مختارات من:

اللغة حياة: في أخطاء الساسة مرّة أخرى

مصطفى عليّ الجوزو

جاءني يومًا أحد طلاب الدراسات العليا برأي لغويّ غريب، فقلت له: ما سندك في ذلك؟ فأجاب: عمّي. وحين سألته عن عمّه، وأنا أحسب أنّه عالم لغة كعبّاس حسن ومصطفى الغلايينيّ وعبد الله العلايليّ، أخبرني أنّه رجل دين، فقلت له: نحن لا نأخذ عن كبار علماء اللغة إلاّ بحذر، فكيف بإنسان لا صفة له إلاّ أنّه رجل دين، ومُحتكمنا في النهاية إلى الاستعمال. هذا ليس غضًا من رجال الدين، فبين علمائهم من يعرفون اللغة بصورة جيّدة، لعنايتهم بالعلوم القرآنيّة التي لا تستقيم بغير علم اللغة، لكنّ المعرفة شيء والاختصاص شيء آخر، والشواهد الثابتة مستند كل العلماء، في هذا الشأن.

وهذا رجل دين آخر نَقْدره حقّ القَدْر، وهو في الوقت نفسه رجل سياسة من الصفّ الأوّل، وفق المصطلح السياسيّ اللبنانيّ، ونراه مع ذلك لا ينفكّ يرتكب هفوات لغويّة غير مستحبّة، وكأنّ السياسة مدخل إلى الخطأ اللغويّ، على الأقل لأنّها تصرف صاحبها عن دراسة اللغة. لقد كان يتحدّث في بعض خطبه عن الشهداء، فأكّد أنّ أَقدامهم راسخة، وأنّهم «ما بالوا ولا استوحشوا» بضمّ لام «بالُوا»، وهو يعني أنّهم ما اهتمّوا للمخاطر، وصوابه بالَوْا (بفتح اللام) من فعل بالى؛ ومعروف أنّ فتحة عين الماضي الثلاثيّ المنتهي بألف تبقى إذا حُذفت تلك الألف ولحق ضمير الغائبين بالفعل، وذلك للتذكير بالمحذوف في رأي القدماء، وفي المصطلح اللغويّ الحديث أنّ الألِف فتحة طويلة، فإذا دخل عليها ضمير الغائبين استحالت فتحة قصيرة لامتناع اجتماع حركتين طويلتين، وسُكِّن الضمير. أمّا بالُوا (بضمّ اللام) فمن فعل بالَ، ومعناه معروف...

وفي الخطبة نفسها أنّ هؤلاء الشهداء «أَعطونا الحياة» بضمّ الطاء، وحقّها الفتح: أَعطَوْنا، للسبب نفسه الذي لِبالَوْا، أمّا أَعطُوا بضمّ الطاء ففعل أَمر من فعل أَعْطى، فاعله واو المخاطَبين، ولا يستقيم فعل الأمر هنا لسببين واضحين: أنّ الجملة خبريّة فلا تحتمل الأمر، وأنّ الكلام على الغائبين وليس على المخاطَبين.

وفي الخطبة أيضًا خطأ لفظيّ هو فتح ميم «مائة» ولفظ أَلِفها، أي اعتبارها حرف مدّ - وصاحبنا يفعل ذلك في كلّ خطبه -. وقد أصبح من مكرور الكلام أنّ هذه اللام لا تُلفظ لأنّها زائدة في الكتابة وليس في اللفظ، وذلك لأنّ القدماء أرادوا تمييز المِئة من مثل كلمة مِنه، في زمن اضطرب فيه النَّقْط. كما صار مكرورًا القول إنّ ميم مِائة مكسورة وليست مفتوحة، ولو كانت الألِف ملفوظة واقتضت فتح الميم لوجب أن تُكتب الهمزة على السطر، وفق الاصطلاح المدرسيّ الحديث، أو في الفراغ، وفق الاصطلاح القديم، أي هكذا: ماءَة، وليس على نبِرة الياء: مَائة. هذا والذي لا يعرفه الكثيرون أنّ لكلمة مَاءة التي يلفظ بها بعضهم كلمة مِائة معنى قديمًا متروكًا في الفصحى الحديثة، ويكاد يكون مستعملًا في العاميّة، وهو البئر فيها الماء؛ وقد ذكر ياقوت في معجمه سبع ماءات، وذلك في فصل الألِف وحده، هي: الأَبْراقات وأَسِيلة، وكانتا لبني جَعْفر بن كِلاب؛ وأُبْضة، وكانت لبني العَنْبر؛ والأَثِيرة، في موضع اسمه الثَلَبُوت؛ وأحامِرة وكانت لبني نَصْر بن معاوية؛ وأُسالة، وكانت بالبادية؛ وأَلْية، وكانت لبني سُليم. والطريف أنّ العاميّات ميّزت بين الاسمين أكثر من تمييز المرتكبين للأخطاء الشائعة، فقالت: مِيّة (بكسر الميم) للمِئة، أي عادت إلى أصل الكلمة وهو مِئْية، وقلبت الهمزة ياء، وربّما قالت: مِيتْ (مِيتْ مرّة، مثلًا)، بكسر الميم دائمًا. وقالت العامّة: مَيّ ومَيّة (بفتح الميم)، تعني الماء، والمَيّ لغة قليلة في الماء، والمَيّة تأنيث لها كتأنيث الماء بالتاء: ماءة. واللافت أنّ العرب حين تجمع كلمة مِائة وتنسب إليها تحذف الألف الزائدة لانتفاء الحاجة إليها، فتقول: مِئات، مِئَوِيّ، وربّما قالت مِئون ومِئين. والجميع يقولون اليوم: مِئات، أو مِيّات بالعاميّة، ولا ينتبه إلى ذلك من يلفظ منهم ألِف مائة. وقد اختار مجمع اللغة حذف الألف من هذه الكلمة لأنّ الكتابة الحديثة لا تحوج إليها، فالنَّقط الواضح يغني عنها، والحذف يمنع من السقوط في خطأ لفظ الزائد.

صحيح أنّ الجميع فَهِم كلام رجل الدين المومأ إليه، ولم يحتاجوا إلى من يقول لهم إنّ المراد بقوله ما بالُوا هو الفعل الماضي من بالى، وبأَعطُوا الفعل الماضي من أَعْطى، وأنّ المقصود بالماءة بمدّ الألف عشر عشرات. هذا صحيح، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ هذه الاستعمالات المغلوطة ممّا يزعج العارف للعربيّة، الحريص عليها، وممّا يفسد ليس آذان طلبة العلم فحسب، بل حتّى آذان العلماء، لأنّ تكرار الخطأ يُكسب السامع عادة سيّئة، وهو إنْ لم يوقعه في الخطأ فإنّه يعوق قوله الصواب أحيانًا، وذلك لتزاحم العادة والملَكة.

هذا يعيدنا إلى مزاعم ابن هشام في «تقارض الألفاظ في الأحكام» التي عرضنا لها في مقالة سابقة، وفيها أنّ أمن اللبس يبيح تبادل حركات الإعراب، كأن يأخذ الفاعل حكم المفعول في النصب أو يأخذ المفعول حكم الفاعل في الرفع، وقد رفضنا تلك المقولة لتفردّ ابن هشام بها، ولافتقارها إلى تعليل مقنع، وقيامها على أبيات شعريّة مشكوك ببعضها، وملتبس موضع الشاهد في بعضها الآخر، ولتعريضها نظام الجملة العربيّة للخطر. وقد بيّنا لأحد القراء أنّ مزاعم ابن هشام جديّة وليست مجرد تفاريق شاذّة من كلام الأَعراب. ولأكثر تلك الأسباب نرفض التوكّؤ على أمن اللبس في تسويغ أخطاء الساسة، ومنهم رجل الدين الجليل المشار إليه، وإن كان الأمر يقتصر هنا على تبادل الحركات الصرفيّة لا الإعرابيّة.

ومن ذلك نستنتج أنّ تقارض الحركات الصرفيّة، إذا استعرنا تعبير ابن هشام، غير مقبول أيضًا لأنّ المعنى إذا وضح في بعض الكلمات المحرّفة، فقد لا يتّضح في غيرها، والرسالة التي قد تُفهم على الرغم من بعض الأخطاء، قد يستعصي فهمها مع أخطاء أخرى، كقول بعضهم: وسائل الأَعْلام، بدلًا من: وسائل الإعلام؛ ومِن قُبَيل، بدلًا من: مِن قَبِيل؛ ولا بدَّ من الأَقدام، بدلًا من: ولا بدّ من الإِقدام؛ والقُطَيْف، بدلًا من القَطيف؛ والغِناء بدلًا من الغَناء (أي النفع أو الاكتفاء).

ثمّ إنّ المراد بالكلام، ولاسيّما في أدب السياسة، ليس إبلاغ الفكرة للجمهور فحسب، بل كذلك إمتاعه بالصيغة الجميلة الصحيحة، وإلاّ استوى الأعجميّ الذي يرطن بالعربيّة، والعربيّ البليغ الذي يجود بفصيح العبارة، وجُعل على صعيد واحد مصطفى المنفلوطيّ وطه حسين وفلان أو فلانة من صغار الكتّاب ورجال الإعلام ونسائه، وهيهات...

مصطفى عليّ الجوزو مجلة العربي اكتوبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016