مختارات من:

المفكرة الثقافية

مصطفى عبدالله

إصدار: حسن سليمان في كتاب تذكاري
أعمال الفنان التشكيلي المصري الراحل حسن سليمان (1928 - 2008م) صدرت أخيرًا في الكويت في كتاب من القطع الكبير بعنوان «حسن سليمان: النور يعشق ظلاله»، وهو من إنتاج وإشراف الدكتور سليمان إبراهيم العسكري رئيس تحرير مجلة العربي. والتصوير الفوتوغرافي للفنان عبد الرضا سالم والإخراج الفني للكتاب للفنان التشكيلي محمود المغربي وبرعاية عدد من المؤسسات الكويتية (مجموعة بوشهري، بنك الخليج، المطبعة العصرية، خالد المغني، عبد الله قبازرد، ومؤسسة الشراع العربي).

يقع الكتاب في 264 صفحة من القطع الكبير، حيث صدر عن مؤسسة الشراع العربي بالكويت عام 2012. والنصوص الموزعة على صفحاته هي بقلم الفنان الراحل حسن سليمان.

ويتضمن الكتاب مقدمة للدكتور سليمان إبراهيم العسكري ومجموعة مقالات عن أعمال الفنان الراحل لكل من الفنان التشكيلي ضياء العزاوي، والناقد الفني صبحي الشاروني، ثم نماذج من أعمال «سليمان» المبتكرة، مثل أحلام، لوحة، وحيد، فراغ، أساتذة، شجرة، ونعش، حصار، إصلاح، معاناة، تحرر، بطل، ضآلة، رغبة، مرسم، ولوحات بعنوان: نساء، مرفأ، سفر، قلق، حماقات، ألوان، قاعدة، احتمال، نوم، فوضى، نسيج، رماد، ثقوب، ذكرى، أشلاء، دفتر، رأي، أدراج، ثورة، أساطير، توهج، شجن.

وقد ختم المؤلف الكتاب بعرض سيرة ذاتية للفنان الراحل التي تضمنت نشأته، ودراسته في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ومؤلفاته ومنها سيكولوجية الحركة وسيكولوجية الخط، وسيكولوجية الملمس، وكتابات عن الفن الشعبي وحرية الفنان، بالإضافة إلى المعارض التي أقامها أو شارك فيها، والتي بلغت حوالي 13 معرضًا في القاهرة وخارجها، منذ عام 1952 وحتى عام 2008م. إلى جانب المعارض الجماعية المحلية الأخرى التي شارك فيها الفنان حسن سليمان بأعماله، وكذلك المعارض الدولية.

يقول الدكتور سليمان العسكري في تقديمه لهذا الألبوم: يتأمل الفنان سقف المرسم وكأنه ينتظر ملاكا تتجسد أمامه فيرسمها، تهبط حزمة من النور فيداعبها بالفرشاة حتى يأسرها على باليته الألوان، ليبدأ في عمل جديد، يخفي الظلال ليخلق النور، يروض النور لتنطق الظلال، هذا هو لب أعمال الفنان حسن سليمان.

ويضيف قوله: المتأمل لأعمال الفنان حسن سليمان يتأكد له أمران، أولهما: انحيازه إلى البسطاء والحياة الشعبية، سواء في المشاهد التي حرص على نقلها من الريف أو تسجيلها عن الأحياء المتواضعة (الفقيرة) أو حين يرسم شخوص هذه الطبقات المتوسطة في لوحاته، ولم تبعده الحياة الأرستقراطية عن تأمل هؤلاء القاطنين على الهامش.

أما الأمر الثاني، فهو ذلك الملمح القصصي في لوحاته، تراه يسجل مشهدا قد يكون بداية الحكي أو عقدة القص، أو خاتمة السرد، ولكن لوحاته تحمل قصة ما صامتة.

مباركة تلك العاطفة

كما يساهم في سبر تجربة الراحل الفنان حسن سليمان، الفنان العراقي ضياء العزاوي الذي يكتب عن العاطفة التي كانت تلازم حسن سليمان وعشقه للترصد لموضوعاته الاثيرة وبشكل خاص النساء والطبيعة الجامدة ويعتبره من أولئك القلة من الفنانين الذين لم ينسوا المفهوم الأساسي الذي يقوم عليه الفن، وهو البعد الإنساني.

رماديات حسن سليمان

ويساهم في رصد تجربة حسن سليمان الناقد المصري صبحي الشاروني الذي يصف سليمان بأنه فنان ينتمي للجيل الثالث من الفنانين المصريين، كما وصفه بأنه يتميز بغزارة الإنتاج وانصرافه للعمل الفني كل الوقت كما أنشغل بقضية التوازن اللوني، كما أنه نشأ في بيئة تتميز بالثقافة الرفيعة والبحث الفني، حيث كانت مشكلة التوازن اللوني هي شغله الشاغل، كما تميزت لوحات الفنان سليمان بطغيان الدرجات اللونية الرمادية بدرجاتها على كل الألوان الأخرى.

والكتاب/الألبوم حافل بكثير من الصور والرسومات واللقطات التي تجسد عمق رؤية وفلسفة الفنان الراحل حسن سليمان في الحياة وفي المجتمع وفي الناس والمكان كذلك. ومن ثم تعد أعمال الفنان الراحل بمنزلة تسجيل وتأصيل لفترة تاريخية معاصرة من تاريخ مصر والوطن العربي بأجمعه.

الكويت: أنور الياسين


ندوة: سليمان عبدالمنعم: الدولة المأزومة والمجتمع الحائر
نظّم النادي الثقافي العربي ندوة حول كتاب «الدولة المأزومة والمجتمع الحائر» الصادر حديثًا عن الدار العربية للعلوم، للمفكر سليمان عبدالمنعم الأستاذ في جامعة الإسكندرية، شارك فيها كل من المفكر رضوان السيد والدكتور أنطوان طعمة، بحضور مثقفين وأكاديميين وإعلاميين. قدّمت الندوة رئيسة اللجنة الثقافية في النادي نرمين الخنسا، فأكّدت على أهمية موضوع الكتاب وربطه ما بين أزمة المجتمع العربي وحيرته وعلاقتهما بالتخلّف وكيفية إطلاق مشروع نهضوي يتخطى الأيديولوجيات، منطلقًا من نقطة مهمة وهي مصالحة ثقافتنا مع الديمقراطية.

ثم قدّم الدكتور رضوان السيد مداخلة رأي فيها أن كتاب عبدالمنعم يتمحور حول الوعي العربي ومشكلات هذا الوعي الفردي والجماعي، والعوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في هذه الأزمة وأدت إلى الثورات العربية. وأشار إلى أن المؤلف يردّ الأزمة إلى عدم نمو الوعي وغياب هذا الوعي العام بالمنافع العمومية والصالح العام، معتبرًا أن الكتاب يمثل رسالة تشاؤم ليس على مستوى إدارة الدولة ولكن أيضًا على المستوى المتعلق بالوعي لدى النخب الثقافية والسياسية، وهو كتاب يبعث على الهمّ وهنا فائدة مثل هذه الكتب البنّاءة وذات البعد المستقبلي.

وتطرّق رضوان السيد إلى موضوع الثورات العربية، فاعتبر أنها جاءت نتيجة الأزمة التي تحدّث عنها عبدالمنعم في كتابه، إذ تعوّد العالم على غياب العرب والعرب تعوّدوا على الغياب والاستتباع، وأول ما فعلته وتفعله هذه الثورات هو إعادة الحضور لنا. واعتبر أن هذه الثورات وإن لم تكن هي المخرج، لكنها حسمت عدم عودة الفساد والقمع والديكتاتوريات السابقة، لافتًا إلى أن أحدًا لا يخشى الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم في الدول الثائرة، لكننا لا يمكن أن نعتبرهم ظاهرة تقدّمية ولا عاملاً متغيرًا في الوعي، وأقصى ما نطلبه منهم هو التلاؤم وإذا ما أوصلونا إلى الديمقراطيات العادية كتلك الموجودة في السنغال وغيرها فهو أمر حسن.

وألقى الدكتور أنطوان طعمة كلمة رأى فيها أن الكتاب هو ممارسة تفكّرية في الإنسان والمجتمع والمصير ويمثّل قلق «حارس النوعية»، وهو بالتالي مساحة نقاش في زمن موسوم بالاختلاف. وقسّم الكتاب إلى قسمين: منهج الكاتب العلمي في مقاربة أزمة الدولة وحيرة المجتمع، وتميّزه بمنظومة يحكمها السؤال والتفكير الناقد والتفكير الإبداعي. والقسم الثاني يتعلق بأسلوب عبدالمنعم في التعبير عن رؤية فذّة، وميله إلى استخدام أسلوب الاستفهام، واستشعار مواطن الاختلاف والسلوكيات الازدواجية والأقنعة موظفًا تجليات التفكير الناقد في كشف مواطن الخلل وفضح الزائف، داعيًا إلى التقدم ونقد ممارساتنا التعليمية، وتجاوزه ظاهرة تحليل الخطاب إلى باطنه.

وأشار طعمة إلى أن الكاتب يطرح المسائل التي لا تطرح نفسها، وحيث لا سؤال لا مكان لوجود معرفة علمية، مشدّدًا على أن التفكير الإبداعي هو امتداد للتفكير الناقد، إذ إن الكاتب مسكون بهاجس مشروع نهضوي عابر للأيديولوجيات والتعلم من تجارب النهوض في اليابان والصين وإسرائيل. كما لفت إلى شعرية اللغة في أسلوب عبدالمنعم وتصيّده الكلمات ووسم كتابه بالكلمة المنتخبة مبتعدًا عن لغة التقرير، ذلك أن هاجسه وجداني ونبرته فنية، لافتًا إلى أن الكاتب يسير من العقلي إلى الوجداني موحيًا بأن العالم ليس عقلاً وحسب.

وختم عبدالمنعم بكلمة شكر فيها النادي الثقافي العربي على استضافته، معبّرًا عن امتنانه للوسط الثقافي اللبناني لاحتفائه بهذا الكتاب، «وهو احتفاء يكتسب لديّ أهمية خاصة في ظروف اغترابي بعيدًا عن بلدي الأم مصر»، بعدها وقع عبدالمنعم كتابه للحضور والأصدقاء.

إصدار: الذكرى الخمسون لاستقلال الجزائر (1962-2012م)

أصدر أحد مفجري الثورة الجزائرية مذكراته، وصاحب هذه المذكرات هو المناضل الكبير محمد مشاطي عضو مجموعة (22) التاريخية التي قررت تفجير الثورة الجزائرية سنة 1954م، ويعد من الرعيل الأول للحركة الوطنية، كان مناضلًا بارزًا في المنظمة الخاصة، ومن بين أوائل مسئولي فدرالية جبهة التحرير الوطني الجزائرية بفرنسا.

تعتبر الشهادة التي يقدمها من خلال هذا الكتاب الموسوم بـ«مسار مناضل»، والذي تولت ترجمته إلى اللغة العربية الأستاذة زينب قبي، شهادة قيمة ونادرة، ومساهمة ثمينة كونها صادرة عن واحد ممن صنعوا الحدث التاريخي العظيم وفجروا الثورة التحريرية المباركة، يستعيد من خلاله المناضل الكبير، والمجاهد الفذ محمد مشاطي مسيرته النضالية.

يحتوي الكتاب على مقدمة كتبها دحو جربال وثمانية أقسام رئيسة كل قسم منه يرصد محطة من محطات حياة المناضل محمد مشاطي الثرية والمتنوعة، ونجد في الأخير خلاصة، وكلمة الختام، ومقالات الكفاح التي هي في الأصل مساهمات المناضل محمد مشاطي في وسائل الإعلام بخصوص المسائل الكبرى والنقاشات الوطنية، وملحق يضم مجموعة من المراسلات، وقد توزع الكتاب على200 صفحة.

وصف دحو جربال هذا الكتاب في تقديمه له بقوله«بهذا الكتاب تكون بين أيدينا إحدى الشهادات النادرة لعضو لما تعودنا على تسميته (لجنة الـ22)، والتي ستُسمى ابتداءً من الآن (لجنةالـ21). فعلًا، قليلون هم الأحياء من هذه المجموعة الشهيرة الذين اجتمعوا في بيت متواضع هادئ في حي لارودوت (المرادية) صائفة 1954، والذين اتخذوا قرارًا أصبح فيما بعد حدثًا تاريخيًا حقيقيًا. هناك حوارات أعطاها بعض منهم أو نصوصًا صدرت في وسائل الإعلام أو كتبًا تم تحرير أغلبها من طرف أصحاب أقلام كرماء.ولكننا هنا أمام إنتاج لعمل طويل تم برفقة مؤرخين من جيل الاستقلال...

وبتتبعنا لمسار الشاهد منذ طفولته الأولى نجد أنفسنا منغمسين في الوسط القسنطيني الذي احتضنه وزوده بمعارفه الأولى، التي ستسمح له بالنجاة أمام الكم الهائل من المحن.نكتشف ثراء المجتمع بحرفييه الصغار وزواياه، وكذلك التباين المادي الذي نجده بين العائلات الصغيرة والكبيرة.نطلع أيضًا على الروابط التي تجمع أو تفرق مجموعات الانتماء سواء كانت في العرق أو الدين أو الجيرة.نشاهد بروز وجوه مؤثرة لم يسجل (التاريخ)أسماءها دائمًا. نفهم أكثر الحيز الذي أخذته بعض الشخصيات في الحياة السياسية أو الدينية في مدينة القسنطينية.ولأول مرة نطلع على الطرق والوسائل التي استعملها المناصرون الأوائل للاستقلال لفتح مجال ملائم كانت تتحكم فيه دون مشاركة الوجوه الكبيرة للاندماج والإصلاح الديني» (ص 9).

ورأى دحو جربال أن كتاب محمد مشاطي هو من الأهمية بمكان ليس من باب سرد الحكايات بل من الجانب التاريخي الحقيقي.

في القسم الأول المعنون بـ:«طفولة فقيرة» تطرق المؤلف إلى حياته بعد وفاة عمه سنة 1935 حينما وجد نفسه دون دعم، ولكسب قوته عمل بائعًا للجرائد في الطرقات، وحمالًا للقفف، كما عمل نادلًا في مقهى وهذا ما كان يضمن له الأكل والمبيت.

وفي الجزء الثاني من هذا القسم توقف المؤلف مع الأحداث المهمة التي وقعت ما بين سنة 1921 حتى سنة 1938م، ولعل أبرز ما تحدث عنه باستفاضة في هذا الجزء حديثه عن تلك الأحداث الدامية التي وقعت بين المسلمين واليهود، والتي شهدها المؤلف وعاشها في صيف سنة 1934م.

في القسم الثاني الموسوم «حلقة اللواء السابع للمشاة الجزائريين» تحدث محمد مشاطي عن تجنيده في اللواء السابع للمشاة الجزائريين ومشاركته في الحرب العالمية الثانية، حيث توجه إلى تونس إلى قصر الحلوف بالقرب من الحدود الليبية لمواجهة الجيش الإيطالي، ويشير إلى أنه لم تحصل اشتباكات واقتصر العمل على حفر الخنادق في حرارة الصحراء الملتهبة، وفي سنة 1942حينما تم الإنزال الأمريكي في منطقة وهران أمر اللواء الذي يعمل به بالتوجه إلى عين آرنات بعد المكوث لسنتين بسطيف، وبعد ذلك تم توجيه اللواء مرة أخرى إلى تونس لمواجهة قوات الجنرال الألماني الشهير رومل، وقد تم الاكتفاء بالمساعدة، ويذكر المؤلف أنه بعد التموقع في المنطقة الوهرانية تم النزول بمدينة نابولي الإيطالية، ويشير المؤلف إلى أن الهجوم على مونتي كاسينو التي كانت تتمتع بسمعة المناعة قد أعطى لديمونزافار تسمية (الجزار) بسبب الهجومات الجنونية التي فرضت على اللواء الذي كان يعمل به، ويصف المؤلف الأحداث التي وقعت في تلك المرحلة بقوله «كانت الخسائر كبيرة جدًا، وكانت البطولة والشجاعة في أندر صورها. أرسلت فرق أخرى للمساعدة خاصة لواء طابور المغاربة (من بينهم أحمد بن بلة) الذين مُنحوا لسبب لا أعرفه حق الغنيمة.عدة أيام من القتال وأطنان من القنابل التي تم إطلاقها على الدير في القمة ومحاصرة الجبل من طرف القوات الأمريكية والإنجليزية والفرنسية كانت ضرورية للتمكن منه. وهو نصر سمح بعد ذلك بالتقدم السريع نحو روما وتحريرها وكذا سيان بتوسكانيا نحو جويلية 1944» (ص 29).

ويختتم محمد مشاطي هذا القسم بالإشارة إلى المجازر التي وقعت في حق الشعب الجزائري بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث يقول إنه استقبل أخبار الجرائم التي وقعت في حق شعبه بفزع كبير ففي نفس الوقت الذي كان فيه العالم أجمع يحتفل بنهاية الحرب بسعادة من يتذوق طعم الحرية والاستقلال، كان الشعب الجزائري يتعرض لأبشع قمع.

وأما في القسم الثالث الذي يحمل عنوان «النضال في حزب الشعب الجزائري» يتحدث محمد مشاطي في البدء عن بدايات نضاله في حزب الشعب وعن أوائل المهمات التي قام بها من بينها وضع المناشير في مدينة تبسة، إضافة إلى مهمات أخرى قام بها في مدينة عنابة، وبسكرة، وسكيكدة حيث كان يلتقي بكبار المناضلين أمثال:الشهيد ديدوش مراد، وصالح لعوج، وعمار كلالة وغيرهم.

ويحمل القسم الرابع من الكتاب عنوان «قائد منطقة للمنظمة الخاصة» وفيه عرض مسيرته بصفته قائدًا لمنطقة للمنظمة الخاصة ، كما تحدث عن التحول والانتقال من قسنطينة إلى الجزائر بعد أن طلبت منه سلطة الحزب ذلك لحاجيات التنظيم، وفور وصوله إلى العاصمة وفق الموعد المحدد التقى بثلاثة أشخاص هم:محمد بوضياف والعربي بن مهيدي وديدوش مراد، وبعد ذلك التقى بمحمد بوضياف الذي أخبره باختياره قائدًا للمنظمة الخاصة للجهة العاصمية، وذكر له بأنه سيكون مسئولًا عن بئر خادم، وبودواو (لالما)، بال فونتين، مينرفيل باليسترو، المدية، البرواقية، قصر البخاري والشلالة.

وانتهى محمد مشاطي في هذا الفصل إلى الإشارة إلى أن نهاية نشاطاته في هذه المنطقة كانت في شهر ديسمبر1953م وذلك لأسباب صحية، حيث كان منهكًا، وكانت آثار مرض الصدر تفرض عليه التفرغ للعلاج، وتم استخلافه ببشير شيحاني.

في القسم الخامس المعنون «اختلافات في الرؤى وخلافات بخصوص انطلاق الكفاح المسلح» تطرق المؤلف للتوترات التي عرفتها سنة 1953م داخل حزب الشعب الجزائري/حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وفي القسم السادس الذي جاء تحت عنوان «فدرالية جبهة التحرير في فرنسا» يبين المؤلف مساره النضالي في فدرالية فرنسا، حيث تحدث في البدء عن إقامته بليون بسبب ظروفه الصحية، وتطرق إلى مسئولياته بفدرالية جبهة التحرير بفرنسا حينما كُلف بالمنطقة الشرقية، ونشاطاته في تلك الفترة بباريس.

من خلال القسم السابع الذي يحمل عنوان «سنوات السجن» تحدث محمد مشاطي عن اعتقاله حينما كان يأتي لباريس لأخذ الكتابات والمناشير والجرائد وتوزيعها في كل مناطق الشرق التي كان يشرف عليها لما يقارب السنة حيث ترصدتهم الشرطة واعتقل مع صديقه شبلي ووجهت له تهمة المساس بأمن الدولة، واعتبر منشطًا لتنظيم ذي طابع تخريبي، وتم اقتياده إلى سجن لا صانتي معزولًا في قسم المحكوم عليهم بالإعدام، وقد كان من أوائل المعتقلين من جبهة التحرير الوطني، وبعد دخوله في إضراب عن الطعام حصل على نظام السجناء السياسيين وروى المؤلف يومياته بالسجن حيث كان في قسم السياسيين رفقة مجموعة مشكلة من دوم، وبن سالم، وغراس، وقد كان يزروهم بعض المحامين المتعاطفين مع جبهة التحرير الوطني، وكانوا يزودونهم بالمعلومات، وبعد فترة وفي سنة 1957م يذكر محمد مشاطي أن ظروف معيشتهم قد تحسنت، ويذكر أن أحمد طالب كان يدرسهم اللغة العربية، وختم المؤلف هذا القسم بالإشارة إلى مغادرته السجن في صائفة 1961م بسبب وضعيته الصحية المزرية، حيث وضع في الإقامة الجبرية بران، وقد كان همه الوحيد هو الفرار من المنطقة والبلاد، وقد تم الفرار بمساعدة طالبين جزائريين هما:شارف زيدان ومصطفى مازوني حيث نقل بالسيارة إلى المدينة المجاورة ومنها انتقل إلى باريس.

في القسم الأخير من الكتاب الذي وسمه بـ«محن ثورة» تصدى محمد مشاطي للحديث عن انتقاله إلى بروكسل في سبتمبر سنة1961م ، وبعدها اجتاز الحدود إلى ألمانيا وفي ألمانيا تعرف على علي هارون وعمر بوداود وهما من مسئولي فدرالية فرنسا للجبهة، وبعدها وصل أحمد طالب وعمار بن عودة الذي كان طالبًا في الطب وهو الذي نصحه بالذهاب للعلاج بسويسرا-النورماندية بسبب مشكلة اللغة، ويذكر المؤلف أنه كان في وضع سيئ جدًا، وبالنسبة لكفاح الشعب الجزائري ذكر أن الثورة الجزائرية كانت قد جلبت تعاطف الكثير من الأوساط في أوربا، وذلك ما لاحظه خلال وجوده بجنيف عبر ما تكتبه الصحافة، وبعد أن أجرى المؤلف عدة عمليات جراحية، وخلال فترة النقاهة التي كان يقضيها علم بأن وقف إطلاق النار سيكون يوم 19مارس1962م، وفي الأخير توقف مع عمله في السلك الديبلوماسي.

عنابة: محمد سيف الإسلام بوفلاقة

مؤتمر: تحذير من أية محاولة لقمع الإبداع

في محاولة لمواجهة ما استشعره بعض المثقفين المصريين من خطورة التعدي على حرية الإبداع، ومن منطلق واجب المثقف نحو أمته، تشكلت في القاهرة اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق وحريات الإبداع، وعقدت بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة مؤتمرًا بعنوان «حقوق وحريات الفكر والإبداع.. تحديات الثورة والمستقبل» يومي 4 و5 يوليو الماضي.

وفي جلسته الافتتاحية التي شهدها المسرح الصغير بدار الأوبرا أشار الشاعر سيد حجاب، منسق اللجنة الوطنية، إلى أن وزارة الثقافة، التي استضافت أعمال هذه اللجنة، لم تمارس أي تدخل في أعمالها. وأضاف حجاب أنه في الآونة الأخيرة تعالت بعض الأصوات الساعية إلى فرض سلطانها على الضمائر الحرة، والتضييق على الحريات العامة والخاصة، منادية بمحاكم تفتيش جديدة تلاحق المثقفين والمبدعين، وتخنق حرية الفكر والإبداع.

وذكر سيد حجاب أنه من المثير للقلق أن ترتفع هذه الأصوات ونحن في طريقنا لكتابة دستور جديد يؤسس لمصر المستقبل، فالمعركة الكبرى لثورة 25 يناير هي كتابة الدستور، فإما أن يكرس لمبادئ الحرية والإخاء والمساواة، وُتبنى على أساسه الدولة المدنية التي تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، فتكون الثورة قد وصلت إلى نهايتها وأسست لدولتها، وإما أن يكتب دستور يكرس لاستبداد عسكري أو ديني أو يبتكر صيغة تؤسس لاستبدادهما معًا على الطريقة التركية أو الباكستانية، بما يعنى أن الثورة قد تأجلت إلى أجل غير مسمى، أو أن ثورة الجياع قادمة لا محال.

أما الدكتور سعيد توفيق، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، فأكد أن الثورة المصرية تمر بأسوأ فتراتها التي يمكن أن نطلق عليها «مرحلة الارتداد»، موضحًا أن الثورة التي قامت من أجل الحرية تسعى في هذه المرحلة إلى الدفاع عن حرياتها، وفى هذا مفارقة تستدعي التأمل.

وعلق حجاب بقوله: المحزن أننا كمصريين وصل بنا الحال إلى أن نحتاج للدفاع عما هو بديهى لأية أمة تعي جيدًا ما يشكله الإبداع من قيمة.

ولاشك أن هذه اللحظة ليست مجرد ارتداد، بل هي لحظة تجعلنا نشعر أننا خارج سياق حركة التاريخ الإنساني في تطوره، فنحن منذ قرون نعيش نكوصًا حضاريًا بلغ اليوم ذروته، وقد بدأ هذا النكوص مع إحراق مؤلفات ابن رشد.

وتعجب الدكتور سعيد توفيق، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، من أننا لانزال نثير الجدل حول حرية الفكر والإبداع، في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الحرية جزءًا من السلوك الإنساني في بلاد العالم المتقدم!

وفي الجلسة التي أدارها المخرج مجدي أحمد علي، رئيس المركز القومي للسينما، نوقشت خمس أوراق بحثية: «حرية الفكر والإبداع في الدساتير المصرية» لعصام الإسلامبولي، «قضايا الحسبة.. متى ولماذا؟» للكاتب حلمي النمنم، «القوانين المقيدة لحرية الفكر والإبداع» لماجدة فتحي رشوان، «حق التقاضى وملاحقة المبدعين» لأحمد سيف الإسلام، و«الدستور الثقافي» للشاعر رفعت سلام.

وفي هذا الإطار أصدرت اللجنة بيانًا تلاه أحمد بهاء الدين شعبان، جاء فيه: إنه لمن مفارقات التاريخ التعسة أن تصنع أمةُ ثورة بعظمة ثورة 25 يناير، أذهلت العالم أجمع، وأدهشت العدو قبل الصديق لانحيازها إلى الحرية والكرامة الإنسانية، ثورة رواها أبناء هذا الوطن بدمائهم وافتدوها بأرواحهم الطاهرة، ثم لا يلبث صانعوها أن يجدوا من يخرجون عليهم، ولم تمض سوى أشهر معدودة ليصادروا حرياتهم وحريات هذا الوطن، وينتهكوا كرامتهم وكرامته باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن ما يشهده المجتمع المصري في هذه اللحظة الخطرة من المساس بمدنية الدولة والمجتمع والحقوق والحريات العامة والخاصة للمواطنين، هو بمنزلة جرس انذار على ما يتهدد الهوية الثقافية المصرية من مخاطر وتحديات يمكن أن تودي بتلاحم النسيج الوطني المصري، نرى ذلك في شكل برامج إعلامية تهدد فيها بعض هذه الرموز الظلامية جموع المثقفين والمبدعين والكتاب والفنانين تهديدات صريحة مثلما حدث أخيرًا للفنان عادل امام والكاتبة نوال السعداوي، ومطاردة بعض الفنانات، وضربهن، والتعدي على الأنشطة الفنية والابداعية في الجامعات باسم الدين، وشرع الله، والله بريء مما يفعلون.

إن الحرية الإنسانية حق تكفله الشرائع، والمواثيق الدولية، والدساتير المصرية على اختلافها، ذلك أن الحرية الإنسانية هي الضمانة الحقيقية لازدهار ونماء القيم الإنسانية.. الدينية والدنيوية على حد سواء. وأكد شعبان أن اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق وحريات الفكر والإبداع ترفض أي شكل من أشكال الوصاية أو الرقابة على الفكر أو الإبداع سواء أكان تحت ستار الدين أو بسياط أجهزة الدولة المختلفة، وهو ما ينص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وفي هذا السياق، يحذر المثقفون المصريون من أية محاولة لقمع الإبداع، أو الافتئات على حقوق المبدعين والمفكرين والأكاديميين، فإذا لم تتم مقاومتها ومنعها والتصدي لها، ستكون مقدمة منذرة لعهود من الاستبداد وقهر الحريات السياسية والمدنية للمصريين جميعًا، ويرفض المثقفون رفضا قاطعًا أي محاولة لاستخدام فزاعة «قانون الحسبة»، كما يشددون على ضرورة تمثيلهم تمثيلًا لائقًا في الجمعية التأسيسية المنوط بها صياغة الدستور، ومن ثم يطالبون بضرورة اعادة تشكيل اللجنة التاسيسية على أسس تراعي تمثيل جميع أطياف المجتمع المصري دون أي اعتبارات للانتماءات الحزبية، ولا لنتائج صناديق الانتخاب المتغيرة بين لحظة وأخرى.

وأشار أحمد بهاء الدين شعبان إلى أن المثقفين المصريين الذين بذلوا، على مدار قرنين متواصلين من الزمان تضحيات لا حدود لها على أتم استعداد لدفع أغلى الاثمان من أجل استكمال مسيرة أمتهم الحضارية والثقافية، وطالبت اللجنة الوطنية كل مثقفي مصر وكل المؤمنين بمدنية الدولة، وبتنوع مصر الثقافي والحضاري بأن يوحدوا صفوفهم كخط دفاع أول عن حاضر هذا الوطن ومستقبله.

وأضافت اللجنة: لقد ارتفعت في الآونة الأخيرة صيحات تطالب - لأسباب متعددة ـ بخصخصة وزارة الثقافة، وإهدار دورها التاريخي. وعلى الرغم من أية انتقادات يمكن أن توجه إلى أداء هذه الوزارة، إلا أن تطوير أوضاعها، ومعالجة أسباب القصور في عملها، وتحسين أدائها، ودمقرطة مؤسساتها، وتحويلها إلى أداة فعالة لخدمة الشعب كأساس لأية عملية تنموية شاملة، يظل هو الحل الأمثل وليس تفكيك هذه الوزارة أو خصخصتها التي لن تفضي إلا لخدمة جماعات من المنتفعين، وحجب الخدمات الثقافية عن مستحقيها.

وأخيرًا.. على المثقفين والمبدعين آلا يتراخوا من أجل حاضر هذا الوطن ومستقبله.

مصطفى عبدالله مجلة العربي اكتوبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016