مختارات من:

الكوليسترول.. والدهون وكيف نحمي الشرايين

أسامة عبدالعزيز

كثيرا ما نسمع أن شخصا عزيزا قد أصابته نوبة قلبية، أو نوبة عصبية مفاجئة، أو أن ذاكرته وقدرته على التفكير قد أصابهما الكلل ... وهنا تتردد كلمة "الكوليسترول وتصلب الشرايين" ، ونتساءل: لماذا حدث هذا وكيف يمكن تفادي آثاره الخطيرة على القلب والمخ وأجهزة الجسم المختلفة حيث إن الشرايين هي أساس الغذاء لهذه الأجهزة الحيوية؟.

الكوليسترول مادة دهنية ناعمة موجودة طبيعيا في خلايا الجسم، وهو أحد مكونات الخلايا، ومنه يتم تصنيع عدد من الهرمونات والمواد الأساسية مثل الكورتيزون وهرمونات الذكورة وهرمونات الأنوثة والأحماض المرارية التي تساعد على امتصاص الدهن من الأمعاء.

ويحصل الإنسان على الكوليسترول من مصدرين رئيسيين:

مصدر داخلي من الجسم حيث يتم تصنيعه في الكبد، ومصدر خارجي من الغذاء وخاصة اللحم الحيواني وصفار البيض ومنتجات الألبان وغيرها.

ويحمل الدم الكوليسترول إلى أجزاء الجسم المختلفة وإذا زاد على معدلاته الطبيعية أصبح يمثل ظاهرة مرضية..!! وحيث إن الكوليسترول لا يذوب في الدم فإنه ينتقل عن طريق حمله بواسطة مواد بروتينية تسمى البروتين - الشحمي (Lipoproteins) وتنقسم هذه المواد حسب كثافتها إلى خمسة أنواع أهمها البروتين الشحمي عالي الكثافة (HDL)، والبروتين الشحمي قليل الكثافة (LDL).

الدهون المفيدة والدهون الضارة

لقد أثبتت البحوث في السنوات الأخيرة أن هناك نوعا مفيدا من الدهون في الدم هو البروتين - الشحمي عالي الكثافة (HDL) وأنه كلما زادت نسبته زادت الفائدة وقلت فرصة حدوث أمراض الشريان التاجي وشرايين المخ بصفة خاصة حيث إن هذا النوع من الدهون قادر على حمل الكوليسترول من الخلايا والأنسجة والذهاب بها إلى الكبد لتمثيله والاستفادة به أو التخلص منه، وبالتالي فإنه يرفع الكوليسترول من الخلايا وجدران الشرايين فيحميها من أو الضيق، ولهذا اهتم العلماء بالبحث عن أسباب نقص هذا النوع من الدهون في الدم ووسائل زيادته بحيث لا يقل تركيزه في الدم عن 40 مجم/ سم3 دم، وتتلخص في:

أسباب نقص HDL في الدم

*هرمونات الذكورة
*تناول المواد الدهنية غير المشبعة
*عوامل وراثية
* السمنة
*مرض السكر
* التدخين
* بعض الأدوية
* زيادة النشويات في الغذاء
* تليف الكبد

وسائل زيادة HDL في الدم

*هرمونات الأنوثة
* نقص الوزن
*ممارسة الرياضة
* بعض الأدوية

ولهذا يجب أن نحرص على معرفة معدلات هذه الدهون النافعة في الدم ومحاولة زيادة نسبتها للوقاية من أمراض الشرايين والحفاظ على سلامتها.

أما النوع الضار من الدهون فهو البروتين الشحمي قليل الكثافة (LDL)، حيث إنه على العكس يسهل وجود الكوليسترول داخل الخلايا وينقله من الكبد إلى خلايا الجسم المختلفة ويساعد على ترسبه داخل جدران الشرايين، وتتصلب الشرايين، مما يؤدي إلى ضيق مجرى الدم فيها أو انسدادها، ولذا فإنه من الضروري عدم السماح بزيادة نسبة LDL في الدم على معدلاته الطبيعية وخاصة إذا كانت هناك عوامل مساعدة أخرى مثل ارتفاع ضغط الدم والتدخين ومرض السكر، ويجب ألا يزيد تركيزه في الدم على 130 مجم /سم3 دم.

أما الكوليسترول فيجب ألا يزيد تركيزه في الدم على 200 مجم/ سم3 فإذا زاد بحيث يصل إلى 239 فإن فرصة حدوث أمراض الشريان التاجي تزيد لتصبح ضعف من هم أقل من 200، وفي المقابل فإن خفض نسبة الكوليسترول في الدم (باستخدام الغذاء أو الدواء) بمعدل واحد في المائة يسبب انخفاضا في فرصة الإصابة بالشريان التاجي بمعدل اثنين بالمائة، أي إذا انخفض الكوليسترول في الدم من 250 إلى 200 مثلا (أي بنسبة 20 %) فإن أمراض الشريان التاجي تنخفض بنسبة 40 % عند هذا الشخص ومن هنا تتضح أهمية الكوليسترول والدهون القليلة والعالية الكثافة، وكذلك أهمية الكشف الدوري عنها والحفاظ عليها عند معدلاتها الطبيعية.

ما هو تصلب الشرايين؟

تصلب الشرايين يعني زيادة سمك جدرانها وفقدانها لمرونتها وليونتها وبالتالي قدرتها على الاتساع أو الانقباض، وهذا يحدث تلقائيا مع التقدم في السن، إلا أنه يمثل ظاهرة مرضية إذا حدث مبكرا قبل سن الستين أو إذا نتجت عنه مضاعفات في القلب أو المخ وغيرهما.

وقديما كان الإنسان يعيش مئات السنين، ويقدر عمر سيدنا نوح عليه السلام - كما جاء في القرآن الكريم - بنحو ألف عام، وإلى عهد قريب كان عمر المائة عام ليس بالمستغرب، أما الآن فقد أصبح الوصول إلى مثل هذه السن من عجائب الزمان!!. وبالرغم من التقدم الملموس في المجتمعات المتقدمة فإن سن الشيخوخة يبدأ عند الخامسة والستين..!!

كيف ومتى يبدأ تصلب الشرايين؟

لا شك أن تصلب الشرايين عملية معقدة جدا، وقد وضع العلماء عدة نظريات في محاولات لشرح كيفية حدوثها، وأهم هذه النظريات هي نظرية اختراق الدهون الموجودة في الدم لجدران الشرايين فتصيبها بالتصلب، ويعتقد فريق آخر من العلماء أن بداية التصلب تحدث مع تلف الطبقة الرقيقة من الخلايا التي تبطن جدران الشرايين فتسمح بدخول مواد متعددة إلى الجدران ذاتها وتترسب بداخلها فتتصلب الشرايين ويضيق مجراها، ويرجع تلف هذه الطبقة لارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم وخاصة في وجود ارتفاع ضغط الدم أو التدخين، كما يساعد تلف هذه الطبقة على تراكم صفائح الدم (وهي أحد مكونات الدم الطبيعية وتساعد على تجلطه) فتحدث الجلطات داخل الشرايين وتسد مجراها، وتحتوي الصفائح بدورها على مواد تساعد على تكاثر ونمو الخلايا الموجودة بجدار الشريان فتتضخم وتساعد بدورها على ضيق مجراه ..

وقد لا يعلم الكثير أن التغيرات غير الطبيعية في جدران الشرايين تبدأ منذ الطفولة وتزداد فرصة حدوثها كلما كانت نسبة الدهون في الدم عالية عند الأم في أثناء فترة الحمل، كما أن للوراثة دورا هاما، وتساعد العادات الغذائية وتناول المواد الدهنية والغنية بالكوليسترول على الإسراع بتصلب الشرايين، ولذا فإنه من المهم أدور نحرص على انتظام الغذاء بالنسبة للأمهات والأطفال على السواء حماية لهم وحرصا عليهم.

الغذاء والدهون

هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الدهون في الغذاء أهمها الدهون المشبَّعة، وهي المواد الأساسية التي تساعد على زيادة الكوليسترول في الدم وتوجد في اللبن الكامل ومنتجاته (الزبد والقشدة والجيلاتي) والدهون الحيوانية ودهن الطيور ودهن الخنزير وبعض الزيوت النباتية كزيت النخيل وزيت جوز الهند وزيت الزيتون، والدهون غير المشبَّعة وهي نوعان أحدهما موجود في الزيوت النباتية (أوميجا 6) مثل زيت الذرة وزيت الزعفران وزيت عباد الشمس وزيت فول الصويا وهي تساعد كثيرا على خفض الكوليسترول والدهون في الدم والنوع الثاني موجود في الأسماك (أوميجا 3) وهي أيضا مفيدة في هذا المجال فيما عدا الأسماك الصدفية مثل الجمبري والإستاكوزا التي تحتوي على نسبة عالية من الكوليسترول. أما الكوليسترول في حد ذاته فهناك بعض الأغذية التي تحتوي على كمية كبيرة منه، ويجب تفاديها مثل اللحم الحيواني والبيض والكلاوي والكبد والقلب والمخ والصدفيات من الأسماك ودهن الطيور واللحوم المصنعة (السجق والهامبورجر).

هناك بعض الأدوية التي تفيد في خفض نسب الكوليسترول والدهون في الدم إذا رأى الطبيب حاجة لذلك، ومنها الكوليستيرامين والكوليستيبول واللوفاستاتين والبرافاساتانين وحامض النيكوتينيك ووجيمفيبروزيل وغيرها، ويبقى السؤال: هل تتحسن حالة الشرايين المتصلبة؟

لقد أثبتت الأبحاث عن طريق فحص الشرايين في حيوانات التجارب، وكذلك في الإنسان - عن طريق حقن الشرايين بالصبغة وقياس حجمها - أنه من الممكن أن يحدث تحسن ملحوظ في حالة الشرايين بعد تنظيم الغذاء وتناول الدواء، كما أن فرصة الإصابة بالأمراض الناتجة عن تصلب الشرايين تقل بنسبة كبيرة وخاصة إذا نجحنا فعلا في خفض نسب الكوليسترول والدهون قليلة الكثافة مع رفع نسبة الدهون عالية الكثافة، وتقل بالفعل أمراض الشريان التاجي وأمراض شرايين المخ، وبذلك يمكن أن نقي الإنسان من شرور الكثير من أمراض العصر التي تهدد صحته وحياته.

أسامة عبدالعزيز مجلة العربي يناير 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016