مختارات من:

هل غابت معايير الصدق؟

ممدوح عزام

في شهر يوليو الماضي وفي العدد رقم 500 نشرت مجلة العربي مقالا للدكتور عدنان مصطفى بعنوان "يا شباب العرب انتبهوا. أقبلت حضارة القنوع" تناول فيها - في معرض التدليل على رأيه - رواية "قصر المطر" من تأليف الكاتب السوري المعروف ممدوح عزام. وعملا بحرية النشر ورغبة من المجلة في إثراء الآراء حول الأعمال الإبداعية فإنها تنشر هذا الرد من مؤلف الرواية.

سأتغاضى تماما عن جميع الألفاظ النابية التي استخدمها عدنان مصطفى في مقالته، كما أنني لن أناقش أفكاره عن الفراغ، أو حضارة القنوع أو استشهاداته بنادي روما. وذلك لأنني لم أكن في أي يوم ممن ترهبهم الاستشهادات بالمراجع العلمية سواء جاءت من الولايات المتحدة الأمريكية "فكرة حضارة القنوع" أو جاءت من روما وناديها المحترم. وسوف أقتصر في نقاشي على الاقتباسات التي اقتطعها مصطفى من روايتي لأظهر للقراء الأعزاء المدى الذي يمكن لمن تخلى عن القيم المرتبطة بالأمانة العلمية أن يصل إليه، وهو مدى - كما سيرى الجميع بعد قليل - ينم عن تساهل أخلاقي خطير واستهتار مريع بالمبادئ الأولية البسيطة والعادية التي يفترض بأستاذ في الفيزياء وبوزير سابق أن يكون حاملا لها. ويزداد الأمر بشاعة أنه يدعي الدفاع عن أخلاق أمة كاملة ولا يتورع عن إظهار اندفاعه للبحث عن أوراق عربية بيضاء في الوقت الذي يسمح فيه لنفسه بأن يفتري على رواية من "645 صفحة" باقتطاع ما لا يزيد على مجموعه عن صفحة واحدة وتفسيرها على هواه دون أي احترام لعقول القراء وتفكيرهم.

يقتطع عدنان مصطفى النص التالي: "لقد تعلم كامل كيف يصمت طوال الشهور التي رافق فيها ذلك الرجل المسمى بهاء الدين "وهو اسم قائد الثورة من بني معروف" - تعليق: هذا الاسم من إبداع الروائي وليس اسماً لقائد الثورة - إذ كان الصمت رسالة الثقة الوحيدة لفرسان جوالين وسط عالم جانح مختل" ثم يلحقه بالتفسير العجيب التالي: "يريد المؤلف إظهار أبطال الثورة السورية، على شاكلة دون كيشوت الذي حارب طواحين الهواء" كيف يمكن تفسير الصمت على أنه دون كيشوتية؟ علما أن هذه الفقرة تشير إلى تحركات الثوار الذين كانوا يناهضون قوة محتلة عاتية، وقد أصبح وضع الثورة حرجاً، وهذه حقيقة حياتية وروائية في آن معاً.

وإذا كان التاريخ يقول بذلك فلا تستطيع الرواية أن تدعي عكسه. وقد كان الصمت ضرورياً، بمعنى أنه لحظة حماية أو موقف دفاع ضد عالم جانح مختل، مؤكدا أنه كان عالما جانحا مختلا. ويمكنني أن أضيف عشرات المفردات من هذه العائلة للدلالة على ذلك العالم الذي منحت فيه دولة استعمارية عظمى، وهي فرنسا، الحق في احتلال بلادنا وتدمير قواها الإنسانية. أهو عالم متوازن؟ ومن هو كامل؟ إنه واحد من الفلاحين الذين لاقوا الاضطهاد على يد قوتين، إحداهما هي الإقطاع المحلي الظالم، وثانيتهما هي قوة فرنسا المحتلة العاتية. وقد اضطر للفرار من بلدته بسبب الظلم فاصطحب عائلته وهاجر إلى خربة أثرية قديمة، ومن هنا انضم إلى صفوف الثوار الذين يقودهم قائد سمته الرواية بهاء الدين. وهنا أقول إن عدنان مصطفى لم يقرأ الرواية كاملة بل استعان بمن قدم له مقتطفات، أي مقتطفات وراح يفسرها على هواه. فبهاء الدين اسم روائي سميت به أنا وحدي القائد داخل النص وذلك في محاولة لخلق معادل فني وروائي للشخصية الواقعية التي تتغير لتصير شخصية فنية تسمح للرواية - وهي متخيل حكائي بالدرجة الأولى - بأن تحرك الشخصيات داخل نص لا يرتبط بالزمان أو المكان الحقيقيين ارتباطاً آلياً.

الاستشهاد الثاني أكثر غرابة وأشد دلالة على أن الأستاذ مصطفى خان الأمانة وإليكم الدليل، يقول: "إظهارا لرغبة من قدم رواية قصر المطر في الدوس على حس الانتماء الوطني نتبين ضمن التفكير الذاتي لأحد أبطال الثورة السورية على الاستعمار الفرنسي ما يلي: "رأى أن كل ما حدث ليس سوى مسخرة وخسارة، وشعر بالحزن على أولئك الذين ماتوا. اشتاق لعلي الشامي وحنا البيطار وذوقان سلام وأحمد الجزار والمقداد الكبير" تعالوا شوفوا من يلي ربح، ألا يكفي هذا يا مقداد؟

تفسير افترائي

أما النص فهو مأخوذ من الرواية فعلا لكن التفسير الافترائي واضح إلى درجة تدل على أن من قام به لا يردعه ضمير مهني. فالشخصية التي يعنيها عدنان مصطفى ليست من أبطال الثورة (وفكروا معي الآن أنه يعترف بأن الرواية قدمت أبطالا في الثورة السورية، فكروا في حجم التناقض الذي يمكن لشخص أن يقع فيه وهو يدعي أن رواية تبشر بحضارة القنوع، وتقدم أبطالا في الثورة في آن واحد). أقول: إن الشخصية التي يعنيها مصطفى إنما هي شخصية راو عاش تقريبا في بداية عهد الاستقلال أو بالتحديد في زمن الانقلابات العسكرية. وقد استخدمت الرواية تقنية تناسخ الأرواح لتجعل هذا الشخص واسمه حسان يتذكر كل ما حدث في الماضي ليقيم مقارنة مع حاضر وجد فيه بضعة طغاة من العسكر يستولون على السلطة ويجيرون بطولات الشعب لمصلحتهم. وهكذا يقف ليتساءل عن دماء الشهداء الذين ذكروا في الاستشهاد السابق. "وهم شخصيات متخيلة وليسوا شخصيات واقعية يا أستاذ مصطفى". كيف يمكن أن تكون قد ذهبت هدراً؟ ولعل الدكتور يعرف ماذا فعل أحد الطغاة من العسكر الذين حكموا سوريا بعد الاستقلال بأبناء المنطقة التي شهدت نشوب الثورة السورية الكبرى. وإذا كان لا يعرف - وهو يعرف - فأنا على استعداد لتذكيره بها وسوف أسمي له من قتل ومن طورد بمن فيهم سلطان الأطرش نفسه. فما الذي يقال عن هذا؟ ألا يحق لشخصية روائية أن تتألم وتأسى لأن تكون دماء الشهداء قد ذهبت هدراً.

ويبلغ الافتراء حده الأقصى عند عدنان مصطفى حتى يقطع الاستشهاد عند العبارات التالية: (ما عليك إلا أن تحمل معك مثلما تحمل السلحفاة صندوق ذكرياتك وصبوات الماضي وسفر الأحبة واختفاء أشقائك وأنجالك وتيجان حبك. ما عليك إلا أن تصمت وتسير راضياً قانعاً بما صار). يضع مصطفى ثلاث نقاط دون أن يذكر الكلمة التي جاءت بعد هذه الجمل المعذبة، وهي موجودة في الصفحة "639" من الرواية طبعة وزارة الثقافة السورية وتبدأ من فقرة جديدة، هكذا "مستحيل" قال لنفسه) إذ كان يواصل التفكير في أنه لا يمكن أن يستسلم لفكرة الهزيمة النهائية دون أن يخفي تشاؤمه مما وصلت إليه المصائر. لماذا يتجاهل عدنان مصطفى هذه الكلمة ألا يشبه هذا عبارة "لا تقربوا الصلاة" وأين الأمانة العلمية؟ أين أخلاق العالم والوزير؟

أما أن روايتي وضعت في موقع أدبي متقدم فهذا صحيح. فقد قدمت جريدة الثورة ملفا كاملا عنها استمر من 15 فبراير إلى 20 منه عام 2000 كتبت فيه خمس مقالات وأجري معي حوار طويل حول الرواية. أما عن جوقة المصفقين الذين وضعوه بكل "سذاجة/ خبث" كما يدعي السيد مصطفى في هذا الموقع المتقدم فسوف أقدم للسادة القراء بعضا من أسمائهم ومقتطفات من كتاباتهم عن الرواية، فقد كتب الشاعر شوقي بغدادي يقول: "إن تاريخا حيا ينفتح بأكمله أمامنا في "قصر المطر" كي نرى بيئة لا نعرفها فإذا بنا نغدو من أهلها وإذا كان فن الرواية كما قالوا هو ملحمة العصور الحديثة فمما لا ريب فيه أن "قصر المطر" هي إحدى الروايات العربية القليلة التي تتجلى فيها سمات الفن الملحمي العريق من دون أن تفقد خصائصها كرواية معاصرة ". وكتب الروائي جمال الغيطاني: "إنها لوحة لحياة خصبة ثرية انطلقت من واقع محدد ولحظة زمنية لتعبر عن الإنسان في أزمنة شتى.. هذه الرواية الملحمية، رواية المصائر ألقت النظر إليها فقط كعمل أدبي يشكل إضافة إلى الرواية العربية". وكتب الروائي يوسف القعيد يقول: "وقصر المطر ليست الرواية الأولى لممدوح عزام وهي نص روائي ضخم يقع في أكثر من ستمائة صفحة من القطع الكبير، وفي الرواية الجميلة المدهشة نفس ملحمي ودنيا بكر لم نجدها من قبل سوى في هذا النص". وكتب الروائي فيصل خرتش: "يلقح الكاتب أحداث الثورة ويومياتها ببطولات أسطورية قام بها سكان الجبل وقد تجلت الوحدة الوطنية في دفاع الجميع عنها بجميع أديانهم ومعتقداتهم وهذه نقطة إيجابية تضاف إلى النقاط الكثيرة لصالح الراوي وروايته". وأضاف فيصل: "ممدوح عزام لا يفصل الاجتماعي عن السياسي بل يندغم بهما ليقدم رائعته قصر المطر الملحمة الوطنية سجل نضال شعب يريد الحرية". وكتب القاص خطيب بدلة يقول: "الجد المحارب كان اسمه صلاح الدين. في أقصى اللجاة ظهر محارب عتيد اسمه بهاء الدين" وكان عنوان مقالته من صلاح الدين إلى بهاء الدين والحرب مستمرة. وكتب القاص إبراهيم صموئيل: "وفي اعتقادي أن ممدوح عزام قد حقق في عمله الضخم هذا لا ملحمة الناس في مواجهتهم للأقدار والطبيعة والأعداء بل ملحمة الكتابة مفردة مفردة وجملة جملة ومقطعا مقطعاً. وكتب الشاعر بيان الصفدي: "قصر المطر رواية مكان وإنسان فهي شديدة الحفاوة بالأرض التي تدور الأحداث فوقها، وهنا يقدم ممدوح عزام عملا ناضحا بالإخلاص للدم الذي سال والدموع التي ترقرقت والآمال التي اضطرمت في القلوب". وسوف أشير إلى دراسة موسعة قدمها الدكتور فيصل دراج في الندوة التي عقدت بين 26 / 27 مايو 2000 في المعهد الفرنسي بدمشق عن الرواية السورية بعنوان: "الرواية والتاريخ قصر المطر نموذجا". وأشير إلى الدراسة التي قدمها الدكتور قاسم مقداد في الندوة ذاتها عن قصر المطر بين الواقع والتخيل. وهذا بعض من المقالات والمراجعات التي كتبت في معظم الصحف العربية لنقاد أشادوا جميعاً بجماليات العمل ومضمونه الإنساني وموقفه الممجد لبطولات الشعب.

هؤلاء هم "جوقة المصفقين" وليتفضل السادة القراء بالمقارنة بين السمعة النضالية والإنسانية والموقع الفكري والتأثير الحيوي في المحيط العربي كله، لكل من ذكرت أسماءهم وبين ادعاءات عدنان مصطفى الراغب في مد رجله من أجل التحريض على الرواية والروائي.

الشخصية الروائية والأخلاقيات

في مكان آخر يقول الدكتور: "كما تبين دعوات صارخة لتغييب القيم الإيمانية والوطنية والمفاهيم العربية الأصلية لعل أقساها تهكمه على رجال الدين حيث قال: "وعندما امتلأت القرية بالبواريد ظل يستخدم السيف معلنا تمسكه بالمعدن الرباني، ثم توج قلة حيائه برفض النساء فلم يتزوج ولم يعرف عنه واحد قط أنه رفع بصره نحو امرأة لأي غاية، ثم انتهى إلى نسيان تلهف الذكورة فيه"، ولعل تفسير عدنان مصطفى لهذا المقطع هو الأكثر دلالة على سوء نيته وأمانته وسوف أشرح للسادة القراء وضع الشخصية التي يتحدث عنها. فهو رجل دين فعلا اسمه شمس الدين وقد عرف عنه ورعه وتقواه واستقامته وإصراره على إحقاق الحق بكل وسيلة، وهذا كله من خلق الرواية والروائي، وقد تعلم شمس الدين فنون القتال وبرع فيها ولكنه لم يكن يستخدمها إلا في أوقات الشدة ومنها بالطبع أيام الثورة، وكان يهوى السيف وقاتل به طوال الوقت. من المعروف في التاريخ الواقعي أن كثيرا من الثوار كانوا يقاتلون بالسيف ضد البنادق والدبابات. ولكن ليس هذا هو المهم، المهم أن شمس الدين شخصية فنية لها أخلاقيات تخصها وحدها وهي أخلاقيات رفيعة جدا ومنها أن الرواية تقول إن شمس الدين الذي صار معلما في القرية كان يخيف الجميع "لم يتجرأ أي واحد في القرية على التعرض له رغم أنه لا يكن يستحي من أحد - هكذا كان يصف تصرفاته وأقواله" وهو يردد أن الحياء صفة الجبان، وقد أخفى الدكتور هذا كله وتجاهله واجتزأ عامداً متعمداً، بممارسة علنية لطريقة (لا تقربوا الصلاة) من أجل أن يوصل فكرته هو، وافتراءاته المسبقة عن الرواية إلى قارئ بريء قد لا يطلع على الرواية ولذلك تراه (أي عدنان مصطفى) يضع نقطتين متتاليتين ثم يكمل الاقتباس الذي اقتطعه من الرواية هكذا: "ثم توج قلة حيائه".. إلخ. ولكن شمس الدين وهو الشخصية الروائية المعنية في النص كان قد أعلن أن مضمون الحياء الذي يرفضه هو حياء الجبناء (ص 118 من الرواية). أما عن القتال بالسيف الذي سماه شمس الدين في الرواية بأنه المعدن الرباني فلم أستطع أن أكتشف - رغم أنني فحصت النص أكثر من مرة - موضع السخرية فيه. لا سخرية هنا قطعا بل إشارة فنية إلى صوت روائي شديد الخصوصية مثل شمس الدين.

وبعد أن يستعدي رجال الدين ضد الرواية والروائي ينتقل عدنان مصطفى بجرأة نادرة إلى موقع آخر يستعدي فيه أبناء الشام والمسيحيين ضد الروائي مثلما يفعل أولئك المحرضون الذين ملأوا الساحة العربية اليوم ينددون بالعقل والعقلانية والتفكير الحر أو يتحول إلى مخبر سري يقدم تقريراً وإشارات إلى جهة ما يعرفها هو وغيره، فيدعي أن الرواية حاولت تشويه سمعة أهل الشام بجعلهم عملاء للسلطة الفرنسية وبناء بيوت الدعارة في السويداء من خلال اجتزاء جملة واحدة هي: "وأحضر أحد الشوام ليبني فندقاً، وقد جاءت هذه الجملة في الصفحة "257" من الرواية ضمن فقرة تقول: (فأحضر - أي الكابتن كاربييه - أحد الشوام ليبني فندقاً، وقد أصدر في اليوم الذي افتتحوا فيه الفندق أمرا باعتقال كل الضيوف في المدينة وإرغامهم على المبيت فيه". لكن عدنان مصطفى يلحق الجملة التي اقتطعها بالتفسير التالي: "مشيرا بذلك - وهو يقصد الروائي - إلى بيت الدعارة" لنفحص الكذب هنا: أما الفندق فقد أمر ببنائه ضابط فرنسي عرف بشراسته أثناء حكمه لجبل العرب إبان الاحتلال الفرنسي ليمنع الناس من الذهاب إلى المضافات التي اعتبرها أمكنة لحبك المؤامرات ضد دولته وقد كانت بؤرا ثورية أنبتت عدداً كبيراً من رجال الثورة، وأصدر أمراً يمنع أي غريب من النوم في أي مضافة ويرغمه على النوم في الفندق. وقد أحضر فعلاً "أحد الشوام" وبنى الفندق في المدينة. وهنا أوضح أن كلمة "أحد" في اللغة العربية لا تعني "كل" وهي غير قابلة للتجيير أو التعميم إلا إذ كان الهدف تهييج الناس وتحريضهم ضد الروائي. كما أوجه دعوة لأي فريق من مجلة العربي لزيارة مدينة السويداء كي أستضيفهم في الفندق ذاته الذي أمر "كاربييه" ببنائه.

ما هو عيب الروث؟

ثم إن عدنان مصطفى يخون الأمانة مرة أخرى حين يجتزئ من النص العبارة التي يريد تفسيرها دون أن ينظر في الحوار كاملا. ففي إحدى لحظات يقظة الضمير لدى كنج - وهو أحد الإقطاعيين المتعاملين مع المحتل - يعاند السرجان بوانكاريه (ص 353) ويفهمه أن كلا منهما ينتمي إلى بلد مختلف. قهقه الفرنسي وصفق بيديه طربا وهو يتأمل الرجل الفارغ الذي يرطن بالفلسفة "يعني نحن بلد فحم وأنتم بلاد روث مسيو كنج" فابتهل كنج إلى الله أن يلهمه الصبر "نعم سرجان" قال بقسوة "لكن من يستطيع أن يثبت أن الفحم أفضل من الروث".

كل هذا الحوار رمزي والمقصود منه إظهار الهوية بصرف النظر عن المرموز إليه ودعنا نقل بصراحة: ما عيب الروث؟ وأنا أجزم أن السيد مصطفى نفسه يضع على طاولة غدائه خضراوات وفواكه مأخوذة من أرض مسمدة بالروث، وهناك اتجاه جاد في الزراعة العالمية يا أستاذ مصطفى للاستغناء عن الأسمدة الكيميائية واستبدال السماد العضوي بها "اقرأ: الروث" أما ما يقوله من أننا لا نعرف مصدر قول السرجان الفرنسي فأنا أدله: إنه في رواية " قصر المطر" فهذا وعي ومعتقد ومقاصد شخصية يراد لها أن تمثل وعن ومقاصد المستعمر. ماذا يقول إذن هل يلهج الفرنسي المحتل بمديح بلادنا؟ ومع ذلك أوضح بأن العبارة منسوبة لشخصية متخيلة في رواية يجب أن تتعدد فيها الأصوات وتتقاطع وتتضمن النقائض. فليحفظ الله حفيد الدكتور كي يكبر ويقرأ افتراءات جده وأكاذيبه.

أما عن إظهار ضآلة الثورة السورية أمام طغيان قوة المستعمر فهذه أكذوبة أخرى من أكاذيب مصطفى. فقد رسمت الرواية لمعركة المزرعة وحدها إطارا فنيا وبطوليا غطى الصفحات من 520 إلى 574. ويقول الشاعر راسم المدهون في مقالة له عن الرواية أعتقد أن من أهم الشخصيات في قصر المطر شخصية قائد الثورة بهاء الدين والتي ينحتها الكاتب ببراعة ويقدمها في إطار يجمع بين القوة البدنية والجسارة وكذلك الحكمة الشديدة والمعرفة الكبيرة بطبيعة المجتمع الذي ينتمي إليه، ولعل واحدا من أجمل فصول الرواية هو ذلك الذي تتم فيه المواجهة بين القائد بهاء الدين وبين الضابط الفرنسي الطريقة التي تصرف خلالها بهاء الدين وما قاله وما طلبه في إيجاز وبلاغة شديدين".

ونصل إلى قمة السخرية في نقد الدكتور مصطفى حين نراه يقول ما يلي: "لا ريب في أن من صنع هذا العمل قد أظهر منتهى الغباء عندما حاول طمس حقيقة وجود حافز الشهادة ضمن موروثاتنا (Genens) وستبقى أشواك السهل الرهيب في جبل العرب الأشم على مدى بقاء السموات والأرض محيية بزهرها شهادة الرجال الأبرار من أمثال المقداد وتخز بإبرها الحادة عيون كل طامع في تراب وطننا العربي العظيم".

مورثات عربية

أما المسخرة هنا فهي يقين الفيزيائي بأن الجينات العربية تتضمن حافز الشهادة، ومع حبي الشديد لأبناء العروبة لا أعتقد أن عاقلا يمكن أن يقبل هذا الادعاء الأجوف الذي لا يستند إلى أي دليل علمي إلا إذا كان الدكتور أجرى في مخبره الفيزيائي تجارب على المورثات العربية واكتشف جين الشهادة. فالاستشهاد والمقاومة سمة شملت معظم الشعوب التي قاتلت دفاعا عن أوطانها ومنها شعبنا العربي وهي سمة أخلاقية وإنسانية يحق لأي شعب عاشها أن يفخر بها. المهزلة أن الدكتور مصطفى يشيد بالشهيد المقداد - هل تعرف من هو المقداد؟ لا تعرف؟ طبعا لأنك لم تقرأ الرواية ولم تقرأ التاريخ.

المقداد يا دكتور شخصية فنية روائية من ابتكاري أنا، نعم ممدوح عزام هو الذي ابتكر شخصية المقداد ولا وجود له في أي مكان على وجه الأرض إلا في قصر المطر.

وها أنت تتورط مرة أخرى وتشيد بهذه الشخصية وتضعها في صف الرجال الأبرار. ها أنت تمدح شخصية ابتكرتها أنا كروائي، وتعترف بأنها شخصية شهيد عظيم. وسوف أضيف إلى مفكرتك أسماء شهداء آخرين في الرواية مثل حنا البيطار ونايل الفضل وعلي الشامي وذوقان سلام.

وكخاتمة أقول إنني كنت قد قرأت مقالة مصطفى منذ أكثر من ثلاثة أشهر حين وزعها مطبوعة، وحين رأيته في خاتمتها التي ينشرها في مجلة العربي الغراء اليوم، يستصرخ الشباب العربي ضدي، رحت أبحث عن كتابات للسيد الدكتور لأرى مثلا إن كان حاول أن يستنفر الشباب العربي حين ارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا فلم أجد كلمة واحدة له يدعو الشباب العربي ليقوموا لله دفاعا عن تهويد القدس وانتهاك الحرمات في فلسطين، لم يكتب كلمة واحدة يستنفر فيها الشباب العربي ضد الطغيان أو ضد الفساد أو ضد من يستغلون الشعب ويسرقون قوت الفقراء، لم يكتب كلمة واحدة ضد محاولات نهب الخيرات وبيع الأوطان. فالإم يدعو الشباب العربي؟ للاستنفار ضد رواية؟! يا للبطولة والله.

ولكن على من يريد أن يتقدم صفوف الثورة والهبات أن يكون ذا ضمير حي ووجدان أصيل، وأن يكون محصنا ضد الكذب والافتراء وأن يتحلى بالإخلاص لقيم الحرية التي تضمن له وللآخر الحق في إبداء الرأي، وأن يتمسك بالصدق الذي يحفظ له قبل أي شخص آخر كرامته وشرفه.

فإما أن تصدق يا دكتور أو تصمت.

ممدوح عزام مجلة العربي ديسمبر 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016