مختارات من:

السينما تعود إلى ينابيع الأدب

محمد رضا

قبل نحو عام، تردد في الأوساط النقدية السينمائية في الغرب أن مؤرخا سينمائيا هولنديا وجد في بعض أسواق الخردوات و"الأنتيك"، علبة فيلم قديم ما أن فتحها حتى وجد فيها مادة مصورة. بالفحص اللاحق تبين أنها فيلم تم إنتاجه عام 1912 مدته خمس دقائق ومقتبس عن "الملك لير".

يمكننا أن نسأل لا عن كيف يستطيع مخرج ما تحويل مسرحية ويليام شكسبير هذه إلى فيلم من خمس دقائق، لأن الفيلم كان عبارة عن مشهد ممسرح واحد من صفحات "لير"، بل لماذا انصب اهتمام المخرج المجهول على العمل الأدبي لتقديمه فيلما؟.

في المعاينة الأولى يبدو اهتمام المخرج بنقل "شيء ما" عن شكسبير مشروعا. في المعاينة الثانية وما بعدها يتبدى لنا أن نقل أي شيء عن أي أديب ليس الموضوع الذي يبحث حتى في إطار فيلم تم تحقيقه مع مطلع القرن، بل ما توحي به العملية من علاقة عضوية أساسية بين الفيلم، كفن تعبيري، وبين المجالات والفنون التعبيرية الأخرى، كالمسرح والأدب الروائي، من دون التقليل من شأن الأعمال السينمائية التي أنتجت على مر العقود نقلا عن سيناريوهات كتبت خصيصا، وبذلك منحت السينما المزيد من استقلالية التعبير والفكر والثقافة. ولم يكن الفيلم الشكسبيري الهولندي الأول في تاريخ الاقتباسات السينمائية على الشاشة. ففي العام 1902 قام المخرج والمنتج الفرنسي فرديناند زيكا "Zecca" بتكثيف رواية أميل زولا l'assomoir في خمس دقائق سينمائية تحت عنوان جديد هو "ضحايا الكحول" Les Victimes d l'Alcolisme. .

وكان زيكا "1864- 1947" ممثلا قبل أن يتحول إلى الإنتاج والإخراج لحساب شركة باثي الفرنسية.، وكانت دوافع زيكا حينها هي اهتمامه بتعريض الحياة التحتية للمجتمع للضوء. وفي هذا الهدف حقق بضعة أفلام يمكن أن يقال عنها اجتماعية من بينها "ضحايا الكحول" وقبله بعام فيلم بعنوان "تاريخ الجريمة". لكن زيكا كان متعدد الاهتمامات، فهو أيضا - وفي الفترة نفسها - أقدم على إخراج "كوفاديس" و"علي بابا والأربعين حرامي"، واحد من أولى الأفلام التي قدمت شخصية عربية رئيسية.

بعد ذلك انتشرت الاقتباسات ممهورة بمخرجين أمثال أدوين س. بورتر وجورج ميلييه وويليام د. غريفيث، كذلك من سواهم الأقل شهرة اليوم مثل توماس بنتلي وفيغولارسن.

والفكرة المتوارثة والمنتشرة حتى بين العديد من المثقفين هي أن السينما في السنوات الصامتة كانت مجرد حقل تجارب لكل الأنواع والاتجاهات السينمائية، بينما الحقيقة هي أن السينما انتبهت منذ البداية على تعدد وشمولية المصادر التي تستطيع تقديمها على الشاشة من الفيلم الخيالي "ويدرج تحت هذا كل نوع من أنواع الفيلم الخيالي" إلى الفيلم التاريخي القائم على الحقيقة، إلى الفيلم الأدبي المقتبس من مادة منشورة إلى سينما الرسوم المتحركة الكرتونية الأولى. والفارق شاسع بين أن تكون حقل تجارب وبين أن تكون حقل عمل لكل الأنواع في حماس ملحوظ للتواصل مع جمهور لم تكن الأوبرات والمسارح وحتى الكتب بالمتاحة لكل الأذواق ولكل الطبقات منه.

ولم تنقطع علاقة السينما بالأدب في أي عقد أو مرحلة تطور عرفتها السينما من مطلع القرن وإلى اليوم، بل يجد صانعو الأفلام أن الرواية الأدبية مصدر اهتمام على أكثر من نحو. فهي مشروع سينمائي تسبقه شهرته، وهذه تعني تسويقا تجاريا سهلا إلى حد ما. كما أن المادة القصصية في معظم الأعمال المتحولة إلى أفلام من تلك المكثفة لما تعرضه من أحداث أو شخصيات، وهذه ما زالت المشكلة الأساسية في معظم ما يكتب خصيصا للشاشة. من ناحية ثالثة، فإن العديد من المخرجين يرون أن تقديم عمل أدبي هو امتداد لحالاتهم الفنية والثقافية الخاصة. ممارسة أقرب إلى الواجب الفكري والاجتماعي يقوم بها تقديرا للرواية أو الأديب الذي أقدم على كتابتها.

عصر الأدب

وفي العامين الماضيين "92، 1993" تنوعت المصادر الأدبية بشكل ملحوظ. الأفلام المنتجة عادت إلى فورستر وشكسبير ودستويفسكي والبرتو مورافيا وتشيخوف واستعارت من مؤلفين جدد مثل الأمريكين بيتر ماثييسن ونورمان ماكلين. وفي مجال المصادر الإنتاجية فإن الأفلام المعنية كانت أمريكية وفرنسية وإيطالية وهندية وبريطانية من بين أخرى. أما من حيث النجاحات التجارية لها فإن ذلك اعتمد على السوق التي نفذ إليها كل فيلم على حدة.

طبعا.. هذه الأيام لن يتمكن أي فيلم أدبي من تحقيق نجاح يوازي ما يحققه فيلم ترفيهي من مستويات "جوراسيك بارك" أو "ستارترك" أو "المؤسسة" (المنقول عن رواية لجون غريشهام، لكن ليس كل نقل روائي هو المقصود بالاقتباس الأدبي الذي هو مجال هذا التحقيق)، لكن هناك عددا كبيرا من الأفلام الأدبية التي لم تخسر والأخرى التى لم تربح. المشكلة، في تلك التي لم تحقق نجاحا تجاريا أو حتى تحظى بإثارة الاهتمام من حولها على أي صعيد، أحيانا ما تكمن في حتمية وضرورة المسببات التي دعت للاقتباس، وأحيانا في سوق الفيلم المغلوقة بفعل اللغة وحدود إمكاناتها تجاوز العقبات التوزيعية لخارج حدودها. وفي أحيان أخرى لمجرد أن الجمهور لم يكن موجودا في الوقت الذي احتاج الفيلم هذا الجمهور. وبالطبع هناك العامل المتكرر في كثير من الحالات وهو فشل الفيلم في نقل المادة، كما يجب أو يتوقع نقلها.

الفيلم الأمثل في تحقيقه القدر الأقل من النجاح على صعيد نجاح الاقتباس، وبالتالي إثارة الاهتمام النقدي ثم الجماهيري به، هو "الأحمق" المأخوذ عن رواية فيودور دستويفسكي الشهيرة. هذا فيلم هندي من إخراج سينمائي قليل الخبرة هو ماني كول "وإنتاج إحدى المحطات التلفزيونية الهندية" يلتمس اقتباس رواية دستويفسكي البليغة بالبقاء محاذيا لنصها. هذا يعني أن تصورات المخرج بالنسبة لعملية النقل كانت الحرص على الأمانة الأدبية عن طريق عدم المخاطرة في تلوين عملية النقل ذاتها على أي نحو. النتيجة، ومن دون مناقشة شروط النقل الأدبي هنا، فيلم مثرثر وطويل ذو نفس ثقيل. المخرج- على الرغم من مشروعه الالتزامي بالنص- يسمح لنفسه بنقل الأحداث من محيطها الروسي إلى محيط هندي وهذا يبدو على الشاشة كمن يقرر ارتداء ملابس السهرة الرسمية السوداء في مباراة فروسية تقع في منطقة صحراوية. لا شيء في الأصل يركب صحيحا على الفيلم، ولا العكس وينتهي الفيلم إلى تقريرية وصفية بالغة الملل.

والهند عرفت اقتباسات شكسبيرية ودوستويفسكية وتشيخوفية تماما كالسينما العربية. لكن أنجح من شق طريقه في هذا المجال هو المنتج إسماعيل مرشنت الذي ترك الهند واستقر في لندن ليدير منها سلسلة أعماله المأخوذة، في معظمها، عن الروايات الأدبية: "موريس" عن رواية آي. م. فوستر- 1980، "حرارة وغبار" عن رواية روث براور جـابفالا - 1983، "غرفة بمنظر" عن رواية أخرى لآي. م. فوستر- 1987، "نهاية هوارد" وهو اقتباس آخر لرواية من محيط فوستر - 1992، وذلك من بين جملة من الأعمال التي دارت في أجواء كلاسيكية سواء في العصر الفيكتوري (كما الحال في "نهاية هوارد" أو "غرفة بمنظر") أو في الأجواء الأمريكية الأرستقراطية في شرقي الولايات المتحدة المتأثرة بالثقافة الكلاسيكية الأوربية (كما في "البوسطونيون" الذي أنتج عام 1985 نقلا عن رواية هنري جيمس).

وكل هذه الأفلام من إخراج أمريكي ذي طابع وتغريب أوربي أيضا هو جيمس أيفوري.

والاثنان، أيفوري ومرشنت وكاتبة سيناريوهات كل هذه الأعمال المذكورة، روث براور جابفالا، لديهم ما يحتفلون به حاليا. فبعد النجاح النقدي والجماهيري الكبير لفيلم "نهاية هوارد" في العام الماضي، ها هو فيلمهم الجديد "بقايا اليوم" يتسلل صوب ذات المستوى من النجاح.

إنه فيلم ذو صياغة أدبية أيضا إلا أنه يدور في الخمسينيات. على الرغم من ذلك، لا يخفق الفيلم في تقديم المجتمع محافظا، وتقليديا، مؤطرا بتاريخه وماضيه وممارسا فيه حب الانتماء إلى الأمس. هذا الحب مزدوج إذ هو في الفيلم، تبعا لشخصياته، وعلى الشاشة تبعا لمعالجة المخرج أيفوري له.

والرواية مأخوذة عن عمل أدبي منشور للكاتب الياباني غازو أيشيغورو (الذي درس ولايزال يعيش في بريطانيا ويكتب عنها) نشرت عام 1988 ونالت جائزة بوكر الأدبية عام 1989. وتنتقل أحداث الرواية ما بين الثلاثينيات والخمسينيات وبطلها رئيس الخدم (يؤديه بتقليد دقيق أنطوني هوبكنز) في بيت كبير يملكه أمريكي "كريستوفر ريف". والموضوع هنا عاطفى لكن له امتدادات في ميادين إنسانية أخرى. فالخادم الأمين كان اكتشف، حينما كان يعمل عند لورد بريطاني قبيل الحرب العالمية الثانية، أنه أضاع أفضل سنوات شبابه معتقدا أنه إذ يقوم بمهامه التقليدية العريقة على خير وجه إلى أن اكتشف أنه يعمل في الحقيقة عند متعاون النازية. الآن، وهو يقوم برحلة عبر الريف البريطاني، يكتشف أن خدمته لدى الأمريكي كلفته، طوال العشرين سنة الماضية، إهمال والده الذي قضى نحبه وحيدا، ثم إهمال عاطفته الصادقة تجاه مربية القصر (إيما تومسون). من ناحيتها، مارست المربية ذات النوع من كبت العواطف إلى أن قررت أنها لا تستطيع الاستمرار في ذلك فتزوجت من رجل آخر.

إنها قصة حب من النبع الاجتماعي البريطاني العريق. ذلك المحاط بالعقبات العاطفية والميل الشهير لدى البريطانيين لكبت العواطف والمشاعر المتوقدة التي- في حالة بطلي الرواية/ الفيلم - لم تؤد إلا إلى تدمير فرص سعادتهما الذاتية.

وكان أنطوني هوبكنز وإيما تومسون لعبا حول ذات العواطف في فيلم "نهاية هوارد" أيضا. هناك، تتزوج إيما تومسون من أنطوني هوبكنز محاولة التغلب على مشاكل الفاصل الطبقي الذي بينهما. من ناحيتها- كما من ناحية كل من يأتي من طبقة متوسطة ومادون- ليست هناك من مشكلة في التأقلم مع طينة الحياة في أعلى السلم الاجتماعي في العهد الفيكتوري، الذي تقع خلاله الأحداث. لكن المشكلة تقع على الطرف الآخر، طرف الزوج أنطوني هوبكنز، المتمسك بتقاليد وتصرفات تنبع أساسا من إيمانه بالتميز الاجتماعي.

خارج المعتاد

وهناك فيلم أدبي أخر معروض حاليا كذلك، وربما بنجاح تجاري ونقدي أعلى من ذاك الذي يحيط بفيلم "بقايا اليوم" بل أعلى بقليل مما يستحق في الرأي المتواضع لهذا الناقد.

الفيلم هو "عصر البراءة" / Age of Innocence وفيه يقتبس المخرج مارتن سكور سيزي رواية الكاتبة أديث وورتون "حائزة على جائزة بولتزر الأدبية" التي تقع أحداثها فى سبعينيات القرن الماضى. الرواية، التي يؤكد المخرج أنه قرأها خمس مرات قبل أن يقتنع بها فيلما من إخراجه، ليست ما اعتاد سكور سيزي تقديمه في أفلامه سابقا من نوع الدراميات الفردية القابعة في محيط المدينة السوداوي ("سائق التاكسي"، "بعد الدوام"، "الثور الهائج" ، "أصاحب طيبون"). وحتى حينما خرج أحيانا من طينة تلك الأفلام ليحقق "نيويورك، نيويورك" الموسيقي أو "العشاء الأخير" الديني، لم يحاول اعتماد الرواية الأدبية المكتوبة أساسا لعمله. هنا يخرج عن المعتاد وعن خارج المعتاد إذن ليسهب في رسم الصورة التي يرتئيها لنيويورك ذلك العصر وللأجواء الأرستقراطية التى اعتادت عليها بتأثير ميولها الثقافية الأوربية. بذلك يترك في النفوس تأثيرا عاطفيا وهو يبحث في طبيعة علاقات مركبة تدور بين ثلاث شخصيات (هي تلك التي تلعبها ميشيل فايفر وأخرى تلعبها وينونا رايدر وشخصية دانيال - داي لويس الموزع بين حبه للأولى وتقديره للثانية).

وفي خضم انتعاش السينما المقتبس عن الروايات الأدبية خرج الفيلم البريطاني/ الأمريكي "وذرينغ هايتس" المأخوذ، بالطبع، عن رواية أميلي برونتي الشهيرة وهو ليس الاقتباس الأول بل واحد من حفنة بينها اثنان عرفا توزيعا تجاريا واسعا. الأول هو نسخة مترو غولدوين ماير عام 1939 التي أخرجها ويليام وايلر من بطولة لورنس أوليفييه والتي يعتبرها النقاد الغربيون أفضل الاقتباسات (أما هذا الناقد فإنه لا يستطيع سوى مقارنتها باقتباس مصري ورد في الخمسينيات بعنوان "الغريب"، بطله يحيى شاهين، وبالمحاولة الجديدة التي سيرد الحديث عنها بعد قليل). المرة الثانية وردت عام 1970 وهي من إخراج روبرت فاوست وبطولة تيموثي دالتون.

مشكلة نسخة 1992 هي أنها أخفقت من شدة حرصها على تقديم الحكاية العاطفية ضمن إطارها السوداوي الخاص. أخرج الفيلم السينمائي الجديد بيتر كوزمنيسكي بثقل ودقة في التنظيم بحيث أفقده انطلاقته وسبل تواصله مع أي قطاع من المشاهدين قد يقبل عليه لسبب أو لآخر.

نفس الأمر يمكن أن يقال عن النسخة الفرنسية من رواية ألبير كامو، "الطاعون" التي أقدمت شركة غومون على إنتاجها من بطولة متنوعة (بين ممثليها الفرنسية ساندرين بونير والأمريكيان روبرت دوفول وويليام هيرت) وإخراج الأرجنتيني لويز بوينزو. قام المخرج بنقل مكان الاحداث من الجزائر إلى الأرجنتين وزمانها من الأمس إلى اليوم مما فرض بالتالي متغيرات درامية أخرى ناء بها الفيلم.

وعام 1992 شهد قيام المخرج الكندي دافيد كروننبيرغ بنقل رواية ويليام بوروز "الغذاء العاري". في الستينيات، عندما خرجت هذه الرواية للنشر، كان الأمريكيون في تيار متغيرات اجتماعية مختلفة كان له تأثيره في رواج هذه الرواية وإحاطتها بهالة كبيرة كعمل غير تقليدي يناسب التفكير "الهيبي". ويليام بوروز، الذي قاد حياة شخصية غريبة إلى حد الشذوذ، وضع نصا لأحداث تنطلق من زيارته للمغرب ومعايشته جوا غير صحي خالط فيه كتابا أدمنوا المخدرات مثله.

الرواية ليست قصة حياة، بقدر ما هي سجل لحياة شبيهة لحياة المؤلف وجد فيه المخرج المعروف بأفلامه البيولوجية (تعبير يمكن استخدامه على أفلام الرعب التي تتمحور حول وحوش ومخلوقات تخرج من أنحاء مختلفة من الجسد، وهو النوع الذي اشتهر به المخرج عادة) مجالا لإضافة تصوراته الخاصة.

اقتباس جيد

وفي إيطاليا قام المخرج المخضرم مورو بولينيني بتقديم رواية البرتو مورافيا "فيلا يوم الجمعة" في فيلم بعنوان "أزواج وعشاق"، وبولينيني له خبرة واسعة في مجال تقديم القصص الأدبية ولو أنه لم يستطع أن يسد الفراغ الذي خلفه رحيل لوتشيانو فيسكونتي في هذا المجال.

وعن رواية أنطون تشيخوف "الشقيقات الثلاث" أقدم المخرج المجري أندرو لوكاتش على إخراج فيلم، تحت نفس العنوان ناقلا فيه الأحداث من محيطها الزمني والاجتماعي المعروف إلى محيطه الخاص في أواخر الثمانينيات عندما انهارت الدولة الشيوعية. المحاولة جديرة بالتقدير والاحترام، لكن ذلك وحده لم يصنع فيلما جيدا إذ لم يعرف المخرج كيف يوفق بين الأصل وما يطمح إليه من إضافة.

وهناك ثلاثة أفلام أمريكية جيدة من اللون الأدبي نفسه توالت خلال العامين الأخيرين.

أولها، زمنيا، "اللعب في حقول السيد" At Play in the fields of the Lord، وهي رواية لبيتر ماثييسن صرفت هوليوود نحو عقدين من الزمن في محاولة للتغلب على مصاعب تحويلها إلى فيلم سينمائي وعندما فعلت (بتنفيذ من المخرج هكتور بابنكو) أخفقت في ترويج الفيلم فلم ير النور إلا في الولايات المتحدة وبعض العواصم القليلة الأخرى. الرواية تدور حول مبشر يصل إلى الأدغال البرازيلية (الأحداث معاصرة) للقيام بمهمته التبشيرية لعله يستطيع تغيير ديانات القبائل التي تسكن الأمازون إلى المسيحية. لكنه لاحقا ما يتبنى هو التغيير وينتمي- هو- إلى الثقافة والتقاليد التى جاء داعيا لنبذها.

الاقتباس الجيد الثاني هو عن رواية جون تشاينبك "عن الفئران والرجال" التي حولها الممثل والمخرج غاري سنيزي إلى فيلم آثر قد لا يرتقي إلى الدرجة الكلاسيكية التي لنسخة لويس مايلستون عام 1939، لكنه يقترب كثيرا من هذه الصفة. أداء ممتاز من غاري سنيزي نفسه وجون مالكوفيتش مع توسيع دائرة الشخصيات الأخرى في تلك الحكاية التي هدف منها الكاتب البحث في علاقة شقيقين مع الذات والعاطفة في محيط متقلب من العواطف والرغبات.

ثم جاء "نهر يجري خلاله" Ariver Runs Through It: دراما مقتبسة عن رواية نورمان ماكلين تحت العنوان نفسه، كان وضعها بين طيات مجموعة قصيرة من الروايات الأخرى. ليس فقط أنها أكبر تلك القصص، بل أكثرها قربا لقراءة الكاتب لحياته الخاصة. ما فعله المخرج روبرت ردفورد "الذي لم يمثل هنا" هو فهم المنطقة الذاتية التي عند الكاتب والدفاع عنها. هذا التفهم فرض بالتالي فيلما ينقل تأثير الحياة الريفية والجبلية ثم الأسروية على الكاتب من دون أن يتحول الفيلم إلى تجربة من النوع التسجيلي.

وأخيرا، وإلى جانب "بقايا اليوم" و"عصر البراءة" الجديدين والمعروضين حاليا، ينطلق فيلم آخر مقتبس عن رواية الكسندر دوما الشهيرة "الفرسان الثلاثة". هذه المرة تقوم شركة وولت ديزني الأمريكية التقليدية بتقديم الحكاية المعروفة حول آراميس وآثوس وبورثوس، الفرسان الثلاثة الذين يرفضون التوقف عن خدمة الملك لويس الثالث عشر ويحاربون من أجله. إليهم ينضم شاب يبغي الفروسية أيضا هو دارتنيان. لكن في حين أن الرواية تتحمل الكثير من التطوير فى مجال الشخصيات، نجد أمامنا هنا فيلما لا يريد أن يتوقف عن الحركة والمغامرة. صحيح أن التنفيذ التقني لـ "ستيفن هاريك" جيد، لكنه أقرب إلى إطار لامع لصورة مشتتة. فلا الشخصيات متبلورة ولا سرعة الأحداث تستطيع التعويض عن البناء الدرامي المفقود تماما من هذا العمل.

ما هو موجود على سطح هذا العمل وما هو مفقود هو الفارق بين الرغبة في تطويع العمل الأدبي ليخدم نجاحا تجاريا ما، وبين توظيفه لتوسيع أفق الرواية وما تحتويه من غايات أدبية أو سواها.

لكن الأساسي بعد هذا الاستعراض، الذي لا يدعي رصده لكل ما حملته السينما العالمية من أفلام مقتبسة عن روايات كلاسيكية، هو أن النقل عن الأدب لم يكن "موضة" توقفت أو تيارا راج لحين ثم انقطع. السينما بحاجة لكل أنواعها وهذا النوع بالذات عليه أن يتوجه إلى المثقفين الذين كثيرا ما يتهمون السينما بأنها تأخذ من طريق الأدب أو لا تفيه حقه.

محمد رضا مجلة العربي مارس 1994

تقييم المقال: 1 ... 10

info@3rbi.info 2016