مختارات من:

عنوان المرحلة القادمة

محمد الرميحي

من يجهل بلايا اليوم في العالم يعش على هامش هذا العالم، وبلايا اليوم كثيرة ومتعددة، أحد أسبابها أن البعض منا دولاً وأفرادًا لا يزالون يطمحون إلى إعادة مناقشة قضايا المرحلة الماضية واجترارها، أو التفكير في حلول لقضايا اليوم بالطريقة التي فكروا بها في الحلول لقضايا الأمس.

عنوان المرحلة الماضية كان "الرفض"، ولقد رفضت شعوب ودول وأيديولوجيات وأفراد أن يروا الواقع المعيش على الأرض فخلقوا واقعًا متخيلاً يناسبهم وينسجم مع تصوراتهم، وتعاملوا على هذا الأساس مع الحياة فأفسدوا حياتهم وحياة الآخرين، ودمروا بلدانا وشعوبًا وحرموها من الحياة الحقة، بل عاشوا في ذلك الحلم المتخيل لواقع غير موجود حتى انتزعوا من الناس القدرة على استزراع الحنطة أو الرغبة في التوالد!

وعندما نعمل الفكر اليوم في أسباب فشل تلك الدول والحكومات والأيديولوجيات بأن تقدم حتى الحد الأدنى الإنساني لشعوبها، نعجب من أنفسنا ومن الآخرين كيف تقبلوا ذاك الواقع المتخيل على أنه الجنة الموعودة التي سوف يبنيها الإنسان على الأرض؟

لقد كان "الرفض" لما كما قلت عنوان المرحلة السابقة، ويبدأ برفض الاعتراف بالمشاعر الإنسانية وبالتكوين الفطري للإنسان، وينتهي بزعمهم أن الإنسان يمكن أن يروَّض كي يصبح ترسًا في آلة يديرها البعض عن بعد، فيفكر الجميع بشكل متماثل ويتصرفوا كمجموع، يحبون ويكرهون ويتمنون ويطمعون ويفزعون وكأنهم فرد واحد تعددت أرواحهم في جماعات عديدة واختلفت ألسنتهم، ولكنهم يمكن أن يجبروا على التماثل، وكان ذاك ضد طبيعة الإنسان وضد رغبته وضد حقوقه.

زعموا رفض البعد الروحي لدى الإنسان وحاولوا الاستعاضة عنه ببعد مادي فلسفوه بأشكال شتى، وعندما بدأت الحياة الروحية تتلاشى لدى أمم وشعوب تلاشت معها في نفس الوقت قدرتها على حب الحياة، أو الاستمتاع بالعيش، وقدرتها أيضا على الأمل والرجاء في غد أفضل.

لقد حدث كل ذلك في بلدان تبنت الاشتراكية بألوانها المختلفة كطريق لتخليص الإنسان من الشرور وإيلاجه مداخل الرفاه والسرور، فلم تفلح في ذلك، بل جاءت النتائج على عكس ما توقع لها مؤيدوها، وعلى أسوأ مما توقع لها معادوها.

ويمكن أن تتكرر التجربة في بلدان أخرى تدعو إلى (القطعية) و(التماثل)، وتتوقع سلوكا واحدًا ومتطابقا من الإنسان، وذاك أيضا ضد طبيعة الإنسان.

مرحلة "الرفض" مرت بنا نحن العرب فرفضنا تراثنا على أساس أن به الكثير من الشوائب، حتى دون محاولة جادة لتنقية هذه الشوائب والاستفادة من مخزوننا الروحي والثقافي الأصيل، وتحدثنا عن "البعد القومي" بشكل عاطفي وسطحي ومثالي، ورفضنا أي بعد آخر قبله أو بعده، وحاولنا أن نرفض ما يرفضه الآخرون وألا نقبل في ذلك نقاشا أو تحكيما للعقل، لمجرد أن آخرين قد تبنوا هذا الفكر أو ذاك.

نحن العرب كنا جزءا في الممارسة وفي التنظير من مدرسة ذاك (الرفض)، دون أن نتمكن على وجه الدقة من تحديد خيارات لنا تتناسب مع واقعنا الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، وخوفي الكبير أن نبقى تلاميذ أوفياء لمدرسة الرفض بأشكال أخرى جديدة قد تبدو براقة اليوم ونكتشف خطأها وخطأنا في اتباعها في القادم من الأيام.

السعار القومي

لقد تحدثنا عن "القومية" مثلاً وتشبثنا بها حتى أصابتنا نتائج "السعار القومي" عندما قام طاغية بغداد بتحويل كل الشعارات القومية إلى تطبيقات فجة كريهة هي اجتياح واحتلال، جمعت الجشع إلى الحمق فبدت صورة مشوهة ومهزوزة، لكل ما هو إيجابي وخير في العلاقات القومية، وظهرت الشعارات "القومية" على محك الواقع وهي منحدرة الدلالة، بشعة التطبيق. فلم يكن لدى المسئولين العراقيين عن تعذيب الكويتيين مثلاً أي نوع من الوازع القومي أو الأخلاقي أو الديني أو الإنساني يمنعهم من اغتصاب وتعذيب النساء الكويتيات، ثم إلقاء جثثهن بعد تعذيبهن في الشوارع وأمام مساكنهن عاريات، وقصر "نايف" في وسط مدينة الكويت مثال على ذلك وهو مبنى قديم لا يزال شاهدًا على ذاك "السعار". وعندما دخلته بعد التحرير مباشرة كان منظره من الداخل عبارة عن أكوام من بقايا ثياب داخلية مختلطة بدم بشري، وحجراته الصغيرة الضيقة في فوضى ضاربة، فالأسرة مقلوبة والمناضد محطمة، وصور فوتوغرافية مبعثرة في كل مكان، ومثل كل جنود الاحتلال في التاريخ، فقد هرب الغزاة وهجروا المكان مذعورين بشكل مفاجئ، وتركوا خلفهم معدات التعذيب بالكهرباء، وحبالا متدلية من مراوح السقف، وبقع الدم تملأ المكان والحيطان، لم يمت أحد من المعتقلين موتًا سريعًا، الكل عذب حتى الرمق الأخير.

لماذا؟.. وتحت أي شعار؟

لقد تمت كل تلك الفظائع - وهي قريبة جدًا مما فعله النازيون في بعض بلدان أوربا - وكان هذا الفعل العربي البشع تحت شعارات براقة هاج لها وماج البعض في شوارع ومدن عربية، ولا يزال الكثيرون منا حائرين في سبب هذا التأييد والقبول لمثل هذه الأفعال اللا إنسانية؟

لقد "رفض" بعضنا أن يعترف بالآخرين في أن يكون لهم وطن وأن يكونوا بشرًا، كما رفض بعضنا قبلها أن يعترف بشعوب لها حريات كرمها الله بها، وفتك بكل من لا يسبح بحمده ليل نهار، ويكاد يعبده من دون الله. رفض الاعتراف بالآخر محاولاً إزالته من الوجود، ورفض أن يكون له دولة أو استقلال أو حتى حرية فردية، تلك هي بعض شوائب تفكير الماضي، وهو تفكير مريض، يريد أن يمسخ الفرد والكيان في سبيل عبادة (زعيم) بصرف النظر عما يمكن أن يحققه هذا (الزعيم)، شكل عبثي من طلب إعدام الآخر والتنكيل به، ولقد دخلت في مناقشات عديدة مع أفراد عديدين إبان أيام المحنة من المفترض أنهم على شيء من الثقافة فوجدتهم غارقين حتى آذانهم في المقولات والأفكار القديمة، ولا بأس من مسح شعب من الوجود في سبيل (نصر) متخيل ووحدة مستحيلة تقوم على الولغ في الدماء!

مسيرة الأحداث في العالم على امتداد العقد الماضي تشير بوضوح إلى أن شيئا أساسيا وجوهريا سوف تتمخض عنه الأحداث، فإن كان النصر الذي حققته الأفكار الليبرالية الغربية على المستوى العالمي واضح المعالم، بعد أن استنفدت الأفكار الأخرى السياسية كل قدرتها على البدائل التي طرحتها، فإن أفكارًا عربية جديدة لابد من طرحها حيث تناسب الواقع وتقرؤه بعناية، وإذا كان الإنسان ابن بيئته ونتيجة المراحل التي مرت بها هذه البيئة، فلابد لنا من القول إذن إن "الوحدة العربية" الفورية الشاملة المثالية هي موضوع متخيل وربما وليدة أفكار غربية لها علاقة بتطور القوميات في أوربا الغربية في القرن الماضي أكثر مما لها علاقة بالواقع العربي المعيش.

فلم تكن الدول العربية المعروفة اليوم - في وقت ما - موحدة بشكل كامل وتام تحت علم واحد وسلطة واحدة، فدائماً كان هناك اليمن، وهناك الشام، وهناك مصر على سبيل المثال، ولكن كان هناك (الشعور العربي) و (الثقافة العربية)، والشعور العربي العام بالتضامن له حدود دنيا وقصوى علينا البحث فيها واستقصاؤها وتقنينها، لا القفز عليها.

وكما هي دائرة العرب هي دائرة الإسلام، هناك شعور عام بالتكافل الإسلامي والتضامن الإسلامي، ولكننا اليوم نعيش عصراً يتوجب علينا فيه أن نحدد أكثر مفاهيمنا وبدقة، فإن اعتدت دولة عربية على دولة عربية أخرى، كما حدث أن اعتدت العراق على الكويت ونكلت بمواطنيها واستباحت حرماتها، هل نسمي ذلك "وحدة" بأي شكل من الأشكال؟ كما زعم البعض وكابر؟، وهل نعتبر تدمير شعب عربي ومحوه من الوجود انتصاراً لقضايا العروبة؟

وهل ينتصر بعضنا إلى دولة مسلمة - مثلاً - حتى لو كانت تلك الدولة تحت صلافة قيادة مغامرة قد اعتدت ونكلت بالآخرين؟

أم أن الانتصار للآخرين والتكافل معهم له شروط موضوعية لابد من توافرها، حيث إن الانتصار لطرف على طرف دون بينة شكل من أشكال التصرف الجاهل وغير المسئول.

بكلام آخر إن تلك المفاهيم الغامضة والعامة في الوحدة والتضامن قد آن لنا أن نمحصها بوضوح، ونحدد أين نقف منها وما هي حدودها؟

لقد انقسم العرب - بالذات - إلى قسمين في موضوع احتلال الكويت، وكان قسم منهم ممن يدعي الدعوة القومية أو الدعوة الإسلامية على المستوى الشعبي يؤيد الاحتلال، إن لم يكن مباشرة، فقد فلسف الموضوع وأدخله مداخل أخرى عديدة تصب كلها في نهاية المطاف تأييداً للمعتدى، فهل دعوته (للعروبة) وللإسلام صحيحة إذن؟

لقد استخدم الجميع مفاهيم كنا قد استخدمناها لسنوات طويلة هي (الوحدة العربية) و (الوطن العربي) و (التهديد الأجنبي)، وتداعت الشعارات المختلفة والكثيرة حتى وصلت إلى ربط الانسحاب العراقي من الكويت بالانسحاب الإسرائيلي من غزة والضفة الغربية!!

وكانت هذه الدعوة بالنسبة لنا مهزلة، وللآخرين سرابا حاولوا جاهدين تصديق مخيلتهم بأنه حقيقة!

المفاهيم الجديدة

ليس من الحصافة ولا من العقل أن نسارع إلى القول بأن "الأفكار والمفاهيم" التي أشرت إليها سابقاً بحد ذاتها ليست ذات معنى، ولكن من المنطق أن نقول إن تطبيق تلك الأفكار وترجمتها - وهي أفكار سياسية في الدرجة الأولى- تلك الترجمة وذاك التطبيق أثبت الواقع أنه خاطئ.

لقد انطلقت تلك الأفكار والمفاهيم نتيجة وضعنا العربي المتدهور منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت النيات أن ينتشل العالم العربي من وهدته وتخلفه وينجح في صراعه مع إسرائيل بالذات، ومع التخلف بشكل عام، نتيجة تطبيق تلك الأفكار والمفاهيم، فما أن أطلقت تلك الأفكار والمفاهيم حتى فسرتها الجماعات العربية المختلفة في دول عربية مختلفة تفسيرات بعضها متناقض، وبعضها متداخل وكلها لم تقرأ الواقع بموضوعية حيث إن الواقع على الأرض الصلبة كان غير ذلك، فقد قام الفلسطينيون مثلاً بتكوين مؤسساتهم وتجمعوا في إطار منظمة تجمع مجموعة من المنظمات، ولكنها في النهاية تنطق باسمهم وتمثلهم، بل لقد دخلوا حروباً شعواء حتى يتفردوا بما عرف "بالقرار الفلسطيني" ومن جهة أخرى فإن كل الحركات السياسية والدعوات الأيديولوجية عندما وصلت إلى سدة الحكم في هذا البلد العربي أو ذاك أرادت أن تطبق مفهومها الخاص لتلك الشعارات وتتلخص غالباً في أن نخبتها الحاكمة هي التي يجب أن تقرر كيف يسير الآخرون! وفي النهاية لم تتحقق على أرض الواقع الصلب مرة أخرى أية نتائج ملموسة للتضامن العربي في إطاره الأوسع، بل ما تحقق حلقات من التضامن العربي سرعان ما انفرط أغلبها.

لقد خلطنا خلطاً بينا وعبثيا في بعض الأوقات بين (الوسائل) و (الغايات) إلى درجة أن الاختلاف على الوسيلة استنفد منا جهدا وصراعاً عميقين، نسينا من جرائه أن ننظر إلى الغاية، بل غابت عنا الغايات وتلاشت بسبب هذا الاختلاف، بل وفرطنا في الغايات نفسها في بعض الأوقات، وما زال بعضنا - مع الأسف الشديد - يقوم عن جهل وقصر نظر أو عن عمد وسوء طوية بخلط الوسائل والغايات.

التضامن العربي والتضامن الإسلامي غاية كما هي الديمقراطية - مثلاً - غاية، قد تتحقق بوسائل مختلفة وقد نأخذ من الزمن أكثر مما توقعنا لتحقيقها، مثلها مثل التنمية، فهي غاية إن لم تتحقق بطريق في التطبيق تحققت بطريق آخر، فقط علينا أن نعمل العقل بشكل موضوعي، وإعمال العقل بشكل موضوعي لتحقيق هذه الغايات يقضي بأن الغاية النبيلة لابد أن تتحقق بوسيلة نبيلة.

وعلينا أن نعيد تجربة الوسائل المختلفة، وعلينا مناقشة هذه الوسائل بقلب وعقل مفتوحين دون أن تغيب عنا الغايات.

إن كان الهدف هو تضامنا عربيا فله وسائله وخطواته، أولاها - وهنا بيت القصيد - القبول بالواقع.

القبول عنوان المرحلة

(القبول) هو عنوان المرحلة الجديدة كما كان (الرفض) عنوان المرحلة السابقة، القبول بأننا دول عربية، هذا هو الواقع، دول في عالم اليوم بيننا ما بيننا من تماثل ووشائج وقربى، ولكن بيننا من الاختلاف ما هو صحي وحقيقي، سواء كان بين الدولة والأخرى، أو فيما بين الفئات الاجتماعية والعرقية والإثنية في الدولة ذاتها.

لن نخطو خطوة حقيقية لتحقيق الغايات في الدولة الواحدة ولا في مجمل الإقليم العربي دون الاعتراف والقبول بهذا التعدد والاختلاف النسبي للفئات العربية.

القبول يفترض- أيضاً - البعد عن التنابز، ودمغ الدول بمواصفات تطرح للجماهير العريضة والمسلوبة الوعي على أنها مواصفات سلبية، لقد طرح علينا سابقاً مثلا أن الدول العربية تنقسم إلى معسكرين، دول (تقدمية) ودول (محافظة) على أحسن التعبيرات، ثم اختلط الأمر في أمور السياسة كما اختلط في أمور رعاية المواطنين وأصبح اليوم هذا التقسيم لدى العقلاء والعالمين ببواطن الأمور ليس ذا معنى.

ويقال لنا الآن ضمن ما يقال إن كارثة احتلال العراق للكويت، فتتت الصف العربي وهذه مقولة غير صحيحة في نظري، فالكارثة فقط كشفت عن هذا التفتت ولم تحدثه!

لأن الصف العربي مفتت ولا يزال مفتتا ما دام البعض يصر على مواصلة النواح في قرع المزامير القديمة التي سقطت.

القبول من جانب آخر ينسحب على قبول مجتمعاتنا كما هي لا كما يجب أن تكون في ذهن هذا المنظر أو ذاك الداعية، فالدول العربية تزخر بالأقليات وتزخر بالاجتهادات الطائفية وتزخر بالتكوينات النفسية المختلفة، والإصرار على (التماثل) وصب الناس كلهم في قالب واحد له علاقة بما مضى من نظريات وليس له علاقة البتة بما هو مأمول من تطور.

التحدي في القبول الإثني والطائفي والنفسي على مستوى المجتمع والقبول باجتهادات الدول العربية المختلفة في شئونها الداخلية ومصالحها العامة على مستوى العلاقات الدولية.. التحدي في كل ذلك هو رسم قواعد لهذا القبول على رأسها أن من حق الآخر أن يجتهد دون ترويع أو تهويل أو إرهاب، ومن حق الدول أن تعيش في إطار حدود آمنة وتختار الطريق الأنسب لها للوصول إلى غاياتها.

أزمة الحوار

كشفت كارثة احتلال العراق للكويت من جهة أخرى عن أزمة الحوار في مجتمعاتنا وأزمة حوارنا مع الغير، فقد اعتمد ذاك الحوار على نفي الآخر، وإن أمكن إخراجه من جلده، بل وفي بعض الحالات (تكفيره) والعياذ بالله، وقام أنصاف المتعلمين ومن يفتون بغير علم بتأليب الجماهير المسكينة والمضللة واستغلال معاناتها المعيشية اليومية لتفريقها بشكل خطأ على المشكلات الخطأ، وإيهامها بأن هذا الشكل من التعبير والسلوك هو الذي سيقودها إلى حياة معيشية أفضل وطنيًا ودوليًا، وقد نجح البعض في هذا التضليل لفترة، وقد تبدو شعارات بعضهم اليوم براقة، ولكن الواقع أنهم يزدادون بعداً عن الحلول الصحيحة لمشكلات هذه الجماهير ويعزلون أنفسهم في الوقت الذي يظنون فيه أنهم يعزلون الآخرين.

لقد أثبتت حوادث العقود الثلاثة الماضية أو أكثر التي مرت بالعرب أن محاولات المجتمعات العربية التي أرادت أن تضع قواعد وشروط بناء قوة اقتصادية وحضارية جديدة قد باء معظمها بالفشل، لقد حاولت معظمها ركوب الخيل للحاق بالقطار! وحاولت تجاوز شروط النهضة في البلدان الغربية وفشلت في استنباط الحلول الناجعة لمشكلات أوطانها، وكان الأقرب لبعضها الصياح والعويل والهدم بدلا من تحمل أعباء البناء وما يتطلبه من مصارحة وتضحية.

وأقعدت أزمة الحوار مع الآخرين إمكان التطور السلمي والسليم واستخدام الموارد المتاحة للوصول لأفضل نتائج إنمائية، وما زال بعضنا تثقله مشكلة الحوار مع الآخرين فيهب إلى التهديد والوعيد، وهو قبل غيره يعرف أن هذا التهديد والوعيد لا ينجزان شيئا.

مرحلة الانتقال الصعبة التي يمر بها العالم العربي ليست مرحلة يمكن أن ينظر إليها باستخفاف، وهي مرحلة تحتاج - أول ما تحتاج - إلى إعمال الفكر لتحديد الأهداف المبتغاة والوسائل الكفيلة بالوصول إلى هذه الأهداف، والمطلوب هو وضع استراتيجية كبرى لها شروط دقيقة منها عدم العودة إلى الوسائل والتطبيقات السابقة ومنها أيضا أن يشترك الجميع في حوار ديمقراطي للوصول إلى تحديد هذه الأهداف ثم التواضع في وضعها موضع التطبيق حسب الإمكانات والقدرات المتاحة.

ومازال التفاعل جاريًا ونسيج الأقطار العربية السياسي والاجتماعي ومازال يتلقى نتائج التفاعلات الدولية والإقليمية دون أن يحدد شكل استجابة هذا النسيج.

بل إن بعض هذا النسيج تقع عليه أفعال وردود أفعال متناقضة، وهو حائر فيما يفعل.

فرصة العرب

باختيار عربي مصري هو الدكتور بطرس غالي كسكرتير عام للأمم المتحدة في الوقت الذي يتاح فيه (لهذه المؤسسة) برضاء الأطراف العديدة المكونة لها، بأن تلعب دوراً ملحوظاً وإيجابيا في الشأن الدولي، له معنى خاص، فقد تردد الحديث منذ سنوات بين الدوائر العالمية لتنشيط دور الأمم المتحدة وكانت قرارات مجلس الأمن الدولي إبان الاحتلال العراقي للكويت في مبناها ومعناها ووسائل تطبيقها هي انتصاراً للشرعية الدولية في النظام العالمي الجديد، كما أن متابعة هذه الشرعية الدولية لقرارات أخرى خاصة بالمنطقة العربية وربما مناطق أخرى من العالم له دلالة خاصة، وبالتالي فإن اختيار عربي لهذا المنصب الخطير يعطينا - نحن العرب - فرصة تاريخية للبدء بالقبول بالشرعية بدلا من المواقف الرافضة الدائمة لأشكال الشرعية التي اشتهرنا بها ولم تحقق لنا شيئا يذكر.

رسالة الأمم المتحدة الواضحة المعالم في العصر الجديد، هي نبذ العنف، لقد وصلت الدول الأقوى إلى ما وصلت إليه من وفاق بسبب اقتناعها الأكيد بأن "عنفوان القوة" لا يوصل إلى أهداف إنسانية، فقط يمكن أن يوصل إلى تدمير الإنسان والأرض على حد سواء، والوفاق والقبول بالاجتهادات المختلفة والاعتراف بالمصالح المتبادلة هو السائد.

وتلك فرصة لنا نحن العرب كي نتعرف على النغمة السائدة في عالم اليوم.

إلا أن هذه الفرصة لا تبدأ بوجود عربي على مقعد الأمين العام للأمم المتحدة، بل تبدأ من هنا، من الأرض العربية ومن الواقع العربي، وهي في نظري فرصة استنباط قواعد واضحة يقبلها الجميع في الإطار الأصغر (الدولة) والمجتمع، وفي الإطار الأكبر العلاقات العربية / العربية.

ومن الملاحظ أن هذه القواعد لم تنشأ وتستقر في مجتمعات أخرى بسهولة ويسر، ولكنهم وصلوا إليها بعد معاناة وألم اجتماعي واقتصادي وسياسي أكثر مما واجهنا ويواجهنا اليوم، ولكن المهم أن نتبين أننا محتاجون لهذه القواعد.

محمد الرميحي مجلة العربي يناير 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016