مختارات من:

الأغنية الدينية.. شوقي - أمّ كُلثوم نموذجًا

بشير عيَّاد

لا نستطيعُ تحديدَ التاريخِ الفعلي لبدايةِ الأغنيةِ الدينيّةِ ، ولكنْ لنتّفقْ ـ مجازًا ـ على أنَّ الحروفَ الأولى لهذا اللونِ من المديح أو الغناءِ الدّيني كانت أنشودة «طلعَ البدرُ علينا» التي قابلَ بها أهلُ المدينةِ رسولَنا الكريم ابتهاجًا بهجرتِهِ إليها.

كانَ أجدادُنا شعراءُ العصرِ الجاهلي بارعينَ في المديحِ، ولكنّهُ كانَ مقصورًا على القبيلةِ أو العشيرةِ، وكانَ يقابلُهُ الهجاءُ على الضّفةِ الأخرى، ومعَ دخولِ شعراءَ كثيرينَ في دينِ اللهِ، تحوّلوا بكاملِ وجدانهم إلى إعلاءِ كلمةِ الحقّ، والدّفاعِ عن دينهم، وصدّ غاراتِ الشعراءِ الكفّارِ الذينَ يهجونَ النبيَّ الكريم، وبدأت المعاني القرآنيةِ تشيعُ في الأشعارِ، وأصبحت هناكَ لغةٌ جديدةٌ تتسمُ بالإنسانيّةِ والرّقّةِ وكلّ ما جاءَت بهِ أوامرُ الدينِ ونواهيه.

وعلى امتدادِ التاريخِ الإسلاميّ، اتّخذ الغناءُ الدّيني ألوانًا شتّى، من القصيدةِ الفصيحةِ، إلى اللهجاتِ الدّارجة، ليصلَ إلى قمّةِ تطوّرهِ وتوهّجهِ في براحِ القرنِ العشرينَ، خصوصًا بعدَ إنشاءِ الإذاعاتِ الرسميّةِ التي أوجدت شكلاً مغايرًا للغناءِ الديني السائد، وانتقلت بالأغنيةِ الدينيّةِ إلى ما يتواءمُ والموسيقى العصريّة، ولم يقتصرْ دورُ هذه الأغنية على المديحِ النبويِّ فقط، ولكن راحت تدورُ دورة كاملة حولَ كلِّ ما في المُعجم الديني من أركان وفرائض وأوامر ونواهٍ، وتسابق الشعراءُ في اقتباس المعاني الدينية من الكتاب والسنّة، وأصبح للأغنيةِ الدينيةِ نجومُها، من شعراء وملحنين ومطربين ومطربات.

شوقي ـ السنباطي ـ أمّ كُلثوم

هذا الثلاثي هو مثلث «القمّة»، الكلمة، واللحن، والغناء. أحمد شوقي أوّلُ من نالَ لقبَ أمير الشعراءِ في العصر الحديث، ورياض السنباطي.. أمير النغم ومارد القصيدة المغنّاة بلا منازع، وأمّ كلثوم التي يضيقُ المجالُ عن حصر ألقابها أو وصفِ صوتها، أو التعبير عمّا أسدته للغتنا الجميلة بما غنته من شعر فصيح يقتربُ من مائة قصيدة لرموز الشعرِ العربي على مدار تاريخِه، ويشاءُ القدرُ أن يلحّن لها السنباطي مائة وثلاثة أعمال تميلُ الكفة فيها إلى الفصحى لتزيد عن العاميّة الدّارجة بثلاثة أعمال، ومن بين فصحى السنباطي أحد عشر عملاً (قصائد أو مقتطفات) من شعر أحمد شوقي (وكلّها بعد رحيلِه) منها أربعة من الشواهق الدينية.

سلوا قلبي

تجيءُ قصيدة «سلوا قلبي» كأوّل الأعمال الدينية التي غنتها أمُّ كُلثوم من شعر شوقي، وكانت المرة الأولى في فبراير 1946م، ثمَّ في ستة عشر حفلا بعد ذلك، وكانت المرّة الأخيرة في حفل أول يونيو 1967م، وكانت الأخيرة في غناء «الشوقيّات» في حفل عام.

القصيدة الأصلية «الأم» عنوانها «ذكرى المولد النبوي»، نُشرَت للمرّةِ الأولى في 16 يناير 1914م بجريدة «عكاظ» (المصريّة)، وتقع في واحدٍ وسبعين بيتًا، غنّت منها أمّ كُلثوم واحدًا وعشرين بيتًا منتقاة بعناية فائقةٍ، فمعظمُ الأبيات الخمسين الأخرى كان جديرًا بالغناءِ, إذ جاءت القصيدة مترابطة محكمة البناء بما يعني أن عملية الانتقاء والتوليف بين الأبيات كانت شاقة للغاية.

جاء الغناء للأبيات الستة الأولى، ثمَّ الحادي عشر، فالخامس عشر، فالسابع عشر، فالثامن عشر، فالخامس والعشرين، ثمّ قفزت إلى الثامن والأربعين، ثمّ أربعة أبياتٍ متتالية من الحادي والخمسين إلى الرابع والخمسين، وجاءَ الختام بخمسةِ أبياتٍ متتالية أيضا من الستّين إلى الرابع والستين:


سلوا قلبي غداةَ سلا وتابَا
لعلَّ على الجمالِ لهُ عتابَا
ويُسألُ في الحوادثِ ذو صوابٍ
وهلْ تركَ الجمالُ لهُ صوابَا؟
وكُنتُ إذا سألتُ القلبَ يومًا
تولَّى الدّمعُ عن قلبي الجوابَا
ولي بينَ الضلوعِ دمٌ ولحمٌ
هما الواهي الذي ثكِلَ الشّبابَا
تسرّبَ في الدّموعِ فقلتُ: ولّى
وصفّقَ في الضلوعِ فقلتُ: ثابَا!!
ولو خُلِقَتْ قلوبٌ من حديدٍ
لما حملَتْ كما حمَلَ العذابَا


استهلالٌ غزلي على نسقِ القصيدةِ العربيّةِ القديمةِ، تتألّقُ فيهِ الشّاعريّةُ في الأبياتِ الثلاثةِ الأخيرة التي يصفُ فيها الشاعرُ قلبَهُ، ذلكَ الواهي الضعيف الذي فقد شبابَهُ وأصبحَ قلبًا من هواء، ولشدّةِ وهنه وضعفِهِ يشكّ أنّهُ تسرّبَ في الدموعِ ولن يعودَ إلى الأبد، غيرَ أنّه يُفاجأ بهِ يخفِقُ بقوّةٍ فيهزُّ الضلوعَ ويجعلُهُ يفيقُ من غفوتِهِ ليقولَ إنّ قلبَهُ قد عاد مرّة أخرى، ومع إفاقتِهِ يبررُ لنا سببَ شكّهِ فيقولُ إنّ هذا القلبَ الضعيفَ قد تحمّلَ من العذابِ والآلامِ ما لا يمكنُ أنْ تتحمّلَهُ القلوبُ المخلوقةُ من الحديد.

بعد ذلك ينصرفُ الشاعرُ إلى الحكمِ والمواعظ، في متتالياتٍ طويلةٍ للتمهيدِ للمديح حتى يقولَ:


نبيُّ البرِّ بيَّنَهُ سبيلاً
وسَنَّ خِلالَهُ، وهدى الشِّعابَا


لكأنّهُ يقولُ إنَّ البِرَّ ـ وهو كلُّ خيرٍ أو عملٍ صالح ـ هو الأصلحُ في الدنيا والآخرةِ، وقد جاءَ مُحَمَّدٌ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم ليبيّنَ للناسِ سبيلَ الرشادِ ويخرجَهم من الظلماتِ إلى النور، ويسنَّ لهم القوانينَ والتشريعاتِ، ويهدي شِعابَهم ـ طرقَهم ـ لتكونَ شِعبًا، أي طريقًا، واحدًا.

إنّها المعاني والصورُ التي تتهادى في رفقٍ ويُسرٍ لتمهّدَ لمنطقةِ الذروةِ والتوهّجِ في القصيدةِ / الأغنية، تلكَ المنطقة التي حملتْ بيتَ القصيدِ الذي سافرَ في الزمنِ كحزمةٍ من الضَّوءِ، وأصبحَ مثلاً شائعًا نستلهمُهُ في الأيامِ الحالكةِ ـ وما