مختارات من:

بلجراد على أبواب الفراق الصعب

محمد المنسي قنديل

يبدو أن الانقسام هو قدر يوغسلافيا المحتوم. انقسام حاد في يوغسلافيا المحتوم. انقسام حاد في التضاريس بين السهول المنبسطة والجبال الوعرة، وانقسام في الموقع الجغرافي، وضعها في المركز الحرج الذي يتصارع فيه الشرق مع الغرب، وانقسام في القوميات بلغ 20 جماعة أقلية وعرقية، وانقسام في اللغة: حوالي 14 لغة ولهجة، وانقسام في الدين، بل وفي الطبائع البشرية ذاتها.

عاشت يوغسلافيا تجربة الدولة الموحدة منذ 74 عاما، ولكن من الواضح أن هذه الأعوام لم تكن كافية لخلق ذلك التجانس بين أبناء الوطن الواحد، وظلت الدولة - التي تكونت من ست جمهوريات ومقاطعتين - حلما هشا ما إن هبت عليه رياح التغيير العاصفة حتى أزاحت رماد التماسك، وظهرت تحته شقوق العصبيات الغائرة، وتأججت نيران الثأر القديمة التي كان الجميع يحسبون أنها قد خمدت وتحول أبناء الوطن الواحد إلى حالة من العداوة البالغة القسوة.

جواسيس وسط الجبال

كنا- أنا وزميلي المصور - وسط ممرات الجبال الوعرة في منطقة "مونتي نجرو" أو الجبل الأسود، بعيدا مئات الأميال عن أماكن القتال بين الصرب والكروات، وكانت سيارتنا تلهث وهي تواصل الدوران فوق قمة الجبل الذي يبلغ ارتفاعه حوالي 2000 متر فوق سطح البحر، عندما وجدنا سيارة حمراء "فان" تتابعنا في إلحاح، لم نهتم بها ونحن نحاول التركيز مع كلمات الدليل الذي يرافقنا، وهو من أهل المنطقة، لم نفطن إلى أن هناك سيارة أخرى بيضاء قد انضمت إليها واندفعت السيارة الأولى في سرعة وسدت الطريق أمامنا.

استطعنا التوقف بصعوبة بالقرب من الحافة الوعرة، وهبط ثلاثة من الرجال الضخام وهبط مثلهم من السيارة البيضاء التي سدت الطريق من الخلف، أحاطوا بنا في دائرة محكمة وهم يصيحون في غضب ويلوحون بقبضاتهم الضخمة، لم نكن نفهم حرفا من اللغة "الصربوكرواتية" التي يصيحون بها، ولكن إشارات السخط كانت واضحة الدلالة، شعرنا بالخوف، وأخذ الدليل يتحدث إليهم في هدوء مشيرا إلينا وإلى السيارة وإلى الشارة الموجودة على صدره، والتي تؤكد وظيفته الرسمية كدليل سياحي، ولكن كلمات الغضب ظلت محتدمة، كان من الواضح أنهم لم يصدقوا كلماته، التفت إلينا وطلب منا أن نخرج جوازي سفرنا، قدمناهما لهم فأخذوا يقلبون أوراقهما، ثم هدأوا فجأة وأعادوا إلينا الجوازين، ولكنهم لم ينسوا أن يلوحوا بعدة كلمات تحذيرية للدليل قبل أن ينصرفوا.

عدنا إلى السيارة ونحن نحمل في داخلنا مخاوف المطاردة، وسألنا الدليل عن معنى ما حدث فقال في لجهة مقتضبة:

إنهم أناس مجانين.

لم تشبع إجابته فضولنا، رفضنا أن تتحرك السيارة قبل أن نعرف ما حدث، قال أخيرا في ضيق:

لقد كانوا يحسبوننا جواسيس.

صحنا - أنا وزميلي - في دهشة: جواسيس؟!!

قال: أجل، إن لوحات سيارتنا المستأجرة مسجلة في مدينة "لوبيانا" عاصمة جمهورية سلوفانيا التي أعلنت انفصالها، إنها أرقام قديمة، وكان هذا أمرا عاديا عندما كنا دولة واحدة، أما الآن فكل شيء يدعو إلى الشك والريبة.

وكان أمرا مثيرا للسخرية أن يعلن الجواسيس عن هويتهم في لوحات أرقام السيارة، ولكن سوء الظن والاتهامات المتبادلة وحالة الحرب الدائرة جعلت الجميع يعيشون في مناخ من العداء والشك. تحولت أرض الوطن الواحد التي كانت تتداخل فيها المصالح والأنساب إلى مناطق محرمة تفصلها الحواجز والحدود. امتلأت المنطقة بمشاكل الأقليات الخائفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في غير أوطانهم، وتحولت العيون التي تعودت على رؤية الغرباء إلى محاكم تفتيش ترصد أي هفوة. أدركنا أننا - دون أن ندري - نخوض في إحدى نقاط الغليان في العالم، وأن يوغسلافيا القديمة قد ماتت، وأن حقائق جديدة تفرض علينا نفسها.

ولكن.. ألا يمكن أن نبدأ من بداية رحلتنا إلى بلجراد؟

الذاكرة العنيدة

كان الفجر شاحبا، والضباب يخفي معظم المعالم الأساسية للمدينة. كل شيء كان هادئا كأنها لحظة الخلق الأولى، ولكن سائق التاكسي الذي أقلنا إلى الفندق انتهز الفرصة وعرض ثمنا مرتفعا للغاية بلغ ثلاثة أضعاف السعر العادي، ولم يكن أمامنا إلا أن نقبل. على أي حال فهذا دأب كل السائقين في كل مطارات العالم.

ورغم ذلك، ورغم أنه لم يكن يجيد التحدث باللغة الإنجليزية فقد أصر على أن يتحدث في السياسة التي أصبحت تفرض نفسها على الجميع في يوغسلافيا. كانت هناك وساطة أوربية على وشك الفشل، ووقف جديد للنيران يوشك أن ينهار، وبلجراد تقف على أبواب الفراق الصعب وتدخل في متاهة غامضة تلفها مثلما يلفنا ضباب هذا الصباح البارد.

"إنها شعوب عنيدة الذاكرة، ترفض أن تنسى وأن تتسامح وأن تبدأ من جديد.." هكذا قال لي البروفيسور تومسيسفتش أستاذ التاريخ بكلية العلوم والفنون في بلجراد. كان يحاول أن يشخص حالة الجنون التي انتابت تلك الشعوب السلافية التي يعود إليها أصل قوميات يوغسلافيا المختلفة. كان يؤكد أن هذا الانفصال ضد مصلحة الجميع، وأن الجميع يعرفون ذلك، ومع ذلك يمضون في هذا الطريق بكل إصرار.

بلجراد هي العاصمة المركزية لكل يوغسلافيا، وهي عاصمة أكبر جمهورياتها "صربيا" التي كانت نواة الوحدة. الجمهورية التالية لها هي "كرواتيا" وعاصمتها "زغرب" هي الطرف الثاني في الحرب الدائرة الآن منذ يونيو الماضي، ثم سلوفانيا وعاصمتها "لوبيانا"، وقد أعلنت هي أيضا انفصالا هادئا لم تعترف به الحكومة الاتحادية بعد، ولكنه يأخذ شكله الواقعي ويتأكد يوما بعد يوم. ثم جمهورية "البوسنة والهرسك" الإسلامية - أو البوشناق كما كان شيخنا الجبرتي يطلق عليهم - وعاصمتها سراييفو المدينة التي قادت العالم إلى الحرب العالمية الأولى، وهي تقع الآن بين حجري الرحى في الحرب الدائرة بين الصرب والكروات، وجمهورية مقدونيا وعاصمتها أسكوبيا.. مشكلتها هي أيضا معقدة، فالشعب المقدوني- يشبه الأكراد- موزع بين ثلاث دول كبرى هي اليونان وبلغاريا ويوغسلافيا، وإذا استقل القسم اليوغسلافي فسوف تبدأ المشاكل على حدود الدولتين الأخريين، وهو ما يحدث الآن بالفعل. وآخر هذه الجمهوريات وأكثرها هدوءا وفقرا هي "مونتي نجرو" "أو الجبل الأسود" وعاصمتها تيتو جراد. وكل مظاهر الاعتراض التي تبديها حتى الآن أنها تريد أن تغير اسم عاصمتها وتحذف اسم تيتو. بالإضافة إلى ذلك هناك مقاطعتان تتمتعان بالحكم الذاتي في ظل الاتحاد هما فوديفودينا وكوسوفا. هذه خلطة الناس والقوميات التي كانت تكون يوغسلافيا الحديثة، يوغسلافيا التي كانت تعني لنا الاستقلال عن هيمنة القوى العظمى وريادة حركة عدم الانحياز، تدفع الآن ضريبة الحلم الهش الذي لم يعش طويلا.

قبل أن نخوض في شوارع بلجراد المزدحمة بالمشاكل والناس كنا نريد أن نرى المدينة في كتلة واحدة مجتمعة، أن نرى تلك العلاقة بين الكتلة الساكنة وسط السهول والغابات والفراغ الذي يحيط بها. إنها الطريقة المثلى كي تأخذ فكرة عن الشكل العام للمدينة، فحتى بعد أن تخوض في تفاصيلها الصغيرة، وتضيع وسط حواريها الضيقة، يبقى لديك يقين داخلي أنك تعرف الحدود التي تتجول فيها.

صعدنا إلى قمة جبل "أفالا" على حدود بلجراد. كانت طرقه الملتوية تخوض وسط غابات أشجار الصنوبر العملاقة الزاهية الخضرة. كان هذا الجبل هو أعلى قمة في منطقة الصرب كلها. يجعلك سكون الغابة تشعر بالمهابة وأنت تجوس خلالها وتنتهك صمتها. وبدت أمامنا بلجراد غارقة وسط الضباب الأخضر، سقوفها المكسوة بالقرميد الأحمر تتلقى قطرات المطر فتضفي عليها حزنا من نوع خاص. إنها عنوان للمدن القديمة التي تلقت كل أنواع الضربات وجربت كل صنوف الغزاة، منذ أن كانت حصنا بناه الرومان على حافة نهر "السافا" وأطلقوا عليه اسم "سبنجردونوم" وحول هذا الحصن بدأت نواة المدينة.

من المؤكد أنه قد مات

كان وجه ستيب ميسييتش الرئيس الاتحادي ليوغسلافيا يطالعنا من خلال شاشات التليفزيون، حزينا ومليئا بالتجاعيد ولكنه صارم.. "لقد ماتت يوغسلافيا وعلى العالم أن يتعامل مع هذه الحقيقة الجديدة.."

كنا في شارع "مارشالاتيتا" أو المارشال تيتو أكبر شوارع بلجراد وأكثرها ازدحاما بحركة الناس والسيارات عندما رددت هذه الكلمات وأدركت معها أن هذه هي لحظة موت جوزيف بروز تيتو الحقيقية.

وسط الغابة السوداء في المنطقة الجنوبية من المدينة يوجد ضريح تيتو.. نفس المكان الذي بدأ منه ثورته وهو يستعد لمقاومة جحافل النازي. نفس المكان التقليدي الذي بدأت منه كل ثورات الصرب. ولكن تيتو لم يكن من الصرب، كان من كرواتيا، وهذا أحد أسرار عظمته، فقد جعل من نفسه رمزا لكل الدولة وليس لقومية بعينها.

كان القبر الرخامي ممددا عاجزا محفورا عليه بأحرف مذهبة تاريخي الميلاد والموت (1892- 1980) وما بينهما كانت حياة طويلة حافلة مليئة بالانتصارات والهزائم المرة يقف أربعة من الحرس يرتدون الأزرق والأبيض والأحمر- نفس ألوان العلم - صامتين، جامدي الوجوه، لا يتحركون إلا كل ربع ساعة عندما يأتي غيرهم من الحرس كي يأخذوا نوبتهم في الحراسة. وعلى امتداد الغابة تتناثر التماثيل الحجرية والطواويس وقطيع من الغزلان والسناجب، تتقافز كلها في هدوء احتراما لجسد الزعيم المسجى.

بجوار القبر يوجد البيت الذي تعود أن يلجأ إليه طلبا للهدوء وسط الغابات. من الواضح أنه كان صيادا ماهرا، أكد لي أحد المسئولين في خبث أنه كان يهوى صيد الحيوانات والنساء على السواء. ولكني شاهدت آثار صيده للعديد من الحيوانات، رءوسا لوعول معلقة على الحائط، وجلود دببة منشورة، والعديد من قرون الأيائل. وفي جانب من البيت في حجرة صغيرة لا تزال هناك ماكينة حياكة الأحذية التي كان يعمل عليها قبل أن يتركها ويحترف السياسة. ووسط المقتنيات الكثيرة - التي كانت تهدي إليه من جميع دول العالم - يوجد تمثال مصري قديم يمثل أوزوريس. تمثال أكسبه الزمن خضرة داكنة، من الواضح أنه كان رمزا للصداقة الوطيدة التي قامت ذات يوم بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر..

كان تيتو عندما بدأ أولى الخطوات من أجل بناء يوغسلافيا الحديثة يدرك أنه يحمل على كتفيه تاريخا طويلا موغلا في العداوات والخلافات بين القوميات المختلفة، كانت يوغسلافيا هي الخط الفاصل بين الإمبراطورية الرومانية الغربية التي تتحدث اللاتينية وتدين بالكاثوليكية، والإمبراطورية الرومانية الشرقية التي تتحدث الإغريقية وتدين بالأرثوذكسية وظل هذا الخلاف يمثل قاسما مشتركا بين الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك.

لا أحد يعرف من أين جاءت الشعوب السلافية التي استوطنت هذه المنطقة. ولا لماذا هاجرت من موطنها الأصلي. ولكن أغلب المؤرخين يعتقدون أنها جاءت من أحراج روسيا الباردة، هربا من الجوع وبحثا عن أرض خصبة، وليس هناك أفضل من ضفاف نهر "السافا". حاول الرومان إزاحة هذه الشعوب المهاجرة دون جدوى. فقد استقروا هم ورحل الرومان، وتمايز السلافيون إلى العديد من القوميات التي مازالت باقية حتى الآن.

كونت مملكة الصرب أول دولة مستقلة في منطقة البلقان، ولكنها كانت مملكة قصيرة العمر، فقد اجتاحتها الجيوش التركية التي غزت أوربا حتى وصلت إلى أسوار "فيينا" واختفت الشعوب السلافية الجنوبية من التاريخ لمدة ثلاثة قرون ونصف.

الخلاص من الحكم التركي كان طويلا وشاقا. وأقصى ما فعلته هذه الشعوب السلافية خلال هذا التاريخ الطويل أنها استبدلت سيدا بآخر. فبدلا من أن كانت الإمبراطورية العثمانية تحكمها كلها، أصبحت كرواتيا وسلافونيا تحت حكم الإمبراطورية النمساوية.

كان الحكم التركي- الذي أمسك الصرب بقبضة من حديد- قاسيا. أطلق اليد لجنود الانكشارية كي يعيثوا فسادا في بلجراد وما يحيط بها من مدن. وفي عام 1690 - وسط أتون الحرب بين تركيا والنمسا - هاجر حوالي 40 ألف صربي هربا من نظام الحكم التركي إلى أراضي كرواتيا، وأرسلوا إلى إمبراطور النمسا يسألونه السماح لهم بالإقامة، ووافق الإمبراطور سعيدا، فقد كان يريد أن يصنع منهم سدا في وجه أي غزو تركي للبلاد. من هذه النواة الصربية في أرض كرواتيا بدأت المشكلة التي تعاني منها يوغسلافيا الآن بعد حوالي 300 عام.

كانت الصرب هي أول من استقل، وهي أول من زرع حلم الوحدة بين المثقفين والشعراء السلاف، وقد استعمل تعبير "يوغسلافيا" للمرة الأولى عام 1839 بواسطة الصحفي الصربي تيودور بافلوفيتش. ولكن إمبراطور النمسا العجوز فرانز جوزيف لم يكن يرتاح كثيرا لوجود مثل هذه الدولة التي تزرع روح التمرد بين صفوف رعاياه. وعندما كان ابن أخيه وولي عهده الأرشيدوق فرانز فرديناند في جولة في مدينة سراييفو أطلق عليه شاب صربي متحمس النار. وانتهزت النمسا الفرصة وأعلنت الحرب على صربيا رغم كل الاعتذارات التي قدمتها، ولم تسكت بقية دول أوربا، فاندفعت هي الأخرى، ولم تنته هذه الحرب العالمية الأولى إلا وقد تقوضت اثنتان من أكبر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، واجتمعت الدول المنتصرة كي تلملم أشتات دول البلقان الممزقة وتصنع منها يوغسلافيا.

رغم الوحدة ظل التناقض موجودا. وظل مخفيا تحت وطأة ظروف ما بعد الحرب وحاجة القوميات الضعيفة إلى كيان أكبر يضمها. ولكن هذا التناقض برز بصورته المأساوية في أثناء الحرب العالمية الثانية، لقد رفض الصرب ألمانيا النازية منذ اللحظة الأولى، بينما كون الكروات حكومة موالية لهم، ومن بين المليونين إلا ربعا الذين قتلوا في المعارك نجد أن أكثر من 600 ألف قد قتلوا بأيدي إخوانهم. لقد كان الصرب الذين أقاموا داخل حدود كرواتيا منذ أيام الحكم النمساوي هم ضحايا النزعات الفاشستية التي نهضت بين الكروات. هذا الثأر لم ينس حتى الآن. وتلك المخاوف استيقظت بشدة لدى الصرب عندما أعلنت كرواتيا عن عزمها على الاستقلال في 25 يونيو الماضي. لقد رد الصرب وتحولت البلاد إلى مذبحة يتقاتل فيها الجميع، وبدا كأن إله الحرب قد اختار هذا الشعب التعس كي يطرح نفوسه عارية وصريحة في مواجهة المحنة.

كانت معجزة تيتو الحقيقية أنه استطاع أن يرتفع فوق هذه النزعات التعصبية، وأن يحول كل مشاعر الكراهية المضطربة نحو تحرير البلاد من الألمان، بل إنه لم يحارب الألمان وحدهم، ولكنه حارب فلول الجيش الملكي اليوغسلافي، وحارب المتعصبين الكروات والمتعصبين الصرب، وصنع من "البارتيزان" - أو الأنصار- أسطورة جديدة من أساطير الكفاح الوطني، خرج بيوغسلافيا من الحرب وقد حسب الجميع أنه قد صنع منها دولة حقيقية. ولكن يبدو أن المشاكل ظلت مستعرة تحت الرماد، بعد كل هذه السنوات تعتقد كل جمهورية أنها قد ظلمت وتم التجني عليها.

إنها جزء من ريح الديمقراطية التي عصفت بأوربا الشرقية كلها. كل قومية تعبر عن نفسها وعن مصالحها الاقتصادية الآنية. لا أحد يسأل نفسه ماذا سيحدث في المستقبل.. ماذا استفاد من الوحدة وما هو ثمن الانفصال؟ هل ستعلن القوميات نفسها دولا مبعثرة مستقلة، أم أنها سوف تبحث عن صيغة أخرى للوحدة في عالم لا يعترف إلا بالكيانات الكبيرة؟ مأساة يوغسلافيا أنها تواجه أسئلة ضخمة لا تعرف إجابات عنها.

من المؤكد إذن أن تيتو قد مات. لا لأنه يرقد في هذا القبر الرخامي، بل لأن القوة المركزية والتي كانت تجذب في فلكها كل هذه القوميات المتناحرة قد اختفت، وسقط النظام الشمولي، واختلطت أحاسيس التوق إلى الحرية بالمشاكل الاقتصادية بمحاولة التعبير عن الذات واستنشاق رياح الحرية. وهكذا تبقى كل أسئلة المستقبل بلا إجابة، ولعل القوميات التي تطالب بالانفصال الآن لم تسألها لأنفسها حتى الآن.

ثلاثة شوارع

حتى الآن لم نكن قد بدأنا جولتنا الحقيقية في شوارع بلجراد كي نشاهد إيقاع الحياة اليومية في المدينة. جذبتنا الحرب إلى الماضي البعيد.

كان هذا أوان الخريف، والأشجار المتناثرة أخذت لونها الذهبي وأخذت تتعرى ببطء من أوراقها القديمة، كان الجو مليئا بأنفاس الموت والميلاد الجديد، والمطر يهطل بطيئا أحيانا فيزيد من إيقاع الحزن الذي يخيم على كل شيء. في الحدائق يجلس العجائز في وهن فوق المقاعد المتناثرة بينما يلعب أحفادهم وسط أكوام الورق المتساقط. إنه خريف غريب مليء بالنذر، يلقي بظلاله على المدينة فيحول وهج الألوان إلى اصفرار الأفول.

شارع مارشالا تيتا مزدحم بالسيارات وبالبضائع الأوربية التي تفوق قدرة المواطن العادي. قالت لي محامية متزوجة من مهندس يعيشان معا في بلجراد: إن الأسعار تتسابق بمعدل غير عادي، وقد جاءت الحرب التي كنا نخاف منها.. فماذا يحدث في الأسعار؟.. الحرب تركت بصماتها على هذا الشارع.. صفوف السيارات الطويلة بلا نهاية أمام محطات الوقود. يقول البعض إن الدبابات الذاهبة للحرب لم تبق شيئا لأهل المدينة. وتؤكد الأخبار أن خط الأنابيب الذي يزود يوغسلافيا كلها بالبترول ويمر من خلال أرض كرواتيا قد تم إغلاقه، مارشالا تيتا لا يمثل روح المدينة بقدر ما يمثل حركتها التجارية ونشاطها السكاني وطراز العمارة فيها الذي يعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ولكن التلخيص الخفي لروح المدينة يكمن في شارع آخر هو "كنيز ميخالوفا" ، كأن شوارع المدينة التي تشبه بحرا متقلب الأمواج تستكين كلها أمام مدخل هذا الشارع. إنه موهوب للمشاة فقط لا تدخله السيارات من أي نوع، ويشق قلب المدينة القديم كأنه نهر بشري بالغ الحيوية والتدفق "كنيز ميخالوفا" أو الأمير ميخائيل يقف تمثاله في أول الشارع. ومهما تجولنا فلابد أن نعود إليه. إن البيوت المغطاة بالجص والمزينة بتماثيل القديسين والنوافذ التي تزحف على أفاريزها أغصان الزهر تهب نفسها للشمس وريح السهول. في هذا الشارع يعلو صوت البشر وتظهر لمساتهم الإنسانية. يسير الحمام متهاديا وسط أقدام المارة ويلتقط الفتات الذي ينزلق من بين أصابع الأطفال، وتميل البنات الجميلات على نوافير المياه المتناثرة فيبللن شفاههن وتتوهج خدودهن من فرط برودة الارتواء. ويقف المغنون الفقراء أمام واجهات العرض الزجاجية التي تعرض أغلى أنواع البضائع كي يعزفوا ألحانهم البدائية. مغنون من الغجر، حط بهم الترحال على أطراف المدينة، وأعطاهم الفن والبؤس مسحة من الرقة والدعة، فامتلأت أغانيهم بالشجن وكل تأوهات التجوال، لا يقطعها سوى التفاتة عيونهم وهي تتابع قطع العملة المعدنية حين تلقى إليهم. هناك إيقاع مجهول يسود الشارع كله، يتألف من هذه الألحان ومن وقع أقدام المارة ووجيب قلوبهم ومن تجوال الفتيات الذي لا ينتهي، مهرجان من الجمال الخالص بالغ الرهافة والتنوع. في عيونهم جميعا تلك النظرة الناعسة، وعلى وجوههن ذلك الشحوب الآسر الذي يغلف سحر المرأة بالغموض. ينسبن عبر الشارع يتأملن واجهات العرض ويتلقين نظرة الإعجاب، مكافأة خالصة. ويتسكعن أمام رسامي الرصيف، لعل نظرة شاردة تدفع بالإلهام إلى ريشته. إيقاع متداخل من الحزن والبهجة. فأنت ترى كل شيء . . وأنت تدرك أنك لن تحصل على شيء.

ثم نعود إلى تمثال الأمير المعدني الذي أعطي اسمه للشارع. يقف فوق جواده مشيرا إلى فراغ بعيد. كان أبوه هو الملك إسكندر الذي حكم يوغسلافيا في فترة قصيرة العمر قبل الحرب العالمية الأولى. عندما كان يزور فرنسا لقي مصرعه على يد شاب بلغاري متهور، وقيل إن المخابرات النازية هي التي حرضته على ذلك، ولفظ الملك أنفاسه تحت إحدى أشجار البلوط، وقامت زوجته الملكة بقطع كل أشجار البلوط الموجودة في قصره حتى لا يثير مرآها أحزانها.

في مارس الماضي عندما عمت بلجراد انتفاضة عارمة ضد حكم الشيوعيين القدامى، وتصدى رجال الشرطة للمتظاهرين، وقتلوا أحد الطلاب تحت قاعدة تمثال الأمير ميخائيل. من هذه اللحظة تحول التمثال إلى مزار يومي يؤمه كل أهالي المدينة كي يضعوا الزهور ويوقدوا الشموع. وعندما بدأت الحرب الأهلية تحولت الضحية الواحدة إلى عشرات الضحايا. وتكاثرت على قاعدة الأمير الصامت عشرات الصور والزهور والشموع الذاوية. الحرب تبدو هنا واضحة في نظرات الناس وهم يرقبون ألسنة اللهب ويتأملون علم الصرب القديم، وقد خرج فجأة وعلق تحت قدمي الأمير.

وقريبا من التمثال في كل مساء يجتمع أقطاب المعارضة ورؤساء الأحزاب الجديدة ويجتمع حولهم شباب المدينة، وتعلو صيحات الاحتجاج وتتداخل كل القضايا، الحرب والحرية والانفصال، وتوزع المنشورات والخرائط الجديدة. وجه آخر من وجوه الحرب بين الصرب والكروات، حرب الخرائط: كل بلد يرسم الحدود التي يراها من حقه ويقتنص بها أرض البلد الآخر . . الصرب يريدون أرضهم بالإضافة إلى الأرض التي يقيم عليها الصرب في كرواتيا . . والكروات يرون أن الصرب قد بالغت في رسم حدودها.. والحقيقة أن الحدود مختلطة تماما كاختلاط الأجناس، وانتزاعها سوف يكون غالي الثمن . . قال لي زعيم حزب "إعادة البناء" وهو أحد أحزاب المعارضة الجديدة .. "لن يحكمنا الشيوعيون بعد الآن، كل بقايا الحكومة الموجودة الآن سواء في صربيا أو كرواتيا هم من بقايا الحرس القديم، وقد افتعلوا هذه الحرب كي يحولوا الأنظار عن المشاكل الداخلية".. بعد آخر من أبعاد الحرب الغامضة.

ولكن كان يجب أن أترك شارع كنيز ميخالوفا كي أذهب إلى الشارع الذي عشقته بحق دون شوارع بلجراد كلها.. شارع هادئ وضيق وعتيق، يأخذك فجأة من وسط ضجيج العاصمة. شارع "سكادرليه" أو الشارع البوهيمي كما يطلقون عليه. شارع يحتويك في نعومة وينقلك إلى الماضي البعيد، تغطي أرضه الأحجار السوداء الصغيرة وتتلاصق فيه البيوت الواطئة، وتتناثر فيه المطاعم التقليدية، ويعرض الفنانون لوحاتهم للبيع، وتتناثر على جدرانه أبيات القصائد. في اللحظة التي رأيته فيها كان موحشا وخاليا، ممسكا بلحظة من الزمن مرت دون عودة. من أجل ذلك وقعت أسيرا له، ثم عرفت بعد ذلك أنه كان الشارع المفضل لكل الشعراء والأدباء الحالمين الذين كانت تفزعهم ضجة المدينة. في أحد بيوته عاش واحد من أشهر شعراء الصرب وأكثرهم رومانسية، هو ديورا جاكفيتش الذي مات في عام 1878 بعد أربعين عاما من العذاب . . كانت أشهر أبيات شعره والتي مازالت محفورة على لافتة من الرخام عند مدخل المنزل:

"لقد شربت كثيرا من الشراب المر
وغمست كثيرا من قطع الخبز بدموعي"

حياة قصيرة وحزينة، سكن خلالها الشارع البوهيمي لمدة خمس سنوات ثم انتهى به الأمر مريضا بالسل، ولم ينل التكريم الذي يستحقه إلا بعد وفاته كما يحدث دائما.

القلعة وطبقات الزمن

مثلما اختار الأديب اليوغسلافي الكبير "ايفو أندريتش" ذلك الجسر المقام فوق نهر درينا كي يروي من خلاله حركة الناس عبر ذلك الزمن الممتد، فإن قلعة بلجراد يمكنها أن تقوم بهذا الدور كشاهد من شواهد التاريخ.

قلعة الميدان.. أو "كلميجدان" نفس إيقاع الاسم بالعربية. تتراكم فيها طبقات الزمن وتتداخل شواهد العصور، كل الغزاة الذين مروا تركوا جروحا غائرة. ميراث من الزهو والسقوط، حفظته الأحجار في صمتها المهيب، وامتدت أسوار القلعة من قلب المدينة حتى حافة النهر، تحت أسوارها يلتقي نهر الدانوب بعد رحلة طويلة في ربوع أوربا كي يذوب في نهر السافا الذي يقسم بلجراد . واحد من أروع مناظر القارة الأوربية.

وبين الأسوار توجد أدوات الحكم والتسلط التي تقوم بها أي قلعة، القصر والسجن والمدفع، والسجن هو أقدم هذه الآثار على الإطلاق. يحمل آثار العصر الروماني الذي مر على المدينة. قبو قديم غائض، أضاف إليه الأتراك مزيدا من الأقبية، تفوح منها رائحة الطحالب القديمة وبقايا الأرواح التي لم تعرف طريق الشمس. وفي الركن الشرقي توجد بقايا القصر. إنها أكثر من قصر ومن برج، في وسطه نافورة محمد باشا آخر من حكم المدينة من جنود الإنكشارية. كان يجلس أمامها ويرقب التقاء النهرين ويدخن الأرجيلة ويشاهد الرقصات الصربية. وفي الجانب الغربي يمتد متحف حربي مفتوح، يضم العديد من الأسلحة والذخائر، بقايا الحرب العالمية الأولى، تلك الحرب الشرسة التي خاضتها مملكة الصرب ضد الإمبراطورية النمساوية العجوز.

ولكن القلعة لا تحتلها أصوات الماضي فقط، إن الحاضر يحاول أن يجد لنفسه مكانا بين جدرانها، خلف بوابتها تجلس النسوة العجائز، يغزلن الخيوط ويصنعن المفارش والشراشيف، يضيعن في الغزل ساعات عمرهن القليلة المتبقية كأنهن يصنعن من الخيوط عالما خاصا بهن غاية في التناسق والجمال ثم يفرشنها على الأرض أمام الأعين لعل هناك من يدفع ثمنا لكل هذه الساعات الضائعة.

شباب المسرح في بلجراد أخذوا أيضا جانبا من القلعة، كانوا يقدمون في الهواء الطلق أحد عروضهم التجريبية مستغلين جدران القلعة كديكور حي، كانوا يقدمون رؤية جديدة لمسرحية قديمة هي "ميديا" تلك المرأة التي دفعتها الغيرة العمياء إلى أن تقتل أبناءها. كانت تقوم بالدور سونيا فيكوسيفيتش وهي من أشهر ممثلات يوغسلافيا في أداء صامت يجمع بين الرقص والحركات الإيمائية، ويجسد المعنى الرمزي الذي تحاول المسرحية أن تقوله في هذه اللحظة الراهنة وهي تدين يوغسلافيا الأم التي تقتل أبناءها دون ثمن، إن مأساة ميديا القديمة لا تنتهي كما قالت لي سونيا.. وهي تحاول من خلال الثياب السوداء التي ترتديها ومن رحلة الندم الطويلة أن توقظ الجميع على بشاعة الحرب التي يخسر فيها الجميع ولا يفوز فيها أحد. إن الحرب تلاحقنا في كل مكان نذهب إليه في بلجراد.

الحرب في قلب بلجراد

كان ياسين الرواشدة مراسل وكالة الأنباء الكويتية في بلجراد هو الذي أيقظنا في الصباح المبكر وهو يهتف في لهجة صحفية مثيرة:

لقد وصلت الحرب إلى قلب بلجراد.

خبر مدهش وغير قابل للتصديق. فالأنباء تقول إن الجيش الاتحادي هو الذي يتقدم إلى قلب زغرب عاصمة كرواتيا. هبطنا مسرعين من الفندق، وكان من الصعب أن نشرح لسائق التاكسي الذي لا يفهم الإنجليزية أين نريد أن نذهب. فأخذنا نعدو على أقدامنا فوق شوارع بلجراد المبللة بندى الليل، تهنا قليلا، ولكننا استطعنا أن نصل إلى مبنى البرلمان الاتحادي بقبابه الخضراء. كانت سيارات الشرطة تحاصر المكان وصفارات عربات الإطفاء تدوي وبدت أكثر من سيارة مصابة على جانبي الطريق والمارة يتجمعون بينما يحاول رجال الشرطة إزاحتهم عبثا. في وسط كل هذه الأشياء كانت الدبابة التي أثارت كل هذا الاهتمام واقفة. إحدى دبابات الجيش الاتحادي تركت جبهة القتال واخترقت شوارع المدينة النائمة ورفعت مدفعها أمام مبنى البرلمان. حاول زميلي أن يصور ما يحدث ولكن رجال الشرطة منعوه في عنف، كان وجه الجندي الذي استطاعت الشرطة إقناعه بالخروج من الدبابة شاحبا ومذعورا.. أعلن فيما بعد أنه من الغجر - قومية فقيرة ليس من حقها الاحتجاج - خلع الخوذة فبدا أصغر سنا. لم يدخل بعد معترك الحياة وإن كان قد وجد نفسه فجأة في أتون الحرب، وكان جسده أشد ضآلة من الثياب العسكرية التي يرتديها، فأخذ جسده يتأرجح فيها، ظلت الدبابة تقف صامتة رافعة مدفعها أمام القباب القوطية. مرثية بالغة الدلالة من الحديد والصلب.

كان الغجري البسيط يقدم احتجاجه عن حرب لا يفهمها، فالحرب قد بدأت بين الصرب الذين يقيمون على أرض كرواتيا وأهالي كروات، كان الأولون يرفضون الانفصال، لا يريدون أن يعيشوا أقلية ويتعرضوا بذلك للاضطهاد والمذابح التي تعرضوا لها خلال الحرب العالمية الثانية. وكان الآخرون (الكروات) يريدون استقلالا كاملا دون أن ينتقص من حدودهم شيء. ولأن نزعات التطرف كانت عالية فقد انخرط الاثنان في قتال ضار.. وتدخل الجيش الاتحادي ليفصل بين المتحاربين فإذا به - بقيادته الصربية - ينضم إلى صالح الصرب.

كل يوم كانت بقية القوميات تعلن استياءها الشديد من جرها إلى حرب لا يريدون أن يخوضوها، جمهورية مقدونيا أعلنت أنها لن تسمح لأبنائها في الجيش الاتحادي بالقتال وطلبت منهم الانسحاب وعدم إطاعة الأوامر، أما جمهورية البوسنة والهرسك فقد كانت في موقف لا تحسد عليه، فالموقع الجغرافي يفرض عليها أن تمر كل القوات المتقاتلة من أراضيها وبين رفضها للصرب واتهامات الكروات لها بالتواطؤ تهز مشكلتها الحقيقية، وهي تحاول بلا جدوى ألا تكون طرفا في الصراع.

والمشكلة التي لا يصرح بها أحد أن الانفصال يضع صربيا في موقف غاية في الصعوبة، فهي تحس أنها قدمت الكثير من أجل الاتحاد، وتحملت أن يكون مؤسس الدولة من كرواتيا، ولكنها في الحساب الختامي اكتشفت أن كل الصناعات الثقيلة ليست على أرضها ولكن في كرواتيا وسلوفانيا.. وأنها بغيرهما سوف تعود بلدا زراعيا مثقلا بالديون، ولا أحد يعرف الآن من سيدفع "فاتورة" صندوق النقد الدولي الباهظة. إن صربيا تحاول أن تتعلل بوجود الأقلية الصربية. ولكن حتى لو حلت هذه المشكلة في إطار حكم ذاتي كما تقترح المجموعة الأوربية فلن تقبل صربيا. ورغم أنها لم تثر أي مشاكل مع سلوفانيا الآن فإن يوم الحساب معها آت لا محالة، ويكفي أنها سحبت منها كل معدات الجيش الاتحادي ولم تعطها "السدس" المتفق عليه عند التقسيم. صربيا لن تقبل التقسيم لأنها تحس أنها قد سرقت. أخذوا هم أفضل ما في الاتحاد وتركوا لها مشاكله الثقيلة بالإضافة إلى عدد من الجمهوريات الفقيرة عليها أن ترعاها وهي عاجزة حقا - بدون قوة عسكرية - عن رعاية نفسها.

عالم مضطرب وحرب مضطربة عندما ذهبنا إلى بلدة البشكابلانكا في منطقة "نوفي ساد" حذرونا من الاقتراب أكثر من ذلك لأن الجبهة متداخلة بشكل مرعب ولا أحد يعرف حدود الأرض التي يسيطر عليها الطرف الآخر. قال لنا رئيس المصورين في وكالة تايونيكا اليوغسلافية: "لقد شاركت في حرب كمبوديا ولكنها تعتبر مجرد "بروفة" لما يحدث هنا الآن.. ".

كل شيء يثير الرعب، الجيران الذين يعرف كل منهم أسرار الآخر تحولوا فجأة إلى أعداء، ورقد القناصة فوق البيوت، وتدفقت الأسلحة من لبنان ومن إسرائيل، وتدفق المرتزقة من كل الأحزاب المتطرفة. وتحول وسط أوربا إلى غابة بدائية تعيش تراجيديا الحرب بكل بشاعتها. وعلى الطريقة اليوغسلافية المعتادة كانت أرامل الحرب يحطن بنا في ملابسهن السوداء مثل الغربان الباكية، لا يهم أي موتى يبكين، فالخسارة واحدة.

لقد انصرف الجميع، وحمل رجال الشرطة الغجري مقيدا في إحدى سياراتهم وظلت الدبابة واقفة وحيدة أمام مبنى البرلمان، وانتظرت السلطات طويلا حتى حل الظلام ثم قامت بسحبها بعيدا.

محمد المنسي قنديل مجلة العربي يناير 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016