليها تغيير، لكن العلاقة الثانية تصاب بتحول عنيف، عندما يتدخل دمنة في هذه العلاقة ويحرض الأسد ضد الثور، ويحوله من نديم وناصح إلى عدو. ويبدو قتل الثور كأقوى حكاية درامية في الكتاب كله، ورغم أن شخصية الثور تبقى في بؤرة ثانوية، في حين يحتل دمنة البؤرة المركزية، فإن شخصية النديم الناصح الطيب تظل هي المهمة في العرض القصصي.

آليات السرد

في حين تبدأ القصة بثنائية الملك- الفيلسوف، فإنها تحول الفيلسوف إلى راو أول يروي حكاية، ولكن الحكاية التالية بها راو آخر هو الذي يسرد حكاية جديدة، وتنبثق شخصية ما من الحكاية الجديدة لتسرد حكاية أخرى وهكذا حتى تنتهي الحكاية الكبيرة.

إن انبثاق الحكايات الصغيرة الأولى يقود إلى الحكاية الأكبر الأوسع، التي فيها حكايات صغيرة يمكن أن تعطي بدورها حكايات أصغر.

إن آلية التنامي المستمر والتوالد الحكائي، معه وجود محور أساسي يحفظ للحكايات وحدتها العامة الفضفاضة، هى آلية ستجد نموها الأكبر والأشهر في "ألف ليلة وليقة"، وهي آلية تتيح النمو القصصي الدائب، وتعدد الأنماط والعقد، وتوسع رقعة الدائرة القصصية كما، وتتوغل في وصف العالم والأشياء والبشر، وهي هنا في "كليلة ودمنة" في بدء التجلي.

ولكن آلية التوالد الحكائي هذه، ليست بذات ترابط عميق بين أجزائها، فمع انفصال دبشليم- بيدبا عن المادة المسرودة، لم تعد لديهما علاقة حديثة بها، وصارت المادة نفسها مفككة، ليس بين أجزائها علاقات متداخلة.

وتتنوع المواد الفنية المستخدمة، فهي تبدأ من حوار أساسي، يليه خطاب وعظي أخلاقي، يعقبه سرد، ثم يظهر مشهد قصصي مجسد للأمثولة المطروحة في الخطاب الوعظي، وبعدئذ قد تنبثق حكاية أخرى أو يظهر راو يسرد شيئا، ينبثق فيه مشهد قصصي وهكذا.

إن المشهد القصصي، المادة الأكثر سيطرة في القصة المعاصرة، يظهر بين الفينة والأخرى، موجها ومخلوقا ومؤدلجا بفعل الموعظة، فالمادة السابقة تسيطر وتتحكم في السرد والمشهد القصصيين.

ورغم ذلك تظل "كليلة ودمنة" من الأحجار الكبيرة والأساسية التي حرك بها ابن المقفع البحيرة القصصية العربية والعالمية.

عبدالله خليفة مجلة العربي اكتوبر 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016