مختارات من:

نثر أمير الشعراء وموقعه من ثقافته وعصره

أحمد درويش

المكانة التي احتلها أحمد شوقي (1868 - 1932) في تاريخ الأدب العربي الحديث مكانة مرموقة في عيون معاصريه، بالرغم من اختلافهم أحيانًا حوله أو معه، وفي عيون الأجيال التالية له، والتي تربى معظمها على التسليم بالبيعة الشاملة له بإمارة الشعر العربي سنة 1927، وهي بيعة لم ينقضها أو يقلل من زهوها، بيعات كثيرة أخرى، عقدت بعد رحيله لشعراء آخرين ابتداء من البيعة للعقاد التي عقدها له طه حسين سنة 1943، وانتهاء ببيعات أجهزة الإعلام المعاصر، لكل من جرى في السباق شوطًا، أو ألهب بعض الأكف بالتصفيق، أو جرت باسمه بعض الرسائل القصيرة، على شبكة المعلومات أو الهواتف المحمولة وتشير كثير من شهادات الاعتراف بعظمة شوقي إلى جوانب بارزة في الموهبة والثقافة والصنعة.

فأحمد حسن الزيات كان يرى: أن شوقي كان تعويضًا عادلاً عن عشرة قرون خلت من تاريخ العرب، لم يظهر فيها شاعر موهوب، يصل ما انقطع من وحي الشعر».

أما طه حسين فيرى: «أن شوقي رد للشعر العربي، قوته ورصانته ومكانته، وحسبه أنه بعد البارودي، يعتبر الشاعر الذي رد الشعر العربي إلى حياته الأولى، ثم حسبه بعد ذلك أنه أدخل فن التمثيل في الشعر العربي، وأنه هو الذي ختم الطائفة الرائعة، من شعرائنا التقليديين منذ العصر الجاهلي إلى الآن».

والأستاذ العقاد الذي عرف عنه شدته في الخصومة مع شوقي، ونقده اللاذع لشعره في كتابه «الديوان» هو الذي قال عن شوقي سنة 1958 «اجتمعت له جملة المزايا والخصائص التي تفرقت في شعراء عصره، ولم توجد خاصية ولا مزية قط، في شاعر من شعراء ذلك العصر، إلا كان لها نظير في شعر شوقي من بواكيره إلى خواتيمه.. كان في موجز القول علمًا لمدرسة الشعر في مطلع النهضة الأدبية التي بدأت في منتصف القرن التاسع عشر، وكان له حظ العلم في حالتيه يلتف به شيعته في معسكره، وينتخبه الرماة من المعسكر الآخر الذي يناجزه ويدعو إلى غير دعوته».

وأدونيس مع تحفظه على توسيع مفهوم الإبداع المطلق في تراث شوقي يرى أننا في إطار النظرة العربية الإسلامية «يمكن أن نقوم بشكل أدق، شعرية شوقي وشاعريته، ونرى بشكل أصح مكانه، ومكانته في عصره، كان في صدوره عنها يحرّكه هاجس رئيسي، تدارك الهبوط في تاريخية اللغة الشعرية العربية من جهة ووضعها في اتجاه الصعود من جهة ثانية فهذا الهبوط دليل على هبوط الفكر وهبوط الإنسان في أن، أي أنه دليل على هبوط الوجود العربي، وتداركه، إنما هو نقطة البداية في الصعود، وتحسين هذا الهاجس شعريًا، يعني بالضرورة استعادة النموذج البياني في الممارسة الشعرية العربية الأدبي».

إهمال الجانب النثري في تراث شوقي

لكن الذي لاحظ أن هذه الآراء، وكثيرًا غيرها من آراء أعلام النقد والأدب في العالم العربي على امتداد السنوات الثمانين التي خلت بعد رحيل شوقي وعبر فترات حياته، ركزت في معظمها على جانب الإنتاج الشعري عند شوقي، ولم تكد تلتفت إلا نادرًا إلى جانب آخر، لا يستهان به من حيث الكم أو القيمة، وهو جانب إنتاجه النثري، ولهذا فقد أصبح مجمل «المتن النقدي» الذي يدور حول تراث شوقي يكاد يدور في إطار «نقد الشعر» وحده. وإذا ألقينا نظرة على المجلدات الثلاثة التي أصدرها المجلس الأعلى للثقافة في مصر في الذكرى الخامسة والسبعين لرحيل شوقي وحافظ، وأشرف عليها الدكتور محمد عبدالمطلب، تحت عنوان «شوقي وحافظ في مرآة النقد» لتبين لنا مدى إهمال الجانب النثري في تراث شوقي، فمن بين اثنتين وستين دراسة، تضمّها هذه المجلدات، لا توجد إلا دراسة واحدة، تشير إلى قضية الشعر المنثور عند شوقي، وهو يمثل جانبًا صغيرًا جدًا في إبداع شوقي النثري، وتبقى جوانب هذا الإبداع النثري في حاجة إلى مزيد من اهتمام الدارسين بالرغم من وجود رسائل أكاديمية قليلة في بعض الجامعات العربية، حول هذه القضية.

ولابد مع ذلك أن يشار بالعرفان إلى الأدباء والدارسين الذين اهتموا بتراث شوقي النثري من أمثال الأستاذ محمد سعيد العريان والأستاذ محمود علي والدكتور أحمد الهواري والدكتور إبراهيم الفيومي والأستاذ أصيل عطعوط وغيرهم على قلتهم، وقد أحسن المجلس الأعلى للثقافة في مصر صنعًا عندما جمع كل التراث النثري لشوقي في مجلد ضخم تحت عنوان «أحمد شوقي: الأعمال النثرية» تجاوز التسعمائة صفحة بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لوفاته، وكان لكاتب هذه السطور شرف تقديمه.

إنتاج شوقي النثري

لقد توزع الإنتاج النثري لشوقي على نحو خمسة وثلاثين عامًا في حياته بين عام 1897 حيث صدرت أولى رواياته، وهي «عذراء الهند» في شكل حلقات مسلسلة في جريدة الأهرام بين منتصف شهري يوليو وأكتوبر من ذلك العام، وعام 1932 حيث صدر له كتابه النثري «أسواق الذهب» مجمعًا قبل وفاته، وكان قد نشر من قبل منجمًا في عقوده الأخيرة وبين هذين التاريخين صدرت بقية الأعمال مع تكثيف واضح في السنوات الست الأولى منها، كانت رواية «عذراء الهند أو تمدن الفراعنة» باكورة إنتاج شوقي الروائي تمتد بالحضارة المصرية امتداد أفقيًا جغرافيًا، وامتداد رأسيًا تاريخيًا إلى آماد بعيدة فهي تستقي أحداثها من القرن الثالث عشر قبل الميلاد عصر رمسيس الثاني الذي امتد حكمه ونفوذه إلى بلاد الهند الشرقية والغربية، تجوب سفن الأسطول المصري وضباط رمسيس آفاق هذه البلاد مسيطرين آمنين. ويقع العذارى من بنات الهند في هواهم كما حدث لعذراء الهند ابنة الملك، التي عشقت الأمير أشيم ولي عهد رمسيس فحجبها أبوها في جزيرة نائية حتى لا تلتقي بمن تحب، ولكن هذه الجزيرة لم تستعص على رجال الفرعون المهرة بخبرتهم وسعة معلوماتهم، وتفوق أسلحتهم الذكية على أسلحة العصر فوصلوا للجزيرة وخلصوا الأميرة وأتوا بها إلى مصر، حيث زفت إلى الأمير، وحيث وجد الراوي فرصته ليصف مظاهر التقدم العلمي والاجتماعي والفكري والسياسي وتسليط الضوء على روح المعارضة في الشعب، فيما أطلق عليه «حزب الأحرار» وأطلق على لسان أبطاله كلمات ضد استبداد الكهنة ومؤامراتهم صالحة لأن تنطبق على كثير من مظاهر الحياة في عصر شوقي، كما رسم كثيرًا من أوجه النهضة العلمية والفكرية القديمة ليقاس عليها عصره الضعيف ويستنهض الهمم من وراء ذلك، أو كما كان يقول خليل مطران وهو يتحدث عن نثر شوقي: «كان يؤاخذ غضاضة مصر الآن برفعتها فيما تقدم من الزمان معاتبًا بالرفق محاسبًا بالصدق، يريد بذكر مجد الفراعنة، تحريك وتر جمد في فؤاد الأمة». ثم جاءت الرواية الفرعونية الثانية لشوقي، وهي رواية «لادياس» سنة 1899 في العام الأخير من القرن التاسع عشر، لكي تتجه تاريخيًا إلى فترة أواخر حكم الفراعنة في القرن السادس قبل الميلاد، وتتجه جغرافيا إلى الأفق الشمالي الأوربي حيث ترصد بطولات بعض فتيان الفراعنة في بلاد اليونان - ممثلين في «حماس» الضابط المصري الثائر في بلده، الرافض لسياسة الملك مع المحافظة على خيط رقيق بحول بينه وبين التمرد، وقد سمع حماس بالمسابقة التي يجريها ملك اليونان بين الأمراء في الشرق والغرب، لاختيار زوج لابنته، فتقدم متنكرًا مع عشرات الأمراء والفرسان، وخاض كثيرًا من مغامرات البر والبحر والكهوف والغابات، وصرع الأسود وقهر الحيتان وغلب الفرسان حتى عاد أخيرًا بقلب الأميرة ويدها، ليجد توجس الملك وغيرته في انتظاره، يرسم له الخطط الماكرة ليتخلص منه، بالتعاون مع عناصر الضباط الأجانب في الجيش المصري آنذاك وليجد عناصر الضباط الوطنيين في انتظاره أيضًا ليلتفوا حوله، وهنا ينخرط شوقي في وصف لون من الصراع، يشبه ما وجد في الجيش المصري في عصره بعد هزيمة الثورة العرابية، ويبدي في نثره من الآراء ما لم يستطع إظهاره في شعره حين هجا عرابي إرضاء للخديو توفيق، لكنه هنا يجعل «حماس» الضابط المصري ينتصر ويجعل نفوذ العنصر الأجنبي في الحياة المصرية يندحر.

ثم جاءت رواية «دل وتيمان أو أواخر عصر الفراعنة» وهي امتداد تاريخي للرواية السابقة عليها سنة 1899 وصوّرت الرواية استبداد المستعمر اليوناني بشئون مصر في عصر الأسرة السادسة والعشرين حتى سقوط الحكم الفرعوني أمام قمبيز الفارسي عام 525 ق.م. وقد استغلت المادة الخام لأحداث هذه الرواية في عملين أدبيين آخرين لشوقي أولهما قصيدته التاريخية المطولة «كبار الحوادث في وادي النيل»، التي تصدّرت ديوان الشوقيات، وكان قد ألقاها في المؤتمر الشرقي الدولي سنة 1894 ثم أعاد شوقي توظيف المادة التاريخية في مسرحية قمبيز التي كتبها شعرًا فيما بعد.

حوارية نثرية

وتوالت الأعمال النثرية، فصدرت حوارية نثرية بعنوان شيطان بنتاؤور أو لبد لقمان، وهدهد سليمان سنة 1901 وهي حوارية بأسلوب المقامات تدور بين طائرين يمثلان شاعرين ويلتقيان في كل يوم عند سطح الهرم، أحدهما هو النسر الذي يمثل بنتاؤور شاعر مصر القديمة، والثاني هو الهدهد الذي يمثل شوقي شاعر مصر الحديثة، ويكون الحوار بينهما فرصة لمقارنة حال مصر العابسة، بما كانت عليه حضارتها الدارسة من خلال التحليق فوق مدن الفراعنة ورصد مظاهر حضارتها وتقدمها وقوتها، ويؤنب النسر الهدهد على الاستكانة أمام الغرباء، وتقليدهم في عاداتهم وسلوكهم وكلامهم، ويخرج الهدهد أحيانًا من إطاره التاريخي ليتحدث مباشرة عن الإنجليز وعتوهم فسادًا في مصر. وتلك الملاحظة تنطبق كذلك على الروايات الأخرى التي كانت تدور أحداثها في بحار الهند أو بلاد اليونان في عصور ما قبل الميلاد، لكنها تشير كثيرًا إلى ما يدور على شاطئ النيل في عصر شوقي، ويشكل النثر من خلال ذلك، قناعًا، يقول من خلاله شوقي، ما لم يكن يستطيع أن يقوله شعرًا، من خلال موقعه في البلاد، ولهذا كان شوقي يستشهد على وطنيته بنثره دائمًا كما جاء في رده على الزعيم محمد فريد الذي شكك في وطنيته.

أما رواية «ورقة الآس» التي صدرت سنة 1905 فهي تستلهم هذه المرة التاريخ العربي في فترة ما قبل الإسلام، ومنطقة التماس الجغرافي بين الفرس والعراق في منطقة الجزيرة الفراتية على نحو خاص، وفي عهد القائد الفارسي سابور الذي غزا حصن الجزيرة الفراتية، واستطاع اقتحامه بسبب خيانة داخلية من القصر، قامت بها النضيرة ابنة الضيزن حاكم الحصن ويستند شوقي إلى رواية يوردها الطبري، حين يقول إن الأميرة أعجبت بجمال القائد الغازي حين كان يحاصر الحصن ويستعصي عليه فكاتبته وقررت أن تدله على أسوار المدينة لكي يقتحمها ويقتل أباها ويتزوجها. ودلته على طريقة فك الطلسم السحري الذي يحمي أسوار المدينة من الاقتحام، وكانت الرواية في مجملها إسقاطًا على المخاوف الكامنة في عصر شوقي من مؤامرات القصر وتعاون بعض أفراده مع الإنجليز أعداء الأمة، وكانت هذه المخاوف مثارة على نحو خاص تجاه حاشية عباس الثاني وأهل قصره، وكما يقول الأستاذ محمد سعيد العريان: «إن شوقي حين أنشأ قصته هذه، كان يعيش في جو بلاده، فقد كانت مصر في ذلك التاريخ في مرحلة كفاح، تفرض على المكافحين الحذر من المكيدة والدسيسة والخيانة».

أسواق الذهب

أما «أسواق الذهب» فهو آخر كتاب نثري طبع في عام رحيل شوقي سنة 1932 وإن كانت مواده قد نشرت مفرقة على مدار كثير من السنوات التي تسد فجوة توقفه عن نشر أعماله النثرية من 1905 قبل ثمانية وعشرين عامًا من رحيله.

إن طبيعة المادة النثرية هنا يختلف تصنيفها تمامًا عن المواد النثرية السابقة فهي لا تنتمي بالتأكيد إلى القصص ولا إلى التاريخ، وهما اللذان شكلا الصورة والمحتوى لروايات شوقي التاريخية النثرية عذراء الهند، ودل وتيمان ولادياس، وورقة الآس ولكن المادة هنا أقرب إلى الشعر منها إلى القصص، وإلى الحاضر منها إلى التاريخ، إنها تأملات أو مقالات كتبت على فترات متفرقة لا يجمعها إلا صدورها عن نفس واحدة تحمل بين جنباتها ثقافة تعتز بها، وخبرة حياة وتفكير تعتقد بإمكانية الإفادة منها، وتعيش وسط حاضر تحرص على المشاركة في نهوضه عبر ربطه بتراثه المجيد، لقد سمى شوقي جزئيات كتابه «فصولاً من النثر» وأطلق على ثلاث وحدات منها قصائد من الشعر المنثور هي «الجندي المجهول». و«الوطن» و«الذكرى» ومصطلح الشعر المنثور، كان يدور في ذلك العصر ويطلق على بعض كتابات نقولا فياض، وأمين الريحاني، وخليل مطران، وجبران خليل جبران، ومي زيادة، وكان موضع نقاش بين رد وقبول من نقاد العصر، من أمثال الرافعي والمازني والعقاد والزيات وغيرهم.

واختار شوقي لهذه الفصول النثرية عنوان «أسواق الذهب» ولم يخف تأثره في العنوان بعناوين فصول النثر القديمة المشابهة عند الزمخشري والأصفهاني، وحملت عند الأول، عنوان «أطواق الذهب» وعند الثاني «أطباق الذهب» فاختار هو «الأسواق» التي تتفق فيها الأطواق والأطباق معًا.

وهو يعجب بتجربة إقامة النصب التذكاري للجندي المجهول في باريس في أعقاب الحرب، وتكريم الأمة كلها لرمز لا تعرف اسم صاحبه، فيكتب عن ذلك فصلاً نثريًا ممتعًا، وهو يكتب عن المصطلحات التي جدت في الحياة الاجتماعية والسياسية مثل: «الحرية»، «الوطن»، «الأمة»، «الدستور»، و«الإنسانية»، فصوله وتأملاته ويتتبع المعاني المجردة العامة مثل «الخير» و«الظلم» و«الحياة» و«المال» و«الزمن» فيتأملها كذلك، وقليلاً ما يرصد تجربة شخصية مثل تجربته في عبور قناة السويس. أثناء ذهابه إلى المنفى في إسبانيا، أو تجربته بعد ثورة 1919، وذهاب الوفد المصري إلى باريس، لرفع مطالب الأمة، وتعثر خطاه، ثم انفراج باب للأمل عندما دعي إلى إنجلترا، وفي هذه اللحظة يكتب شوقي صيغة دعاء في صلاة جامعة، يتردد بنصه في كل مساجد مصر، يوم ذهاب الوفد للقاء مفاوضيه.

وهكذا تبدو فصول أسواق الذهب صورة من هموم الشاعر بواقع أمته، وحال أبنائها، وتطويع ثقافته التراثية لربط حاضرها بماضيها وإطلاق زفرات حرة خلال ذلك، وجد أن النثر الحر مجالها المناسب، وإن كانت أصوات خشخشة قيود السجع تسمع من أقصر خطواتها.

موقع المتن النثري في عصر شوقي

إن المتن النثري الكبير والمتنوع لأمير الشعراء يشير إلى جانب الخصائص الفنية النثرية لذلك المتن سؤالين مهمين حول موقع ذلك المتن من ثقافة الشاعر، وموقعه من الإنتاج المماثل في عصره.

أما موقعه من ثقافته، فقد تشف عنه القراءة المتأنية لمقدمة الطبعة الأولى للشوقيات سنة 1898 بقلم الشاعر نفسه، وهي مقدمة تشير بطريقة موجزة إلى امتزاج حلم المبدع الناثر بحلم المبدع الشاعر منذ صباه المبكر، وتخوفه من اصطدام ذلك الحلم بالفصل المتعارف عليه غالبًا، بين الموهبتين، في التراث العربي كان يرى أن الشاعر الجيد، قد تكمن لديه أيضا بذرة الروائي الجيد، وأن القصيدة الجيدة قد يكون وراءها حكاية أو رواية متقنة وهو يقول عن قصيدة أبي فراس التي مطلعها:


«أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهي عليك ولا أمر»


إنها ليست إلا عقداً توحد سلكه، وتعاونت فيه ملكة العربي وسليقة الشاعر على حسن الحكاية «فإذا فرغت من قراءتها، فكأنك قرأت أحسن رواية».

وهو يشير في نفس المقدمة إلى عدم ارتياحه لما درج عليه التراث من الفصل بين موهبة الناظم والناثر والاعتقاد بصعوبة الجمع بينهما، ويعود إلى تقاليد الأدب الفرنسي، الذي كان قارئًا له، ومولها به، ليؤكد أن كبار المبدعين في ذلك التراث يجمعون بين إبداع الشاعر وإبداع الناثر مستشهدا باثنين من كبار شعراء الرومانتيكية في القرن التاسع عشر، هما فيكتور هيجو وألفريد دي موسيه، حيث لم تمنعهما ريادتهما الشعرية وشهرتهما الواسعة في مجال الشعر من أن يقدم كل منهما أعمالاً تعد في صدارة الأعمال النثرية الكبرى للأدب الفرنسي مثل رواية «البؤساء» لفيكتور هيجو والسيرة الذاتية لألفريد دي موسيه التي حملت عنوان «اعترافات فتى العصر».

ثقافة شوقي إذن دفعته منذ فترة مبكرة في شبابه، إلى أن يكسر الحاجز الوهمي بين الشاعر المبدع والناثر المبدع وأن يجسّد هذين المبدعين معًا في شخصيته، وربما أعانه على تنمية ذلك الحلم في نفسه، ولعه بقراءة التاريخ (ولا ننسى أن التاريخ كان السمة الغالبة على الثقافة الفرنسية في القرن التاسع عشر) وامتلاكه إلى جانب ذلك ناصية البيان وخيال الراوي، وربما يضاف إلى ذلك اطلاعه على تجارب بعض الأدباء الفرنسيين في القرن التاسع عشر من أمثال «تيوفيل جوتييه» ومحاولاتهم صياغه التاريخ الفرعوني في شكل روائي وقد أنجز جوتيه بالفعل مجموعة من الروايات الفرعونية التي لاشك أن شوقي سمع عنها أو قرأها، وإن كان لم يشر إليها، وقد صرح شوقي بعد إنجازه الروايات التاريخية الأربع، بأنه يحلم أن يصوغ كل تاريخ مصر في سلسلة من الروايات، كما صاغ مجمله شعرا في قصيدته كبار الحوادث في وادي النيل. ونعتقد أن رد الفعل النقدي غير المشجع من نقاد عصره هو الذي قعد به عن إكمال مشروعه.

حلقة في سلسلة صحوة النثر العربي

وتبقى بعد ذلك الإشارة إلى أن نثر شوقي يمثل حلقة في سلسلة صحوة النثر العربي في القرن التاسع عشر وهي الصحوة التي ألقت كثيرًا من المهام على عاتق النثر، مع اتساع دائرة المتلقي الذي خرج من عصر المخطوطات الذي توجه فيه الثقافة للصفوة المتعلمة غالبًا، إلى عصر المطبوعات وما تفرع عنه من عصر الصحافة، التي أوجدت نمطًا جديدًا من التلقي، ونمطًا جديدًا من الكتابة كذلك، إضافة إلى نزعة الوعي بالوطن وقضاياه وتراثه، وما واكبها من اهتزاز الأوضاع السياسية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والمستعمر وصاحب الأرض، وظهور طبقات جديدة في دوائر التلقي والقراءة مثل المرأة والطفل، وشعور الأدباء والنقاد بحاجة النثر إلى الصحوة لأداء هذه المهام المتعددة.

في هذا الإطار مازالت حركة النثر العربي في هذه الفترة وصراعها المستمر بين الأشكال التقليدية والأشكال الحديثة، وبين القضايا المجردة والقضايا الواقعية والأسلوب المرسل والأسلوب المنمق، بحاجة إلى إطار عام توضع فيه المشاركات الجزئية، وفي هذا الإطار لا يمكن إغفال دور رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) ولا إغفال الوقوف طويلاً أمام علي مبارك (1824 - 1893) وروايته «علم الدين» تحمل كثيرًا من المؤشرات المهمة في اتخاذ الثوب القصصي وسيلة لحمل رسالة حضارية، وقد كان يقول: «وقد رأيت النفوس كثيرًا ما تميل إلى السير والقصص وملح الكلام بخلاف الفنون البحثية والعلوم المحضة، فقد تعرض عنها النفوس في كثير من الأحوال فدفعني هذا إلى عمل كتاب ضمنته كثيرًا من الفوائد، في أسلوب حكاية ينشط الناظر فيها إلى مطالعتها فيجد في طريقه تلك الفوائد فينالها عفوًا بلا عناء».

وسنجد محمد المويلحي يبدأ عمله الشهير حديث عيسى بن هشام 1898 بعد عام واحد من كتابة شوقي لعذراء الهند وبعد عام آخر سيكتب قاسم أمين 1899 مقالاته في تحرير المرأة، ولن تتأخر استجابة حافظ إبراهيم (1872 - 1932) لتوجيهات الشيخ الإمام محمد عبده (1849 - 1905) فيكتب ليالي سطيح 1906 وكذلك يفعل المنفلوطي (1876 - 1924) بتوجيهات الإمام كذلك وتمهد هذه المحاولات كلها لكتابة رواية «زينب» للدكتور محمد حسين هيكل 1912 لتسجل نهاية مرحلة من مخاض طويل لميلاد النثر العربي الحديث، كانت جهود أمير الشعراء أحمد شوقي فيها واسطة عقد تستحق كل الاهتمام والتقدير.

أحمد درويش مجلة العربي اكتوبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016